البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
رودي بوليكيفيتش

الاصطدام الفلسطيني اللبناني استماع إلى الفقرة

* كان بهذيك الأيام أحد.. نهار الأحد 13 نيسان ، كان أحد أصدقائي عازمني على ميدان سباق الخيل، قال لي: أنا عندي خيل عم بتركض ، وربما واحد منهُن حيربح، بقى تفضَّل معي وتغدَّى معي وشوف النصر للخيل تبعي.

فرُحت على ميدان السَّبَق، وذاكر إنه كانت الأجواء متوترة كتير؛ لأنه كان حصل حادث في عين الرمَّانة عند الصباح، وأجواء متوتّرة، ما كان فيه مشاهدين كتير بالميدان. أول سَبَق كان كل شي على ما يُرام، ثاني سَبَق كمان، ثالث سَبَق وإذ بسمع انفجار، بتطلَّع بالخيل بلاقي الخيل عم تقلب بالأرض. حدا رمى قنبلة أو رمَّانة على الخيل، هيدا كان أول شعوري إنه في شي كبير عم بيتحضَّر؛ لأنه ما سمعنا بالدنيا كلها إنه حدا بيزتّ قنبلة على خيل بتركض، هذا كان أول شعوري.

ياللي حصل بعين الرمانة (بعدين عرفنا تاني يوم) ، إنه كان فيه – قبل حادثة البوسطة – كان رئيس حزب الكتائب – رحمه الله – الشيخ بيير الجميِّل عم بيدشِّن كنيسة جديدة، وإذ توصل سيارة مع مسلَّحين أطلقوا النار على الكنيسة، وقُتل شخصين من مرافقين الشيخ بيير الجميِّل ، هذا الجو ياللي انخلق من هاللحظة هذي أدَّت إلى – بعد بضعة ساعات – مرور بوسطة مليانة من الفلسطينيين جايّة من مخيَّم تل الزعتر ورايحة على مخيَّم صبرا وشاتيلا أو العكس بالعكس، على كلٍّ مش طريقها.. هذا ما كان طريقها، الشباب بالمنطقة اعتبروها استفزاز؛ إنه قبلها بساعات بيقتلوا اثنين على درج الكنيسة ، هلاَّ بوسطة مليانة فلسطينية تمرق من هالمحلّ اللي ما إلُه مبرِّر. أطلقوا النار عليها وقُتلوا 27 فلسطيني، يعني ردة الفعل ما كانت مقبولة نوعًا ما، بس كانت بتدلّ على التوتُّر، التوتُّر القائم لتصرُّفات الفلسطينية ب لبنان ، مثل النقطة اللي بتخلِّي الكاس يفور، تصرُّفات فلسطينية كانت خطأ، وهنِّ ثم – بعد سنوات – القيادة الفلسطينية اعترفت بهالأخطاء، وخاصةً الأخطاء اللي ارتكبوها ب لبنان ارتكبوها ب الأردن قبلها بخمس سنوات..

هذا كان الجو القائم ب لبنان سنة الـ75 مع التشنُّج والتصرُّفات الغير مقبولة من قِبَل الفلسطينيين.

تداعيات حادثة (عين الرمانة) استماع إلى الفقرة

* للاثنين (بعد الأحد) كان – أكيد – موجة استنكار شديدة اللهجة من قِبَل الجميع. رئيس الوزارة طلب إحالة المجرمين إلى القضاء، وحطَّينا له عقوبات، بس هذا ما كان كافي؛ لأنه انفضحت الوجود الفلسطيني ب لبنان ، هالحادثة فتحت الملف الفلسطيني، وتصرُّفاته غير مقبولة ب لبنان ، من سنة الـ69 لـمَّا بلَّشت أول اصطدامات مع الجيش اللبناني، وسنة الـ73 لـمَّا كمان انصدموا الفلسطينيين مع الجيش اللبناني.

انفتح الملف بالمجلس، ولسوء حظ لبنان بعض النوَّاب ، وبعض الفعاليات انضمُّوا إلى الرؤية الفلسطينية. لو كانت قصة بس قضية الفلسطينية ما كان فيه داعي لـ 150.000 قتيل ب لبنان من سنة الـ 75 لسنة الـ 82، 150.000 قتيل مشان شو؟ مشان بوسطة؟ لأ؛ فيه شي أكثر من هيك.

واللي شعرنا واللي فهمناه ، أو اللي فكَّرنا إنه فهمناه آنذاك: إنه كان فيه مخطَّط.. ربما هالمخطَّط أميركاني، وربما إسرائيلي، وربما فلسطيني، وربما...؛ لأنه كانت الأجواء بالـ 75 أجواء تشنُّج: الحرب الباردة.. عدم وفاق أميركاني سوفييتي، والأميركان ما كانوا واضحين كتير، كان عندهم (هنري كيسنجر) يصرِّح إنه لبنان غلطة تاريخ.. غلطة تاريخية. نحنا فكَّرنا إنه ربما كان بدُّه يحلّ مش القضية الفلسطينية بل وجود اللاجئين الفلسطينيين على ظهر لبنان بتوطينهم ب لبنان . هذا اللي فهمناه. إذا مش هذا هوَّ كان الهدف نحنا هذا اللي فهمناه، وهنِّ ما صحَّحوا شي.. ما حكيوا شي. بعدها مشكلة وجود الفلسطينيين في لبنان بعدُه مطروح.

عندك العناصر تراكمت، هذي قصة البوسطة فتحت الملفات كلها: الإسرائيلي شو بدُّه ب لبنان ؟ بنسمع الإسرائيلي (غال آلون) يصرِّح إنه: شوفوا لبنان التعايش بين الطوائف ما إنه معقول. بنسمع السوري عم بيقول: نحنا بدّنا ندافع عن الفلسطيني. وبنسمع إنه أربعة ألوية فلسطينية وصلت على لبنان : لواء عين جالوت ، القادسية ، يرموك ، والصاعقة، ساوى 12.000 – 14.000 مقاتل شو جايِّين يعملوا هَوذي؟. وبنسمع ياسر عرفات بيصرِّح: لبنان جنة بدون سياج. وبنسمع Nomber2 رحمه الله أبو إياد : طريق فلسطين بتمرق من عند تورة وعيون السيمان و... هذا بعيد عن القضية الفلسطينية، شو عملت هالبوسطة؟ فتحت الملف وكشفت النوايا: النوايا الأميركانية، الفلسطينية، الإسرائيلية، والسورية. وانضم إلى هالمجموعة تدخُّل عراقي، تدخُّل ليبيي، وإذ بنلاقي إنه فيه ب لبنان 300 – 325 منظمة مصلّحة ، وكل وحدة مش معروف شو هدفها، سوى محاربة الدولة اللبنانية و– بين هلالين– مسيحيِّين لبنان ، ومسيحيِّين لبنان سمعنا السيد معمر القذافي ، يقول إنه مسيحية لبنان لازم ينكبُّوا بالبحر. قال هالكلام. شو بدَّك تشعر؟.. شو بدَّك تشعر؟

ضعف المؤسَّسات اللبنانية آنذاك استماع إلى الفقرة

* المؤسَّسات اللبنانية ضعيفة ؛ لأنه الـ(System) اللبناني غلط، الـ(System) اللبناني يقيم على أشخاص ما بيقوم على مؤسسات (Institutions)، و لبنان محيط من بلاد عربية، بعطيك مَثَل صغير: لـمَّا سنة الـ73 (رحمه الله) الرئيس سليمان فرنجية (آنذاك رئيس جمهورية) طلب من الجيش اللبناني ، يقتحم المدينة الرياضية اللي كانت مقرّ للفلسطينية كان عندهم اتفاق الذل – أنا بسمِّيه – اللي هوّ اتفاق القاهرة ، اللي انمضى.. (Cairo agreement) انمضى من قِبَل قائد الجيش، رئيس جمهورية، رئيس وزارة.. أربع – خمس أشخاص، ونوَّاب المجلس اللي ما قرؤوه.. ما قرؤوه، انفرض على لبنان اتفاقية مُذلَّة مثل الاتفاقية اللي ذلَّت الاتحاد السوفييتي أو الثورة السوفييتية ببداية القرن اللي هيّ اتفاقية (بريستلي توفسك) لـمَّا اضطرت الثورة السوفييتية تعطي لألمانيا – من بعد الحرب، أو أثناء الحرب – أراضي شاسعة ما كانت تقدر تسيطر عليها، الألمان فرضوا على الاتحاد السوفييتي اتفاقية (بريستلي توفسك) . اتفاقية القاهرة انفرض على لبنان مثل اتفاقية (بريستلي توفسك) .

هذا كان الجو. و لبنان بلد مسامح، كان اللبناني الوسطي ما بيكره، صار شي جديد: صرنا نكره الفلسطيني – بدِّي أعتذر من هيك كلام – هوّ كرَّه حاله مش نحنا كرهناه، هوّ كرَّه حاله.

والدولة اللبنانية – مثل عادتها – لم تزل ضعيفة.

مقدِّمات التدخُّل السوري استماع إلى الفقرة

* أنا كنت ساكن على خطوط التماسّ، ما يُسَمَّى.. وسُمِّي ثم (الخط الأخضر)، فعلًا أحداث الحرب اللبنانية بلَّشت مثل (ماتش) ملاكمة: Round1 وRound2 وكذا و3 و4 و5 و6، لكن المنطق كان إنه لـمَّا نوصل على اتفاق وقف إطلاق النار... ما يهدِّي ساعتين، حدا رجع ولَّع.. يقوِّس على الاثنين. Round2 ذات الشي. نتصل عالفلسطينية ، وكان فيه لجنة مشتركة – نتصل بالفلسطينية: لك يا عمي بهالمنطقة شو عم تعملوا؟ – نحنا ما عم نعمل شي، إنتو شو عم تعملوا؟ – نحنا ما عم نعمل شي. فإذًا مين اللي عم بيقوِّس؟ ما كنا نفهم.

توضَّح لنا من بعد بضعة Rounds إنه منظَّمة فلسطينية تابعة لسورية موجودة ب لبنان – مدري ببضعة شهور – (منظمة الصاعقة) ، كانت هيّ تولِّع الجبهات.

الفلسطينية فهموها قبلنا، نحن ما فهمناها؛ لأنه دمجنا (الصاعقة).. فلسطينية.. واحد، ما عرفنا نميِّز. موجود ب لبنان أربع ألوية فلسطينية – مثل ما سبق وقلت - : عين جالوت ، القادسية ، يرموك ، والصاعقة ، طب ما هوذي شو عم يعملوا هون؟ الصاعقة فهمنا، فهمنا دورها كان (The dirty Job) (الأشغال الوسخة). منظَّمة التحرير ما إلها مَونة على (الصاعقة)، ما كانت تعرف شو عم بيصير، ونحن كنا عم ننشكِّى إنه منظَّمة التحرير؛ لأنه ما كنا عارفين، ما كنا عارفين الحقيقة.

أعطيك مَثَل: بدأت الجرائم والخطف، والقتل المضادّ، يتَّاخذ مواطن مسلم من منطقته، يُقتَل ويرموه بمنطقة مسيحية، لحتَّى الصحف تاني يوم تقول: مسلم موجود بمنطقة مسيحية مقتول. من بعدها بيومين أو بنهار أو بثلاثة ياخذوا مسيحي يقتلوه ، ويزتُّوه بمنطقة مسلمة. تاني نهار تلاقي الصحف كلها: مسيحي مقتول بمنطقة إسلامية.

هذي اللعبة كانت.. ما كان إلا سورية عم تعملها (وأنا عم أزن كل كلمة عم أقولها عم بتحمَّل كل المسؤولية اللي عم بقوله) تاتبرِّر وجودها، سورية كان بدّها تولِّع النار ، لتقدر تقول للأمريكان وللرأي العام العالمي: أنا فيني أطفي النار، أعطوني إذن وأنا بدخل على لبنان . بس اللي ما كان معروف (الغرب ما كان يعرف) إنه سورية كانت ب لبنان بواسطة هالأربع ألوية الفلسطينية.

السبت الأسود استماع إلى الفقرة

* (Black saterday) أو السبت الأسود هذا عار على اللبناني اللي ارتكبه. هذا شيء يُذكر ما ينعاد، بس أنا فيني أقول لك إنه اللي ارتكبوا هالجريمة البشعة ما وصلوا لهالجريمة بفقسة زرّ، صار تراكُم، خطف، وقتل مسيحيين على طرق، إذا بتتطلَّع على خريطة بيروت بهذيك الأيام ، بتلاقي إنه المدخل الشمالي، المدخل الشرقي، والمدخل الجنوبي: بيروت محاطة بمخيَّمات فلسطينية بتمتدّ من الكرنتينا لتوصل من النبعة ، جسر الباشا ، تل الزعتر ، تتوصل لغالوري سمعان ، من تاني ميل: مخيَّمات برج البراجنة و.. و.. و... كان فيه على عدة أشهر مسيحيَّة عم تنخطف.. عم تنقتل.

نهار الجمعة (قبل السبت الأسود).. وبرجع بكرِّر: السبت الأسود عار على اللي ارتكبه، اللي ارتكبوه ما راح بيلاقوا غفران عند ربهم، هذي ما كانت بالحسبان، وما كان لازم تصير، لكن نهار الجمعة (بعد الظهر) عناصر مسيحية نازلة من الجبل ، وأُوصلوا على كمين فلسطيني مسلَّح، يُقتَلون وبفرَّاعة ينعمل صليب على مخوخهم هيك بهالشكل هذا، اللي لقيوهم من بعد كم ساعة جنُّوا، هذا اللي ولَّعت السبت الأسود، وبرجع بقول لثالث مرة: ما كان لازم تصير، بس ما صارت بفقسة زرّ (Pushing a button).. لأ ما صارت هيك.

حُمَّى القتل استماع إلى الفقرة

* المسلمين اللي قُتلوا كانوا مواطنين عاديين ، ما إلهم علاقة لا بالقتال لا من قريب ولا من بعيد، يعني مواطنين عاديين نازلين على شغلهم، على أعمالهم، كانوا بالوسط التجاري بالمنطقة ، اللي تُسَمَّى (البرج) أو (ساحة الشهداء) ومنطقة الـ(port) (منطقة المرفأ )، نعم، ما عندي إحصاءات دقيقة – عم بتخونني ذاكرتي – بعتقد فوق الـ 200 قتيل ، أو 150 – 180 قتيل قُتلوا بنهار واحد. أنا بسمِّيها بالإنكليزي (killing frenzy).. بدون أي إنذار.

نحنا المسيحية (we were shocked) انصدمنا، أكيد إخواننا في الإسلام انصدموا، انصدموا هنِّ كتير كمان مش شوي، ومعهم حق ينصدموا، بس نحنا المسيحية انصدمنا؛ لأنه مش بعوائدنا هالتصرُّفات هذي، بس – مثل ما قلت لك – ما وصلنا لهالشي بكبسة زر، وصلنا لها بعد شهور وشهور وشهور و: طوّلوا بالكم.. وطوّلوا بالكم..، والشباب على الأرض دمهم حامي، ما فيك تسيطر عليهم, بتاخذ جيش نظامي وبتحصل مجازر.. بجيش نظامي، شو بتعمل إذا بميليشية؟ النظام بالميليشية ما إنه مثل الجيش النظامي، وحصلت.

الانقسام اللبناني استماع إلى الفقرة

* من بعد السبت الأسود ، التجؤوا اللبنانية كل واحد إلى منطقته، وطائفته حتى؛ لأنه الدولة ما كانت موجودة.. الدولة ما كانت موجودة وهذا كان أكبر مشكلة، إنه لو الدولة موجودة وكمشت المجرمين ، كان بيجوز ربما تنحلّ أو تلاقي بصيص نور، بس ما فيه دولة.

التجؤوا اللبنانية مثلًا المسيحي يلتجئ بمناطق مسيحية، الإسلام يلتجؤون إلى مناطق إسلامية، وهو طبيعي. لكن لبنان لبنان ، ما فيه منطقة مسيحية ، ما فيه منطقة مسلمة ما فيها مخلوطة، فيه مناطق مسيحية بتلاقي ببعض الأحياء الإسلام، مو همّ إخوة، عاشوا مع بعضهم قرون، ومناطق (بين هلالين؛ مزدوجين) إسلامية بتلاقي مسيحية، المسيحية وين ما كان، الإسلام وين ما كان، الدروز وين ما كان، الشيعة وين ما كان، لبنان .. النسيج اللبناني هذا هو نسيج لبنان ، النسيج اللبناني ما إنه مسيحي، النسيج اللبناني ما إنه مسلم، وكل واحد من الإسلام والمسيحية نكهته نكهة جاره، المسلم عنده نكهة مسيحية، المسيحي عنده نكهة إسلامية، وعاشوا مع بعضهم، والسنين اللي بعدها برهنت ذلك؛ اليوم بتلاقي تفاهُم شامل على عدة مواضيع ، بين الإسلام والمسيحية، فيه خلاف بس ما إنه بين الإسلام والمسيحية.. فيه خلاف سياسي، آنذاك ما كان هيك؛ لأنه اللي كان عم بيلعب بالنعرات الطائفية والجرائم الطائفية ، عارف شو عم بيعمل: يقسِّمنا؛ تايرجع يقول: أنا راح بحلّ المشكلة، أنا راح بطفي النار.

زيارات السيد عبد الحليم خدام للبنان استماع إلى الفقرة

* السيد عبد الحليم خدام إجا على لبنان .. زار لبنان عدة مرات، لكن كانوا كل مرة زياراته خجولة، كأنه ناطر ضوء أخضر. بعتذر عم بحكي كلام بعرفه هلاَّ، آنذاك ما كنت أفهم شو عم بيعمل، ما كنا نفهم شو عم بيعمل ؛ لأنه كان مثله مثل غيره: يجوا على لبنان يصرّحوا إنه الحل.. يوجد حل لكن الشروطات.. وشو اسمه. ما كان يقنِّع حدا؛ لأنه ما كان عنده قوة عسكرية ، وراه تاتقنِّع العالَم إنه هذي المبادرة السورية.. هاي المبادرة بدكم تمشوا فيها. هذي إجت بعدين. زياراته بالـ 75 كانت زيارات بدون أي نتيجة، ما قنَّع حدا. لكن كان عدة تساؤلات، نسأل الأميركان، نسأل أوروبا ، نسأل فرنسا ، نسأل الفاتيكان : شو عم بيحصل؟ ما كان فيه جواب مقنع. بتذكَّر الجبهة اللبنانية (بعدها ناجحة كانت) و – رحمه الله – الرئيس شمعون كان رئيسها، يقول: طلبت من الفاتيكان مساعدة.. أو جواب، جاوبوني: راح نصلِّي لكم. طلبنا من فرنسا ، فرنسا قالت: شوفوا الأميركان. طلبنا من الجامعة العربية السيد محمد خولي (كان مثل السيد عبد الحليم خدام بيروح ويجي على لبنان ) أمين عام الجامعة العربية السيد محمد خولي .. يجي ويروح على لبنان بدون أي نتيجة، ويصرِّح عالمطار ويرجع يروح، ويرجع يجي ويصرِّح ويرجع يروح، بدون أي نتيجة. طلبنا الجامعة العربية، الجواب كان: شوفوا الأميركان. شفنا الأميركان، الجواب كان: اتفقوا إنتوا والسوريين. أوضح من هيك؟ أوضح من هيك؟ هذا كان الضوء الأخضر؛ ناطرين الأميركان نحنا تستوي تفاحتنا ، وتقلب بين إيدين السوريين. وهكذا صار.

النفوذ السوري في لبنان استماع إلى الفقرة

* كنا في أوتيل (إنتركونتيننتال) في جنيف سنة ... نوفمبر 83، وكان مؤتمر للبنان ، كان موجود بالصالة السيد عبد الحليم خدام ، والجبهة اللبنانية، وجميع الفئات اللبنانية.. جميع الأطراف اللبنانية. الجو متوتِّر، وإذ السيد عبد الحليم خدام بيتطلَّع بالرئيس شمعون ، بيقول له: يا فخامة الرئيس، لمعلوماتك: مرمرون... إنت ماروني ومرمرون إجا من سورية . شمعون هزّ براسه وقال له: بعرف، إنتو من زمان تتداخلوا بشؤوننا الداخلية. وهذا كان لطَّف الجو شوي بس لكن نتيجة ما كان فيه.. كانت سورية عم بتأكّد لنا مرارًا وتكرارًا: أنا صاحب العلاقة ب لبنان ، هذا كان الجواب.

حادثتا (الكرانتينا) و(الدامور) استماع إلى الفقرة

* هذي الأحداث (الكرانتينا) و(الدامور) مين بيقدر ينساهم؟!

(الكرانتينا) سبق وقلت أنَّ منطقة (الكرانتينا) بتسيطر على المدخل الشمالي لمدينة بيروت ، ونحنا كنَّا حاسِّين مخنوقين.. محاصرين من قِبَل القوات العدائية، (الكرانتينا) كان بالضراوة أنه نزيل هالخطر، صار هجوم على (الكرانتينا) وانتصروا شبابنا، لكن برجع بقول لك: بجيوش نظامية بيحصل شواذات؛ بالميليشيات بيحصل أكثر. النصر العسكري ما كفى، كان بدهم يقتّلوا، وقتَّلوا عالَم كتير. وقدّ ما كانوا أغبياء فيه واحد منهم حطّ إجره على جثة وفتح قنِّينة (شمبانيا)، هذي ضرّت قضية المسيحيين أكثر مما نفعت، بس شبابنا مش كلهم متخرّجين (أكسفورد)! كانوا من الشعب اللبناني، ومنهم مثقَّفين منهم متعلمين ومنهم (مشتاقين العافية) مثل ما بيقولوا ب لبنان .

(الدامور) مش شأن منظَّمة التحرير، (الدامور) صاعقة محض، هجوم على (الدامور) كان مخطط سوري مش فلسطيني ، الفلسطينيين ما دخلوا بمعركة (الدامور) ، الصاعقة اللي قتلت وأخذت (الدامور) . ليش (الدامور) ؟ لأنه كمان إذا بتتطلَّع على الخارطة (الدامور) بيسيطر على المدخل الجنوبي للمدينة.. للعاصمة اللبنانية، مثل ما (الكرانتينا) كان يسيطر على المنطقة الشمالية؛ (الدامور) بتسيطر على المدخل الجنوبي. حصل الجرائم المعروفة، بس لكن مش شأن منظمة التحرير.

التدخُّل الفلسطيني في لبنان، ومعركة (تل الزعتر) استماع إلى الفقرة

* منظمة التحرير انجرّت إلى المعركة، صحيح كانت تدعم الحركة الوطنية المؤلَّفة من عشرات وعشرات المنظَّمات اللي منهم وهمية ، كانوا يقبضوا من الفلسطينيين، كانت تدعمهم.. ربما حلفاء، بس ما كانوا هالحلفاء يؤمّنوا أي مكسب سياسي لمنظمة التحرير سوى غطاء سياسي فقط، ما فيه انتصار.

تدخُّل منظمة التحرير بلَّش بالـ 76؛ لأنه مخيَّمات الفلسطينيين كانت سرطان بجسم مناطقنا، لأنه ما كانوا (يقعدوا عاقلين) مثل ما بيقولوا باللبناني الدارج، كانوا بيقطعوا الطرقات، بيفرضوا خوِّيَّات على المعامل، ومخيَّم مثلًا مثل مخيَّم تل الزعتر : مخيَّم تل الزعتر (compound) إنكليزي 2000م2 عبر السنين صار مليون متر مربع، من هالـ 2000م2 اللي كانوا كناية (warehouse) للجيش الإنكليزي بالحرب العالمية الثانية صار مدينة مليون مربع، طيب هالمليون متر مربع اتَّاخذ من مين؟ من اللبنانية. والمخيَّم الفلسطيني كان جنب منطقة صناعية اسمها (المكلِّس) ، (المكلِّس) بتكون تقريبًا 43 – 45% من الصناعة اللبنانية موجودة بهالمنطقة، هذي المنطقة انشلّت، هذي المنطقة كانوا الفلسطينيين يفرضوا خوِّيَّات.

بلَّشت المعارك.. بلَّشت المشاكل بـ(الدكوانة) مع الأهالي المحيطة للمخيَّم: خطف وخطف مضادّ، قتل وقتل مضادّ، وثم المعارك، والمعارك كانت ضارية قوية كتير، معركة تل الزعتر بلَّشت بحزيران 76 ، وانتهت بـ12 آب 76 (تقريبًا 53 يوم)، بس المعركة بحدّ ذاتها كانت.. المخيَّم كان ساقط عسكريًا، بنسمع السيد ياسر عرفات – رحمه الله – يقول: سأحوِّل تل الزعتر إلى ستالينغراد . ونحنا نقول: طيب شو عم بتعمل؟ هذا شعبك، انهزمت عسكريًا خلِّي هالشعب يظهر من المخيَّم. لأ.. اصمدوا.. ثورة حتى النصر. (الدوغماتية) الفلسطينية المشبوهة والمزيَّفة اللي وصَّلتهم للاشيء.

لـمَّا سقط المخيَّم كليًا هُنيك كمان صارت مجازر؛ لأنه الحقد والكراهية وصلت للقمة، وأنا بقول إنه مخيَّم تل الزعتر كانت مفتاح عقل الفلسطيني اللي فهم.. أخيرًا فهم إنه ثورة فلسطينية برَّات فلسطين ما بتؤدي إلى أي نتيجة. وثمَّ لـمَّا شفنا الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية بلَّشوا الفلسطينية يحصلوا على شي، ما عم بقول: وصلوا إلى الدولة الفلسطينية (ربما راح يوصلوا لها) بس بلَّشوا، لأنه معركة تل الزعتر فهَّمتهم إنه ما حصل ب الأردن (بعمَّان) وما حصل لبنان (خاصةً تل الزعتر ) كانت نهاية هالفلسفة وهالتصرُّف الغير عقلاني. هون فهموا إنه هذي آخر.. ما بقى فيه أكثر من هيك ما بقى فيه أغلاط.. ما بقى فيه أغلاط، وأنا ضمنيًا كنت عم بقول: شو عمل الشعب الفلسطيني ليستاهل هيك قيادة؟! مخيَّم ساقط عسكريًا على شو بدّك تعملوا ستالينغراد ؟ على شو؟ على أرواح شو؟ بدُّه يظل عندك شهداء لتوصَل لشو؟ للاشيء.

علاقة سوريَّة بمنظمة التحرير الفلسطينية استماع إلى الفقرة

* سورية غيَّرت رأيها باتجاه منظمة التحرير الفلسطينية ، لسبب واحد: بدهم يسيطروا على منظمة التحرير؛ ليستعملوها كورقة لمفاوضات ربما تحصل، مثل ما كانوا راضيين وطامحين للتمسُّك ب لبنان لاستعماله (Trump card) ورقة مفاوضات قوية.

ياسر عرفات ما كان من هالنظرية هذي، ياسر عرفات كان عنده نظرية، ياسر عرفات ربما فكَّر ( لبنان جنة بلا سياج) ونحنا بنستوطن هون وبنقعد هون تا حتى القضية الفلسطينية تنحلّ، ربما بمستقبل قريب أو بعيد. ما إنه مستعد يعطي ورقة سياسية لسورية على حساب الفلسطينيية، سورية هذا اللي بدّها إياه، مثل ما كانت رايدة تاخذ لبنان لتستعمله كورقة سياسية بدّها تاخذ الفلسطينية كورقة سياسية.

هون السوري فهم إنه الحركة الوطنية كانت عدوّة، كان هو دخل.. السوري دخل على لبنان ، دخل بمرحلتين: أول مرة بالأربع ألوية فلسطينية، ثاني مرة بالجيش النظامي لـمَّا الأميركان عطيوه الضوء الأخضر، وأنا بتذكر موفد أميركاني اسمه (ميرفي) – ما بتذكر إذا (ريتشارد) أو (روبرت) ميرفي – إجا عالمنطقة مثل المجنون ، وقال لهم للإسرائيلية: ما تخافوا.. ما تخافوا.. الوجود الفلسطيني ب لبنان مش ضدكم، وفيه خط أحمر، السوري ما بيروح عالجنوب. طمَّن الإسرائيلية، والإسرائيلية دائمًا برجع لـ (إيغال آلون) بحزيران 76 بيصرِّح: طالما السوريين عم بيحاربوا الفلسطيني ما عندي مشكلة ، ولا راح بتداخل، لكن إذا بيساعد الفلسطيني ضروري إنه إسرائيل تدخل بالمعادلة.

الرئيس حافظ الأسد – رحمه الله – بخطابه الشهير بـ 20 أو 21 أيلول.. تموز (بتعتذر.. ما إني..) صرَّح إنه: نحنا ما إنا بحاجة لإذن من أحد لندخل لبنان ، ونساعد الفلسطيني (هذا كان خطاب الرئيس حافظ الأسد بـ 21 تموز) ما بنطلب إذن من حدا، إحنا ما إنا بحاجة لإذن لندخل لبنان . وإذ دخل لبنان وبلَّش يضرب الفلسطيني، ليه؟ لأنه الفلسطيني ما بدّه يمشي معه، الفلسطيني عنده برنامجه السياسي، هلأَّ موافق عليه ولاَّ مش موافق عليه هذا...

هذا كان التغيُّر السوري بالمنطقة. وفعلًا لاحظنا دغري معارك ضارية بـ (بحمدون) ، (عَلَيّة) ، (صوفر) ، (المتن) هُزمت منظمة التحرير لأول مرة من قِبَل السوريين، ست سنين من بعدها من قِبَل الإسرائيلية باجتياح 82، وكم شهر من بعدها الضربة القاضية للفلسطينية (فلسطينية ياسر عرفات ) ما إجت من الإسرائيلية.. إجت من السوريين بمعارك طرابلس .. للتاريخ.. للحقيقة والتاريخ.

نهاية معركة (تل الزعتر) استماع إلى الفقرة

* تل الزعتر – كما قلت سابقًا – كان أقوى مخيَّم فلسطيني في لبنان ، أقوى من صبرا وشاتيلا ، ربما عين الحلوة .. المخيَّم كان مؤلَّف من (أكيد منظمة التحرير كمقاتلين) لكن كان موجود فيه جبهات الرفض ل نايف حواتمة ، أحمد جبريل ، جورج حبش ، وهو ذي ما كان بدهم يستسلموا، من بعد 53 يوم كان واضح إنه ما بقى يقدروا، كان ما عندهم مَي ما عندهم كهرباء ما عندهم أكل.. ما عندهم شي بقى خلص، المخيَّم سقط، سقط بأول جمعتين ونص.. ثلاثة، خلُّوه.. استمروا بالقتال لَحتَّى يقدروا يقولوا للرأي العام العالمي: نحنا عملنا ستالينغراد.. نحنا عندنا ستالينغراد. وإذ اتصلوا فينا الصليب الأحمر الدولي (International Red Cross) وطلبوا منا التدخُّل ، والمساعدة لإجلاء الشعب الفلسطيني، مش الشعب المقاتل: الشعب العادي، الرئيس شمعون – رحمه الله – عيَّنني من قِبَله بمثِّل وأساعد الصليب الأحمر الدولي، كان – كمان الله يرحمه – داني شمعون كان معي لآخر لحظات، ويدعمني ، ويقول لي: معليش فوت عالمخيَّم. يعني كأنه عم بفوت عالجحيم.

لبست بدلة بيضاء وفيها صليب أحمر، وكان القناصة من هالميل ومن هالميل عندهم هدف واحد هو أنا، القناص الفلسطيني يقوِّس عَلَيّ القناصين المسيحية يقنِّص عَلَيّ ، وربما من جماعتي أنا (من حزب الوطنيين الأحرار). وصلت على ملعب كرة القدم وقف إطلاق النار ما بقي فيه شي، وأنا عم بمشي لوحدي، حامل علم الصليب الأحمر الدولي ، وماشي على مدخل المخيَّم، من بين الخراب وريحة الفطيس (لأنه ما بقى كان عندهم في مجال يدفنوا الموتى، كانت الموتى الجثث موجودة فين ما كان).. وين ما كان. وصلت نصّ الملعب بيطلع هالشخص بوجهي ، وحاطط إيده وراء ظهره، أنا خفت، قلت أنا: فرد؟ قنبلة؟ رشاش؟ قلت أنا: توكَّل على الله... مثل ما بيقولوا. مشيت صوبه، هو إجا صوبي، وتطلَّعت فيه.. تطلَّعت فيه بعيونه، وإذ وصل قدَّامي وأنا نقزت، تطلَّع فيِّي هيك وطلَّع من ورا ظهره وردة، ومن وين جاب هالوردة؟ مخيَّم ما عنده نقطة مَي من شهر ونص.. من شهرين تقريبًا.. من وين جاب وردة هذا؟ وقدَّم لي هالوردة: أنا دمَّعوا عيوني. قلت له: حاج بقى.. حاج بقى (الدوغماتية) الرخيصة، ستالينغراد وماستالينغراد.. شو هذا ستالينغراد؟ شو الشعب الفلسطيني شو..؟ قال لي: لا.. لا.. لا.. مش نحنا. قلت له: مين؟ مين ما بدُّه يوقف القتال؟ وسمَّى لي جبهات الرفض.. هم اللي ما كان بدّهم، كان بدّهم ثورة حتى النصر ، ويموت آخر شهيد تا يقدروا يقولوا إنه هم... .

هذي كانت نهاية تل الزعتر . الله يرحمه داني شمعون ظهَّر شي3000 – 4000 شخص.. مدنيين، أنا شخصيًا شي 400، شخصيًا أنا أخذتهم طلَّعتهم من المخيَّم ووصَّلتهم عالمتحف (check point) تبعنا اللي كان متحف، وراحوا على بيروت الغربية ، وكانت نهاية تل الزعتر .

اغتيالات معارضي الدور السوري في لبنان استماع إلى الفقرة

* الاغتيالات لمعارضين الدور السوري في لبنان كانت مهمة؛ لأنه بحزيران 76 – إذا ما خانتني ذاكرتي – (ليوليد بريجينيف) كان.. الاتحاد السوفييتي كان معارض الوجود السوري في لبنان ، و (ليوليد بريجينيف) صرَّح ، وأرسل مكتوب إلى الرئيس حافظ الأسد بيطلب منه انسحابه.. انسحاب الجيش السوري من لبنان . كان الصحفيين ضد الوجود السوري، أذكر: سليم اللَّوزي رحمه الله، أذكر رياض طه -رحمه الله-، هو ذي المشهورين بس عندك مِيَّات ومِيَّات من الأشخاص اللي كانت تعارض السوريين ، وما عدنا شفناهم، قُتلوا، أكيد أهم شهيد آنذاك كان المرحوم كمال جنبلاط ، كمال جنبلاط جائزة (لينين) للسلام من قِبَل الاتحاد السوفييتي، مش مين ما كان كمال جنبلاط ، المفكر جنبلاط ، المثقَّف كمال جنبلاط ، الرجل السِّلْمي كمال جنبلاط ، كان على خلاف سياسي ، مع المسيحيين ما فيه شك، بس على مستوى.

كان اغتيال كمال جنبلاط هزَّت لبنان ، كان معارض.. بس مين ما كان يعارض الوجود السوري؟! هون الدور السوري بلَّش ينتزع.. يتشوَّه. كان بيقدروا السوريين بهذيك الأيام فعلًا ، يعطوا السلام للبنان ، كان ربما تمثال حافظ الأسد بساحة (ساسين) بالأشرفية، لو عرفوا.. لو عرفوا، بس تصرَّفوا مثل الوحوش، طريقة ستالينية، هذا كان تصرُّف السوري ب لبنان ، ما كان تصرُّف عادي ومقبول. واغتيال زعمائنا؟ خلِّينا نعدّهم: كمال جنبلاط ، المفتي مفتي جمهورية لبنان حسن خالد ، هوذي – برجع بقول – صحفيين، محاولة اغتيال من ثلاث سنين ، مش من زمان من أربع سنين ل مروان حمادة (وزير لبناني)، صحفية مثل مَي شدياق.. نجوا.. هوذي الشهداء الأحياء.. وعندك كثار كثار كثار هوذي ماتوا؛ لأنه ما فيه معارضة ب سورية ، فيه: يا الهجرة يا الجبَّانة، هذي سورية .

المشاركة السعودية في قوة الردع العربية استماع إلى الفقرة

* المبادرة العربية أو بدَّك تسمِّيها (قمة الرياض ) أنا سمَّيتها (The mini summit) لأنه اشتركوا خمس أشخاص، المغرب ما راحت.. عدة بلاد عربية ما راحوا، بقيت خمسة، وقرروا وقف إطلاق النار، وقف إطلاق النار.. ضعيف، وقرروا إرسال إلى لبنان قوة ردع عربية مؤلَّفة من – طبيعي – السوريين (لأنه كانوا موجودين ب لبنان )، السعوديين، يمنية، وإماراتية. أنا بتذكر السعوديين حبِّيناهم؛ لأنه كانوا مهذّبين، عأوصل على حاجز سعودي يقول لي: تابع تابع من فضلك. بعكس الحاجز السوري: روح ولا. كانت تصرُّفاتهم غير شي.

وثم أرسلوا المملكة السعودية أرسلوا اللواء علي الشاعر (اللواء علي الشاعر ثُمَّ صار سفير) بس وقتها إجا ليراقب وضع السعوديين الموجودين، واللبنانية حبُّوه كتير، ولـمَّا صار سفير وترك لبنان كل الصحف اللبنانية كتبت: وهذا هو سفير لبنان في السعودية . لأنه كان محبوب كتير، ونجا من حادثة هليكوبتر طوَّافة بأعجوبة، وكل العالَم – مسيحية، إسلام، دروز، جبهة تحرير.. كل العالَم.. الجبهة اللبنانية.. – كلهم كانوا عم بيسألوا عن صحته، وشكروا الله إنه نجا من حادثة الطوَّافة.

الدور السعودي كان يريد أن يكون بنَّاء، لكن بلَّشت أحداث غير عادية تحصل مع السعودي، مع اليمني، مع الإماراتي، ومش مع السوري، مع السوري ما يحصل شي، ما يحدث أحداث إلا مع هالثلاثة.

ربما حكومتهم فكَّرت إنه كانوا معرّضين على خطر ، ما بيقدروا يسيطروا عليه، وانسحبوا من قوة الردع العربية، وكل قوة الردع العربية صارت 100% سورية، هذي كانت المبادرة العربية اللي أدت إلى وصول ، وتكريس دور السوري الأميركاني، أكرِّر: سوري أميركاني، بوفاق أميركاني, بضوء أخضر أميركاني اللي انتهى مع اغتيال المرحوم الرئيس الشهيد رفيق الحريري سنة الـ2005، اللي فوَّت السوري ظهَّر السوري.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ الفصيح
للمقابلة مع الضيف
رودي بوليكيفيتش

الاصطدام الفلسطيني اللبناني

* في تلك الفترة ، وتحديدًا في يوم الأحد 13 نيسان ، كان قد دعاني أحد الأصدقاء لحضور سباق خيل في ميدان سباق الخيل، وقال لي: عندي بعض الخيول المشاركة في السباق ، وربما يفوز أحدها، فتفضَّل وتناول الغداء معي واحضر السباق ؛ لنحتفل بفوز خيولي.

فذهبتُ إلى ميدان السباق، وأذكر أن الأجواء كانت متوترة جدًا ؛ لأنه كان قد حصل حادث في عين الرمانة في الصباح، ولم يكن في الميدان مشاهدون كثيرون. في بداية السباق كان كل شيء على ما يُرام، وكذلك في السباق الثاني، أما في السباق الثالث ، فإذا بي أسمع صوت انفجار، وإذا بالخيل تتساقط على الأرض. كان أحدهم قد رمى قنبلة أو (رمَّانة) متفجرة على الخيل، وكان هذا الحادث قد شكَّل لدي بداية الشعور بأن شيئًا ما يُحضَّر لهذا البلد؛ فنحن لا نسمع في العالَم كله ، أن أحدًا يُلقي قنبلة على خيلٍ تتسابق.

وعرفنا في اليوم التالي ما حدث في عين الرمانة (وكان ذلك قبل حادثة البوسطة) أن رئيس حرب الكتائب الشيخ بيير الجميِّل – رحمه الله – كان يدشِّن كنيسة جديدة، وإذا بسيارة تحمل مسلَّحين تصل ليطلقوا النار على الكنيسة، فقُتل اثنان من مرافقي الشيخ بيير الجميِّل ، وبعد بضع ساعات تمرُّ بالمكان بوسطة (حافلة) ممتلئة بفلسطينيين قادمة من مخيَّم تل الزعتر ومتجهة إلى مخيَّم صبرا وشاتيلا أو العكس (و في كلا الحالتين لم يكن هذا طريقها الطبيعي)، وقد عدَّ الشباب في المنطقة مرور هذه الحافلة في هذا الوقت استفزازًا؛ لأنه قبل ساعتين فقط يُقتل اثنان على درج الكنيسة ، والآن تمرُّ هذه (البوسطة) من هذا المكان تحديدًا ودون مبرر.

وهكذا أُطلق النار على هذه (البوسطة) وقُتل 27 فلسطينيًا، وهذه ردَّة فعل لم تكن مقبولة إلى حدٍّ ما ، لكنها كانت تدل على التوتر القائم ، نتيجة تصرُّفات الفلسطينين في لبنان ، وكانت حادثة الكنيسة كالنقطة التي جعلت الكأس الممتلئ يفيض بالماء، فالتصرُّفات الفلسطينية كانت فيها أخطاء، والقيادة الفلسطينية ، اعترفت بعد سنوات بهذه الأخطاء ، ولا سيما أن الأخطاء التي ارتكبوها في لبنان كانوا قد ارتكبوها في الأردن قبل ذلك بخمس سنوات.

كان هذا هو الجو القائم في لبنان في عام 1975م، كان مفعمًا بالتشنُّج والتصرُّفات غير المقبولة من قِبَل الفلسطينيين.

تداعيات حادثة (عين الرمَّانة)

* في يوم الاثنين (الذي تلا ذلك الأحد) كان من المؤكَّد أن تكون هناك موجة استنكار شديدة اللهجة من قِبَل الجميع، ورئيس الوزارة طلب إحالة المجرمين إلى القضاء، وحددنا لهم عقوبات، لكن هذا لم يكن كافيًا؛ لأن هذه الحادثة فضحت مشكلات الوجود الفلسطيني في لبنان ، وفتحت الملف الفلسطيني وتصرُّفاته غير المقبولة في لبنان ، منذ عام 1969م عندما بدأت الاصطدامات الأولى مع الجيش اللبناني، وكذلك عام 1973م عندما اصطدم الفلسطينيون بالجيش اللبناني.

وقد فُتح هذا الملف في المجلس، ولسوء حظ لبنان فقد انضمَّ بعض النواب ، وبعض الفاعليات إلى الرؤية الفلسطينية. لو كانت القضية هي قضية (البوسطة) الفلسطينية لَمَا كان هناك داعٍ لمائة وخمسين ألف قتيل في لبنان منذ عام 1975م إلى 1982م، لأجل ماذا هذا العدد الضخم من القتلى؟ لأجل (بوسطة)؟ كلا.. هناك ما هو أكبر من هذا.

والذي شعرنا به وفهمناه.. بل الذي اعتقدنا أننا فهمناه آنذاك: أنه كان يوجد مخطَّط.. ربما يكون مخطَّطًا أمريكيًا، وربما هو إسرائيلي، وربما فلسطيني، وربما.. وربما..؛ لأن الأجواء في عام 1971م كانت أجواء تشنُّج في ظل الحرب الباردة ، وعدم وفاق الأمريكيين مع السوفييت، والأمريكيون لم يكونوا واضحين تمامًا، وكان (هنري كيسنجر) يصرِّح أن لبنان غلطة تاريخية!.. نحن اعتقدنا أنه ربما كان يريد أن يحل ليس القضية الفلسطينية فحسب ، بل وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بتوطينهم فيه،هذا الذي فهمناه، وإذا لم يكن هذا هو الهدف ، فإن هذا هو ما فهمناه، وهم بدورهم لم يصحِّحوا هذا الفهم ، ولم يصرِّحوا بشيء، ولا تزال مشكلة الوجود الفلسطيني في لبنان مطروحة.

فكل هذه العناصر تراكمت، فقضية (البوسطة) فتحت كل الملفات: ماذا يريد الإسرائيليون من لبنان ؟ سمعنا الإسرائيلي (إيغال آلون) يصرِّح بقوله: انظروا إلى لبنان .. إن التعايش بين الطوائف فيه غير معقول! وسمعنا السوري يقول: نحن نريد أن ندافع عن الفلسطيني. وسمعنا أن أربعة ألوية فلسطينية وصلت إلى لبنان هي: لواء عين جالوت ، و القادسية ، و اليرموك ، و الصاعقة ، وفيها 12.000 – 14.000 مقاتل.. لأجل ماذا جاء هؤلاء؟ وسمعنا ياسر عرفات يصرِّح بقوله: لبنان جنة دون سياج. وسمعنا الآخر أبا إياد – رحمه الله – يصرِّح بقوله: طريق فلسطين تمرُّ من تورة وعيون السيمان و... . هذا كله بعيد عن القضية الفلسطينية، فما الذي فعلته قضية (البوسطة)؟ فتحت الملف ، وكشفت النيَّات: النيَّات الأمريكية، والفلسطينية، والإسرائيلية، والسورية. وانضمَّ إلى هذه المجموعة تدخُّل عراقي ، وتدخُّل ليبيّ، وإذا بنا نجد في لبنان 300 – 325 منظَّمة لا يُعرَف ما هدفها سوى محاربة الدولة اللبنانية و(مسيحيِّي لبنان )، وعن مسيحيِّي لبنان سمعنا السيد معمر القذافي يقول: يجب أن يُلقى مسيحيُّو لبنان في البحر. لقد قال هذا الكلام. ما الذي يمكن أن تشعر به؟

ضعف المؤسسات اللبنانية آنذاك

* المؤسسات اللبنانية ضعيفة ؛ لأن النظام في لبنان خطأ؛ فهو يقوم على أشخاص وليس على مؤسسات. و لبنان مُحاط من بلاد عربية، وأريد أن أضرب هنا مَثَلًا بسيطًا: في عام 1973م كان رئيس الجمهورية آنذاك الرئيس سليمان فرنجية ، وقد طلب من الجيش اللبناني أن يقتحم المدينة الرياضية ، التي كان مقرًا للفلسطينيين (وهي مدينة رياضية!)؛ فما الذي حدث؟ سورية أغلقت الحدود، وكل البلاد العربية تدخلت: نرجوكم ألا تقرَبوا الفلسطينيين.. دعوهم. لأن الفلسطينيين كان عندهم اتفاق الذل (كما أسمِّيه) وهو اتفاق القاهرة الذي وُقِّع من قِبَل قائد الجيش، ورئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة.. وُقِّع من قِبَل أربعة أشخاص أو خمسة، وكذلك نُوَّاب المجلس الذي لم يقرؤوه أصلًا، وهكذا فُرضت على لبنان اتفاقية مُذِلَّة مثل الاتفاقية التي أذلَّت الثورة السوفييتية في بداية القرن ، وهي اتفاقية (بريستلي توفسك)، عندما اضطرت الثورة السوفييتية أن تعطي لألمانيا أثناء الحرب أراضي شاسعة ، لم تكن تقدر أن تسيطر عليها، وهكذا فرض الألمان على الاتحاد السوفييتي اتفاقية (بريستلي توفسك)، وكذلك فُرضت على لبنان اتفاقية مثل هذه الاتفاقية.

هذا هو الذي كان سائدًا.

و لبنان بلد متسامح، كان اللبناني الوسطي لا يكره.. ثم نشأ شيء جديد: صرنا نكره الفلسطيني (وأودُّ الاعتذار عن مثل هذا الكلام) ، فالفلسطيني هو الذي خلق في النفوس كراهيته ولم نكرهه نحن من تلقاء أنفسنا. والدولة اللبنانية – كعادتها – لم تزل ضعيفة.

مقدِّمات التدخُّل السوري

* لقد كنتُ ساكنًا عند خطوط التماسّ (ما يُسَمَّى بـ"الخط الأخضر")، وحقيقةً بدأت أحداث الحرب اللبنانية أشبه ما تكون بأشواط: الشوط الأول والشوط الثاني وكذلك 3 و4 و5 و6، لكن ما يثير التساؤلات والدهشة أننا عندما كنا نصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار ، لم يكن يستمرّ إلا سويعات، أحدٌ ما كان يعود ، فيُشعل الفتيل ويطلق النار على الجبهتين. وفي (الشوط الثاني) كذلك الأمر. نتصل بالفلسطينيين (وكانت توجد لجنة مشتركة) ، ونسألهم: ماذا تفعلون في هذه المنطقة؟ فيكون جوابهم: لا نفعل شيئًا.. وأنتم ماذا تفعلون؟ فيكون جوابنا: نحن لم نفعل شيئًا. فمن الذي يطلق النار إذًا؟ لم نكن نعلم.

اتَّضح لنا بعد عدد من (الأشواط) أن منظمة فلسطينية تابعة لسورية موجودة في لبنان (منذ بضعة شهور حينها) كانت هي التي تُشعل الجبهات؛ وهي (منظَّمة الصاعقة). الفلسطينيون فهموا الأمر قبلنا ونحن لم نفهمه حينئذٍ، لأننا اعتقدنا أن الصاعقة والفلسطينيين شيء واحد ولم نميِّز، كما سبق أن قلت: كان يوجد في لبنان حينئذٍ أربعة ألوية فلسطينية: عين جالوت ، و القادسية ، و اليرموك ، و الصاعقة ، ماذا يفعل كل هؤلاء هنا؟ فهمنا فيما بعد دور منظمة الصاعقة وهو (الأعمال الحقيرة)، ومنظمة التحرير لم تكن تسيطر على (الصاعقة) ، ولم تكن تعرف ما الذي يحدث، ونحن كنا نشكو من منظمة التحرير ؛ لأننا لم نكن نعرف الحقيقة.

أضرب مثلًا: بدأت الجرائم، والخطف، والقتل المضادّ، يؤخذ مواطن مسلم من منطقته ، ويُقتَل ويُلقى به في منطقة مسيحية، حتى تكتب الصحف في اليوم التالي: مسلم وُجد مقتولًا في منطقة مسيحية. وبعدها بيومٍ أو يومين أو ثلاثة يُؤخذ مسيحي ويُقتَل ويُلقى به في منطقة مسلمة، وفي اليوم التالي تجد الصحف كلها تنشر: مسيحي وُجد مقتولًا في منطقة إسلامية.

هذه اللعبة لم تكن تلعبها إلا سورية (وأنا الآن أزنُ كل كلمة أقولها ، وأتحمَّل كامل مسؤوليتها)، كانت سورية تفعل ذلك لتبرِّر وجودها، كانت تريد أن تُشعل الوضع لتستطيع أن تقول للأمريكيين وللرأي العام العالمي: أنا أستطيع أن أُطفئ النار، أعطوني إذنًا لأدخل لبنان . ولكن الذي لم يكن معروفًا (والغرب تحديدًا لم يكن يعرف) أن سورية كانت قد دخلت لبنان بالفعل من خلال هذه الألوية الأربعة الفلسطينية.

السبت الأسود

* كان السبت الأسود عار على اللبنانيين الذين ارتكبوه، هذا شيء يُذكَر وإن شاء الله لا يُعاد، لكني أستطيع أن أقول إن الذين ارتكبوا هذه الجريمة البشعة ، لم يصلوا إلى حدِّ ارتكابها بضغطة زرّ، بل حصلت تراكمات: خطف، وقتل مسيحيين على الطرق...، ولو نظرتَ إلى خريطة بيروت في تلك الفترة لوجدت مداخل: المدخل الشمالي، المدخل الشرقي، المدخل الجنوبي.. ستجد أن بيروت مُحاطة بمخيَّمات فلسطينية تمتد من الكرانتينا إلى النبعة ، و جسر الباش ، و تل الزعتر ، حتى تصل إلى غالوري سمعان ، ومن الجهة الأخرى: مخيَّمات برج البراجنة و.. و.. و.. . وكان يوجد مسيحيون يُخطَفون ويُقتَلون على مدى أشهرٍ عدة.

وأكرِّر أن السبت الأسود عار على الذين ارتكبوه ، ولن يجدوا غفرانًا عند ربهم، هذه الحادثة لم تكن بالحسبان ، وكان يجب ألا تحدث.

في يوم الجمعة (الذي سبق السبت الأسود) بعد الظهر كان عناصر مسيحيُّون ينزلون من الجبل ، ووقعوا في كمين فلسطيني مسلَّح، فقُتلوا وعُملت إشارة الصليب على رؤوسهم بـ(فرَّاعة)، والذين وجدوهم بعد بضع ساعات جُنَّ جنونهم، وهذا هو الذي أشعل السبت الأسود، وأنا أقول للمرة الثالثة: كان يجب ألا تحدث حوادث السبت الأسود، لكن أكرر أنها لم تحدث بضغطة زرٍّ ودون مقدمات.

حُمَّى القتل

* المسلمون الذين قُتلوا كانوا مواطنين عاديين ، ليس لهم علاقة بالقتال لا من قريب ولا من بعيد، هم مواطنون عاديون ذاهبون إلى أعمالهم، كانوا بالوسط التجاري في المنطقة التي تُسَمَّى (البرج) أو (ساحة الشهداء) ومنطقة المرفأ، وليست عندي إحصاءات دقيقة (الذاكرة تخونني) لكن أعتقد أن الضحايا كانوا أكثر من 200 قتيل تقريبًا (أو ربما 150 – 180 قتيل) قُتلوا في يومٍ واحد. أنا أسمِّي هذا (حُمَّى القتل) دون أي إنذار.

نحن المسيحيين صُدمنا، وبالتأكيد إخواننا المسلمون صُدموا أيضًا، بل إنهم صُدموا بشدة، وطبيعيٌّ أن يُصدموا، ونحن المسيحيين أيضًا صُدمنا ؛ لأننا ليس من عادتنا مثل هذه التصرُّفات، ولكن – كما سبق أن قلت – لم نصل إلى مثل هذا العمل بضغطة زرّ، وصلنا إلى هذه المرحلة بعد شهور وشهور وشهور ، ونحن ندعو إلى ضبط النفس، والشباب دمهم يغلي ولا يمكن السيطرة عليهم، وإذا كان ضمن عمل الجيش النظامي ، ربما تحصل مجازر فكيف بميليشية؟ وقد حصل هذا في ميليشية وليس في جيش نظامي، وحدث ما حدث.

الانقسام اللبناني

* بعد السبت الأسود ، لجأ اللبنانيون كلٌّ إلى منطقته.. بل إلى طائفته أيضًا؛ لأن سلطة الدولة لم تكن موجودة فعليًا ، وهذه كانت أكبر مشكلة، فلو كانت سلطة الدولة موجودة فعليًا ، وقبضت على المجرمين كان يمكن أن تُحَلّ المشكلة ، أو يوجد بصيص نور لحلِّها، لكن لم تكن سلطة الدولة موجودة.

وهكذا لجأ المسيحي إلى مناطق مسيحية، والمسلم إلى مناطق إسلامية، وهذا طبيعي في ظل تلك الظروف، ولكن لبنان هو لبنان ليس فيه منطقة مسيحية أو منطقة مسلمة، بل كلها مناطق متعددة الأديان والطوائف، وثمة مناطق مسيحية تلتقي ببعض أحياء المسلمين، وهم كلهم إخوة، عاشوا معًا قرونًا طويلة، وفي المناطق الإسلامية (إذا جاز التعبير) تجد مسيحيين، فالمسيحيون موجودون في أي مكان، وكذلك المسلمون، وكذلك الدروز، وكذلك الشيعة، وهذا هو نسيج لبنان ، النسيج اللبناني ليس مسيحيًا وليس مسلمًا، وكل واحد من المسلمين والمسيحيين نكهته نكهة جاره، المسلم عنده نكهة مسيحية، والمسيحي عنده نكهة إسلامية، وعاشوا معًا، والسنوات التي ماضت برهنت على ذلك؛ فإنك تجد اليوم تفاهمًا شاملًا على موضوعاتٍ عدة بين المسلمين والمسيحيين، يوجد خلاف لكنه ليس لكونهم مسلمين أو مسيحيين بل هو خلاف سياسي، أما في تلك الفترة فلم يكن الأمر كذلك؛ لأن الذي يثير النعرات الطائفية والجرائم الطائفية يعرف ماذا يعمل.. يقسِّمنا ليقول: أنا سأحل المشكلة ، وأنا سأطفئ النار.

زيارات السيد عبد الحليم خدام للبنان

* زار السيد عبد الحليم خدام لبنان مراتٍ عدة، لكن في كل مرة كانت زياراته خجولة، كأنه ينتظر ضوءًا أخضر. وأنا أعتذر ؛ لأني أقول كلامًا أعرفه الآن، وآنذاك لم أكن قد فهمت ماذا كان يعمل، لأنه مثل الآخرين: يأتون إلى لبنان ويصرِّحون أنه يوجد حل لكن توجد شروط.. وما إلى ذلك، ولم يكن هذا الكلام يقنع أحدًا؛ لأنه لم تكن هناك قوة عسكرية ، عند هذا الذي يصرِّح ليقنع الآخرين بأن ينفِّذوا المبادرة كما فعل السوريون لمبادرتهم التي جاءت فيما بعد، أما زياراته في عام 1975م ، وبدايات عام 1976م ، فكانت زيارات دون أي نتيجة ولم يقنع أحدًا.

لكن كانت لدينا تساؤلاتٌ عدة، كنا نسأل الأمريكيين، نسأل أوروبا ، نسأل فرنسا ، نسأل الفاتيكان: ما الذي يحدث؟ ولم يكن يوجد جواب مقنع.

أذكر أن رئيس الجبهة اللبنانية الرئيس شمعون – رحمه الله – كان يقول: طلبت من الفاتيكان جوابًا ، فأجابوني: سنصلِّي لكم. وطلبنا من فرنسا فقالت: اتجهوا إلى الأمريكيين. طلبنا من الجامعة العربية ، وكان أمينها العام السيد محمد الخولي ، وكان – مثل السيد عبد الحليم خدام – يزور لبنان مراتٍ عدة دون أي نتيجة، ويصرِّح في المطار، ويذهب ويرجع، ويذهب ويرجع ويصرِّح ويذهب.... دون أي نتيجة. طلبنا جوابًا من الجامعة العربية ، وكان الجواب: عليكم بالأمريكيين. اتجهنا إلى الأمريكيين فكان الجواب: اتفقوا مع السوريين. هل يوجد ما هو أوضح من هذا؟ هل يوجد ما هو أوضح؟ كان هذا هو الضوء الأخضر، كان الأمريكيون ينتظرون أن تنضج تفاحتنا ، وتسقط في أيدي السوريين، وهذا ما حدث.

النفوذ السوري في لبنان

* كنا في فندق (إنتركونتننتال) في جنيف في نوفمبر عام 1983م، وكان يُعقد مؤتمر بشأن لبنان ، وكان يوجد في الصالة السيد عبد الحليم خدام ، والجبهة اللبنانية، وجميع الأطراف اللبنانية، وكان الجو متوتِّرًا، وإذا بالسيد عبد الحليم خدام ينظر إلى الرئيس شمعون ، ويقول له: يا فخامة الرئيس، أنت ماروني.. لمعلوماتك أن مرمرون جاء من سورية . فهزَّ الرئيس شمعون رأسه ، وقال له: أعرف، فأنتم منذ القِدَم تتدخلون بشؤوننا الداخلية. وهذا لطَّف الجو قليلًا، ولكن لم تكن هناك نتيجة، كانت سورية تؤكِّد لنا مرارًا وتكرارًا: أنا صاحبة العلاقة بـ لبنان . كان هذا هو الجواب.

حادثتا (الكرانتينا) و(الدامور)

* أحداث (الكرانتينا) و(الدامور) مَن يستطيع أن ينساها؟

سبق أن قلت : إن منطقة (الكرانتينا) تسيطر على المدخل الشمالي لمدينة بيروت ، ونحن كنا نشعر بأننا مخنوقين ؛ لأننا محاصَرين من قِبَل القوات العدائية، أحداث (الكرانتينا) كانت من الضراوة ، بحيث إننا كان يجب أن نزيل هذا الخطر، فقد حصل هجوم على (الكرانتينا) وانتصر شبابنا، ولكن أعود فأقول: إذا كان في حالة الجيوش النظامية ، تحصل تجاوزات ففي حالة الميليشيات تحصل تجاوزات أكثر. النصر العسكري لم يكفِ، كانوا يريدون أن يقتِّلوا.. وقد قتَّلوا كثيرين، ومن شدة غبائهم أن واحدًا منهم وضع قدمه على جثةٍ ، وفتح زجاجة (شمبانيا)، وهذه أضرَّت بقضية المسيحيين أكثر مما نفعتها، لكن شبابنا ليسوا كلهم مثقفين ومتخرجين من جامعة (أكسفور)! كانوا من الشعب اللبناني فيهم المثقفون وفيهم مَن هم دون ذلك ممن هم (مشتاقون للعافية) كما يُقال في الـمَثَل اللبناني.

أما (الدامور) فلم تكن أحداثه من عمل منظمة التحرير، بل كان عملًا محضًا من منظمة (الصاعقة). الهجوم على (الدامور) كان مخطَّطًا سوريًا وليس فلسطينيًا، فالفلسطينيون لم يشاركوا في معركة (الدامور) بل الصاعقة هي التي قتلت واستولت على (الدامور) . لماذا (الدامور) ؟ لأنك عند ما تنظر في الخريطة ستجد أن (الدامور) يسيطر على المدخل الجنوبي للعاصمة اللبنانية، مثلما (الكرانتينا) تسيطر على المنطقة الشمالية. لقد حصلت الجرائم المعروفة، لكن لم تكن من عمل منظمة التحرير.

التدخُّل الفلسطيني، ومعركة (تل الزعتر)

* منظمة التحرير انجرَّت إلى المعركة، صحيحٌ أنها كانت تدعم الحركة الوطنية المؤلفة من عشرات وعشرات المنظَّمات ، التي كانت منها منظمات وهمية تُمَوَّل من الفلسطينيين، كانت تدعمهم وحليفة لهم، لكن هؤلاء الحلفاء ، لم يكونوا يحققون أي مكسب سياسي لمنظمة التحرير ، سوى مجرد كونها غطاءً سياسيًا فقط دون تحقيق أي انتصار.

بدأ تدخُّل منظَّمة التحرير في عام 1976م؛ لأن مخيَّمات الفلسطينيين كانت سرطانًا بجسم مناطقنا، ولم يكونوا يلتزمون حدودهم و(يقعدوا عاقلين) كما يُقال في اللهجة اللبنانية الدارجة، لقد كانوا يقطعون الطرقات، ويفرضون إتاوات على المعامل، ومخيَّم تل الزعتر كان مجموعة مبانٍ إنكليزية، مساحته 2000م2 ، وصار عبر السنين مليون متر مربع من تلك المساحة (2000م2) التي لم تكن أكثر من مستودع للجيش الإنكليزي في الحرب العالمية الثانية، فصار مدينة مساحتها مليون متر مربع! هذا المليون متر مربع ممَّن أُخذ؟ طبعًا من اللبنانيين.

والمخيَّم الفلسطيني كان بجانب منطقة صناعية اسمها (المكلِّس) وتقريبًا 43 – 45% من الصناعة اللبنانية هي في هذه المنطقة، هذه المنطقة أصابها الشلل، وكان الفلسطينيون يفرضون عليها إتاوات.

بدأت المعارك والمشكلات في (الدكوانة) مع الأهالي المحيطين بالمخيَّم، من خطف وخطف مضادّ، وقتل وقتل مضادّ، ثم حصلت المعارك ، وكانت ضارية ومحتدمة جدًا. معركة تل الزعتر بدأت في حزيران عام 1976م ، وانتهت في 12 آب عام 1976م (استمرت 53 يومًا تقريبًا)، وكان المخيَّم ساقطًا عسكريًا، وإذا بنا نسمع ياسر عرفات – رحمه الله – يقول: سأحوِّل تل الزعتر إلى ستالينغراد . ونحن كنا نقول: فما الذي تفعله الآن؟ هذا شعبك، لقد انهزمتَ عسكريًا، دع الشعب يدمِّر هذا المخيَّم. لكن أوامره كانت بأن يصمدوا وبـ(ثورة حتى النصر)، وهذه هي الدوغماتية الفلسطينية المشبوهة والمزيَّفة التي لم توصلهم إلى شيء.

وعندما سقط المخيَّم كليًا حصلت مجازر أيضًا؛ لأن الحقد والكراهية وصلا إلى القمة، وأنا أقول إن مخيَّم تل الزعتر كان مفتاح عقل الفلسطيني ، الذي فهم – أخيرًا فهم – أن ثورة فلسطينية خارج فلسطين لا تؤدي إلى أي نتيجة. ولذلك عندما حصلت الانتفاضة الأولى ، والانتفاضة الثانية وجد الفلسطينيون أنهم بدؤوا يحصلون على شيء.. لا أقول إنهم حصلوا على الدولة الفلسطينية (وربما سيصلون إلى تحقيقها) لكنهم بدؤوا في الطريق الصحيح؛ فمعركة تل الزعتر أفهمتهم أنَّ ما حصل في الأردن (في عمَّان ) وما حصل في لبنان (وبخاصةٍ في تل الزعتر ) كان نتيجة هذه الفلسفة ، وهذا التصرُّف غير العقلاني. وهنا فهموا أن تلك يجب أن تكون آخر الأخطاء ويجب ألا تتكرر، وأنا ضمنيًا كنت أقول: ما الذي جناه الشعب الفلسطيني حتى يستحق مثل هذه القيادة؟ مخيَّم ساقط عسكريًا ، لأجل ماذا تريد أن تجعله (ستالينغراد)؟! لأجل ماذا؟! وبأرواح مَن؟ وستستمر في التضحية بالشهداء ، لتصل إلى أي شيء؟ إلى اللاشيء.

علاقة سوريَّة بمنظمة التحرير الفلسطينية

* غيَّرت سورية رأيها في منظمة التحرير الفلسطينية لسببٍ واحد: يريدون أن يسيطروا على منظمة التحرير؛ ليستعملوها ورقةً لمفاوضاتٍ ربما تحصل، مثلما كانوا طامحين إلى التمسُّك بـ لبنان لاستعماله ورقة مفاوضات قوية.

إن ياسر عرفات لم يكن يؤيِّد هذا، فقد كانت عنده نظرية أخرى، وربما فكَّر ياسر عرفات بأن ( لبنان جنة بلا سياج) وأن يستوطن الفلسطينيون في لبنان حتى تُحَلَّ القضية الفلسطينية ربما بمستقبل قريب أو بعيد، ولم يكن مستعدًا لأَنْ يعطي ورقة سياسية لـ سورية على حساب الفلسطينيين، أما سورية فهذا ما كانت تريده؛ مثلما كانت تريد أخذ لبنان لتستعمله ورقةً سياسية ، كان تريد جعل الفلسطينيين ورقةً سياسية.

وهنا فهمت سورية أن الحركة الوطنية كانت عدوَّة، وكانت سورية قد دخلت لبنان ، دخلت على مرحلتين: المرحلة الأولى بالألوية الأربعة الفلسطينية، والمرحلة الثانية بالجيش النظامي عندما أعطاها الأمريكيون الضوء الأخضر، وأنا أذكر أن موفدًا أمريكيًا اسمه (ميرفي) – لا أذكر اسمه الأول؛ لعله (ريتشارد) أو (روبرت) – جاء إلى المنطقة منفعلًا كالمجنون ، وقال للإسرائيليين: لا تخافوا.. لا تخافوا.. الوجود الفلسطيني في لبنان ليس ضدكم، ويوجد خط أحمر، السوري لن يذهب إلى الجنوب. وهكذا طَمْأَنَ الإسرائيليين. ودائمًا أرجع إلى مقولة (إيغال آلون) في حزيران عام 1976م عندما صرَّح: طالما أن السوريين يحاربون الفلسطينيين فليست عندي مشكلة ، ولن أتدخل، لكن إذا كانوا يساعدون الفلسطينيين فمن الضروري أن تدخل إسرائيل المعادلة.

صرَّح الرئيس حافظ الأسد – رحمه الله – بخطابه المشهور في 20 أو 21 أيلول (وربما تموز؛ أعتذر لست متذكرًا بالضبط) وقال : نحن لسنا بحاجة إلى إذن من أحد لندخل لبنان ونساعد الفلسطينيين. هذا كان خطاب الرئيس حافظ الأسد في 21 تموز: نحن لن نطلب إذنًا من أحد، لسنا بحاجة إلى إذن لندخل لبنان . وإذا به دخل لبنان وبدأ يضرب الفلسطينيين، لماذا؟ لأن الفلسطينيين لم يريدوا أن يسيروا كما يريد، فلديهم برنامجهم السياسي (بغضِّ النظر عن مدى الموافَقَة عليه من عدمها).

كان هذا هو التغيُّر السوري في المنطقة. وفعلًا لاحظنا على الفور معارك ضارية في (بحمدون) و(عَلَيَّة) و(صوفر) و (المتن) ، وهُزمت منظمة التحرير لأول مرة من قِبَل السوريين، وكذلك على مدى ست سنوات بعدها من قِبَل الإسرائيليين في اجتياح عام 1982م، وبعدها بشهور جاءت الضربة القاضية للفلسطينيين (وأقصد هنا فلسطينيي ياسر عرفات )، ولم تأتِ هذه الضربة من الإسرائيليين، بل جاءت من السوريين بمعارك طرابلس ، أقول هذا للحقيقة والتاريخ.

نهاية معركة (تل الزعتر)

* كان تل الزعتر – كما قلتُ سابقًا – أقوى مخيَّم فلسطيني في لبنان ، وأقوى من صبرا وشاتيلا ، وربما أقوى من مخيَّم عين الحلوة . مخيَّم تل الزعتر كان فيه (بالإضافة إلى مقاتلي منظمة التحرير بالطبع) فيه جبهات الرفض التابعة لـ نايف حواتمة ، و أحمد جبريل ، و جورج حبش ، وهؤلاء لم يكونوا يريدون الاستسلام، ولكن بعد مرور 53 يومًا كان واضحًا أنهم لم يعودوا يستطيعون الصمود، فلم يكن لديهم ماء أو كهرباء أو طعام، لم يبقَ لديهم أيٌّ من مستلزمات الصمود.

والواقع أن المخيَّم سقط منذ أول أسبوعين ونصف أو ثلاثة أسابيع، إلا أنهم استمرُّوا في القتال ، كي يستطيعوا أن يقولوا للرأي العام العالمي: نحن عَمِلْنا ستالينغراد!

وقد اتصل بنا المسؤولون في الصليب الأحمر الدولي ، وطلبوا منا التدخُّل والمساعدة لإجلاء الشعب الفلسطيني (ليس المقاتلين بل الشعب العادي)، فعيَّنني الرئيس شمعون – رحمه الله – ممثِّلًا من قِبَله لمساعدة الصليب الأحمر الدولي، وكان أيضًا داني شمعون – رحمه الله – معي حتى اللحظات الأخيرة، كان يدعمني ويشجِّعني على الدخول إلى المخيَّم، وكان دخولي إليه أشبه بدخولي إلى الجحيم.

لبست ملابس هيئة الصليب الأحمر البيضاء ، وعليها إشارة الصليب الأحمر، وكان القنَّاصة ينتشرون ذات اليمين وذات الشمال ، وعندهم هدف واحد هو: أنا، القنَّاص الفلسطيني يستهدفني والقنَّاصون المسيحيون يستهدفونني ، وربما كانوا من جماعتي أنا (حزب الوطنيين الأحرار). وصلت إلى ملعب كرة القدم ، فوقف إطلاق النار وهدأ الوضع، وكنت أمشي وحيدًا حاملًا عَلَم الصليب الأحمر الدولي ، وأمشي باتجاه مدخل المخيَّم، وكانت رائحة الجثث تملأ المكان (لأنه لم يكن لديهم مجال لدفن الموتى، فكانت الجثث في كل مكان)، ومشيت في وسط الخراب ورائحة الجثث حتى وصلت إلى منتصف الملعب، وإذا بشخص يظهر لي واضعًا يده وراء ظهره، والحقيقة أني خفتُ، وخمَّنتُ أن يكون ما وراء ظهره مسدسًا أو رشاشًا... إلا أني قلت لنفسي: توكَّل على الله. مشيت باتجاهه وهو أيضًا مشى باتجاهي، وكنت أنظر إليه وإلى عينيه، وعندما وصل أمامي رجف بدني، فنظر إليَّ ، وأخرج من وراء ظهره وردة. من أين جاء بهذه الوردة؟! فمخيَّمٌ ليس فيه نقطة ماء منذ شهر ونصف أو شهرين تقريبًا.. من أين جاء بهذه الوردة؟ قدَّم لي هذه الوردة.. وأنا دَمِعَت عيناي، قلت له: يكفي.. يكفي هذه (الدوغماتية) الرخيصة، و(ستالينغراد) ومثل هذا الكلام.. لماذا لا تحافظوا على أرواح الشعب الفلسطيني؟ فقال: لا.. لا.. لسنا نحن. قلت: مَن إذًا؟ مَن الذي لا يريد أن يوقف القتال؟ فذكر لي جبهات الرفض ، وأنها هي التي لا تريد أن توقف القتال، لقد كانوا يريدون ثورة حتى النصر! ويسقط آخر شهيد ، حتى يستطيعوا أن يقولوا إنهم صمدوا.

هذه كانت نهاية تل الزعتر . و داني شمعون – رحمه الله – أخرج 3000 – 4000 شخص من المدنيين، وأنا شخصيًا أخرجت 400 شخص تقريبًا من المخيَّم ، وأوصلتهم إلى المتحف ( إلى نقطة التحقُّق التابعة لنا ، التي كانت في موضع المتحف)، وذهبوا إلى بيروت الغربية، وكانت تلك نهاية الزعتر .

اغتيالات معارضي الدور السوري في لبنان

* كانت اغتيالات معارضي الدور السوري في لبنان أحداثًا مهمة. الاتحاد السوفييتي كان معارضًا للوجود السوري في لبنان ، وفي حزيران من عام 1976م (إذا لم تخنِّي الذاكرة) صرَّح (ليوليد بريجينيف) وأرسل رسالة إلى الرئيس حافظ الأسد يطلب فيها انسحاب الجيش السوري من لبنان . وكان الصحفيون ضد الوجود السوري في لبنان ، وأذكر منهم سليم اللوزي و رياض طه -رحمهما الله-، وهذان المشهوران إلا أنه هناك غيرهما مئات ومئات ، من الذين كانوا يعارضون الوجود السوري فقُتلوا، وبالتأكيد أهم شهيد آنذاك كان المرحوم كمال جنبلاط ، وهو الحائز على جائزة لينين للسلام من الاتحاد السوفييتي، فهو ليس شخصًا عاديًا، فهو مفكر ومثقف ،لقد كان الرجل السِّلْمي كمال جنبلاط على خلاف سياسي مع المسيحيين ما في ذلك شك، لكنه على مستوى رفيع.

هزَّ اغتيال كمال جنبلاط لبنان ، فقد كان معارضًا للوجود السوري في لبنان ، ومَن لم يكن معارضًا للوجود السوري؟! وهنا بدأ الدور السوري يتشوَّه، كان السوريون يستطيعون في تلك الفترة أن يحققوا السلام للبنان، وإذًا لأصبح لـ حافظ الأسد تمثال بساحة (ساسين) بالأشرفية ، لو أنهم حققوا السلام فعلًا، لكنهم تصرَّفوا كالوحوش، بطريقة ستالينية، هذه كانت تصرُّفات السوري في لبنان ، لم تكن تصرُّفات عادية ومقبولة. بالإضافة إلى اغتيال زعمائنا، دعنا نعدَّهم: كمال جنبلاط ، فقيه جهورية لبنان حسن خالد ، بالإضافة إلى اغتيال صحفيين، ومنذ ثلاث سنين أو أربع (أي من زمن قريب) محاولة اغتيال مروان حمادة (وهو وزير لبناني)، ومحاولة اغتيال الصحفية مَي شدياق، وهذان نجَيَا.. هذان من الشهداء الأحياء، وغيرهم كثير وكثير من الذين اغتيلوا؛ لأن سورية لا تقبل المعارَضة ، ولا توجد معارَضة في سورية : إما الهجرة أو المقبرة، هذا نهج القيادة السورية.

المشاركة السعودية في قوة الردع العربية

* قُدِّمت المبادرة العربية (التي سُمِّيت قمة الرياض )، ولقد أسميتها قمة مصغَّرة ؛ لأن الذين اشتركوا فيها كانوا خمسة أشخاص، فبلاد عربية عدة لم تشارك، وبقي خمسة مشاركون، وقرروا وقف إطلاق النار في لبنان ، وقرروا إرسال قوة ردع عربية إلى لبنان مؤلَّفة من: السوريين بالطبع (لأنهم كانوا موجودين في لبنان )، والسعوديين، واليمنيين، وإماراتيين. وأذكر أننا أحببنا السعوديين؛ لأنهم كانوا مهذَّبين، وعندما أصل إلى حاجز سعودي ، يقول لي العسكري السعودي: تابع.. تابع من فضلك. بعكس الحاجز السوري ، الذي كان العسكريون فيه يتكلمون باحتقار مع الآخرين، كانت تصرُّفاتهم مختلفة.

وأرسلت المملكة العربية السعودية اللواء علي الشاعر (الذي صار سفيرًا فيما بعد)، فجاء وقتها ليراقب وضع السعوديين الموجودين، واللبنانيون أحبُّوه جدًا، وعندما صار سفيرًا ، وغادر لبنان كتبت كل الصحف اللبنانية: هذا هو سفير لبنان في السعودية . فقد كان محبوبًا جدًا، وقد نجا من حادثة طائرة هليكوبتر طوَّافة بأعجوبة، وكل اللبنانيين (مسيحيين، ومسلمين، ودروزًا، وجبهة التحرير، والجبهة اللبنانية) كلهم كانوا يسألون عن صحته، وشكروا الله على نجاته من حادثة الطوَّافة.

كان الدور السعودي يتمنى أن يكون بنَّاءً، ولكن أحداثًا غير عادية بدأت تحدث للسعوديين، ولليمنيين، وللإماراتيين، ولا يحدث مثلها للسوريين، فقط تحدث للآخرين!

ربما حكومتهم فكَّرت في أنهم كانوا معرَّضين لخطرٍ ، لا يستطيعون السيطرة عليه، فانسحبوا من قوة الردع العربية، وأصبحت قوة الردع العربية سوريةً بالكامل، وهكذا أدَّت المبادرة العربية إلى تكريس الدور السوري الأمريكي، وأكرِّر: السوري الأمريكي؛ لأنه كان بوفاق أمريكي وبضوء أخضر أمريكي ، والذي انتهى مع اغتيال المرحوم الرئيس الشهيد رفيق الحريري سنة 2005م، فالذي أدخل السوريين هو الذي أخرجهم.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات