البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
ناصر إبراهيم الحزيمي
(كاتب وباحث شاهد على أنشطة الجماعة السلفية المحتسبة)

النشأة والظروف الـمُحيطة استماع إلى الفقرة

* طبعًا أنا ناصر إبراهيم الحزيمي من مواليد 1957، مواليد (الزبير) ؛ منطقة تبعد عن البصرة في العراق 15 كيلو، سكانها يغلب عليهم – بمجملهم – جميعهم من أهل نجد ، نشأتُ هناك نشأة طبيعية وعادية كابن أكبر للعائلة، لكن جدي (أبو أمي) كان إمام مسجد، لكن أنا من المجموعة المتديِّنة في مرحلة الحرب الباردة، اللي هيَّ مرحلة اللي تفاعلتْ في مرحلة السبعينات. تلقَّيت تعليمي في متوسطة مصعب، وأخذت شهادة المتوسطة، في 1970 بدأ نوع من الصحوة الدينية في جميع أنحاء الخليج تقريبًا.. متدينين..، تأثرت بأشرطة الشيخ عبد الحميد كشك ، وهو واعظ مفوَّه مصري، وتأثرت بأطروحاته وبكلامه، بعد استطعت أن أحصل على بعض كتب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، وتأثرت بالفكر السلفي، وتقريبًا الفكر السلفي.. كان تأثري في ذيك المرحلة هي يكاد يكون تأثُّر سطحي نوعًا ما؛ لأن قضايا التوحيد كانت غائبة، كان لا يوجد إلا قضية وحدة ، وهي قضية تحكيم السنَّة والأحاديث وصحتها وما شابه.

هذا التديُّن يكاد يكون في ذيك المرحلة.. أنا أذكر في ذيك المرحلة ، إن مجمل الشباب في الحارة عندنا تديَّنوا.. أصبحوا يذهبون للصلاة في المساجد وكذا، علمًا كان كثير منهم ما يصلِّي ولا.. فأنا ابن هذي المرحلة؛ مرحلة الحرب الباردة، أنا أسمِّيها مرحلة الحرب الباردة ؛ لأن ما بعد ارتفاع أسعار البترول.. بعد الـ73 ظهر نمط من الوعَّاظ ومن الـ.. سادوا في المنطقة، كان يأتي وُعَّاظ من الكويت ، يعظون في البَصرة ، مثل سيد سابق وغيره.

نشأة (الجماعة السَّلَفية الـمُحتسبة) وتطوُّرها استماع إلى الفقرة

* تأسَّست الدعوة السلفية المحتسبة سنة تقريبًا سنة 1966، في هذه الفترة تجمَّع أربع أنفار أو خمسة وقاموا بتأسيس هذي الجماعة، وهم: جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي ، سليمان بن شتيوي ، سعد التميمي ، ناصر بن حسين ، وواحد لا يحضرني اسمه. هذولي تجمَّعوا سنة 66 تقريبًا واتفقوا على إنهم يؤسسون دعوة ، أو جماعة تقوم بالوعظ، وهذي الجماعة تأسَّست على أساس أنها جماعة ، تهتم بقضايا التوحيد وتحكيم الكتاب والسنَّة.

كان في ذيك الفترة كان فيه جماعة التبليغ.. الناس السائدين اللي يقومون بالوعظ من الجماعات الإسلامية ، كانت جماعة التبليغ هي الوحيدة اللي تقوم بالوعظ، وجماعة التبليغ جماعة من المعروف أنها ذات خط صوفي، وهذا الخط كان ينافي (ما تراه هذه الجماعة) أنه ينافي خط السَّلَف الصالح، فقرروا أن يقومون.. أو يؤسِّسون جماعة تقوم على منهج السَّلَف بحيث يأخذون بالكتاب والسنَّة، يأخذون بقضايا التوحيد، وينبذون التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المعروفة. فاتفقت هذه الجماعة على أن يكون خطها سلفي، خصوصًا وأن واحد من هذه الجماعة ، من تلاميذ الشيخ الألباني ، واثنين ينتمون سابقًا إلى جماعة التبليغ، وواحد متديِّن (اللي هوَّ جهيمان ) متديِّن متحمِّس بس على طريقة الإخوان القدماء. فاتفقوا هذول الأربعة على تأسيس هذه الجماعة، وذهبوا إلى الشيخ عبدالعزيز بن باز ، واتفقوا معاه على.. أو طرحوا عليه فكرتهم إنهم يؤسِّسون.. إنهم يقومون بمنهج الدعوة، وإنهم خارج المؤسسة الرسمية، فكرتهم إنهم يؤسِّسون.. إنهم يقومون بمنهج الدعوة، وإنهم خارج المؤسسة الرسمية، وأنهم يحتسبون (أي يدعون إلى الله مجانًا). فقال لهم: هل اتفقتم على اسم؟ فقالوا له: نعم، نحن نرى أننا.. بما أننا نمشي على خط السَّلَف الصالح؛ نرى أن نطلق على أنفسنا مسمَّى (الجماعة السَّلَفية). فقال لهم: وبما أنكم تحتسبون الدعوة ، وتحتسبون الأجر من الله؛ أطلقوا عليها.. أضيفوا لها (المحتسبة). فأصبح اسم الجماعة (الجماعة السَّلَفية المحتسبة). وطلبوا منه إنه يكون هوَّ مرشدهم، ووافق على ذلك، وأصبح يحضر في بيت ما يُسمَّى (بيت الإخوان) ، استأجروا لهم بيت في منطقة الحرَّة الشرقية في المدينة ، وأصبح يُطلق عليه (بيت الإخوان) ، وأصبح يُحيي أماسي الدروس العلمية فيه الشيخ عبدالعزيز بن باز ، الشيخ أبو بكر جابر الجزائري اللي أصبح نائب المرشد، وبعض المشايخ.

وأصبح لهذه الجماعة أشبه ما يكون بمكتب إرشاد، أو بمعنى أصحّ (مجلس إدارة) يضم المجموعة المؤسِّسة، وأضافوا لهم أحمد حسن المعلِّم (هو أخ.. هو من حضرموت )، وكان معاهم الشيخ علي المزروعي (هو شيخ.. أستاذ في دار الحديث)، واستمرَّت هذي الجماعة في منهج الدعوة، وطبعًا كانت قراءتهم وتركيزهم أكثر شي على كتب الشيخ الألباني والكتب الأصول (كتب السنَّة)، لم يكن في مكتبات الإخوان بشكل عام كتب في فروع الفقه، كانت قليلة، كان أكثر كتبهم كتب السنَّة ( البخاري و مسلم والسنن الأربعة)، إضافةً إلى كتب الشيخ الألباني (سلسلة الأحاديث الصحيحة، سلسلة الأحاديث الضعيفة، وصحيح الجامع الصغير، ضعيف الجامع الصغير), هذي بعض الكتب اللي كانت موجودة عند الشباب في مكتباتهم الخاصة (بشكل عام يعني).

أصبح مجموعة الشباب يقومون برحلات بالسيارات ، يروحون للدعوة في الأماكن القريبة مثل (النّْخِيل) ، ومثل بعض الأماكن القريبة من المدينة ، بعدين اتسعت الدعوة إلى أن شملت مكة ، بسبب ذهابهم للعمرة وجيتهم من العمرة، تعرَّفوا على مجموعة من الشباب هناك، وأصبحوا هذول المجموعة يحملون نفس فكر الجماعة في المدينة . وتعرفوا على جماعة في جدة ، في الطائف ، وفي الرياض . كانت كل منطقة من هذه المناطق ، كان فيها بيت للإخوان وكان فيها ما يُسمَّى بأمير الإخوان في هذه المنطقة. يعني أول أمير إخوان في الرياض كان واحد اسمه (محمد الحيدري) ، وأمير الإخوان في مكة ( عايض بن دريميح )، وأمير الإخوان في جدة ( يوسف باوزير )، وهكذا تأسَّس.. فيه مجموعة تأسَّست وقامت، وصار فيه نوع من الزيارات، صار فيه نوع من الوعظ، صار فيه نوع من هذا.

في هذه المرحلة اللي هيَّ بدايات هذا الكلام ، في السبعينات (في أواسط السبعينات) لم يكن هنالك طرح لقضية المهدي ، إنما تُطرح قضية المهدي كقضية علمية أكثر من قضية راح تحصل آنيًَّا، لكن فيه تكثيف وتأكيد على قضايا الأحلام والرؤى، هذي راح يكون لها دور فيما بعد في سنة 79.

التعرُّف إلى (الجماعة السَّلَفية) وإلى جهيمان استماع إلى الفقرة

* في الـ76 أنا كنت في الرياض ، وكان فيه في الرياض مجموعة من الجماعات الإسلامية في وقتها: جماعة التبليغ، جماعة الإخوان المسلمين (بفصيلَيه)، وكانت الجماعة السلفية لا يوجد إلا أفراد معدودين جدًا في الرياض في هذه الفترة. في سنة 76 ذهبت للعمرة ، وقال لي واحد: إن هذا الشخص سلفي من تلاميذ الألباني ( أحمد ناصر الدين الألباني ). فأحببت إني أتعرف عليه؛ اللي هوَّ الشيخ علي المزروعي . طبعًا الشيخ علي المزروعي ، هو شيخ تتلمذَ في الجامعة الإسلامية على الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، وأخذ منه كثير من أفكاره وهذا، وبعد كذا تحوَّل إلى المذهب الظاهري ، وأصبح ظاهري المذهب ومتمسك بهذه الظاهرية بشدة، فكان في الحرم كان يجلس ، ويناقش حول قضايا التمذهب بأحد المذاهب الأربعة ومدى جدواها ومدى حقيقتها: هل هي من الإسلام ولاَّ لأ؟ هل هي فعلًا لها أدلة تعضدها من الإسلام ولاَّ لأ؟

اللي حصل إن في ذيك الفترة تنبَّهوا لهم مجموعة من المشايخ ، وجادلوه في هذي المسألة في الحرم ، وأنا حضرت آخر يوم من هذا الجدال، آخر يوم من جدال أحد طلبة العلم المؤيِّدين للتمذهب ، يجادل الشيخ علي المزروعي .

أنا تأثرت.. أنا كنت مع فكرة عدم وجود المذاهب ، ووجود شيخ يكافح ويدافع عن هذه الفكرة ، هذا كان أشبه ما يكون بحُلُم، فأنا تأثرت وجلست عنده وسمعت كلامه وتأثرت فيه كثير، بعدما انتهينا مسكت الشيخ علي المزروعي ، وقلت له: أنا أريد أدرس عليك، أقرأ عليك العلم. فقال لي: إنت منين؟ قلت له: من الرياض . قال لي: أنا أدرِّس في دار الحديث في المدينة ، تعال سجِّل في دار الحديث.

وفعلًا رجعت بعد رمضان رجعت للرياض ، ومن الرياض سافرت إلى المدينة ، وفي المدينة كنت وقتها أتيت متأخر على التسجيل في دار الحديث، فكتب معاي خطاب قال: هذا خطاب لأمير الإخوان في مكة (اللي هو عايض بن دريميح ) واسأل عنه في مكة , أو اسأل عن ( عبدالله الحربي ).

وفعلًا ذهبت إلى مكة والتقيت بعايض بن دريميح ، الإخوان كان وقتها عندهم بيت صغير جدًا وكئيب، لا يوجد فيه إلا غرفة واحدة، وكانت الغرفة غير.. حقيقةً هي شبه غرفة ؛ لأنها السقف من (البلاكاش) والجدران غير مليَّسة، ولا يوجد في هذا البيت حمامات, فكنا نقضي.. نغسِّل وهذا من حمامات الشوارع.

الخلاصة ، أني التقيت بعايض وعطيته الخطاب، و عايض دبَّر لي دخول معهد الحرم، ومنها دخلت معهد الحرم ، وأصبحت من الإخوان في مكة . التقى فيَّ عبدالله الحربي ، أصبحت علاقتي بعبدالله الحرب ي قريبة جدًا. عبدالله طالب علم أيضًا ، كان يدرس على الشيخ بديع وحرصت أنا.. طبعًا هذي الأجواء هي أشبه ما تكون بحُلُم: إنك تذهب إلى مكة وتطلب العلم على طريقة الأروقة القديمة، تطلب العلم على بعض المشايخ وما شابه... هذي أشبه بحُلُم ، كأنك تعيش في العصور المتقدمة، عصور رواية الأحاديث، عصور صبر طلاب العلم على شظف العيش، هذي الأشياء كلها تعطيك دافع وحماس إلى إنك تمارسها، هي أشبه تكون إلى حياة زهدية. وفعلًا تسجَّلت في معهد الحرم ، وكان وقت الحج قد قَرُب، وقال لي عبدالله إن الإخوان حقِّين المدينة راح يجون من المدينة ، وراح نكون حنَّا اللي مسؤولين عن إعاشتهم وضيافتهم؛ لأن حنَّا صاحب الموقع. وفعلًا أصبحوا الإخوان في مكة هم اللي نصبوا الخيام ، وأصبحنا إحنا نقوم بقضايا احتساب: نقوم بجلب الأكل والخبز في نص الليل من مكة (من المدينة ؛ مكة المدينة ).

جهيمان علاقتي فيه لقائي فيه.. قُدِّم له أشبه ما يكون بتجهيز.. بتحضير.. تحضير نفسي: إنك راح تجد إن هذا الرجل وحكاياته، ومدى قدرته على... فراسته، قدرته فهم النفوس وفهم الناس، وإنه رجل عنده قدرة على تفسير الأحلام. كل هذي الأشياء سبقت رؤية جهيمان ، فلما رأيته كانت كل هذي الأشياء ، هي المؤثِّر عليَّ في هذه الرؤية. والتقيته وتعرَّفت عليه كويِّس وكذا. كنا مشغولين بالحج كثير في خدمة الإخوان اللي جَوْا من جميع أنحاء المملكة ؛ يعني فيه جاي إخوان تقريبًا مجمل الإخوان اللي في المدينة ، والإخوان اللي في حائل، والإخوان اللي في جدة ، والإخوان اللي في الطائف ، مجملهم همَّ جايين كانوا. وفعلًا قمنا بخدمتهم في ذيك الفترة اللي هيَّ فترة الحج.

التكوين الفكري والنفسي لجهيمان استماع إلى الفقرة

* طبعًا لقائي في جهيمان في ذيك الفترة ، كنت تحت تأثير الدعاية التي سبقته، لكن لـمَّا استمرِّيت في العلاقة معاه مدة أطول ، اكتشفت إن هذا الرجل نعم يملك روح القيادة؛ يعني عنده قدرة على قيادة المجموعة اللي هو ويَّاه، ويملك قدرة على إقناعهم.. على إقناع المجموعة اللي هي ويَّاه ، بطريقة الجمود عند ظواهر نصوص الشرع. يعني جهيمان من ناحية الفقه.. جهيمان أنا اللي لاحظته مثلًا ، إذا قام في الوعظ لا يقوم في الوعظ غالبًا في الحواضر (يعني في المدن) ما يقوم في الوعظ في المدن، غالبًا وعظه في القرى والهجر اللي فيها بدو. اكتشفت بعدين إن جهيمان أيضًا عنده مشكلة في لغته النحوية.. مشكلة كبيرة، فلمَّا تأمَّلت وسألت وكذا قال لي جهيمان بنفسه قال لي: أنا ما كمَّلت إلا رابع ابتدائي، ما عندي إلا رابع ابتدائي، وأخذتها عشان التعيين في الحرس. (كان هو يسوق "وايت"؛ سوَّاق "وايت" في الحرس، سوَّاق سيارة "وايت" (خزان) فاستغربت.. لكن يتمتع بذاكرة قوية، يحفظ النصوص، يتمسك بظواهر النَّصّ بجمود، ويمكن هذي اللي تعطيه – نوعًا ما – الإقناع.. جانب الإقناع: إنه مع ظاهر النَّصّ وجامد عليه؛ يعني روح الفقه غير موجودة عندهم؛ ولهذا نجد إن جهيمان في مكتبته لا يوجد كتاب في فقه الخلاف، لا يوجد عنده.

جهيمان استطاع أن يؤثِّر على المجموعة اللي معاه في قضايا هو روَّجها عن نفسه ، اللي هي قضية قدرته على تأويل الأحلام (تفسيرها)، قدرته على تمييز الناس: إنه يستطيع أن يميِّز: هذا رجل صاحب بصيرة أو تبصُّر. هذي راح يكون لها دور فيما بعد في قضية المهدي ؛ لأن الأحكام اللي جَت في قضايا الرؤى والأحلام، ونفس اختيار محمد عبدالله ؛ جهيمان يكاد يكون عنصر رئيسي في إقناع المجموعة اللي ويَّاه فيها؛ بسبب هذي المقدمة اللي أعطاها عن نفسه.

الجانب الثأري في حركة جهيمان استماع إلى الفقرة

* في هذي الفترة جهيمان (طبعًا مش في هذي الفترة فقط.. جهيمان قبل هذي الفترة) جهيمان ينتمي – حقيقةً – إلى نوع من الناس يعتبرون نفسهم من المتضرِّرين، هو سليل أسرة من الإخوان القديمين؛ يعني أبوه.. والده ( محمد بن سيف العتيبي ) هو صديق خاص لسلطان بن بجاد ، وكان لـمَّا كان سلطان بن بجاد في السبلة يحارب الملك عبدالعزيز ، كان محمد بن سيف جنبه ، كانوا واحد جنب الثاني يحاربون سوا، رُفقاء سلاح يعني، فورَّث جهيمان بغض هذي الدولة التي قتلت سلطان بن بجاد ، حتى إني أنا – أحيانًا – أتأمَّل حركة جهيمان ، أجد فيها كثير من الجانب الثأري في هذي المسألة بالذات.

جهيمان مواقفه العدائية للدولة ، وللنظام بشكل عام بسبب إنه ورث العداء من أبوه، أبوه كثير ما يردِّد إن الدولة قتلت سلطان بن بجاد ، وإن الدولة لم تكن صادقة مع سلطان بن بجاد .. وما شابه.

جهيمان حتى في قضايا لـمَّا هرب فيما بعد ما يريد يسلِّم ؛ لأنه يعتبر إن الدولة لا توجد عندها مصداقية بسبب قضية ، إنهم غدروا بسلطان بن بجاد .

المواقف السياسية اللي عند جهيمان ، هي تكاد تكون موروثة عن العداء اللي كان ما بين إخوان اللي قاموا في السبلة ، والدولة. مواقف جهيمان هو مواقف وعظية، فيما بعد حوَّلها، يعني هو في الجلسات الخاصة ، يتكلم عن الدولة بشكل شخصي، عداء شخصي، لكن في الوعظ يحاول يتصيَّد على الدولة أي خطأ شرعي (برؤيته، حسب رؤيته، حسب وجهة نظره هو).

الانشقاق داخل (الجماعة السَّلَفية) استماع إلى الفقرة

* كانت الجماعة مشت على خط لها مجلس شورى ، يضم مجموعة المؤسِّسين، إضافةً إلى أحمد حسن المعلِّم ، إضافةً إلى علي المزروعي، وكان لها أمير في المدينة ، اللي هوَّ ( ناصر بن حسين ). هذي النقطة مهمة جدًا ؛ لأن فيما بعد صار فيه مشاكل ما بين جهيمان وما بين مجلس الإدارة: إنك يا جهيمان قاعد تتخذ مواقف وتصريحات.. تقوم بتصريحات تُحرج فيها مجلس الإدارة ، وما ترجع لهم في شي. فصار فيه نوع من الخلافات، استمرت هذي الخلافات إلى سنة تقريبًا 78، في سنة 78 حصل نوع من الانشقاق الكبير ، بسبب إن المجموعة هذي في مجلس الإدارة كانت ترى أن جهيمان يقوم بأشياء.. يقوم بارتجال بعض المواقف اللي ما لها داعي، مثل مواقفه من الدولة والحكومة.. وحصل إن بعض الشباب اللي ينتمون للجماعة أصبحوا يذهبون للحرم ويصلُّون بنعالهم.. بالنعال. وحصل قضية التثويب في الأذان (الصلاة خيرٌ من النوم) هل هي في الأذان الأول ولاَّ في الأذان الثاني؟

اللي حصل إنهم أثاروا عليهم.. من هنا جهيمان من هنا فيه أثار المشايخ على الجماعة، ومن هنا من الداخل جهيمان عنده مشاكل مع مجلس الإدارة ؛ لأنه يرتجل المواقف ، وما كان يرجع لهم في شي.

فصار انشقاق جوَّا الجماعة.. داخل الجماعة، مجموعة انشقَّت اللي هي مجموعة المشايخ صغيرة.. مجموعة الخط الثاني مع جهيمان ، يعني الآن جهيمان اللي حوله كلهم شباب صغار في السنّ؛ بسبب الانشقاق اللي صار. وهذا يجاوب على سؤال مهم: ليش الشباب هذولي صغار بالسنّ ، اللي حول جهيمان؟ ليش ما فيه.. لماذا لا يوجد كبار في السنّ؟ السبب في هذا إن الكبار في السنّ انشقَّوا عن الجماعة في هذي الفترة.

اعتقالات لبعض أفراد الجماعة استماع إلى الفقرة

* وصل لجهيمان خبر إن في هذا اليوم (سنة.. هذا الكلام سنة 78) إن في هذا اليوم المسا ، راح يصير فيه اعتقالات على الجماعة. وفعلًا كلَّمني قال لي: يبي يصير فيه اعتقالات وكذا، تطلع ويَّاي؟ قلت له: أنا أطلع ويَّاك. طلعت أنا ويا جهيمان وطلع ويانا.. طلعنا ويا واحد اسمه دهام العنزي ، طلعنا بعد العصر، ومشينا على البَرّ (الصحراء)، في هذي الفترة ما كنا.. طلعت ولا ندري إيش اللي صار. جينا عند ناس من الإخوان يسكنون في البَرّ وسألناهم: عندكم خبر عن الموضوع هذا؟ (هذا الكلام بعد أسبوع من هربنا، جيناهم بعد أسبوع)، قال: لسَّه ما عندي خبر، بس خلُّوني أنا أنزل للقصيم ، أشوف إيش اللي حصل.

وفعلًا نزل للقصيم ورجع وقال إن فلان.. إن فيه اعتقالات صارت على الرياض وعلى جدة وعلى مكة وعلى المدينة ، وإن جهيمان مطلوب، وإنك إنتا يا ناصر ما جا على اسمك شي، وإنتا يا دهام ما جا على اسمك شي، أسماؤكم ما جَت في الطلب. فقال جهيمان : بما إنك إنتا ما أنت مطلوب ارجع. وفعلًا رجعت للرياض . هذا الاعتقال الأول، مرحلة الاعتقال الأول.

الاعتقال الأول في عام 1978م استماع إلى الفقرة

* اللي أعرفه في قضية الاعتقال إنها بسبب خطاب.. تقرير كيدي من أحد أعداء الجماعة، وإنه الداخلية نفسها تحقَّقت إن هذا الكلام غير صحيح، إن اللي جاء في الخطاب غير صحيح، فأطلقوا سراحهم، إضافةً إلى إن عبدالعزيز بن باز زكَّاهم.. ومدحهم عند وزير الداخلية وزكَّاهم. لكن هذا الكلام لم يكبح جماح جهيمان وموقفه من الدولة، بل بالعكس: مجرد ما أطلقوا سراحهم جهيمان ، أصدر أول رسالة له اللي هيَّ "رفع الالتباس"، وسبَّبت إشكالية كبيرة.

رؤية جهيمان المضادَّة للتحديث استماع إلى الفقرة

* طبعًا جهيمان كان على طول الخط رؤيته – حسب معاشرتي له وكذا – هو ضد التحديث؛ مثلًا: هو ضد الدراسة النظامية، ويعتبره مضيعة للوقت وليس من العلوم؛ يعني لما تدرس رياضيات... إنكليزي وكذا.. ليست من العلوم التي تقرِّب إلى الله. فهو ضدّ هذي الأشياء؛ خصوصًا تفاعلت عندهم قضية الصُّوَر على العملة (على الفلوس)، هذي مسبِّبة لهم إشكالية كبيرة، يكاد جهيمان ورث هذه الرؤية أو هذا التفكير والموقف ضد التحديث ، يكاد يكون ورثه من إخوان السبلة ، إذا نلاحظ أن إخوان السبلة موقفهم.. من ضمن حيثيات ، وأسباب خروجهم على الملك عبدالعزيز – رحمه الله – إن الملك عبدالعزيز دخَّل البرقية ، ودخَّل البريد ودخَّل هذه الأشياء. نفس الحكاية جهيمان نجد له آراء قريبة جدًا في التحديث اللي صار على وقته، مثلًا قضية التلفزيون: جهيمان ضدها على طول الخط، بل يكادون يكونون في بيوتهم في الحرَّة الشرقية ، كثير منهم ما دخَّلوا الكهرباء إلا في وقت متأخِّر، يرون أن الكهرباء رفاه لا داعي له.

طبعًا هذا الكلام ينسحب على موقفهم السياسي من الدولة، إيش موقفهم السياسي؟ موقفهم السياسي هو - طبعًا – جهيمان على طول الخط موقفه موقف معارض، موقفه من الدولة هو موقف معارض، لم يهادن.. أو لم يكن في راسه أن يهادن الدولة طول الفترة اللي أنا عرفته فيها ، إلى أن دخلوا الحرم .

إصدار الرسالة الأولى لجهيمان استماع إلى الفقرة

* الكتب اللي أصدرها جهيمان ، تكاد تكون هي نفسها الأفكار اللي كان جهيمان يصرِّح فيها بين أتباعه، مثل قضية المهدي وأشراط الساعة (رسالة هذي كاملة) ، كان جهيمان دائمًا يذكرها.

الكتب هذي ظهرت في 78 بعد خروج المجموعة الأولى من السجن، فألَّف رسالة اسمها "رفع الالتباس عن سنَّة إبراهيم الذي جعله الله إمامًا للناس"، هذي الرسالة هي تكاد تكون بيان لموقف جهيمان من الجماعات الأخرى والمشايخ والدولة. هذا البيان صرَّح فيه جهيمان عيوب الجماعات الإسلامية ، اللي كانت موجودة معاصرة له؛ يعني عيوب جماعة التبليغ إيش عيب جماعة التبليغ؟ إنهم ما يهتمُّون بالتوحيد، إيش عيب جماعة الإخوان المسلمين؟ إنهم كانوا فقط يهتمُّون بالسياسة ، وعندهم الروح الانقلابية.. يريدون ينقلبون عالدولة والنَّصّ الشرعي ، يقول.. نهى عن الغدر في الإسلام، إضافةً إلى أنه تكلم في هذه الرسالة عن موقفه من المشايخ ، ويسمِّيهم هوَّ أطلق عليهم (مشايخ السلطة)، وموقفه من العمل في الوظائف الحكومية، طبعًا جهيمان كان ضد العمل في الوظائف الحكومية، بالذات للمشايخ ؛ لأن يقول: إذا كان يعملون في وظائف حكومية لا يمكن يقولون كلمة الحقّ, ويجب أن نخرج من الوظائف الحكومية؛ يجب أن نخرج من المدارس ؛ لأن المدارس لا توصلك إلى خطّ الأمان أو درب الأمان، بل بالعكس: فيها ضلال وفيها مش عارف إيه.. ويقولون: الأرض كروية.. وما شابه. هذي الرسالة الأولى.

صياغة رسالة "رفع الالتباس" ورسائله الأخرى استماع إلى الفقرة

* الرسالة متواضعة جدًا، طبعًا جهيمان لعل البعض ، عشان نجاوب على هذا السؤال ؛ لأن البعض يبي يسألون: كيف أنت تقول إن جهيمان معاه رابع ابتدائي ، ويعمل هذه الرسالة؟ حقيقةً جهيمان كان عنده اثنين يصيغون له الرسائل هذي: الأول هو أحمد حسن المعلم وكان شاعر وأديب (شاعر الجماعة)، والثاني هو محمد عبدالله القحطاني ، اللي هوَّ فيما بعد صار المهدي المنتَظَر . هذول همَّ اللي كانوا يصيغون.

جهيمان يتميَّز بقدرة عجيبة على الحفظ، حافظ جيد ، ويكاد يحفظ بأماكن النصوص ويستحضرها، فكان مجرَّد ما يلقي هُمَّ يصيغون كلامه.

الرسائل طبعًا طُبعت في الكويت فيما بعد، هي أول رسالة طُبعت في مطابع الطليعة.

طباعة رسائل جهيمان استماع إلى الفقرة

* هي قصتها حسب ما حكاها لي عبد اللطيف الدرباس (اللي هوَّ كويتي ، وكان في المدينة ) يقول إنه أخذ رسائل جهيمان .. الرسالة الأولى وودَّاها على مطابع القبس، فمطابع القبس أعطوه سعر عالي شويَّة.. هي رسالة صغيرة، فأخذها وراح إلى مطابع الطليعة ، وقال لهم: ترى هذا الشخص الآن مطارَد ومعارِض للدولة. طبعًا مطابع الطليعة من المعروف إن توجُّهها يساري، وكانت تؤيِّد الحركات الراديكالية، فطبعوها بسعر التكلفة، فالطباعة صارت تمت في... طبعًا طبعوا كمِّيات كبيرة، من بعدها عاد جَت جميع الرسائل: الأربع رسائل طبعوها، ثم سبع رسائل، ثم طبعوا أعمال كبيرة (حوالي عشر رسائل أو شي من هذا).. نعم.. إضافةً إلى أنهم كانوا يطبعون الرسائل الصغار، يطبعونها أيضًا منجَّمة (كل جزء لوحده).

دوافع الانتماء إلى الجماعة استماع إلى الفقرة

* كثير من اللي تعاملوا مع قضية جهيمان وكذا تعاملوا معاها على أساس إن هذا شخص مناضل ويعادي السلطة. في ذيك الفترة كان هذي النوعية من الناس لهم سحرهم، لهم الناس اللي ممكن.. يعني فيه ناس فعلًا يؤمنون بالأفكار ، اللي هو يقولها جهيمان ، وفيه ناس عندهم حب الاستطلاع؛ يبون يعرفون هذا إيش قاعد يقول؟ إيش..

لهذا تورَّط مع الجماعة ناس همَّ أصلًا مو مقتنعين في أفكاره، تورَّطوا معاها؛ فقط لأنهم خجلوا أن يقولوا (لأ)، خجلوا أن يعدِّلوا بالأفكار، خجلوا أن يعارضوا بعض الأفكار، خصوصًا قضايا حمل السلاح، وخصوصًا المبالغة في الضدِّية في المنشورات، والمبالغة في التحريض.

دوافع انتماء غير السعوديين إلى الجماعة استماع إلى الفقرة

* فيه نوعين من الناس اللي من برَّا ، واستطاعوا يصلون للجماعة: فيه ناس همَّ أصلًا طلاب في الجامعة الإسلامية، أو طلاب في جامعة أم القرى، واستطاعوا من خلال هذا إنهم يصلون للجماعة، وفيه ناس آمنوا بأفكار الجماعة فعلًا ، ولـمَّا جَوْا لأداء العمرة وما شابه. وفيه ناس أصلًا ما آمنوا.. لم يؤمنوا بأفكار الجماعة إنما حصَّلوا لهم مكان يؤويهم، فجَوْا انضمُّوا للجماعة على هذا الأساس (مكان إيواء). الجماعة كانت مفتوحة ما هي مغلقة على نفسها، كانت مفتوحة.. الناس كلها تجي.

الظروف المحيطة بنشأة الجماعة، وبروز الفكر التكفيري لديها استماع إلى الفقرة

* في ما بعد سنة 77 بدأ حسّ التديُّن يتنامى عند كثير من الناس؛ بسبب الدعاية التي صُرفت حول هذا الموضوع، وبسبب البذل وتجنيد الدعاة لمحاربة الشيوعية ومحاربة الاتحاد السوفييتي، وبدأنا نسمع عن أعمال القمع اللي يتعرَّض لها المسلمين في أفغانستان في ذيك الفترة ، من خلال ما نسمعه عن الحجاج اللي يجون من أفغانستان ومن باكستان .

في ذيك الفترة أصبح بعد صدور المنشور الأول ، اللي هو "رفع الالتباس" بالذات؛ انضمّ للجماعة السلفية مجموعة من الشباب.. أو شباب كثير متحمِّسين، اللي رَأَوا الموقف الراديكالي هو الحل بالنسبة.. كمعارضين للدولة عندنا. خصوصًا وأن هذي الصُّوَر بدأنا نسمعها من جماعات التكفير والهجرة ، اللي بدأنا نشوف فلولهم عندنا في المدينة ، وجماعات إسلامية من الجماعة الإسلامية في مصر ، وجميعها جماعات راديكالية متشدِّدة عنيفة، هذي كان لها أيضًا دور من خلال صحبتهم لمجموعة من الشباب اللي كانوا في المدينة ، حتى إن بعض الشباب ، اللي كانوا في المدينة – مثل فيصل محمد فيصل – تبنَّى هذا الفكر اللي هوَّ الفكر التكفيري، ولأنَّ جهيمان دائمًا يخاف من أن يُطلَق على الجماعة مُسَمَّى (خوارج) أو يحملون فكر الخوارج؛ حرص أن يكون هنالك نقاش ما بين فيصل محمد فيصل ، والشيخ الألباني لتحديد وجهة أهل السنَّة والجماعة في قضايا الحاكمية والحكم بغير ما أنزل الله.. وما شابه. وفعلًا تمّ هذا اللقاء، وباقتناع فيصل بوجهة نظر الشيخ الألباني ، اللي يرى الشيخ الألباني أنها تمثِّل وجهة نظر أهل السنَّة والجماعة في قضايا الحاكمية، ولفت نظره إلى كتاب الإيمان للشيخ ابن تيمية ( فيصل في هذيك الفترة.. طبعًا فيصل محمد فيصل ، كان له تأثير كبير في الجماعة، له تأثير بالذات على الشباب الصغار؛ لأنْ يُعتَبر فيصل هو المرجع الرئيسي في كتابات ابن تيمية وكتابات التوحيد)؛ فباقتناع فيصل سدّ أو قطع الطريق على الأفكار التكفيرية.

لكن حصل نقاش في قضية.. نقاش حول: يا جهيمان , إذا لم نكفِّر الدولة فما هي الذريعة للخروج عليها؟ فقال: إحنا ممكن نخرج على الدولة من غير أن نكفِّرها، بذريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لكن هذه الرؤية قالها جهيمان قبل الاعتقال الأول، لكن بعد الاعتقال الأول أصبح لجهيمان رؤية ثانية ، اللي هيَّ تفعيل قضايا المنامات وقضايا المهدي المنتَظَر ، تفعيلها في ذهنية الشباب، أتوقَّع إنها كمقدمة أو كتحضير لإبراز محمد عبدالله القحطاني .

موقف الجماعة من الدولة استماع إلى الفقرة

* موقف الجماعة من السلطة أو من الدولة ، كان يختلف من فرد إلى فرد، يعني بعض الجماعة كانوا يرون أن هذي الدولة دولة مسلمة ، ولها بيعة ويجب طاعتها، وعندها أخطاء ممكن إصلاحها، لكن فيه أناس آخرين – وعلى رأسهم جهيمان – كانت رؤيتهم للدولة بشكل عام (وأكاد أجزم تكاد هذه الرؤية تكاد أن تكون رؤية ثأرية) كانت رؤيتهم راديكالية متشدِّدة ضد الدولة، لا يرون لهم البيعة.. لم يعقدون لهم البيعة، لا يرون لهم السمع والطاعة، يرون الخروج عليهم باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. صحيح أن المجموعة هذي لم تصرِّح بالكفر، ولم يأتِ في أدبياتها بالتكفير؛ لكن ممارساتهم تدل على أنهم يرونهم في مرحلة قريبة من هذا.

هذي الرؤية الراديكالية الخاطئة ، هي التي أدَّت فيما بعد إلى أن جهيمان عشان يهرب من تكفيرها ، جعل هذي الدولة – وعلى رأسها الملك خالد الله يرحمه – إن وجودهم من علامات الساعة؛ بمعنى إن مرحلة الملك خالد هي آخر مرحلة تنطبق عليها علامات الساعة، بعصره كثرت الفتن، بعصره لا يوجد بيت إلا دخلته هذه الفتنة.....، فهذي أسَّست إلى حادثة دخول الحرم؛ اللي هيَّ الرؤية الراديكالية ضد الدولة والأسرة الحاكمة.

الموقف ضد الدولة تمهيدٌ لإعلان المهدي استماع إلى الفقرة

* هذي الحركة قامت أصلًا.. أي حركة تقوم ترفع السلاح ، لابد أن لها موقف من الجهة اللي هيَّ رافعة السلاح في وجهها. أي نعم هي حركة راديكالية، حركة لها موقف من الحكومة، لكن حتى موقفهم من الحكومة هو موقف لـمَّا نجي نتأمَّل تبريراته في الرسائل ، اللي عملها جهيمان هي من أجل التمهيد لقضية المهدي ، يعني المعارَضة هنا (معارَضة جهيمان للحكومة) هي لصالح القضية الأكبر ، اللي هي المهدي . بمعنى: حيثيات جهيمان للخروج.. وجهة نظره في قضية الدولة إيش سوَّت، وجهة نظره إن الدولة عملت منكَرات، عملت التلفزيون.. جابت التلفزيون، والصُّوَر على العملة، هوَّ له موقف من الصُّوَر أصلًا، لكن لـمَّا جَتْ على العملة اللي صدرت.. فيها صُوَر، لا يوجد بيت إلا تدخله، لازم تدخل العملة البيوت؛ فهنا جيَّر وجهة نظر.. أو ضدّ.. أو موقف رافض للعملة ذات الصور جيَّرها لصالح إيش؟ لصالح أشراط الساعة.

جانب الجذب في شخصية جهيمان، وانعدام الرؤية المستقبلية استماع إلى الفقرة

* يتميَّز جهيمان بشخصية قيادية، رجل يبذل.. رجل كريم، رجل يجيد إدارة المجموعة، رجل قيادي بالفطرة، يجيد إدارة المجموعة اللي معاه، لكن عنده مشكلة في استراتيجية الحياة؛ يعني هو متعلِّق بشكل شديد بالرؤية الخلاصية (الحل) في مرحلته.

جهيمان – أنا حسب ما عرفته بشكل شخصي – يحب يشرب الشيح، ياخذه من بلده في ساجر.

رأيته كثير في مواقف كان فيها نوع من الطِّيْبة، نوع من البذل، نوع من السَّخاء، نوع من الكرم. جهيمان كان يتفقد أفراد الجماعة اللي كانوا ويَّاه، يتفقد ميزانيتهم: معاهم فلوس ما معاهم فلوس.. الشغلات هذي.

لكن عنده أكبر مشكلة إنَّ الرجل لا يملك رؤية استراتيجية للمستقبل، يعني عنده المستقبل هو خروج المهدي ، وقتال اليهود والشغلات هذي. يعني جانب الهَوَس الديني طغى في شخصيته على الجانب الإنساني.

قضية ظهور المهدي استماع إلى الفقرة

* فكرة المهدي هي فكرة تقوم على جانب مهم ، اللي هوَّ الجانب الخلاصي، وتقوم على جانب أن بما أننا في آخر الزمان على رأس قرن: يُخرِج الله على رأس كل قرن مَن يصلح أمر هذا الدين. اختارت هذه الجماعة أن يكون هذا الـمُصلح هو المهدي المنتَظَر محمد عبدالله القحطاني . طبعًا سبق أن.. قضايا ادِّعاء المهدوية في التاريخ الإسلامي كثيرة، آخر واحد هو المهدي اللي في السودان .. مهدي السودان ، وبعده جاء المهدي محمد عبدالله القحطاني .

للأسف قضية المهدي دخلت في بعض نصوص العقيدة بناءً على أحاديث تكاد تكون بمجملها ضعيفة، هذي الأحاديث الضعيفة هي اللي بُني عليها خروج المهدي وصفاته ، وإنه من أهل بيت الرسول، يوافق اسمه اسم الرسول، واسم أبوه اسم أبو الرسول؛ يعني محمد عبدالله ، ويُصلحه الله في ليلة، واختلفوا في مفهوم (يصلحه) هل يصلحه لأنْ يكون المهدي ؟ هل يُصلحه بحيث أن يقتنع بهذه الفكرة؟

الشباب يقولون إن محمد عبدالله القحطاني جلس فترة ، وهو يرفض هذي الفكرة ويقول مو صحيح, وبعدين ادَّعى محمد عبدالله القحطاني إنه رأى رؤيا تقول له إنه هو المهدي المنتَظَر ، فخرج على الناس وقال: أنا اقتنعت إني أنا المهدي المنتَظَر ، ويجب القيام بالبيعة.

حضَّروا لهذه المسألة في مكة فترة من الزمن، وقبلها جاء كلام في الرياض ، عن قضية المهدي وإن محمد عبدالله هو المهدي .

طبعًا من ضمن الأشياء اللي حاولوا يقنعون الناس فيها هي قضية تواتر الرؤى (الأحلام)، وأن كثير من الإخوان الصادقين ، رأوا أحلام تقول إن فلان هو المهدي . فدخلت في دائرة إيش؟ الفكرة هذي دخلت في دائرة التواتُر، وتمَّت لهم المسألة إنهم دخلوا الحرم ، وبايعوا بين الركن والمقام على أساس أن هذا الرجل هذا المهدي. هو الرجل لم يأتِ – عندهم في فكر هذه الجماعة – لم يأتِ من أجل أن يقيم دولة إسلامية، إنما جاء لكي يذهب إلى فلسطين ، ويقاتل اليهود ويهزمهم، ثم يذهب إلى دمشق ويصلِّي في الجامع الأموي ، ثم يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وفي هذي اللحظة يأتي عيسى ابن مريم ، ويبايع المهدي ويصلِّي خلفه.

هذا هو السيناريو اللي في راس هذي الجماعة، سيناريو موجود فيما يُسَمَّى بأحاديث الفِتَن والـمَلاحم، وتوجد رسالة لجهيمان حول هذا الموضوع، بس جهيمان في هذي الرسالة لم يحدِّد اسم المهدي ، لكنه كتب في هذه الرسالة أننا في آخر الزمان، وأننا في الوقت اللي كثر فيه الفِتَن، ويجب أن يخرج في هذا الزمان المهدي ، الذي يُصلح أمر دين هذه الأمة. هذي الرسالة اسمها رسالة "الفِتَن وخروج المهدي ثم خروج الدجَّال"، طبعًا ينتهي سيناريو صلاة عيسى ابن مريم خلف المهدي المنتَظَر ، إنه يخرج الدجَّال أيضًا ويقتلونه.

الشخصية التي قُدِّمت على أنها المهدي استماع إلى الفقرة

* عرفت محمد عبدالله القحطاني لـمَّا كان ساكن مع عائلته مع والده في البطيحة ، وكان يؤمّ في مسجد الرويل.. كان إمام وخطيب مسجد الرويل، وكان وقتها في السنة الرابعة في جامعة الإمام.. آخر سنة وبعدين ترك.. لم يكمل الدراسة؛ لأنه اقتنع أنَّ الدراسة النظامية لا نفع منها ولا فائدة، وأنه يجب أن يدرس الدراسة القديمة.

عشان نتكلم إحنا الآن في هذه المرحلة.. عشان نتكلم عن محمد عبدالله لازم نفهم مسألة مهمَّة: في الرياض ظهر مجموعة من الجماعات الإسلامية العشوائية، هذي الجماعات تكون غالبًا مرتبطة بإمام المسجد، والمسجد غالبًا يكون مُرْفَق فيه مكتبة، هذي الجماعات غالبًا همَّ من الشباب الصغار التابعين لإمام المسجد هذا، أو التابعين للتحفيظ أو شيء من هذا، يجلسون يسوُّون دروس خاصَّة فيهم.. شباب صغار غير مرتبطين بأي جماعات كبيرة منظَّمة، إنما هي جماعات عشوائية متحمِّسة.

جماعة مسجد الرويل – اللي على راسها محمد عبدالله القحطاني – هذه الجماعة كان عندها مكتبة ، وكان عندها دروس خاصة فيها، وكان محمد عبدالله في فترة من الفترات كان ضد فكرة نبذ التمذهُب، وبعدين لـمَّا اقتنع فيها أخذها إلى آخرها ، وتبنَّاها وانضمّ للجماعة.

هو شاب صغير متحمِّس، محدود العلم، يكاد يكون راديكالي مندفع، فيه شيء من الهدوء، لكنه أيضًا يُعتبر الرجل القيادي الأول في مسجده بين الشباب اللي حوله. هوَّ لـمَّا انضمَّ للجماعة السلَفية سحب ويَّاه كل الشباب اللي معاه في مسجد الرويل.. كلهم.. وانضمُّوا للجماعة السَّلَفية.

يكتب الشِّعر. أيضًا قام بدور مهم جدًا في صياغة رسائل جهيمان ، جهيمان – كما قلنا – كان هنالك اثنان هم الذين يصيغون الرسائل التي ألَّفها: الأول هو أحمد حسن المعلِّم، والثاني محمد عبدالله القحطاني , هذولي لابد أن يكونون حاضرين وقت ما جهيمان يؤلِّف رسائله. وأنا سبق إني التقيت بجهيمان ، في مكانه كان عنده حسن المعلِّم ، كان قعد يؤلِّف إحدى رسائله.. كان يكتبها ويمليها على الشخص هذا.

بين شخصية القحطاني وشخصية جهيمان استماع إلى الفقرة

* الكاريزما اللي عنده لا توازي الكاريزما اللي عند جهيمان ... اللي حسِّيتها عند جهيمان , هو شخص قيادي.. محمد عبدالله القحطاني شخصية قيادية، محدودة العِلْم، خصوصًا إن حنَّا المجموعة اللي.. يعني أنا بصفتي درست على بعض العلماء وكذا، لـمَّا جلست ويَّاه وجدته محدود العِلْم، نعم يحفظ القرآن، خطيب غير مرتجل ، يعني خطيب يقرأ من ورقة، المجموعة اللي ويَّاه تحبُّه وتسمع كلامه، لكن محمد عبدالله فيه نوع من الراديكالية، يعني تشعر أنه صِدَامي أكثر من.. يعني جهيمان أي نعم عنده راديكالية بس ما يقوم بالصِّدَامية العبثية، هوَّ هذا عنده نوع من الصِّدَامية شويَّة.

التمهيدات الفكرية لإعلان المهدوية استماع إلى الفقرة

* طبعًا أنا سبق أن سمعت قبل ادِّعاء المهدوية ، سبق أن سمعت من سعد وكنا وقتها مسافرين للحجّ، كنا في سيارة (مرسيدس) شاحنة، وكنت ويَّاه فوق متمدِّدين على فراش والسيارة ماشية، فقعدنا نحكي، فقال لي: أنت ما تلاحظ أن صفات المهدي تنطبق على محمد ؟ قلت له: كيف؟ كان يقول: مو قال "أقنى الأنف وأجلى الجبهة"؟ قلت له: أيوه. قال: ما لاحظت أن محمد أقنى الأنف وأجلى الجبهة؟ ويوافق اسمه اسم الرسول، واسم أبوه اسم أبو الرسول، وإنه من آل البيت؟

قلت له: طيب، كيف من آل البيت وإنتو.. القحطاني يعني؟ قال: لأ، إحنا أصلنا مو قحاطين، إحنا أصلنا من آل البيت، إحنا جينا مع الحملة المصرية، كان يصطحب معاه مجموعة من آل البيت للتبرُّك لهذه الحملة عشان تأخذ مشروعيتها، وجدّنا الكبير مع هذي الحملة، همَّ من الأشراف اللي كانوا ساكنين مصر ، وجاء ويَّاهم وبعدين استقرّ في جيزان .

فلمَّا قال لي هذا الكلام قلت له: طيب؛ إنت جادّ في قضية المهدي ولاَّ..؟ فضحك وأنا ضحكت ، وظنِّيت إنّ المسألة مزحة، القضية كلها مزح، لكن ما توقَّعت فيما بعد إنها فعلًا راح تتفاعل ، وراح يكون لها جذور بهالشكل هذا.

استخدام الرؤى والمنامات للإقناع استماع إلى الفقرة

* في سنة 79 تفاعلت عندهم قضية المهدي أو فُعِّلت زيادة، واتَّضح فيما بعد أن المسألة في بداية هذا العام (79) في بدايته يبدو إنهم اشتروا السلاح، فقضية محاولة إقناعنا في المهدي هي مسألة تحصيل حاصل.

طلبني أحدهم.. كلَّمني.. كان جاي زيارة للرياض ، اللي هوَّ (عيد الشابحي) وتناقش معاي حول قضية المهدي (طبعًا (عيد) في هذه الفترة اللي هوَّ تناقش معاي فيها تزوَّج أخت محمد عبدالله القحطاني )، فكلَّمني على قضية المهدي وكذا، فقلت له: أنا ماني مقتنع إنّ الرجل هذا هو المهدي ولاَّ يبي يصير... ودخول الحرم في السلاح.. هذي حاجة ما هي سهلة.

قال: لا.. لا.. هذي تواترت الرؤى عليها.. وكذا. فقلت: حتى لو تواترت الرؤى، هذي لها علاقة بالحالة النفسية، مجموعة ممكن ينامون جوعانين ويحلمون بالأكل.

فوجد.. لاحظ إني أنا رافض المسألة.. حتى النقاش فيها، فلم يعد يفتحونها قدَّامي، لكن أنا عرفت من آخرين أنّ راح يصير فيه بيعة في مكة على رأس القرن اللي هوَّ 1 -1 -1400 ، علمت فيها فيما بعد.

الرؤى ليست رؤيا أو اثنين أو ثلاثة، الرؤى كثيرة ومتواترة، ولا يوجد.. لا أعرف أحد في الجماعة ، إلا ادَّعى إنه رأى رؤيا: إن محمد عبدالله القحطاني هو المهدي ، وإنه راح يُبايَع للمهدي المنتَظَر في مكة ، وإنه راح يُبايَع له بين الركن والمقام، وإنه هوَّ اللي راح يملأ الأرض عدلًا حتى إن الذئاب راح ترعى في الغنم.. ترعى مع الغنم يعني.

لكن بقيت على إصراري إنّ المسألة ما هي بهالشكل. لم تكن الرؤيا... كانت الرؤيا هي المحرِّك لهم، وأنا أتوقَّع أن قضية الرؤيا هذي ممكن تُفَعَّل في أي قضية مستقبلية.

شراء السلاح استماع إلى الفقرة

* اللي عرفته فيما بعد (لـمَّا دخلت السجن.. وهذا) إنّ التجهيز لشراء السلاح تمَّ في بداية 79، هذا اللي عرفته، كان فيه مجموعة هم تجار سلاح ، اللي راحوا شَرَوا السلاح من اليمن ، هو السلاح اللي دخل وجابوه وكذا من اليمن .

قبل السجن أنا ما كنت أعرف تفاصيل.. ما عندي تفاصيل، لكن بعد ما دخلت السجن ، التقيت مجموعة حكوا لي عن التفاصيل، يعني قبل الحرم كنت أنا رافض قضية المهدي ، ورافض حمل السلاح، وأعرف إنهم يبي يدخلون مكة ، وراح يبايعون للمهدي المنتَظَر بين الركن والمقام، وأعرف إنهم راح يدخلون في 1 \ 1 ، لكن ما عندي تفاصيل عن كيف جابوا السلاح، إعدادهم للسلاح، إعدادهم للتدريب، هل تدرَّبوا هل كذا، ما عندي تفاصيلها ، إلا بعد ما دخلت السجن والتقيت ببعضهم وحكوا لي.

التدريب على استخدام السلاح استماع إلى الفقرة

* التدريب اللي تمّ غالبًا هو في (النّْخِيل)، ومن المعروف إن كثير من الشباب ، اللي كانوا مع جهيمان كثير منهم كانوا في الحرس الوطني، وبعضهم في الجيش، وبعضهم في الشرطة، فلا يُسْتَغْرَب إنهم ممكن يدرّبون ؛ لأن همَّ أصلًا متدرِّبين وماخذين خبرات، فما يُستَغْرَب هذا إنهم لوقاموا ببعض التدريبات ، اللي تمَّت في (النّْخِيل)... منطقة (النّْخِيل).

اقتحام الحرم واستخدام السلاح استماع إلى الفقرة

* حسب ما قال لي فيصل محمد فيصل ، يقول إن السلاح.. كمّ كبير من السلاح اللي كان يبي يُستعمل في نفس اللحظة ، لحظة السيطرة دخَّلوه على شكل توابيت موتى.. مجموعة توابيت، دخَّلوها ومجرد ما كبَّر الإمام في الصلاة طلَّعوها من التوابيت ورفعوها. طبعًا سيطروا على المسجد بسرعة ؛ لأن كان في خطتهم إنهم يسكّرون الأبواب كلها ، ماعدا كم باب يخلُّونه للِّي يبي يطلّعونهم.. ما يبون عدد كبير.. يحصرون عدد كبير في.. هذا.. ؛ عشان يسهل عليهم السيطرة على المسجد. ودخَّلوا (وايتات) موية فيها تمر.. دخَّلوها.. عشان ياكلون تمر وماء.

هذا اللي أعرفه في المسألة، يقول لي فيصل يقول: كان الاتفاق إنه ما أحد يطلق النار في الحرم ، إلا إذا حصل أحد قاومهم. وعلى كلامهم إن حصل مقاومة عند أحد الأبواب وأُطلق النار، وفيه واحد أطلق النار على عسكري، كان العسكري أعزل ما معاه سلاح ، ولا شي وأطلق عليه النار ، وبدل ما تصيب الرصاصة العسكري أصابت الباب.. حديدة في الباب، وارتدَّت على مُطلق النار وقتلته.

اللي صار إن همَّ كانوا كلامهم : إن حنَّا ما راح نرفع سلاح في الحرم وكذا، اللي صار: الفوضى اللي حصلت لا يمكن التحكُّم فيها ، فرُفع السلاح حتى من قِبَل ناس.. يعني هذا الرجل اللي أطلق النار على العسكري.. العسكري ما له ذنب.. ما معاه سلاح ولا كذا وما فيه داعي لإطلاق النار.. ليش إطلاق النار؟!

أخبار الاقتحام، وإلقاء خطبة في الحرم استماع إلى الفقرة

* أنا طبعًا سمعت عن الأحداث ، أول ما صارت من خلال الراديو، وبالذات كنت أسمع محطة لندن (الـBBC)، بعد كذا أحد اللي أعرفهم متديِّنين جاب لي شريط فيه الخطبة ، اللي قامت في الحرم (خطبة خالد اليامي اللي خطب في الحرم ) وسمعتها، وسمعت التوجيهات اللي كان يطلقها جهيمان .

في ذيك الفترة طبعًا أَسِفت جدًا، عرفت أن الجماعة كلها ضُحِّي فيها ، بسبب فكرة غبيَّة مثل هذي.

مضمون الخطبة استماع إلى الفقرة

* هي خطبة تمهيدية عشان يعرفون الناس ، لماذا قامت هذه الحركة بمبايعة المهدي ، الخطبة فيها أدلة مبايعة المهدي الشرعية، وكلام حول تواتُر الرؤى إن هذا الرجل هو المهدي ؛ يعني الأدلة الشرعية وأقوال العلماء وأقوال.. وتواتُر الرؤى، وذكروا بعض الرؤى.

مقاومة مسلَّحة استماع إلى الفقرة

* هجوم المصفَّحات جاء عن طريق المسعى، فكانوا يأخذون.. يعملون من الزمازم هذي (كانت من الفخَّار) يملونها بنزين ، ويرمونها على المصفَّحات تتفجَّر المصفَّحات.. إضافةً إلى عملوا متاريس من السجَّاد،سجَّاد حقّ الحرم عملوا منه متاريس كبيرة ، عشان يتخبُّون وراها ويرمون في السلاح.

كان فيه كثافة في إطلاق النار، وكان فيه عشوائية، وكان فيه قنص ما له داعي.. يعني حسب ما سمعت ، إن كان فيه قنص من المآذن كانوا يقنصون على أي هدف متحرِّك، هذي مشكلة كبيرة.. مشكلة كبيرة، يعني يصير فيها نوع من العشوائية والظلم في القتل.

استخدام الخلوات استماع إلى الفقرة

* هوَّ طبعًا لـمَّا نزلوا تحت، طبعًا همَّ اللي نزَّلهم تحت الضرب ، اللي جاء عليهم في الدور الأول، هم كانوا فوق السطح، وبعدين شدَّة الضرب في السطح نزَّلتهم الدور الثاني، وبعدين من الدور الثاني الدور الأول، وبعدين نزلوا تحت الأرض اللي هوَّ في القبو (الخلوات).

يقول لي فيصل يقول: كان وضعنا سيِّئ جدًا؛ يعني بعض الخلوات كان فيها.. بدت تطلع رائحة القتلى؛ في بعض الخلوات كانوا مكدَّسين فيها قتلى، وبدت تطلع الرائحة منهم.

أضف إلى هذا: ما كانوا.. جهيمان ما هو سامح لهم إنهم يستسلمون، جهيمان منعهم من الاستسلام، إلى يوم 15.

خطة للاعتصام بالحرم الـمَدَني استماع إلى الفقرة

* يوجد خطة فردية عند عبدالله الحربي . طبعًا عبدالله الحربي لم يدخل الحرم ، بسبب إنه غير مقتنع في قضية المهدي ، هذي الحكاية حكاها ليَّ أحمد العسكري في السجن، قال لي إن عبدالله الحربي جاهم في (ساجر) وحاول يجمِّع ناس من أجل أن يذهب إلى أين؟ يذهب إلى المدينة المنوَّرة ويأخذ رهائن.. يعتصم بالحرم المدني ، من أجل أن يفكُّوا الحصار عن مكة .. عن الإخوان اللي في مكة ، لكن عبدالله الحربي تبادل إطلاق النار مع الأمن وقُتل، هوَّ اللي بادر بإطلاق النار وقُتل.

هذي المسألة لم تكن.. كانت فردية؛ لأن لم أجد أحد يتكلم فيها ، أو يعرف عنها شي، يعني هذي في جلسة خاصة يحكيها أحمد العسكري ، وهو أحمد العسكري من اليمن ، ولم يدخل الحرم ، وكان في (ساجر) .

تفصيلات في السجن، ومصير القحطاني استماع إلى الفقرة

* أنا طبعًا لم أحصل على تفاصيل ، إلا لـمَّا دخلت السجن، ودخلته في 15 -1 -1400 ، التقيت ببعض الشباب اللي .. (طبعًا كنت أول شي في مكة ، وبعدين رجعت على الرياض ) التقيت ببعض الشباب اللي حكوا لي إيش اللي حصل جوَّا، إيش اللي صار، من ضمن الأشياء اللي... هذا.. هو قضية إنهم كانوا يجهِّزون لاقتحام الحرم مبكِّرًا، يعني في بداية 79 همَّ جهَّزوا للمسألة هذي، كان فيه تدريب على السلاح في (النّْخِيل) وكذا، تدرَّبوا على بعض أنواع السلاح.

لكن فيه بعض التفاصيل الفكرية: إيش اللي صار؟ ليش... يعني مثلًا كلام فيصل محمد فيصل ليَّ إن المهدي فقدوه من اليوم الثالث، في اليوم الثالث ما عادوا يشوفون المهدي .. وين المهدي ؟ ما هو موجود. ففيصل امتنع عن القتال بعد اليوم الثالث، جهيمان قال له: هذولي مُرجفين منافقين اللي يقول إن محمد عبدالله القحطاني قُتل، محمد عبدالله القحطاني لا يمكن يُقتل، محمد عبدالله القحطاني الآن حُصر.

طبعًا رفضوا هذا الكلام.. وكذا..، رفض جهيمان شكلًا وموضوعًا أن يُقال إن محمد عبدالله ... علمًا محمد عبدالله القحطاني لا يوجد أحد رآه بعد اليوم الثالث، اتَّضح فيما بعد أنه قُتل ، وأنه موجود في الثلاجة؛ قال لي أبوه عبدالله قال لي إنهم تعرَّفوا على... قال لي إن سعد و سعيد (أخوهم الكبير) تعرَّفوا على جثة محمد عبدالله القحطاني . واتَّضح إنه فعلًا قُتل في اليوم الثالث.

الغريب.. المفارقة الغريبة في هذا الموضوع ، أن فيه ناس أنا أعرفهم.. واحد منهم اسمه عبد الرحمن حمودة كان يرفض فكرة إن المهدي المنتَظَر قُتل، وإنه موجود.. لا زال موجود وإنه في جبال اليمن .

معلومات من فيصل محمد فيصل استماع إلى الفقرة

* يعني مثلًا من ضمن الناس اللي عطاني معلومات كاملة ، عن اللي صار هو فيصل محمد فيصل ، هذا فيصل كان معاي في غرفة في سجن مكة ، وحكى لي كيف هوَّ دخل الحرم ، فقلت له أنا: يا فيصل أنا سمعت إنك غير مقتنع في قضية المهدي ، كيف دخلت الحرم ؟

قال: أنا دخلت الحرم .. أنا كنت جاي من المدينة كان معاي عائلتي، ومرِّيت على مزرعة لواحد من الإخوان اسمه ( علي الحضيني )، فقال لي علي الحضيني : تبي تشوف جهيمان ؟ تبي تقعد مع جهيمان ؟. قال له: إيوه. فأخذه وقعد.. اتَّضح إن جهيمان عند علي الحضيني ، فتناقشوا في موضوع المهدي ودخول مكة ، فقال له جهيمان ، قال له: يا جهيمان أنا ماني مقتنع قضية أرفع.. أحمل سلاح وأبايع رجل ماني مقتنع إنه المهدي المنتَظَر ؟ وأحمل سلاح في مكة ؟ أنا ماني مقتنع في هذي المسألة، استخرت أكثر من مرة وماني مقتنع.

فقال له: يا فيصل تعال وعَلَيّ (يعني تعال وأنا المسؤول). يقول: فعلًا ودِّيت أهلي للبلد ، ورجعت على مكة ودخلت مع الشباب الحرم ، وشلت سلاح في ثلاث أيام ورميت. يقول: وبعدين ما عدنا نشوف المهدي . يقول: اقتنعت بعد كذا إنه المسألة فاشلة. يقول: وتركت السلاح. هذا أحد اللي حكى لي عن هذه الواقعة في مكة (كان معاي في مكة ؛ فيصل محمد فيصل ).

انسحاب فيصل محمد فيصل من المقاومة استماع إلى الفقرة

* فيصل – على كلامه ليَّ – إنه ترك المقاومة.. لم يعد يقاوم منذ اليوم الثالث لم يعد يطلق النار؛ لاعتقاده.. طبعًا فيها جانب ورع وجانب اعتقادي ، إنه لا يوجد إطلاق النار في مكة : حنَّا كنا نطلق النار على أساس موجود المهدي المنتَظَر ، المهدي المنتَظَر الآن اختفى.. غير موجود. قال له جهيمان قال له: يا .. ( فيصل لأن له تأثير كثير على الباقين) ،فقال له: يا فيصل ، اقعد بالخلوة ولا تناقش أحد في هذا الكلام، لا تكلِّم أحد.. خلص. وفعلًا فيصل .. يكاد يكون فيصل استسلم من اليوم الثالث، جلس في الخلوة ما عاد يناقش أحد.. ما عدا يساعد بعض الجرحى وكذا.. والشغلات هذي.

ففيصل لـمَّا استسلم جهيمان ، وأذن لهم بالاستسلام طلعوا استسلموا.

مصير فيصل محمد فيصل استماع إلى الفقرة

* أُعدم.. أُعدم.. نعم.. ضمن الـ63 اللي أُعدموا.

تأمُّلات في السجن استماع إلى الفقرة

* في السجن ننكشف على بعضنا، تصبح الأخلاقيات واضحة، وتصبح الأمور كلها أكثر وضوحًا. في السجن كنا فيه جلسات حوار ونقاش بيننا وبين بعض، في السجن تخلِّينا نتأمَّل النَّصّ اللي كنا نحتجّ فيه أكثر.

آمنت في السجن بحرِّية الرأي، إنه ما أحد يصادرني ما أحد يأخذ..، آمنت إن لا يوجد شيء غير قابل للنقاش والحوار.

طبعًا في ناس كانوا يخالفوني هذه الآراء، فيه ناس جلسوا ويَّاي كنا نقاش وجدال ، وتجادلنا في أكثر من قضية، من ضمنها.. على رأسها هي قضايا الحاكمية.. قضايا تكفير الحاكم وقضايا كذا.

حقيقةً حوَّلت قراءاتي في السجن إلى قراءات يغلب عليها الجانب الفكري؛ يعني من بعدما كنت مُحاصِر نفسي بالجانب النصوصي ، أصبحت أقرأ في الجانب الفكري أكثر. فهمت كثير في قضايا الفقه، وقضايا.. بالذات في قضايا أصول الفقه، في قضايا القواعد الفقهية، والأشباه والنظائر، هذي أعطتني – نوعًا ما – دفعة مهمة جدًا إني أكون – نوعًا ما – شخص آخر.

تحوُّلات فكرية في السجن استماع إلى الفقرة

* هو طبعًا فيصل فترة جلوسي معاه في السجن قصيرة؛ يعني لا تتعدى حوالي عشرة أيام، لكن فيما بعد لـمَّا طالت الفترة أي نعم فيه ناس صار عندهم تحوُّلات.. يعني واحد مثل ( سلمان الجوهر ) أنا أعرفه قبل السجن وأعرفه بعد السجن.. شخص آخر، أصبح يقرأ قراءات أخرى، أصبح يفقه في أمور أخرى، لم يعد يقصر نفسه على ظاهرية النَّصّ وهذي مهمة جدًا.

فيه ناس استمرُّوا.. يعني استمرُّوا على ما هم عليه، بقوا بأفكارهم القديمة، لكن ضد قضية فكرة المهدي ، يعني تحوَّلت هذه المسألة عندهم.

توظيف قضية المهدي مشروعًا مستقبليًا استماع إلى الفقرة

* أنا تناقشت مع فيصل ، وخلال قراءاتي للنصوص: الجماعة هذي اللي دخلت الحرم لا يوجد عندها مشروع مستقبلي، كثير من الناس يظنُّون أن هذه الجماعة هي جماعة انقلابية.. لأ.. الجماعة هذي هي جماعة أصلًا ، قامت بقضية المهدي من أجل أن تطبِّق نصوص سنِّية ، جاءت في أشراط الساعة: راح يظهر رجل يُبايَع له بين الركن والمقام ، فراحوا همَّ بايعوا بين الركن والمقام، وإن هذي المجموعة اللي تبايع بين الركن والمقام ، راح تُحصَر في المسجد الحرام ، فراحوا حصروا نفسهم في المسجد الحرام ، وإن هذه فيما بعد ، راح يأتي جيش ليغزوهم ويُخْسَف فيه (همَّ يظنون هذا الشي) ثم بعد ذلك يخرجون من المسجد الحرام ، ويذهبون إلى فلسطين ويقاتلون اليهود وينتصرون عليهم، ثم يذهبون إلى المسجد الأموي في دمشق ، ويكسرون الصليب، ويقتلون الخنزير، ثم ينزل عيسى ابن مريم فيقتلون المسيح الدجَّال.. أو قبلها كانوا قد قتلوا المسيح الدجَّال، ثم يصلِّي المهدي المنتَظَر بعيسى ابن مريم ، وتمتلئ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا.

هذا هو مشروعهم، وهو هذا يكاد يكون ليس بمشروع بقدر ما هي رؤية خلاصية؛ يعني محاولة الخلاص من الواقع، محاولة الحلّ لِمَا نحن فيه. وأيّ واحد.. يعني أي فئة.. أي .. هذا.. تمارس نفس السيناريو الفكري ، اللي مارسته هذي الجماعة لازم يصلون إلى نفس هذي النتيجة.

لا تأثير للثورة الإيرانية في حركة جهيمان استماع إلى الفقرة

* قضية جهيمان ، قضية الثورة الإسلامية، قضايا أخرى حصلت في مصر حصلت في..؛ أتوقَّع إنها كلها هذي نتاج للحرب الباردة، وتدفُّق فلوس البترول، أصبحت موجود فلوس للدًُّعاة وللـ.. هذا.. فلابد توصل لهذي النتيجة، لابد.

الثورة الإسلامية ثورة الخميني ، يكاد يكون جهيمان يسمع عنها، لم يسمعها في أخبار.. جهيمان لم يكن يسمع أخبار في الراديو، جهيمان لم يكن يقرأ جرائد ؛ لأن الجرائد فيها صُوَر والصُّوَر حرام، ما يدخِّلها البيت، ما كان يسمع الراديو اللي في السيارة، وقس على هذا مجموعة من الإخوان.. من الجماعة، كلهم بهالشكل هذا.

فالثورة الإسلامية لم يكن لها تأثير، ما هم ناس تأثَّروا بالثورة الإسلامية، لا يوجد تأثيرات من ثورة الخميني ، قد يكون فيه تأثيرات من جماعات التكفير والهجرة في مصر ؛ لأن حصل نقاش وجدال في المسألة، لكن لم تكن شائعة، ما كانت كبيرة ولا كانت شائعة.

التعامُل الإصلاحي مع خطاب الجماعات المتطرِّفة استماع إلى الفقرة

* الأحداث المصاحبة لأحداث سبتمبر (الإرهاب وما شابه) ، المملكة تعاملت معاها الآن تعامُل بحزم ، وتعامُل نوعًا ما بدؤوا ينتبهون إلى المشكلة الرئيسية، المشكلة الرئيسية في خطاب هذي الجماعات المتطرِّفة، ، ومحاولة محاورة هذا الخطاب.

مشكلة حادث الحرم إن بعده ما فيه أي حوار مع هذا الخطاب، بالعكس: كان فيه نوع من السلبية من قِبَل العلماء – بشكل عام – عمَّا حدث في حادث الحرم ، يعني ما حاولوا أن يعيدون النظر في كثير من المسلَّمات اللي بُثَّت في نفوس الشباب، الآن لأ.. فيه نوع من الجانب الإصلاحي للخطاب نفسه، محاولة التعامل مع هذا الخطاب تعامُل الإصلاح، إنه فعلًا فيه اعتراف إن فيه فعلًا خطأ يجب أن نصلحه، وهذا يُحسب للإصلاح.. للحركة الإصلاحية في المملكة ، اللي تشهدها المملكة .




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ الفصيح
للمقابلة مع الضيف
ناصر إبراهيم الحزيمي
(كاتب وباحث ، شاهد على أنشطة الجماعة السلفية المحتسبة)

النشأة والظروف الـمُحيطة

* أنا ناصر إبراهيم الحزيمي ، من مواليد عام 1957م في (الزبير) ، وهي منطقة تبعد عن البصرة في العراق (15 كيلومترًا)، سكانها يغلب عليهم كونهم من أصول نجدية، نشأتُ هناك نشأة طبيعية وعادية ابنًا أكبر للعائلة، وكان جدي (والد أمي) إمام مسجد، وأنا من متديِّني مرحلة الحرب الباردة، وهي المرحلة التي تفاعلتْ في السبعينيات. تلقَّيتُ تعليمي في متوسطة مصعب، وحصلتُ على الشهادة المتوسطة، وفي عام 1970م ، بدأ نوع من الصحوة الدينية في جميع أنحاء الخليج تقريبًا، ولقد تأثرتُ بأشرطة الشيخ عبد الحميد كشك ، وهو واعظ مفوَّه مصري، وتأثرتُ بأطروحاته وبكلامه، واستطعتُ أن أحصل على بعض كتب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، وتأثرتُ بالفكر السلفي، ولكن كان تأثري في تلك المرحلة يكاد يكون تأثُّرًا سطحيًا نوعًا ما؛ لأن قضايا التوحيد كانت غائبة، ولا توجد إلا قضية واحدة ، ألا وهي قضية تحكيم السنَّة والأحاديث ، وصحتها وما شابه.

أنا أذكر في تلك المرحلة أن مجمل الشباب في الحي عندنا ، تديَّنوا وأصبحوا يذهبون للصلاة في المساجد ، علمًا بأن كثيرًا منهم كان لا يصلِّي. فأنا ابن هذه المرحلة؛ مرحلة الحرب الباردة، فبعد ارتفاع أسعار البترول ، بعد عام 1973م ظهر نمط من الوُعَّاظ ، الذين نشطوا في المنطقة، فكان يأتي وُعَّاظ من الكويت يعظون في البَصرة ، مثل سيد سابق وغيره.

نشأة (الجماعة السَّلَفية الـمُحتسبة) وتطوُّرها

* تأسَّست الدعوة السلفية المحتسبة ، في سنة 1966م تقريبًا ، في هذه الفترة تجمَّع خمسة أشخاص ، وقاموا بتأسيس هذه الجماعة، وهم: جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي ، و سليمان بن شتيوي ، و سعد التميمي ، و ناصر بن حسين ، وآخر لا يحضرني اسمه الآن. هؤلاء تجمَّعوا سنة 1966م تقريبًا ، واتفقوا على أن يؤسسوا جماعة تقوم بالوعظ، وهذه الجماعة تأسَّست على أساس ، أنها جماعة تهتم بقضايا التوحيد وتحكيم الكتاب والسنَّة.

كانت في تلك الفترة توجد جماعة التبليغ ، التي تضم الذين يقومون بالوعظ من الجماعات الإسلامية ، وكانت جماعة التبليغ هي الوحيدة التي تقوم بالوعظ، وجماعة التبليغ جماعة من المعروف أنها ذات خط صوفي، وهذا الخط (بحسب ما تراه هذه الجماعة) ، ينافي خط السَّلَف الصالح، فقرروا أن يؤسِّسوا جماعة تقوم على منهج السَّلَف ، بحيث يأخذون بالكتاب والسنَّة، ويأخذون بقضايا التوحيد، وينبذون التمذهب بأحد المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة. فاتفقت هذه الجماعة على أن يكون خطها سلفيًا، خصوصًا أن واحدًا من هذه الجماعة من تلاميذ الشيخ الألباني ، واثنين ينتميان سابقًا إلى جماعة التبليغ، وواحدًا (الذي هو جهيمان ) متديِّنًا متحمِّسًا ، لكن على طريقة الإخوان القدماء. فاتفق هؤلاء على تأسيس هذه الجماعة، وذهبوا إلى الشيخ عبدالعزيز بن باز ، و طرحوا عليه فكرتهم بأن يقوموا بمنهج الدعوة، وأنهم خارج المؤسسة الرسمية، وأنهم يحتسبون (أي يدعون إلى الله مجانًا). فقال لهم: هل اتفقتم على اسم؟ فقالوا له: نعم، بما أننا نمشي على خط السَّلَف الصالح؛ فنحن نرى أن نطلق على أنفسنا تسمية (الجماعة السَّلَفية). فقال لهم: وبما أنكم تحتسبون الدعوة ، وتحتسبون الأجر من الله أضيفوا إليها (المحتسبة). فأصبح اسم الجماعة (الجماعة السَّلَفية المحتسبة). وطلبوا منه أن يكون هو مرشدهم، ووافق على ذلك، وأصبح يحضر في بيتٍ سُمِّي (بيت الإخوان)، فقد استأجروا لهم بيتًا في منطقة الحرَّة الشرقية في المدينة، وأصبح يُطلق عليه (بيت الإخوان)، وأصبح يُحيي أمسيات الدروس العلمية فيه الشيخ عبدالعزيز بن باز ، والشيخ أبو بكر جابر الجزائري (الذي أصبح نائب المرشد)، وبعض المشايخ.

وأصبح لهذه الجماعة أشبه ما يكون بمكتب إرشاد، أو بمعنى أصحّ (مجلس إدارة) يضم المجموعة المؤسِّسة، وأضافوا إليهم أحمد حسن المعلِّم (وهو من حضرموت )، وكان معهم الشيخ علي المزروعي (وهو أستاذ في دار الحديث)، واستمرَّت هذه الجماعة في منهج الدعوة، وطبعًا كانت قراءتهم ، وتركيزهم منصبًا بالدرجة الأولى على كتب الشيخ الألباني والكتب الأصول (كتب السنَّة)، لم تكن في مكتبات الإخوان بشكل عام كتب كثيرة في فروع الفقه، كانت قليلة، فكان أكثر كتبهم كتب السنَّة ( البخاري و مسلم والسنن الأربعة)، إضافةً إلى كتب الشيخ الألباني (سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، وصحيح الجامع الصغير، وضعيف الجامع الصغير), هذه بعض الكتب التي كانت موجودة عند الشباب في مكتباتهم الخاصة (بشكل عام).

أصبح مجموعة الشباب يقومون برحلات بالسيارات للدعوة في الأمكنة القريبة ، مثل (النّْخِيل) ، و بعض الأمكنة القريبة من المدينة ، ثم اتسعت الدعوة إلى أن شملت مكة بسبب ذهابهم المتعدد لأداء العمرة, وتعرَّفوا إلى مجموعة من الشباب هناك، وأصبح هؤلاء المجموعة ، يحملون فكر الجماعة في المدينة نفسه. وتعرفوا إلى جماعة في جدة ، وفي الطائف ، وفي الرياض . كان في كل منطقة من هذه المناطق بيت للإخوان ، وكان فيها ما يُسمَّى بأمير الإخوان في هذه المنطقة. أول أمير للإخوان في الرياض كان (محمد الحيدري) ، وأمير الإخوان في مكة كان (عايض بن دريميح) ، وأمير الإخوان في جدة كان (يوسف باوزير) ، وهكذا تأسَّست المجموعة، وصار يوجد نوع من الزيارات، ونوع من الوعظ....

في هذه المرحلة التي هي البدايات (في أواسط السبعينيات) لم يكن هنالك طرح لقضية المهدي، إنما تُطرح قضية المهدي بوصفها قضية علمية أكثر من كونها قضية ستحصل قريبًا، لكن كان يوجد تكثيف ، وتأكيد على قضايا الأحلام والرؤى، وهذه سيكون لها دور فيما بعد في سنة 1979م.

التعرُّف إلى (الجماعة السَّلَفية) وإلى جهيمان

* في عام 1976م ، كنت في الرياض ، وكان يوجد في الرياض عدد من الجماعات الإسلامية: جماعة التبليغ، وجماعة الإخوان المسلمين (بفصيلَيها)، وكان لا يوجد في الجماعة السلفية إلا أفراد معدودون جدًا في الرياض في هذه الفترة. في عام 1976م ذهبت لأداء العمرة ، وقال لي أحدهم: إن هذا الشخص سلفي من تلاميذ الألباني (محمد ناصر الدين الألباني) . فأحببتُ أن أتعرف إليه؛ وهو الشيخ علي المزروعي . لقد تتلمذ الشيخ علي المزروعي في الجامعة الإسلامية على يد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، وتلقى منه كثيرًا من أفكاره،ثم تحوَّل إلى المذهب الظاهري ، وأصبح ظاهري المذهب ، ومتمسكًا بهذه الظاهرية بشدة، فكان يجلس في الحرم ، ويناقش حول قضايا التمذهب بأحد المذاهب الأربعة ، ومدى جدواها ومدى حقيقتها: هل هي من الإسلام أم لا؟ وهل هي فعلًا لها أدلة تعضدها من الإسلام أم لا؟

والذي حدث ، أنه في تلك الفترة تنبَّه له مجموعة من المشايخ ، وجادلوه في هذه المسألة في الحرم، وأنا حضرتُ آخر يوم كان فيه أحد طلبة العلم المؤيِّدين للتمذهب ، يجادل الشيخ علي المزروعي .

لقد كنت مع فكرة عدم وجود المذاهب ، ووجود شيخ ينافح ، ويدافع عن هذه الفكرة كان أشبه ما يكون بحُلُم، فأنا تأثرت وجلست عنده ، وسمعت كلامه وتأثرت به كثيرًا، وبعدما انتهينا قصدتُ الشيخ علي المزروعي ، وقلتُ له: أنا أريد أن أدرس عليك، أن أقرأ عليك العلم. فقال لي: من أين أنت؟ قلت له: من الرياض . قال لي: أنا أدرِّس في دار الحديث في المدينة ، تعال سجِّل في دار الحديث.

-وبالفعل- رجعتُ بعد رمضان إلى الرياض ، ومن الرياض سافرتُ إلى المدينة ، وفي المدينة أتيتُ متأخرًا على التسجيل في دار الحديث، فكتب لي خطابًا ، وقال: هذا خطاب لأمير الإخوان في مكة (الذي هو عايض بن دريميح ) واسأل عنه في مكة , أو اسأل عن (عبدالله الحربي) .

ولقد ذهبتُ إلى مكة ، والتقيتُ بـ عايض بن دريميح ، كان عند الإخوان وقتها بيت صغير جدًا وكئيب، لا توجد فيه إلا غرفة واحدة، وكانت الغرفة حقيقةً شبه غرفة ؛ لأن السقف من (البلاكاش) والجدران غير مليَّسة، ولا توجد في هذا البيت حمامات, فكنا نغسِّل في حمامات الشوارع.

الخلاصة : أني التقيتُ بـ عايض وأعطيته الخطاب، و عايض دبَّر لي شأن دخول معهد الحرم، وهكذا دخلتُ معهد الحرم ، وأصبحتُ من الإخوان في مكة . التقى بي عبدالله الحربي ، وأصبحت علاقتي بـ عبدالله الحربي قريبة جدًا. عبدالله طالب علم أيضًا كان يدرس على يد الشيخ بديع . إن هذه الأجواء هي أشبه ما تكون بحُلُم: أن تذهب إلى مكة ، وتطلب العلم على طريقة الأروقة القديمة، تطلب العلم على يد بعض المشايخ وما شابه... هذه الأجواء أشبه بحُلُم ، وكأنك تعيش في العصور المتقدمة، عصور رواية الأحاديث، عصور صبر طلاب العلم على شظف العيش، هذه الأشياء كلها تعطيك دافعًا وحماسًا لأنْ تعيشها، هي أشبه ما تكون بحياة زهدية. وفعلًا تسجَّلتُ في معهد الحرم ، وكان وقت الحج قد قَرُب، وقال لي عبدالله إن الإخوان الذين في المدينة سيأتون من المدينة ، وسنكون نحن مسؤولين عن إعاشتهم وضيافتهم؛ لأننا أصحاب الموقع. وفعلًا الإخوان في مكة هم الذين نصبوا الخيام ، وأصبحنا نحن نقوم بمهمات احتساب: نقوم بجلب الأكل والخبز في منتصف الليل من مدينة مكة .

وقد قُدِّم للقائي بـ جهيمان أشبه ما يكون بتجهيز وتحضير نفسي عن هذا الرجل وحكاياته، وفراسته، وقدرته على فهم النفوس وفهم الناس، وأنه رجل عنده قدرة على تفسير الأحلام. كل هذه الأشياء سبقت رؤية جهيمان ، فلما رأيته كانت كل هذه الأشياء مؤثِّرة فيَّ في هذه الرؤية. والتقيته وتعرَّفت عليه جيدًا. كنا مشغولين في الحج كثيرًا بخدمة الإخوان ، الذين جاؤوا من جميع أنحاء المملكة؛ فقد جاء تقريبًا مجمل الإخوان الذين في المدينة ، والإخوان الذين في حائل ، والإخوان الذين في جدة ، والإخوان الذين في الطائف ، مجملهم كانوا قد جاؤوا. وفعلًا قمنا بخدمتهم في تلك الفترة ، التي هي فترة الحج.

التكوين الفكري والنفسي لجهيمان

*لقد كنت في لقائي بـ جهيمان -في تلك الفترة- تحت تأثير الدعاية التي سبقته، لكن عندما استمرَّيت في العلاقة معه مدة أطول ، اكتشفت أن هذا الرجل يملك روح القيادة؛ يعني أن عنده قدرة على قيادة المجموعة التي معه، ويملك قدرة على إقناعهم ، بطريقة الجمود عند ظواهر نصوص الشرع. الذي لاحظتُه مثلًا أنه كان إذا قام بالوعظ ، فإنه -غالبًا- لا يقوم به في المدن، فغالبًا وعظه في القرى والهجر التي فيها بدو. اكتشفت فيما بعد أن جهيمان أيضًا عنده مشكلة كبيرة في لغته نحويًا، فلمَّا تأمَّلت وسألت قال لي جهيمان بنفسه: أنا لم أكمل دراستي ، إلا إلى الصف الرابع الابتدائي، ودرسته لأجل التعيين في الحرس. (كان هو سائق سيارة "وايت" (خزان؛ أوصهريج) في الحرس) فاستغربت, لكنه يتمتع بذاكرة قوية، يحفظ النصوص، يتمسك بظاهر النَّصّ بجمود، وربما هذا أضفى عليه سمة الإقناع نوعًا ما: أنه متوقف عند ظاهر النَّصّ, فروح الفقه غير موجودة عندهم؛ ولهذا نجد أنه لا يوجد في في مكتبة جهيمان أي كتاب في فقه الخلاف.

لقد استطاع جهيمان أن يؤثِّر في المجموعة التي معه في قضايا ، هو روَّجها عن نفسه مثل قضية قدرته على تأويل الأحلام (تفسيرها)، وقدرته على تمييز الناس ، والإيحاء بأنه رجلٌ صاحب بصيرة و تبصُّر.وهذا الجانب سيكون له دور فيما بعد في قضية المهدي؛ لأن الأحكام التي جاءت في قضايا الرؤى والأحلام، واختيار محمد عبدالله نفسه ؛ يكاد يكون جهيمان عنصرًا رئيسًا في إقناع المجموعة التي معه بها؛ بسبب هذا التصور الذي أعطاه عن نفسه.

الجانب الثأري في حركة جهيمان

* ينتمي جهيمان – حقيقةً – إلى نوع من الناس يعدون أنفسهم من المتضرِّرين، فهو سليل أسرة من الإخوان القدماء؛ فوالده (محمد بن سيف العتيبي) هو صديق خاص لـ سلطان بن بجاد ، وعندما كان سلطان بن بجاد في السبلة يحارب الملك عبدالعزيز كان محمد بن سيف إلى جانبه يحاربان معًا، فهما رفيقا سلاح، فورَّث جهيمان بغض هذه الدولة التي قتلت سلطان بن بجاد ، حتى إني – أحيانًا – أتأمَّل حركة جهيمان فأجد فيها كثيرًا من الجانب الثأري في هذه المسألة تحديدًا, فمواقف جهيمان العدائية للدولة ، وللنظام بشكل عام بسبب أنه ورث العداء من أبيه، فأبوه كثيرًا ما كان يردِّد أن الدولة قتلت سلطان بن بجاد وأنها لم تكن صادقة معه.. وما شابه.

و جهيمان عندما هرب فيما بعد لم يكن يريد أن يسلِّم نفسه ؛ لأنه يرى أن الدولة لا توجد عندها مصداقية بسبب قضية أنه غدرت بـ سلطان بن بجاد .

فالمواقف السياسية التي عند جهيمان تكاد تكون موروثة عن العداء ، الذي كان بين الإخوان الذين قاموا في السبلة ، وبين الدولة. ومواقفه مواقف وعظية، فهو في الجلسات الخاصة يتحدث عن الدولة بشكل عداء شخصي، لكنه في الوعظ يحاول أن يتصيَّد على الدولة أي خطأ شرعي (حسب وجهة نظره هو).

الانشقاق داخل (الجماعة السَّلَفية)

* كانت الجماعة قد شكلت على خط لها مجلس شورى ، يضم مجموعة المؤسِّسين، إضافةً إلى أحمد حسن المعلِّم و علي المزروعي ، وكان لها أمير في المدينة هو (ناصر بن حسين) . هذه النقطة مهمة جدًا ؛ لأنه فيما بعد نشأت مشكلات بين جهيمان ومجلس الإدارة ؛ لأن جهيمان كان يتخذ مواقف ويطلق تصريحات يُحرج فيها مجلس الإدارة ، ولا يرجع لهم في شيء, فصار يوجد نوع من الخلافات، استمرت هذه الخلافات إلى سنة 1978م تقريبًا ، في هذه السنة حصل نوع من الانشقاق الكبير ، بسبب أن هذه المجموعة في مجلس الإدارة ، كانت ترى أن جهيمان يقوم بارتجال بعض المواقف التي لا داعي لها، مثل مواقفه من الدولة والحكومة.. , وحصل أن بعض الشباب الذين ينتمون إلى الجماعة ، أصبحوا يذهبون إلى الحرم ويصلُّون بنعالهم, وحصل خلاف حول قضية التثويب في الأذان (الصلاة خيرٌ من النوم) هل هي في الأذان الأول أم في الأذان الثاني؟

والذي حدث أن جهيمان أثار المشايخ على الجماعة، ومن الداخل كانت عنده مشكلات مع مجلس الإدارة ؛ لأنه يرتجل المواقف ، ولا كان يرجع إليهم في شيء.

فصار انشقاق داخل الجماعة، مجموعةٌ انشقَّت هي مجموعة المشايخ الصغار ، فصارت مجموعة الخط الثاني مع جهيمان ، يعني أن الذين كانوا حول جهيمان في هذه المرحلة كلهم شباب صغار في السنّ ، بسبب الانشقاق الذي حصل. وهذا يجيب عن سؤال مهم: لماذا الشباب صغار السنّ هم الذين حول جهيمان ؟ لماذا لا يوجد كبار في السنّ حوله؟ السبب في هذا : أن الكبار في السنّ انشقُّوا عن الجماعة في هذه الفترة.

اعتقالات لبعض أفراد الجماعة

* في سنة 1978م ، وصل لـ جهيمان خبرٌ مفاده أنه في مساء هذا اليوم ، ستحصل اعتقالات للجماعة. وفعلًا قال لي: ستحصل اعتقالات للجماعة، هل تخرج معي؟ قلت له: أخرج معك. فخرجتُ مع جهيمان وخرج معنا شخصٌ اسمه دهام العنزي ، خرجنا بعد العصر، واتجهنا إلى البَرّ (الصحراء)، في هذه الفترة خرجنا ، ولا ندري ما الذي حصل. جئنا إلى جماعةٍ من الإخوان ، يسكنون في البَرّ وسألناهم: هل عندكم خبرٌ عن هذا الموضوع ؟ (هذا بعد أسبوع من هروبنا؛ جئناهم بعد أسبوع)، فقال واحدٌ منهم: ليس عندي خبرٌ بعد، لكن دعوني أذهب إلى القصيم لأرى ما الذي حدث.

-وبالفعل- ذهب إلى القصيم ورجع وقال: توجد اعتقالات للإخوان في الرياض وجدة ومكة والمدينة ، وإن جهيمان مطلوب، وإنك أنت يا ناصر ما جاء بخصوصك شيء، وأنت يا دهام ما جاء بخصوصك شيء أيضًا، اسماكما لم يردا في الطلب. فقال لي جهيمان : بما أنك لستَ مطلوبًا فارجع. وفعلًا رجعت إلى الرياض . هذه هي مرحلة الاعتقال الأول.

الاعتقال الأول في عام 1978م

* الذي أعرفه في قضية الاعتقال الأول ، أنه كان بسبب تقرير كيدي من أحد أعداء الجماعة، وأن الداخلية نفسها تحقَّقت من أن الذي جاء في التقرير غير صحيح، فأطلقوا سراحهم، إضافةً إلى أن الشيخ عبدالعزيز بن باز زكَّاهم ومدحهم عند وزير الداخلية. لكن هذا لم يكبح جماح موقف جهيمان من الدولة، بل على العكس : بمجرد ما أُطلق سراحهم أصدر جهيمان أول رسالة له التي هي "رفع الالتباس"، وسبَّبت إشكالية كبيرة.

رؤية جهيمان المضادَّة للتحديث

* كان جهيمان – حسب معاشرتي له– على طول الخط ضد التحديث؛ مثلًا: هو ضد الدراسة النظامية، ويعدها مضيعة للوقت ، وليست من العلوم؛ أي أنك عندما تدرس الرياضيات واللغة الإنكليزية ، وما إلى ذلك فهذا كله ليس من العلوم التي تقرِّب إلى الله. فهو ضدّ هذه الأشياء؛ كما تفاعلت عندهم قضية الصُّور على العملة، هذه سبَّبت لهم إشكالية كبيرة، يكاد جهيمان يكون ورث هذه الرؤية ، أو هذا التفكير والموقف ضد التحديث من إخوان السبلة، فمن ضمن أسباب خروج إخوان السبلة على الملك عبدالعزيز – رحمه الله – أن الملك عبدالعزيز أدخل نظام البرقيات والبريد وما إلى ذلك, والموقف نفسه نجده عند جهيمان , نجد أن لديه آراءً قريبةً جدًا في التحديث الذي حدث في ذلك الوقت، مثلًا قضية التلفزيون: جهيمان ضدها على طول الخط، بل إن كثيرًا من الإخوان في الحرَّة الشرقية ، لم يُدخلوا الكهرباء إلى بيوتهم ، إلا في وقت متأخِّر، فهم يرون أن الكهرباء رفاه لا داعي له.

إن هذا ينسحب على موقفهم السياسي من الدولة، فـ جهيمان على طول الخط موقفه من الدولة موقف معارض، فلم يهادن.. و لم يفكر في أن يهادن الدولة طوال الفترة ، التي عرفتُه فيها إلى أن دخل الحرم هو ومن معه.

إصدار الرسالة الأولى لجهيمان

* الكتب التي أصدرها جهيمان ، تكاد تكون هي نفسها الأفكار ، التي كان جهيمان يصرِّح بها بين أتباعه، مثل قضية المهدي وأشراط الساعة (وهذه رسالة كاملة), فكان جهيمان دائمًا يذكر هذه القضايا.

هذه الكتب ظهرت في عام 1978م بعد خروج المجموعة الأولى من السجن، فألَّف رسالةً اسمها "رفع الالتباس عن سنَّة إبراهيم الذي جعله الله إمامًا للناس"، هذه الرسالة تكاد تكون بيانًا لموقف جهيمان من الجماعات الأخرى والمشايخ والدولة. هذا البيان صرَّح فيه جهيمان بعيوب الجماعات الإسلامية التي كانت معاصرة له, فذكر أن عيب جماعة التبليغ أنهم لا يهتمُّون بالتوحيد، وعيب جماعة الإخوان المسلمين أنهم كانوا فقط يهتمُّون بالسياسة ، وعندهم الروح الانقلابية ، ويريدون أن ينقلبوا على الدولة في حين ، أن النَّصَّ الشرعي نهى عن الغدر في الإسلام، إضافةً إلى أنه تكلم في هذه الرسالة عن موقفه من المشايخ وأطلق عليهم (مشايخ السلطة)، وأوضح موقفه من العمل في الوظائف الحكومية، -وبالطبع- جهيمان كان ضد العمل في الوظائف الحكومية، وتحديدًا للمشايخ ؛ لأنه يقول: إذا كانوا يعملون في وظائف حكومية ، فلا يمكن أن يقولوا كلمة الحق, ويجب ألا ندخل في الوظائف الحكومية, وكذلك يجب ألا ندخل في المدارس ؛ لأن المدارس لا توصلك إلى درب الأمان، بل على العكس: فيها ضلال ، ويقولون: الأرض كروية.. وما شابه. كانت تلك هي الرسالة الأولى.

صياغة رسالة "رفع الالتباس" ورسائله الأخرى

* الرسالة متواضعة جدًا، وربما يتساءل بعضهم:كيف تقول إن جهيمان درس حتى الصف الرابع الابتدائي فقط ، ثم هو يؤلف هذه الرسالة؟ -حقيقةً- كان عند جهيمان اثنان يصوغان له رسائله: الأول هو أحمد حسن المعلم وكان شاعرًا وأديبًا (هو شاعر الجماعة)، والثاني هو محمد عبدالله القحطاني ، الذي قالوا فيما بعد إنه المهدي المنتَظَر. و جهيمان يتميَّز بقدرة عجيبة على الحفظ، فهو يكاد يحفظ أمكنة النصوص ويستحضرها، فكان بمجرَّد أن يلقي يصوغ هذان كلامه.

والرسائل –طبعًا- طُبعت في الكويت فيما بعد، وأول رسالة طُبعت في مطابع الطليعة.

طباعة رسائل جهيمان

* ولقد روى لي قصة طباعة رسائله عبد اللطيف الدرباس (وهو كويتي كان في المدينة ) فقال إنه أخذ رسالة جهيمان الأولى إلى مطابع القبس، فطلبوا سعرًا عاليًا قليلًا.. وهي رسالة صغيرة، فأخذها إلى مطابع الطليعة ، وقال لهم: إن هذا الشخص الآن مطارَد ومعارِض للدولة. –طبعًا- من المعروف أن توجُّه مطابع الطليعة يساري، وكانت تؤيِّد الحركات الراديكالية، فطبعوها بسعر التكلفة، وطبعوا كمِّيات كبيرة، ثم من بعدها جاءت جميع الرسائل: طبعوا الرسائل الأربع ، ثم سبع رسائل، ثم طبعوا أعمالًا كبيرة (عشر رسائل تقريبًا), إضافةً إلى أنهم كانوا يطبعون الرسائل الصغيرة، يطبعونها أيضًا منجَّمة (مفرقة ، كل جزء على حد).

دوافع الانتماء إلى الجماعة

* كثيرٌ من الذين انضمُّوا إلى جهيمان ، انضمُّوا إليه على أساس أن هذا شخص مناضل ويعادي السلطة. في تلك الفترة كان لهذه النوعية من الناس سحرها، فكان يوجد أناسٌ يؤمنون فعلًا بالأفكار التي يقولها جهيمان ، وآخرون عندهم حب الاستطلاع ، ويريدون أن يعرفوا ماذا يقول؟

لهذا تورَّط مع الجماعة أناس هم أصلًا غير مقتنعين بأفكاره، تورَّطوا معها فقط ؛ لأنهم خجلوا أن يقولوا (لا)، خجلوا أن يعدِّلوا بالأفكار، خجلوا أن يعارضوا بعض الأفكار، خصوصًا قضايا حمل السلاح، والمبالغة في الضدِّية في المنشورات، والمبالغة في التحريض.

دوافع انتماء غير السعوديين إلى الجماعة

* كان هناك نوعان من الناس ، الذين هم من الخارج واستطاعوا أن يصلوا إلى الجماعة: مجموعة هم أصلًا طلاب في الجامعة الإسلامية، أو طلاب في جامعة أم القرى، واستطاعوا من خلال هذا أن يصلوا إلى الجماعة، وآخرون آمنوا بأفكار الجماعة –فعلًا- عندما جاؤوا لأداء العمرة وما شابه. ومجموعة أخرى لم يؤمنوا أصلًا بأفكار الجماعة ، ولكنهم وجدوا لهم مكانًا يؤويهم، فانضمُّوا إلى الجماعة على هذا الأساس (مكان للإيواء). الجماعة كانت مفتوحة ، وليست مغلقة على نفسها، كانت مفتوحة.. والجميع يأتي إليها.

الظروف المحيطة بنشأة الجماعة، وبروز الفكر التكفيري لديها

* فيما بعد سنة 1977م ، بدأ حسُّ التديُّن يتنامى عند كثيرٍ من الناس؛ نتيجةً لتنامي الدعوة بسبب البذل وتجنيد الدعاة لمحاربة الشيوعية والاتحاد السوفييتي، وبدأنا نسمع عن أعمال القمع التي يتعرَّض لها المسلمون في أفغانستان في تلك الفترة من خلال ما نسمعه عن الحجاج ، الذين يأتون من أفغانستان ومن باكستان .

بعد صدور الرسالة الأولى التي هي "رفع الالتباس" انضمَّ إلى الجماعة السلفية شباب كثيرون متحمِّسون من الذين رَأَوا أن الموقف الراديكالي هو الحل (بوصفهم معارضين للدولة), خصوصًا أننا بدأنا نسمع مثل هذا من جماعات التكفير ، والهجرة الذين بدأنا نرى فلولهم عندنا في المدينة ، ومن الجماعة الإسلامية في مصر ، وجميعها جماعات راديكالية متشدِّدة عنيفة، هذه كان لها أيضًا دور من خلال صحبتهم لمجموعة من الشباب الذين كانوا في المدينة ، حتى إن بعض الشباب الذين كانوا في المدينة – مثل فيصل محمد فيصل – تبنَّى هذا الفكر التكفيري، ولأنَّ جهيمان دائمًا يخاف من أن تُطلَق على الجماعة تسمية (خوارج) وأن يحملوا فكر الخوارج؛ فقد حرص على أن يكون هناك نقاش ما بين فيصل محمد فيصل ، والشيخ الألباني لتحديد وجهة أهل السنَّة والجماعة في قضايا الحاكمية والحكم بغير ما أنزل الله.. وما شابه.

وفعلًا تمَّ هذا اللقاء، واقتنع فيصل بوجهة نظر الشيخ الألباني التي يرى أنها تمثِّل وجهة نظر أهل السنَّة والجماعة في قضايا الحاكمية، ولفت نظره إلى كتاب الإيمان للشيخ ابن تيمية (طبعًا فيصل محمد فيصل كان له تأثير كبير في الجماعة، وتحديدًا في الشباب الصغار؛ لأنه كان يُعد المرجع الرئيس في كتابات ابن تيمية وكتابات التوحيد)؛ فباقتناع فيصل قطع الطريق على الأفكار التكفيرية.

لكن حصل نقاش في القضية؛ قالوا: يا جهيمان , إذا لم نكفِّر الدولة ، فما هي الذريعة في الخروج عليها؟ فقال: يمكن أن نخرج على الدولة من غير أن نكفِّرها، بذريعة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر.

لكن هذه الرؤية أطلقها جهيمان قبل الاعتقال الأول، لكن بعد الاعتقال الأول أصبحت لدى جهيمان رؤية أخرى هي تفعيل قضية المنامات وقضية المهدي المنتَظَر، تفعيلها في ذهنية الشباب، أعتقد بأن ذلك كان مقدمةً أو تحضيرًا لإبراز محمد عبدالله القحطاني .

موقف الجماعة من الدولة

* كان موقف الجماعة من الدولة يختلف من فرد إلى فرد، فبعض أفراد الجماعة كانوا يرون أن هذه الدولة دولة مسلمة ، ولها بيعة ويجب طاعتها، وعندها أخطاء يمكن إصلاحها، لكنَّ أناسًا آخرين – وعلى رأسهم جهيمان – كانت رؤيتهم للدولة بشكل عام (وأكاد أجزم أن هذه الرؤية تكاد تكون رؤية ثأرية) ، كانت رؤيتهم راديكالية متشدِّدة ضد القائمين على الدولة، لا يرون لهم البيعة ، ولم يعقدوا لهم بيعة، ولا يرون لهم السمع والطاعة، بل يرون الخروج عليهم باسم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر. صحيحٌ أن المجموعة لم تصرِّح بالتكفير ، ولم يأتِ التكفير في أدبياتها؛ لكن ممارساتهم تدل على أنهم يرون القائمين على الدولة في مرحلة قريبة من الكفر.

هذه الرؤية الراديكالية المخطئة ، هي التي أدَّت فيما بعد إلى أن جهيمان – كي يهرب من تكفير الدولة – جعل وجود القائمين على هذه الدولة – وعلى رأسها الملك خالد رحمه الله – من علامات الساعة؛ بمعنى أن مرحلة الملك خالد هي آخر مرحلة تنطبق عليها علامات الساعة ، ففي عصره كثرت الفتن وفي عصره لا يوجد بيت إلا دخلته هذه الفتنة....إلى آخره، فهذه الرؤية الراديكالية ضد الدولة والأسرة الحاكمة أسَّست لحادثة دخول الحرم.

الموقف ضد الدولة تمهيدٌ لإعلان المهدي

* أي حركة ترفع السلاح ، لابد من أن يكون لها موقف من الجهة التي ترفع السلاح في وجهها. صحيحٌ أنها حركة راديكالية، حركة لها موقف من الحكومة، لكن حتى موقفها من الحكومة عندما نتأمَّل تبريراته في الرسائل ، التي ألفها جهيمان نجد أنه موقف من أجل التمهيد لقضية المهدي، يعني أن معارَضة جهيمان للحكومة هي لصالح القضية الأكبر التي هي قضية المهدي. ووجهة نظره أن الدولة عملت منكَرات، أدخلت التلفاز, ووضعت الصُّوَر على العملة... هو له موقف من الصُّوَر أصلًا، لكن لـمَّا صدرت العملة ، وفيها صُوَر ولا يوجد بيت إلا تدخله؛فهنا جيَّر الموقف الرافض للعملة ذات الصور لصالح أشراط الساعة.

جانب الجذب في شخصية جهيمان، وانعدام الرؤية المستقبلية

* يتميَّز جهيمان بشخصية قيادية، وهو رجل يبذل.. رجل كريم، رجل قيادي بالفطرة ، ويجيد إدارة المجموعة التي معه، لكن عنده مشكلة في استراتيجية الحياة؛ فهو متعلِّق بشكل شديد بالرؤية الخلاصية (الحل) في مرحلته.

جهيمان – حسب معرفتي له بشكل شخصي – يحب شرب الشيح، وهو يأخذه من بلده ساجر .

رأيته كثيرًا في مواقف كان فيها نوع من الطِّيْبة، نوع من البذل والسَّخاء والكرم. و جهيمان كان يتفقد أفراد الجماعة الذين كانوا معه، يتفقد ميزانيتهم: هل عندهم مال أم ليس عندهم.. وأشياء مثل هذه.

لكن عنده أكبر مشكلة أن هذا الرجل لا يملك رؤية استراتيجية للمستقبل، فالمستقبل عنده هو خروج المهدي وقتال اليهود وما إلى ذلك. فقد طغى جانب الهَوَس الديني في شخصيته على الجانب الإنساني.

قضية ظهور المهدي

* فكرة المهدي هي فكرة تقوم على جانب مهم ، هو الجانب الخلاصي، وتقوم على معتَقَد هو أننا في آخر الزمان ، وبما أننا على رأس قرن ، فإن الله يُخرِج على رأس كل قرن مَن يصلح أمر هذا الدين. اختارت هذه الجماعة أن يكون هذا الـمُصلح هو المهدي المنتَظَر محمد عبدالله القحطاني .

إن ادِّعاء المهدوية في التاريخ الإسلامي حصل كثيرًا، وآخر ادعاء كان المهدي الذي في السودان ، وبعده جاء المهدي محمد عبدالله القحطاني .

للأسف قضية المهدي دخلت في بعض نصوص العقيدة ، بناءً على أحاديث تكاد تكون بمجملها ضعيفة، هذه الأحاديث الضعيفة هي التي بُني عليها خروج المهدي وصفاته ، وأنه من أهل بيت الرسول، يوافق اسمه اسم الرسول، ويوافق اسم أبيه اسم أبي الرسول؛ يعني أن اسمه محمد عبدالله ، ويُصلحه الله في ليلة، واختلفوا في مفهوم (يصلحه) هل يصلحه لأنْ يكون المهدي؟ ، أم يُصلحه بحيث يقتنع بهذه الفكرة؟

كان بعض أفراد الجماعة يقولون : إن محمد عبدالله القحطاني بقي فترةً يرفض هذه الفكرة ، ويقول: إنها ليست صحيحة. ثم ادَّعى أنه رأى رؤيا تقول له : إنه هو المهدي المنتَظَر، فخرج على الناس ، وقال: أنا اقتنعت بأني أنا المهدي المنتَظَر، ويجب القيام بالبيعة.

وقد حضَّروا لهذه المسألة في مكة فترةً من الزمن، وقبلها حصل كلام في الرياض على قضية المهدي ، وأن محمد عبدالله هو المهدي.

إن من ضمن الأشياء التي حاولوا أن يقنعوا الناس بها ، قضية تواتر الرؤى (الأحلام)، وأنَّ كثيرًا من الإخوان الصادقين رأَوا أحلامًا تقول : إن فلانًا هو المهدي. فدخلت هذه الفكرة في دائرة التواتُر، وتمَّت لهم المسألة بأنهم دخلوا الحرم ، وبايعوا بين الركن والمقام على أساس أن هذا الرجل هو المهدي. هذا الرجل – في فكر هذه الجماعة – لم يأتِ من أجل أن يقيم دولة إسلامية، إنما جاء لكي يذهب إلى فلسطين ، ويقاتل اليهود ويهزمهم، ثم يذهب إلى دمشق ويصلِّي في الجامع الأموي، ثم يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وفي هذه اللحظة يأتي عيسى ابن مريم ، ويبايع المهدي ، ويصلِّي خلفه.

هذا هو السيناريو الذي في فكر هذه الجماعة، وهو سيناريو موجود فيما يُسَمَّى بأحاديث الفِتَن والـمَلاحم، وتوجد رسالة لـ جهيمان حول هذا الموضوع، لكن جهيمان في هذه الرسالة لم يحدِّد اسم المهدي، لكنه كتب فيها أننا في آخر الزمان، وأننا في الوقت الذي كثرت فيه الفِتَن، ويجب أن يخرج في هذا الزمان المهدي ، الذي يُصلح أمر دين هذه الأمة. هذه الرسالة اسمها رسالة "الفِتَن وخروج المهدي ، ثم خروج الدجَّال"، وينتهي سيناريو صلاة عيسى ابن مريم خلف المهدي المنتَظَر ، بأنْ يخرج الدجَّال أيضًا ويقتلونه.

الشخصية التي قُدِّمت على أنها المهدي

* عرفتُ محمد عبدالله القحطاني عندما كان ساكنًا مع عائلته ووالده في البطيحة ، وكان إمام مسجد الرويل وخطيبه، وكان وقتها في السنة الرابعة من دراسته في جامعة الإمام.. أي في السنة الأخيرة ولم يكمل الدراسة؛ لأنه اقتنع بأنَّ الدراسة النظامية لا نفع منها ولا فائدة، وأنه يجب أن يدرس الدراسة القديمة.

ولكي نتحدث عن محمد عبدالله يجب أن نفهم مسألة مهمَّة: في الرياض ظهرت مجموعة من الجماعات الإسلامية العشوائية، هذه الجماعات تكون غالبًا مرتبطة بإمام المسجد، والمسجد غالبًا ما توجد مكتبة مُرْفَقة به، وهذه الجماعات غالبًا هي من الشباب الصغار التابعين لإمام المسجد، أو التابعين للتحفيظ أو شيء من هذا، يجلسون وينظِّمون دروسًا خاصَّة بهم, وهم شباب صغار غير مرتبطين بأي جماعات كبيرة منظَّمة، إنما هي جماعات عشوائية متحمِّسة.

جماعة مسجد الرويل – التي على رأسها محمد عبدالله القحطاني – كان عندها مكتبة ودروس خاصة بها، وكان محمد عبدالله في فترة من الفترات ضد فكرة نبذ التمذهُب، وفيما بعد اقتنع بها تمامًا ، وتبنَّاها وانضمَّ إلى الجماعة.

هو شاب صغير متحمِّس، محدود العلم، يكاد يكون راديكاليًا مندفعًا، فيه شيء من الهدوء، لكنه أيضًا يُعد الرجل القيادي الأول في مسجده ، بين الشباب الذين حوله, وعندما انضمَّ إلى الجماعة السلَفية سحب معه كل الشباب ، الذين كانوا معه في مسجد الرويل وانضمُّوا إلى الجماعة السَّلَفية.

وهو يكتب الشِّعر, وأيضًا قام بدور مهم جدًا في صياغة رسائل جهيمان ، فكما قلنا كان هنالك اثنان هما اللذان يصوغان الرسائل التي ألَّفها جهيمان : الأول هو أحمد حسن المعلِّم ، والثاني هو محمد عبدالله القحطاني , هذان لابد من أن يكونا حاضرَين ، عندما يؤلِّف جهيمان رسائله. وأنا سبق أن التقيت بـ جهيمان في مكانه, كان يؤلِّف إحدى رسائله وعنده حسن المعلِّم , فكان جهيمان يمليها على حسن المعلِّم .

بين شخصية القحطاني وشخصية جهيمان

* الكاريزما التي عند محمد عبدالله القحطاني لا توازي الكاريزما التي عند جهيمان . القحطاني شخصية قيادية، محدودة العِلْم، وبما أني درستُ على يد بعض العلماء ، فإني عندما جلستُ معه وجدته محدود العِلْم، إلا أنه يحفظ القرآن، لكنه خطيب غير مرتجل أي أنه خطيب يقرأ من ورقة، والمجموعة التي معه تحبُّه وتصغي لكلامه، لكن فيه نوعًا من الراديكالية، وتشعر بأنه صِدَامي أكثر من جهيمان , صحيحٌ أن جهيمان عنده راديكالية لكنه لا يقوم بالصِّدَامية العبثية، أما هذا ، فعنده نوع من الصِّدَامية إلى حدٍّ ما.

التمهيدات الفكرية لإعلان المهدوية

* قبل ادِّعاء المهدوية أنا سبق أن سمعت من سعد هذا الموضوع (وهو أخ القحطاني ),وكنا وقتها مسافرَين للحجّ، كنا في سيارة (مرسيدس) شاحنة، وكنت معه في أعلى السيارة مستلقين على فراش والسيارة تسير، فصرنا نتكلم، فقال لي: ألا تلاحظ أن صفات المهدي تنطبق على محمد ؟ قلت له: كيف؟ قال: ألم يرد أن المهدي "أقنى الأنف وأجلى الجبهة"؟ قلت: بلى. قال: ألم تلاحظ أن محمدًا أقنى الأنف وأجلى الجبهة؟ ويوافق اسمه اسم الرسول، واسم أبيه اسم أبي الرسول، وأنه من آل البيت؟ قلت له: كيف من آل البيت وأنتم قحطانيون؟ قال: لا، نحن في الأصل لسنا قحطانيين، نحن أصلنا من آل البيت، جدنا جاء مع الحملة المصرية، فقد كان قائد الحملة يصطحب معه مجموعة من آل البيت ، للتبرُّك ولكي تكتسب هذه الحملة مشروعيتها، وجدُّنا الكبير جاء مع هذه الحملة (فأجدادي من الأشراف الذين كانوا يسكنون مصر )، واستقرَّ في جيزان .

فلمَّا قال لي هذا الكلام قلت له: حسنًا؛ هل أنت جادٌّ في قضية المهدي أم أنك تمزح؟ فضحك وأنا ضحكت ، وظننت أنَّ القضية ليست أكثر من مزاح، لكن لم أتوقَّع أنها فيما بعد ستتفاعل فعلًا ، وسيكون لها جذور بهذا الشكل.

استخدام الرؤى والمنامات للإقناع

* في سنة 1979م ، تفاعلت عندهم قضية المهدي أو فُعِّلت أكثر، ويبدو أنهم في بداية هذا العام (1979م) اشتروا السلاح، فكانت محاولة إقناعنا بالمهدي هي مسألة تحصيل حاصل.

طلبني أحدهم– كان قادمًا في زيارة للرياض ، وهو (عيد الشابحي) – وتناقش معي حول قضية المهدي (طبعًا (عيد) في هذه الفترة كان قد تزوَّج أخت محمد عبدالله القحطاني )، فكلَّمني في قضية المهدي، فقلت له: أنا لستُ مقتنعًا بأنَّ هذا الرجل هو المهدي أو بأنه سيصبح المهدي, ودخول الحرم بالسلاح هذا أمرٌ ليس بسهل.

قال: لا.. لا.. هذا الأمر تواترت الرؤى عليه. فقلت: حتى لو تواترت الرؤى، هذه لها علاقة بالحالة النفسية، فمجموعةٌ يمكن أن يناموا جائعين فيحلموا بالأكل.

فلاحظ أني رافضٌ لهذه المسألة وحتى للنقاش فيها، فلم يعودوا يتحدثون عن هذا الموضوع بحضوري، لكني عرفت من آخرين أنه ستحصل بيعة في مكة على رأس القرن الذي هو 1 -1 -1400 هـ، علمت هذا فيما بعد.

الرؤى لم تكن رؤيا أو اثنتين أو ثلاثًا، بل كانت كثيرة ومتواترة، ولا أعرف أحدًا في الجماعة ، إلا ادَّعى بأنه رأى رؤيا تقول : إن محمد عبدالله القحطاني هو المهدي المنتَظَر، وأنه سيُبايَع في مكة بين الركن والمقام، وأنه هو الذي سيملأ الأرض عدلًا ، حتى إن الذئاب سترعى مع الغنم.

لكن بقيتُ على إصراري على أنَّ المسألة ليست بهذا الشكل. كانت الرؤيا هي المحرِّك لهم، وأنا أتوقَّع أن قضية الرؤيا هذه يمكن أن تُفَعَّل في أي قضية مستقبلية.

شراء السلاح

* الذي عرفته فيما بعد (عندما دخلت السجن) ، أنَّ التجهيز لشراء السلاح كان في بداية عام 1979م، هذا الذي عرفته، كان يوجد مجموعة من تجار السلاح ، ذهبوا ليشتروا السلاح من اليمن ، فقد أُحضر السلاح من اليمن .

لم أكن أعرف –قبل السجن- تفصيلات، لكن بعد أن دخلت السجن التقيت بمجموعة رووا لي تفصيلات. قبل حادثة الحرم كنتُ رافضًا قضية المهدي، ورافضًا حمل السلاح، وأعرف أنهم سيدخلون مكة ، وسيبايعون المهدي المنتَظَر بين الركن والمقام، وأعرف أنهم سيدخلون في 1 \ 1 ، لكن لم تكن لديَّ تفصيلات حول كيفية إحضارهم و إعدادهم للتدريب، لم تكن لديَّ تفصيلات ، إلا بعد أن دخلت السجن والتقيت ببعضهم وحكوا لي.

التدريب على استخدام السلاح

* التدريب الذي تمّ ، كان غالبًا في (النّْخِيل) ، ومن المعروف أن كثيرًا من الشباب الذين كانوا مع جهيمان كانوا في الحرس الوطني، وبعضهم في الجيش، وبعضهم في الشرطة، فلا يُسْتَغْرَب أنهم من الممكن أن يدرِّبوا ؛ لأنهم أصلًا متدرِّبون ومكتسبو خبرات، فلا يُستَغْرَب أنهم قاموا ببعض التدريبات التي تمَّت في منطقة (النّْخِيل) .

اقتحام الحرم واستخدام السلاح

* حسبما قال لي فيصل محمد فيصل ، فإن كمًا كبيرًا من السلاح الذي كان سيُستعمل في لحظة السيطرة ، أدخلوه في مجموعة من توابيت الموتى، وبمجرد أن كبَّر الإمام للصلاة أخرجوه من التوابيت ورفعوه.

ولقد سيطروا على المسجد بسرعة ؛ لأنه كان في خطتهم أن يغلقوا الأبواب كلها عدا أبواب قليلة ، يتركونها لأجل الذين سوف يُخرجونهم؛ فهم لا يريدون أن يحصروا عددًا كبيرًا في الحرم كي تسهُل عليهم السيطرة على المسجد. وأدخلوا وايتات (صهاريج) ماء فيها تمر كي يأكلوا تمرًا مع ماء.

هذا الذي أعرفه في المسألة، قال لي فيصل : كان الاتفاق على ألا يطلق أحدٌ النار في الحرم، إلا إذا قاومهم أحد. وحسب كلامهم أنه حصلت مقاومة عند أحد الأبواب وأُطلق النار، وأن واحدًا منهم أطلق النار على عسكري، كان العسكري أعزل ليس معه سلاح, أطلق عليه النار ، وبدلًا من أن تصيب الرصاصة العسكري أصابت حديدة في الباب، وارتدَّت على مُطلق النار وقتلته.

كان من كلامهم أنهم لن يرفعوا سلاحًا في الحرم، لكن الفوضى التي حصلت لم يمكن التحكُّم بها ، فرُفع السلاح حتى من قِبَلهم, مثل حادثة هذا الرجل الذي أطلق النار على العسكري, العسكري ليس له ذنب ، وليس معه سلاح ولا داعي لإطلاق النار.. فلماذا إطلاق النار؟!

أخبار الاقتحام، وإلقاء خطبة في الحرم

* أنا –طبعًا- سمعت عن الأحداث في أول حدوثها ، من خلال المذياع، وتحديدًا كنت أسمع محطة لندن (BBC)، ثم أحضر لي أحد الذين أعرفهم من المتديِّنين شريطًا فيه الخطبة ، التي أُلقيت في الحرم (خطبة خالد اليامي الذي خطب في الحرم) وسمعتها، وسمعت التوجيهات التي كان يطلقها جهيمان .

في تلك الفترة طبعًا أَسِفتُ جدًا، وعرفتُ أن الجماعة كلها ضُحِّي بها بسبب فكرة غبيَّة مثل هذه.

مضمون الخطبة

* هي خطبة تمهيدية كي يعرف الناس ، لماذا قامت هذه الحركة بمبايعة المهدي، و الخطبة فيها الأدلة الشرعية على مبايعة المهدي، وكلام حول تواتُر الرؤى الدالة على أن هذا الرجل هو المهدي؛ ففيها الأدلة الشرعية ، وأقوال العلماء وتواتُر الرؤى، وذكروا بعض الرؤى.

مقاومة مسلَّحة

* هجوم المصفَّحات جاء عن طريق المسعى، فكانوا يأخذون الزمازم (كانت من الفخَّار) فيملؤونها بالبنزين ، ويرمونها على المصفَّحات فتتفجَّر المصفَّحات, إضافةً إلى أنهم عملوا متاريس من سجَّاد الحرم.. عملوا منه متاريس كبيرة كي يختبؤوا وراءها ويطلقوا النار.

كانت هناك كثافة في إطلاق النار، وعشوائية، وقنص لا داعي له.. فحسبما سمعت كان يوجد قنص من المآذن ، وكانوا يقنصون أي هدف متحرِّك، هذه مشكلة كبيرة.. مشكلة كبيرة حقا، فقد صار فيها نوع من العشوائية ، والظلم في القتل.

استخدام الخلوات

*إن الضرب أنزلهم إلى الأسفل ، فقد جاء عليهم في الدور الأول، فقد كانوا فوق السطح، ثم أنزلتهم شدَّة الضرب من السطح إلى الدور الثاني، ومن الدور الثاني إلى الدور الأول، ثم نزلوا إلى الأقبية (الخلوات).

قال لي فيصل : كان وضعنا سيِّئًا جدًا؛ ففي بعض الخلوات بدأت تفوح رائحة القتلى؛ كان القتلى مكدَّسين في بعض الخلوات ، وبدأت الرائحة تفوح منهم.

أضف إلى هذا أن جهيمان لم يكن يسمح لهم بأن يستسلموا، منعهم من الاستسلام إلى يوم 15، ثم اقتنع بالاستسلام.

خطة للاعتصام بالحرم الـمَدَني

* كانت هناك خطة فردية عند عبدالله الحربي ( عبدالله الحربي لم يدخل الحرم ؛ لأنه غير مقتنع بقضية المهدي)، روى لي أحمد العسكري في السجن أن عبدالله الحربي جاءهم في (ساجر) ، وحاول أن يجمع أناسًا من أجل أن يذهب إلى المدينة المنوَّرة ، ويعتصم بالحرم المدني ، ويأخذ رهائن من أجل أن يفكُّوا الحصار عن الإخوان الذين في مكة ، لكن عبدالله الحربي تبادل إطلاق النار مع الأمن وقُتل، هو الذي بادر بإطلاق النار.

هذه الحادثة كانت فردية؛ فلم أجد أحدًا يتحدث عنها أو يعرف عنها شيئًا، لكن في جلسة خاصة رواها لي أحمد العسكري ، وهو من اليمن ، ولم يدخل الحرم، وكان في (ساجر) .

تفصيلات في السجن، ومصير القحطاني

* أنا –طبعًا- لم أحصل على تفصيلات ، إلا عندما دخلت السجن بتاريخ 15 -1 -1400 هـ، حيث التقيت ببعض الشباب الذين حكوا لي عما حصل داخل الحرم، ومن ضمن الأشياء التي أخبروني بها ، أنهم كانوا يحضِّرون لاقتحام الحرم منذ زمن.. أي منذ بداية عام 1979م , وقد تدرَّبوا على بعض أنواع السلاح في (النّْخِيل) .

ويوجد بعض التفصيلات التي حدثني بها فيصل محمد فيصل ؛ فقد قال لي إنهم فقدوا المهدي من اليوم الثالث، في اليوم الثالث لم يعودوا يرون المهدي! فـ فيصل امتنع عن القتال بعد اليوم الثالث، فقال له جهيمان : الذين يقولون إن محمد عبدالله القحطاني ، قُتل هؤلاء مُرجفون منافقون ، لا يمكن يُقتل، هو الآن حُصر.

رفض جهيمان شكلًا وموضوعًا أن يُقال : إن محمد عبدالله قد قُتل, علمًا بأنه لا أحد رأى محمد عبدالله القحطاني بعد اليوم الثالث، واتَّضح فيما بعد أنه قُتل وأنه موجود في ثلاجة الموتى؛ لأنَّ أباه عبدالله قال لي إن سعدًا و سعيدًا (أخاهم الكبير) تعرَّفا على جثة أخيهم محمد عبدالله القحطاني . واتَّضح أنه فعلًا قُتل في اليوم الثالث.

المفارقة الغريبة في هذا الموضوع أنه يوجد أناسٌ أعرفهم.. ومنهم شخص اسمه عبد الرحمن حمودة كان يرفض فكرة أن المهدي المنتَظَر قُتل، ويعتقد بأنه لا يزال موجودًا ، وأنه في جبال اليمن .

معلومات من فيصل محمد فيصل

* أحد الذين أعطوني معلومات عن الذي حدث ، هو فيصل محمد فيصل ،وقد أعطاني معلومات كاملة, و فيصل كان معي في غرفةٍ في سجن مكة ، وحكى لي كيف دخل الحرم، فقلت له: يا فيصل أنا سمعت أنك غير مقتنع بقضية المهدي، كيف دخلت الحرم؟

قال: كنت قادمًا من المدينة وكانت معي عائلتي، ومررت بمزرعةٍ لواحد من الإخوان ، اسمه (علي الحضيني) ، فقال لي علي الحضيني : هل تريد أن ترى جهيمان ؟ هل تريد أن تجلس مع جهيمان ؟ قال له: نعم أريد. واتَّضح أن جهيمان عند علي الحضيني ، فأخذه وجلسوا وتناقشوا في موضوع المهدي ودخول مكة ، فقال له فيصل : يا جهيمان , أنا لست مقتنعًا بقضية حمل السلاح في مكة ، وأبايع رجلًا لستُ مقتنعًا بأنه المهدي المنتَظَر؟ أنا لستُ مقتنعًا بهذه المسألة، استخرتُ أكثر من مرة ولستُ مقتنعًا.

فقال له: يا فيصل تعال وأنا المسؤول. يقول: وفعلًا أخذت أهلي إلى البلد ، ورجعت إلى مكة ودخلت الحرم معهم، وحملتُ سلاحًا في ثلاثة أيام ، ورميتُ به,ثم لم نعد نرى المهدي, واقتنعت بعد هذا بأن المسألة فاشلة, وتركت السلاح. هذا أحد الذين حكوا لي عن هذه الواقعة في مكة .

انسحاب فيصل محمد فيصل من المقاومة

* ترك فيصل – حسب كلامه الذي قاله لي – المقاومة فلم يعد يقاوم منذ اليوم الثالث ، ولم يعد يطلق النار؛ وطبعًا هذا فيه جانب ورع ، وجانب اعتقادي بأنه لا يجوز إطلاق النار في مكة ، وأنهم كانوا يطلقون النار على أساس أن المهدي المنتَظَر موجود، والمهدي المنتَظَر الآن اختفى.. هو غير موجود. ولأن فيصلًا له تأثير كبير في الباقين ، فقد قال له جهيمان : يا فيصل ، اجلس في الخلوة ولا تناقش أحدًا في هذا الكلام، لا تكلِّم أحدًا. وفعلًا فيصل استسلم من اليوم الثالث، جلس في الخلوة ولم يعد يناقش أحدًا, كان يساعد بعض الجرحى .. وأشياء مثل هذه.

وعندما استسلم جهيمان ، وأذن لهم بالاستسلام استسلموا جميعًا.

مصير فيصل محمد فيصل

* فيما بعد أُعدم فيصل محمد فيصل ضمن الـ63 شخصًا الذين أُعدموا.

تأمُّلات في السجن

* في السجن ننكشف على بعضنا، تصبح الأخلاقيات واضحة، وتصبح الأمور كلها أكثر وضوحًا. في السجن كنا نجلس جلسات حوار ونقاش، السجن جعلنا نتأمَّل النَّصَّ الذي كنا نحتجُّ به أكثر من ذي قبل.

آمنت في السجن بحرِّية الرأي، وألا أسمح لأحد بأن يصادر فكري, آمنت بأنه لا يوجد شيء غير قابل للنقاش والحوار.

كان هناك أناسٌ يخالفوني هذه الآراء، جلسوا معي في نقاش وجدال ، وتجادلنا في أكثر من قضية، وعلى رأسها قضية الحاكمية.. قضية تكفير الحاكم وما شابه.

حقيقةً حوَّلتُ قراءاتي في السجن إلى قراءات يغلب عليها الجانب الفكري؛ فبعد أن كنتُ أحاصِر نفسي بالجانب النصوصي ، أصبحتُ أقرأ في الجانب الفكري أكثر. فهمتُ كثيرًا في مجال الفقه، وتحديدًا في قضايا أصول الفقه، في قضايا القواعد الفقهية، والأشباه والنظائر، هذه أعطتني دفعًا مهمًا جدًا ، لأنْ أكون – نوعًا ما – شخصًا آخر.

تحوُّلات فكرية في السجن

* طبعًا فترة إقامتي مع فيصل في السجن ، كانت قصيرة لا تتعدى عشرة أيام تقريبًا، فلم أتبيَّن نشوء تحوُّلات فكرية لديه, لكن فيما بعد عندما طالت الفترة على مسجونين آخرين ، نشأت لديهم تحوُّلات فكرية, مثل شخص اسمه (سلمان الجوهر) أنا أعرفه قبل السجن وأعرفه بعد السجن.. أصبح شخصًا آخر، أصبح يقرأ قراءات أخرى، أصبح يفقه في أمور أخرى، لم يعد يقصر نفسه على ظاهرية النَّصّ, وهذه ناحية مهمة جدًا.

ويوجد آخرون بقوا على ما هم عليه، بقوا بأفكارهم القديمة، لكنهم أصبحوا ضد قضية المهدي، وتغيَّر هذا الجانب لديهم.

توظيف قضية المهدي مشروعًا مستقبليًا

* أنا تناقشتُ مع فيصل , ومن خلال قراءاتي للنصوص تبيًّنتُ أن هذه الجماعة ، التي دخلت الحرم لا يوجد لديها مشروع مستقبلي، كثيرٌ من الناس يظنُّون أن هذه الجماعة جماعة انقلابية وهذا غير صحيح؛ هذه الجماعة هي جماعة تبنَّت أصلًا قضية المهدي ، من أجل أن تطبِّق نصوص سنِّية جاءت في أشراط الساعة:وهي أن رجلًا سيظهر ، ويُبايَع له بين الركن والمقام فبايعوا هم بين الركن والمقام، وأن هذه المجموعة التي تبايع بين الركن والمقام ، ستُحصَر في المسجد الحرام ، فحصروا أنفسهم في المسجد الحرام، وأنه فيما بعد سيأتي جيشٌ ليغزوهم ، ويُخْسَف به (هم يؤمنون بهذا) ، ثم بعد ذلك يخرجون من المسجد الحرام ، ويذهبون إلى فلسطين ، ويقاتلون اليهود وينتصرون عليهم، ثم يذهبون إلى المسجد الأموي في دمشق ، ويكسرون الصليب، ويقتلون الخنزير، ويقتلون المسيح الدجَّال, ثم ينزل عيسى ابن مريم، ثم يصلِّي المهدي المنتَظَر بعيسى ابن مريم، وتمتلئ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا.

هذا هو مشروعهم، وهو ليس بمشروع بقدر ما هو رؤية خلاصية؛ أي محاولة للخلاص من الواقع، محاولة الحلّ لِمَا نحن فيه. وأيُّ فئة تتبنَّى وتمارس هذا السيناريو الفكري ، الذي تبنَّته ومارسته هذه الجماعة ، لابد من أن تصل إلى هذه النتيجة نفسها.

لا تأثير للثورة الإيرانية في حركة جهيمان

* قضية جهيمان ، وقضية الثورة الإسلامية الإيرانية، وقضايا أخرى حصلت في مصر وغيرها؛ أعتقد أنها كلها نتاج للحرب الباردة، وتدفُّق أموال النفط ، واستفادة كثيرٍ من الدًُّعاة منها؛ هذه العوامل لابد من أن تصل بهم لهذه النتيجة.

أرى أنه لا تأثير للثورة الإسلامية الإيرانية (ثورة الخميني ) في حركة جهيمان ؛ فهو بالكاد يسمع عنها، فـ جهيمان لم يكن يسمع أخبارًا في المذياع، ولم يكن يقرأ صحفًا ؛ لأنَّ فيها صُوَرًا والصُّوَر حرام في نظره، فهو لا يُدخلها بيته، ولم يكن يسمع المذياع الذي في السيارة، وقس على هذا مجموعة من الجماعة، كلهم بهذا الشكل.

فالثورة الإسلامية الإيرانية (ثورة الخميني ) لم يكن لها تأثير في الجماعة, قد يكون لجماعات التكفير والهجرة في مصر تأثيرات؛ لأنه حصل نقاش وجدال في المسألة، لكنها لم تكن تأثيرات كبيرة أو شائعة.

التعامُل الإصلاحي مع خطاب الجماعات المتطرِّفة

* الأحداث المصاحبة لأحداث سبتمبر (الإرهاب وما شابه) تعاملت المملكة معها الآن تعامُلًا حازمًا ، و بدأت تنتبه إلى المشكلة الرئيسة في خطاب هذه الجماعات المتطرِّفة، وحاولت محاورة هذا الخطاب.

أما حادثة الحرم ، فلم يكن بعدها أي حوار مع هذا الخطاب، على العكس: كان يوجد نوع من السلبية من قِبَل العلماء – بشكل عام – بعد حادثة الحرم، فلم يحاولوا أن يعيدوا النظر في كثيرٍ من المسلَّمات التي بُثَّت في نفوس الشباب، أما الآن فيوجد نوع من الجانب الإصلاحي للخطاب نفسه، ومحاولة التعامل مع هذا الخطاب تعامُل الإصلاح، وبدأ يظهر اعتراف بأنه يوجد فعلًا خطأ يجب أن نصلحه، وهذا يُحسب للحركة الإصلاحية ، التي تشهدها المملكة .

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات