البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
حسين الحسيني
(من مؤسِّسي حركة "أمل"، وعضو في البرلمان اللبناني خلال عهد الملك خالد)

تأسيس حركة المحرومين وأهدافها استماع إلى الفقرة

* حركة المحرومين، بدأت قبل 1975، ناتجة عن طبيعة النظام اللبناني، حيث عام 43 عندما نُقلت السلطة من ظل الانتداب الفرنسي إلى الاستقلال ، اقتصر الميثاق الوطني على بندين أو على مسألتين: المسألة الأولى: اقتناع غالبية اللبنانيين المسيحيين بعدم جدوى الحماية الأجنبية ، التي لها جذور عميقة ما قبل 1840، أيضًا بالمقابل اقتناع أكثرية اللبنانيين المسلمين بعدم إمكانية ... أو الإقلاع عن المطالبة بالانضمام إلى الوحدة مع سورية أو الوحدة العربية؛ نتيجة الظروف الراهنة. هذا الأمر جمَّد السلطة بوضع ملتبس؛ أي بمعنى آخر أنَّ عجزت الهيئة الاستقلالية عن تحديد الهوية الوطنية ، والانتماء العربي بشكلٍ صريح؛ لأنه عندما نعود إلى بيان حكومة الرئيس رياض الصلح الأولى ، التي تشكَّلت عام 43 ونأتي إلى مسألة السلطة ، نجد أنها في حالة التباس، وحول تحديد الهوية الوطنية أيضًا في حالة غموض أو إغفال. وأيضًا عندما وصلوا إلى تحديد الهوية العربية والانتماء العربي للبنان كان بمثابة تعليق للجواب عن طريق القول: لبنان ذو وجه عربي. بمعنى آخر: الالتباس ما زال قائمًا، فأصبح أيضًا تحديد نوعية النظام اللبناني صعبًا وغامضًا. من هنا استمرت الحالة بالنموّ للسلطة أو نموّ البلد نموًَّا عشوائيًا، بحيث تركَّزت السلطة والمال والأعمال وموارد الرزق في العاصمة وضواحيها، وبالتالي تسبَّبت بمشكلات اجتماعية كبيرة ، من حيث نزوح أبناء الريف نحو المدينة، والكثير من المشكلات التي نتجت عن عدم استعداد المدينة ، لاستقبال هذا العدد الكبير، فضلًا عما خلَّف ذلك من إهمال للمناطق اللبنانية كافةً نتيجة هذا النزوح القسري.

من هنا كان لابد من النظر إلى رفع حالة الحرمان عن هذه المناطق اللبنانية، وبالتالي العمل على إقامة تحديد الدولة وتحديد الهوية الوطنية والهوية العربية ، ليصبح بالإمكان وضع تربية وطنية واحدة للبنانيين. هذه العملية هي وراء تشكيل حركة المحرومين ، وبتشكيلها الأول كانت تضم غالبية من مختلف الطوائف اللبنانية بصرف النظر عن الانتماءات المذهبية أو الدينية أو الطائفية، وهذا ما أعطاها زخمًا كبيرًا بحيث ضمَّت شخصيات لها قيمة ، ولها وزن كبير في المجتمع اللبناني.

هذا الأمر بدأ يتحدد قبل 68، واستمرارًا حتى 73، 73 كان التأسيس الأول، خصوصًا بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 72 (بـ16 – 17 أيلول 72) للجنوب على محورَي (جويَّة) و(قانا) ، وكان هذا أول اجتياح إسرائيلي للأراضي اللبنانية، وهناك.. في أعقاب هذا الاجتياح وانسحاب إسرائيل الذي لم يظل كثيرًا (تحديدًا في 20 أيلول 72) جرى وضع القرار الأساسي بتأسيس المقاومة الوطنية بوجه الاعتداءات الإسرائيلية، وللحيلولة دون اعتبار إسرائيل دخولها إلى لبنان واعتدائها على الأراضي اللبنانية بمثابة نزهة، فكان أيضًا القرار الذي بدأ بعام 72 طبعًا الإمام الصدر كان له.. هو كان مؤسس أول، ورفاق الإمام الصدر الأُوَل كان لهم جهود كبيرة في هذا المجال، فضلًا عن الشخصيات الأخرى التي ساهمت حتى عام 75 بوضع رؤى لهذه المقاومة وكيفية حمايتها، وكيفية التنسيق فيما بينها وبين القوة الشرعية اللبنانية.

مقدمات الأحداث في لبنان استماع إلى الفقرة

* لابد من العودة إلى عام 67 ، حيث حرب 67 وقمة الخرطوم عام 67 التي اشتُهرت بـ(اللاءات الثلاث)، في هذه القمة جرى التداول في مواجهة آثار الهزيمة التي حصلت للعرب. هنا برز اتجاه نحو إعطاء الدور الأساسي في تحرير الأرض إلى الفلسطينيين كقوى متقدمة لتحرير الأرض، والفكرة أن تنطلق هذه القوى بعمليات فدائية من الأراضي المجاورة للكيان الإسرائيلي لتحرير أرض فلسطين ، علمًا بأن هذه الفكرة – على وجاهتها وخصوصًا في أعقاب الهزيمة – هذه الفكرة استُدركت الآثار التي يمكن أن تنجم عنها بأن مصر وسورية والأردن – كدول طوق مجاورة لفلسطين – هذه الدول سارعت إلى استدراك الأمر ، وطلب تمويل عربي من أجل تعزيز الجيش المصري والجيش السوري والجيش الأردني ، لمواجهة آثار ما يمكن أن ترتِّبه الأعمال الفدائية. ولكن الخلل الكبير الذي حصل في هذه القمة أنهم لم يضعوا .. القيادات العربية لم تضع إستراتيجية عربية موحَّدة لتوزيع هذا العبء على الآخرين، وهنا برز اتجاه عند لبنان .. لأن لبنان لم يكن بعد مؤهَّلًا أو مهيًَّا لإقامة الدولة وبناء مؤسَّساتها؛ فهناك- كما أسلفنا وقلنا – وضع مؤقَّت ووضع غير نهائي لطبيعة النظام والوفاق الوطني؛ من هنا الرئيس الراحل (شارل الحلو) أحجم عن مجاراة مصر وسورية والأردن ، وطالبَ بأنه هو لا يريد مساعدات للجيش اللبناني ولا يريد بناء المؤسَّسة العسكرية، وبالتالي هو يلتزم بما قرَّرته القمة ، من حيث انطلاق العمل الفدائي من الأراضي اللبنانية وغير اللبنانية.

هذا الأمر عام 67، ولكن هذه السلطة اللبنانية التي لا تستند إلى وضع شرعي ونهائي أصبحت لديها ازدواجية العمل: في نفس الوقت الذي سمحت فيه للفلسطينيين بالانطلاق من الأراضي اللبنانية ، سمحت فيه لميليشيات مقابلة – وخصوصًا في صفوف اللبنانيين المسيحيين – لتدريب ميليشيات وتسليح هذه الميليشيات، مما خلق وضعًا متناميًا من التوتُّر أو من الحذر والشك والخوف من الفلسطينيين تجاه هذه الميليشيات، أو من هذه الميليشيات تجاه الفلسطينيين.

هذا الوضع أهَّلَ لجعل لبنان صالحًا لإقامة حالة عدم الاستقرار، وبالتالي من هنا تعاقبت الأحداث ، حتى حصل أول انفجار بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية عام 69، فأيضًا نتج عن ذلك تحقيق اتفاقية القاهرة التي رقَّعت الموضوع ، وبالتالي أجَّلت الانفجار (بعام 69)، واتفاقية القاهرة بحدّ ذاتها أصبحت إجازة للعمل بغير مضمونها، وخصوصًا أنه عام 70 حصلت حوادث الأردن ، وبالتالي اقتصر العمل الفدائي الفلسطيني على الجانب اللبناني فقط.

مع غياب الإستراتيجية العربية الموحَّدة ، أصبح هذا الوضع مقلقًا جدًا؛ تجاه اللبنانيين وتجاه الفلسطينيين أيضًا، وأصبح أكثر فأكثر أن الدول العربية أصبحت تدعم تنظيمات فلسطينية موالية لها ، بحيث أصبحت العملية الفدائية الفلسطينية تُسَمَّى (فصائل المقاومة الفلسطينية)، وبمعنى أنَّ كل فصيل هو يرتبط بدولة من الدول، أو يُمَوَّل أو يُدعَم من دولة من الدول. كذلك لم يعد هناك في داخل الوضع الفلسطيني انسجامًا أو تنسيقًا حقيقيًا بين الأطراف، مما انعكس أيضًا زيادة المخاوف وزيادة الحذر عند اللبنانيين.

ثم أصبحنا أمام عام 75، طبعًا بالنسبة للمقاومة هنا حركة المحرومين ، استمرت في السعي مع السلطات اللبنانية لجعل المقاومة الوطنية في الجنوب تحت شعار (أنصار الجيش) أو تحت شعار... أي شعار وفقًا لرؤية قدَّمها الأستاذ غسان تويني في إطار الندوة اللبنانية ، التي كنا نلتقي فيها لمعالجة هذا الأمر، وكان يشاركنا عدد من المسؤولين في الجيش اللبناني ، وفي السلطة اللبنانية لإيجاد هذا النوع من المقاومة؛ أي بمعنى: المقاومة تكون على الشريط الحدودي في القرى الحدودية ، تحافظ على القرى وتدرِّب أبناء هذه القرى، والجيش اللبناني – كونه لا توازُن بينه وبين الجيش الإسرائيلي – يكون وراء المقاومة ومهيًَّا لاستيعاب ردَّات الفعل.

وللأسف هذه العملية لم تنجح، من هنا كان تأسيس ما أسميناه "أمل" (أفواج المقاومة اللبنانية) عام 1975.

الاصطدام اللبناني الفلسطيني استماع إلى الفقرة

* الوضع مهيَّأ للانفجار؛ بمعنى آخر: هناك حالة انعدام ثقة – خاصةً من قِبَل الفلسطينيين – بمختلف الدول العربية، كان هناك مشاعر لدى الفلسطينيين بأنَّ الجميع هو خائن أو متآمر على حقوق الشعب الفلسطيني؛ نتيجة عدم إعادة الحق الفلسطيني إلى الفلسطينيين، وطول المدة التي دامت فيها النكبة الفلسطينية والتشرد الفلسطيني؛ مما أوجد حالة نقمة لدى الفلسطينيين أينما وُجدوا. هذا الأمر لا يمكن إغفاله. فضلًا عن أن المعالَجات لم تكن حقيقية، كانت تمرير للوقت ، أو كانت دفع الأزمات إلى الأمام وإبقاء الأزمات، وهي الأزمات ككرة الثلج تتعاظم.

فعام 75 كان طبيعي أي صِدَام بين سيارة وسيارة ، أن يُحدث هذا الانفجار ؛ لأن النفوس مَعَبَّأة ومُهَيَّأة، فضلًا عن أنَّ التدخل الخارجي كون منذ الحمايات الأجنبية ، ينظرون إلى لبنان كموطئ قدم للدخول إلى منطقة الشرق الأوسط، وهنا كان لبنان يعاني من اعتبار لبنان ساحة ، وليس ملتقى كما هو دوره الحقيقي.

كنت آنذاك في (دير المخلِّص) في الجنوب، وكان المطران أندريه حداد ، هو صاحب الدعوة وكنتُ كممثل ل حركة المحرومين ، وكان معي الأستاذ كريم بقردوني كممثل لحزب الكتائب، والحزب الشيوعي وعدد من الأحزاب؛ للحوار حول ما يمكن عمله تجاه هذا الوضع القلق ، وهذا الوضع المتفجر أو القابل للانفجار. وجاء مَن يُسِرّ لي بأنه حصل هذا الانفجار ، وبأنه هناك خطر على كريم بقردوني في العودة إلى بيروت كمشارك في هذه الندوة في الجنوب، فأنا أخذتُ احتياطي.. استفسرتُ عن الحالة ، وأخذتُ احتياطاتي وبالتالي أتيتُ بكريم بقردوني في سيارتي وأوصلتُه إلى مكانٍ آمن في منطقة الأشرفية .

ثم عرَّجتُ على صحيفة (النهار) ، حيث كنا نلتقي كندوة دائمة نستقي الأخبار، وعلمتُ في تلك اللحظة ردَّات الفعل حول ما سُمِّي آنذاك (عزل الكتائب)، فكانت ردَّة فعلي الأولى أنَّ هذا خطأ ، ويجب ألا يحصل ؛ لأنه له آثار عكسية تمامًا، وهذا ما يصب في غير صالح الوحدة الوطنية ويعزِّز الفرز الطائفي والمذهبي، وفيما بعد نقلت هذا الجو إلى الإمام السيد موسى الصدر ، وبالفعل حركة الإمام الصدر و حركة المحرومين سارعت إلى رفض هذا الشعار ، والتحذير من نتائجه المدمِّرة، واستمرت هذه الأحداث، فضلًا عن أنه بدأ الإمام الصدر يعمل على تحديد (وضع حد) لتعاظم هذا الحدث، وبالتالي العمل على تسليم مَن هو مسؤول عن هذه المجزرة إلى القضاء اللبناني وتهدئة النفوس، وكنتُ أحد العاملين في هذا المجال بالنسبة لحادث بوسطة عين الرمانة .

الوساطة السورية لتشكيل الحكومة اللبنانية استماع إلى الفقرة

* طبعًا في عدة لقاءات في 73 و74، ولكن علينا أن نتنبَّه دائمًا إلى مسألة أساسية هي الأمن القومي، ف لبنان لا يستطيع أن يغفل مسألة الأمن القومي ، الذي لا يقتصر على الحدود اللبنانية فقط، كذلك سورية .. كذلك أي بلد عربي أو أي بلد بالعالَم هناك شيء اسمه الأمن القومي، وهذا أمر هام وهام جدًا، إذا سورية حتمًا إذا قبلت بانفجار في لبنان ، فسيمتد هذا الانفجار إلى سورية حتمًا، وبالتالي كانت المسارَعة، خاصةً وأن العلاقة بين الحُكم اللبناني (يعني بين أفراد الـحُكم اللبناني؛ رئيس الدولة اللبنانية الذي كان الرئيس سليمان فرنجية ) ، والقيادة السورية علاقة جدًا ممتازة، وبالتالي شخصية أيضًا.

فمن هنا هذا الوضع الذي نشأ منذ 73 (الانفجار الأساسي بين الجيش اللبناني والفلسطينيين بعد الـ69) تسبَّبَ باستقالة حكومة الرئيس صائب سلام ، ثم تشكيل حكومة الرئيس أمين الحافظ التي لم تنل الثقة ، بسبب التطورات غير المحسوبة التي حصلت؛ هذا الأمر أدَّى إلى فراغ في أزمة الحكومة دائمة، وبالتالي أصبح العمل جاد لتشكيل حكومة فعلية بعد استقالة الرئيس رشيد الصلح ، حيث حصل انفجار الـ75، هنا التدخُّل السوري أو الوساطة السورية ، كانت قِبَل السيد عبدالحليم خدام و العماد حكمت الشهابي واللواء ناجي جميل كوفد سوري من قِبَل القيادة السورية لإيجاد تسوية لهذه المسألة.

وكان الجدل حول موضوع تشكيل الحكومة بعد انهيار الوضع الأمني بشكل كامل، فكان الإصرار من قِبَلنا على تكليف الرئيس الراحل رشيد كرامي بتشكيل الحكومة لإيجاد حالة استقرار ومعالجة الأوضاع، وهكذا كان، فالوساطة نجحت بهذا المعنى.

اللقاء مع السيد عبدالحليم خدام استماع إلى الفقرة

* كانت لقاءات عديدة بيننا وبينه على صعيد.. مع الإمام الصدر أو في دار الفتوى ، حيث مثَّلتُ الفريق الذي أنتمي إليه في هذه الاجتماعات في دار الفتوى، واتُّفق هناك على رشيد كرامي رئيسًا للحكومة.

علاقة حركة المحرومين (أمل) بسورية استماع إلى الفقرة

* أولًا: بالنسبة لمسألة الصراع العربي الإسرائيلي ، سورية كانت دائمًا متعاطفة مع أي جهة تتخذ موقف مقاوِم للحركات الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى تفتيت الوضع اللبناني وإثارة الفتن بين اللبنانيين، وإثارة المخاوف من طائفة إلى طائفة ومن منطقة إلى منطقة، في وضع ليس هناك ضوابط، ليس هناك نظام مستقر، ليس هناك دولة قائمة، وليس هناك مؤسَّسات تحمي الدولة، وهناك عمل فلسطيني، وهناك عمل لبناني أيضًا سواءً بالعمل المقاوِم أو بالحركة الشعبية.

حركة المحرومين هي من أبرز الحركات الشعبية في لبنان ، وبالتالي طبيعي أن تكون هناك علاقة، لكن ليس هناك أي دعم على الإطلاق إلا الدعم المعنوي؛ لأن حركة المحرومين ليست بحاجة لأي دعم؛ هي حركة شعبية وقائمة بذاتها، فكان هناك علاقة جد ممتازة، وخصوصًا أن رؤية حركة المحرومين للعلاقة مع سورية ليست نابعة من تداوُل مع سورية ، نابعة من الموقع الجغرافي السياسي للبنان ، ومصلحة لبنان في أن تكون سورية عمق لبنان ، في مواجَهاته للاعتداءات الإسرائيلية، خصوصًا وأننا في حركة المحرومين نظرنا للأمر من منظار أنه حتى لو جرت تسوية سليمة مع كل العرب ، نحن مضطرون إلى أن نكون دائمًا بحالة دفاع عن النفس؛ لأن هناك مطامع إسرائيلية بأرضنا ومياهنا، وهناك عداء إسرائيلي لتكويننا الاجتماعي والسياسي المناقِض لتكوينها، وهو قائم على التسامح الديني، وبالتالي موقع لبنان ودور لبنان في المنطقة مهدَّد بأنَّ إسرائيل تستهدف هذا الدور. من أجل ذلك على لبنان أن يكون في حالة استعداد دائم للدفاع عن نفسه وعن مقوِّماته.

هذا الأمر طبعًا تنظر إليه القيادة السورية ، أو أي قيادة عربية إيجابيًا بشكل عالي، بالفعل هذا الموضوع أصبح ركنًا أساسيًا من أركان الوفاق الوطني فيما بعد بين اللبنانيين.. كل اللبنانيين؛ لأن هذا الوعي للمخاطر على لبنان ، هو وعي أصبح راسخ في ضمير كل لبناني وفي وجدان كل لبناني.

أسباب عدم احتواء الأزمة استماع إلى الفقرة

* ما أقمنا الدولة، الدولة اللبنانية لم تُقَم، هناك نوع من قوى سياسية على الأرض ، وبالتالي ليس هناك دولة ضابطة ومنظِّمة لسائر مناحي الحياة في لبنان . من هنا أتينا على ذِكر الحرمان ، وعلى ذكر المناطق التي أصبحت أحزمة بؤس حول العاصمة، وكل هذه الأمور كانت مدعاة تذمُّر وشكوى بدون أن تكون هناك دولة لها مؤسسات ولها...؛ بسبب غياب الهوية الوطنية والهوية العربية والتربية الوطنية الواحدة لجميع اللبنانيين؛ لأنه عندما اندلعت الحرب بعد الـ75 واستمرت هذه الحرب ، أصبحنا نرى شبابًا على هذا المتراس يطلقون النار على شباب في متراسٍ آخر، وعندما تسأل هؤلاء الشباب تجدهم في حالة اقتناع حقيقي بأنهم يدافعون عن الوطن، والمتراس المقابل أيضًا يقول الشباب فيه نفس القول ، ونفس الاقتناع أنه يدافع عن الوطن، لأنه الوطن لم يعد واحدًا بمنظار كل اللبنانيين؛ وهذا سببه غياب التربية الوطنية الواحدة, فأصبح كل مدرسة في لبنان ، هي وزارة تربية قائمة بذاتها، لها برامجها ولها مناهجها ولها مفاهيمها.

إذًا هذا هو الوضع الذي جعل الأزمة اللبنانية مستحكمة ؛ لأنَّ لا يوجد مَن يحلّ مشاكل الناس ، ويرعى مشاكل الناس.

من هنا كانت ورقة العمل التي صدرت باسم الطائفة الإسلامية الشيعية ، برئاسة الإمام الصدر (وأنا شاركتُ فيها مشاركة أساسية) كانتْ حددتْ – لأول مرة بتاريخ لبنان – حددتْ من جهة مِن طائفة معيَّنة تقول : إن لبنان هو وطن وسيِّد وحرّ ومستقل ونهائي ولجميع أبنائه؛ لأن الأسئلة: هل لبنان لجزء من أهله أو لكامل أهله؟ هل لبنان على جزء من أرضه ، أو على كامل أرضه؟ هل لبنان وطن مرحلة أم هو وطن نهائي؟ طبعًا جاءت ورقة العمل هذه عام 77 (أيار 77) لتضع حدًا لكل هذه التساؤلات، ولتصبح هذه الورقة أساسًا للوفاق الوطني ، الذي توصَّلنا إليه فيما بعد في اتفاق الطائف .

جوهر الخلاف الأيديولوجي بين الحركات السياسية اللبنانية استماع إلى الفقرة

* هو الاختلاف على أساس عدم تحديد الهوية الوطنية والانتماء العربي، هذا هو جوهر الخلاف. طبعًا ولكن أساس هذا الخلاف ، أنه لا يوجد ميثاق وطني كامل، كما قلت الميثاق الوطني عام 43 ، اقتصر على مسألة الإقلاع عن طلب الحماية الأجنبية، والإقلاع عن طلب الوحدة مع سورية ، والارتضاء بالعيش بوطن واحد هو لبنان . ولكن لم تُحَلّ هذه المسألة الأساسية ، وبالتالي أصبح من المستحيل إقامة دولة بدون تحديد الهوية الوطنية.

هذا الصراع كان على هذا الموضوع، فبالنسبة للجبهة اللبنانية كانت لديها مخاوف أنها تريد البقاء كما نحن؛ لأن الماضي لجماهير هذه الجبهة غير محبَّب لقلوبهم، والمستقبل غامض وغير واضح لهم، فالأفضل بالنسبة إليهم أن نبقى كما نحن؛ نراوح بدون نظام.. بدون دولة.

طبعًا الحركة الوطنية ، و حركة المحرومين والحركات الأخرى التي تمثل أيضًا جماهير؛ هي تريد الخروج من هذه الـمُراوَحة، وبالتالي إقامة الدولة وفقًا لميثاق وطني كامل. هذا كان جوهر الخلاف.

أما الأيديولوجيا بالنسبة للحرب الباردة ، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ، أو ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ هذه الحرب الباردة كانت تجد أي بؤرة توتُّر في العالَم ، فتُستخدم في الحرب الباردة، و لبنان أصبح.. هو أوجد نفسه في هذا الوضع؛ وعليه فالشيء الأيديولوجي غير موجود أساسًا، فضلًا عن أنَّ في لبنان يجب أن نتنبَّه لمسألة أساسية: عندما نقول: مسلمين ومسيحيين أو مسيحيين ومسلمين؛ علينا أن نتنبَّه أن كل عائلة في لبنان ، أفراد هذه العائلة تتنوَّع بالانتماء إلى طوائف عدَّة ومذاهب عدَّة، وبالتالي نحن من شعب واحد ومن أصل واحد، وغير قابل لبنان إلى التفتُّت، وهذا ليس من قبيل إبداء رأي غير مجرَّب، نحن جُرِّب عندنا تقسيم لبنان إلى قائمة قائمتين عام 1942 ، حتى عام 1960 فكان هذا التقسيم حروب لا تنقطع، بالتالي انتهت بمجازر بشعة جدًا عام 1960، وانتهى لبنان إلى توحُّد أكثر فأكثر. ثم عام 75 – كما لاحظنا – تفتَّت لبنان وأصبح كل قرية مفتَّتة وبعيدة عن القرية الأخرى، وهناك حواجز بين القرى وبين الأحياء في المدن، ولكن فور إعلان الوفاق الوطني ، سقطت كل هذه الحواجز، وأصبح واضحًا أنها حواجز قسرية ، فُرضت فرضًا وبالتالي عندما زالت أسباب وضعها ، انتهت إلى تلاشي تلقائي بدون أي عناء، وهذا ما حصل.

تصاعُد العنف، وتداعيات الأزمة استماع إلى الفقرة

* سُمِّيت هذه الفترة (حرب السنتين)، كانت من أبشع الفترات في الحرب اللبنانية، حيث كان معدَّل القتلى يوميًا بين 100 و150 قتيلًا يوميًا، وبالتالي من البشاعة بحيث لا تُوصَف، وانتهت بعد انتخاب الرئيس إلياس سركيس ، وطبعًا بعد قمة الرياض ، ثم قمة القاهرة عام 76 ، وفترة 77 الهادئة نسبيًا حيث بدأ التفكير بحلول فعلية.

في قمة الرياض ؛ حيث كان هناك خلاف شديد بين مصر وسورية ، خصوصًا وأن مصر هي العمود الفقري للجبهة الغربية في الصراع العربي الإسرائيلي، و سورية هي العمود الفقري في الجبهة الشرقية، وباقي الدول هي دول مسانَدة، فكانت الدعوة من قِبَل المملكة العربية السعودية ، و الكويت لعقد هذه القمة وإنهاء النزاع الحاصل بين مصر وسورية . وكان هناك وجهة نظر لدى الرئيس المصري بأن تكون القمة سُداسية؛ أي مع لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت هناك وجهة نظر سورية أن تكون رُباعية ؛ لأن الخلاف سوري مصري، وبالتالي أصحاب الدعوة.. أي المملكة العربية السعودية والكويت ، هم أصحاب الدعوة ، فلتكن رباعية.

وهنا اشتدَّ النزاع: رباعية أم سُداسية؟ هنا كان دور هام للإمام الصدر ، وأنا شاركت فيه في تشرين الأول 76 بإطلاق فكرة أن تكون الجلسة الأولى للقمة رباعية والجلسات التي تلي سُداسية، وبمعنى آخر أن الشيء الذي يمكن أن يُبحَث بين مصر وسورية ، يكون قد انتهى، وتصبح عند ذلك لا عوائق أمام انعقاد هذه القمة السُّداسية.

هذه القمة مهمة جدًا ، بحيث إنها انتقلت فورًا إلى القاهرة بنفس الأهداف، وقمة كاملة.. قمة عربية كاملة تبنَّت مقرَّرات قمة الرياض ، وأُرسلت قوات ردع عربية إلى لبنان مكَّنت من البدء بالتقاط الأنفاس. ولكن للأسف كان المُنتَظَر أن تشارك مصر ودول عربية أخرى مشارَكة كبرى في قوات الردع ، للأسف مصر أحجمت عن المشاركة؛ مما جعل المشاركة القصوى هي من سورية لتغطية النقص، ومن هنا أيضًا أصبح القوات الأخرى (السعودية أو اليمنية أو قوات أخرى) شيئًا فشيئًا ، تجد نفسها أقلِّية أو لا حاجة لبقائها، وهكذا أصبحت سوريَّة بالكامل بعد فترة زمنية. إنما هنا انتقلنا إلى مرحلة تفتيش ، عن حلول لم نتوصَّل إليها أيضًا بسبب الصراع الدولي ، والحرب الباردة التي كانت قائمة.

لبنان امتداد للأمن القومي السوري استماع إلى الفقرة

* عمليًا عندما أصبح لبنان فاقد السيطرة على أموره يصبح عرضة للاستخدام، فإذا سورية لم تضمن بأن لبنان هو يشكل حالة اطمئنان لها حتمًا ستجد...، عندما حصل الاجتياح الإسرائيلي عام 82 ، وحصلت اتفاقية 17 أيار أصبح هناك تهديد مباشَر للأمن القومي السوري، فإذًا سورية أو غير سورية ، أو أي دولة عربية تجد بالساحة اللبنانية – إذا لم يكن هناك ضوابط وضمانات لعدم تفلُّت الوضع في لبنان ، بحيث يصبح خطرًا على هذه الدولة أو تلك الدولة – طبيعي أن تلجأ إلى حفظ ما يضمن سلامتها.

أنا أعتقد بهذا السياق غير مجدي عملية الاتِّهامات؛ لأنَّ بالنتيجة لا أحد يفكر بضمّ لبنان إلى سورية ، ولا أحد في سورية يفكر بضمّ لبنان إلى سورية ، هذا أمر غير مطروق وغير وارد، خصوصًا بأنه عندما نفكر بمسألة الحلم بالوحدة العربية القديم.. الآن تطوَّرت الوضع؛ أصبحنا بحاجة إلى اتّحاد عربي، عندما ننظر إلى الوحدة الأوروبية أو إلى المجموعة الأوروبية أين أصبحت..، فالمطلوب هو التقدُّم إلى الأمام ، وليس العودة إلى أحلام ليس منها جدوى.

في تلك الفترة لم أجد ، ولم أشعر بأي فكرة من قِبَل لبنانيين أو من قِبَل سوريين – على اختلاف نزعات اللبنانيين – لم أجد أي أحد يطلب الانضمام إلى سورية ، ولم أجد أي مسؤول سوري يسمح بالكلام عن مثل هذه الطموحات. هذا ما أعتقد أو ما شاهدته من خلال مشاركتي.

التدخُّل الفلسطيني في الشؤون اللبنانية استماع إلى الفقرة

* الأساس عام 73 عندما حصل اغتيال القادة الثلاثة في شارع (فيردان) من الفلسطينيين، كانت ردَّة الفعل قوية جدًا؛ لأن الكوماندوس الإسرائيلي دخل إلى شارع في قلب بيروت ، واغتال القادة الثلاثة.

أصبح هناك ردود فعل في الشارع اللبناني ، حول هذه المسألة، وانتهت بانفجار، انتهت أيضًا بمقولة: أن على الفلسطينيين أن يحموا أنفسهم؛ لأن الدولة اللبنانية أو السلطة اللبنانية القائمة ليس عندها الإمكانات لحماية الفلسطينيين. وهذا القرار أو هذا الإعلان كان له آثار مدمِّرة؛ لأن الفلسطينيين أخذوا هذا الموقف كسَنَد لممارستهم السلطة على الأرض اللبنانية؛ بمعنى حماية أنفسهم بواسطة قوتهم الذاتية، وهنا بدأنا بمرحلة التفجُّر بين الدولة ودويلات ضمن الدولة. طبعًا منظمة التحرير الفلسطينية ، أو القيادة الفلسطينية بدأت بدايةً تحشد الأنصار من هذا الصف الذي أصلًا هو ناقم على السلطة ولا تمثل هذه السلطة له شيئًا، وناقم على تكوين الجيش اللبناني ، وبالتالي النظر إلى الجيش اللبناني على أنه جيش قوي ، أو يخص فئة ولا يخص كل اللبنانيين.

هذا الوضع زاد الأمور تعقيدًا، وبالتالي أصبحنا أمام تدخُّل فلسطيني بكل الشؤون، حتى بتنظيمات الحركة الوطنية أصبحت القيادة الفلسطينية ، تتدخل بتدريب وتمويل.. إلى آخره.

مقدمات الدور السوري في لبنان استماع إلى الفقرة

* هناك تطوُّر الوضع الفلسطيني أخذ منحى التحدِّي.. التحدِّي القاسي ، نتيجة الأحداث على الأرض، بحيث أصبحنا مثلًا – رغم محاولات التهدئة والوفاق – أصبحنا نرى شعارات أنَّ طريق القدس تمرّ في (جونيه) ، وهذا المعنى بمعنى أشعل حرب الجبل، حرب الجبل التي هي امتداد لتطوُّر أو لتعاظم الصراع، وهدَّدت هذه الحرب هدَّدت الوحدة الوطنية ، أو وحدة لبنان الجغرافية هدَّدتها بالانقسام الكامل، من هنا مسألة التسليم بتقسيم لبنان ، أو تفتيت لبنان كما تعمل إسرائيل ليلًا نهارًا (وهو هدف أساسي بالنسبة لها لإيجاد دويلات طائفية مذهبية عنصرية على شاكلتها) هذا الأمر يهدِّد الأمن القومي – ليس لسورية فقط، لكل الدول العربية – بالتفتُّت، وبالتالي ليس سرًا أنه قيل في بداية الأزمة عام 75 شعار (قَبْرَصَة لبنان )، وبمعنى آخر أنه في قبرص خلال ستة أشهر ، انتهت الوضع إلى تقسيم طوعي، إلى منطقة فيها الأتراك مقابل تركية، ومنطقة فيها اليونانيين مقابل اليونان ، فكانت الفكرة هكذا (قَبْرَصَة لبنان )، وبالتالي الأحلام بتفتيت لبنان أحلام قديمة ، وليست من نسج الخيال، هي على الأرض، وقد نفَّذت إسرائيل – فيما بعد – هذه الأحزمة الأمنية لها عبر الشريط الحدودي وغير الشريط الحدودي، ومضمون اتفاق 17 أيار؛ كل هذه الأمور لا تهدِّد سورية فحسب، تهدِّد كل المنطقة العربية بالتفتُّت. من هنا كانت ردود الفعل أن لا يمكن أن نسمح بالوصول إلى هذا الحد، فوحدة لبنان هي أساسية في وحدة أي بلد عربي آخر.

مَن المسؤول عن الاصطدام الفلسطيني اللبناني؟ استماع إلى الفقرة

* لا أستطيع أن أعفي أحد من المسؤولية، وقد شاركنا مشاركة قوية في اجتماع حصل في (الحازمية) برئاسة الإمام الصدر ، وإيفاد شخصيات إلى مخيَّم تل الزعتر وإلى (الدكوانة) لمحاولة وقف الانهيار، وبالتالي جرى إطلاق النار علينا من قِبَل الجهتين على سياراتنا ، وعلى وجودنا في هذه المنطقة (ونحن نعرف أنها منطقة خطرة)، ولكن النفوس كان معبَّأة لشحن ، وبالتالي إنهاء الوضع في تل الزعتر لصالح جهة دون جهة. ولكن الأصل هو ما سبق ، وقلته عن مسألة انفلات الوضع بحيث هدَّد الوحدة بالخطر الفعلي على الأرض.

على كل حال هذه المسألة لا يمكن إعفاء أحد من مسؤولياته على الإطلاق، حتى الذين لم يساعدوا على إقامة الدولة اللبنانية لحفظ سيادتها ، واستقلالها وبالتالي المحافظة على عمل الفلسطينيين، من هنا نجد أنه نحن في حالة تعاطُف شديد مع الفلسطينيين لعودتهم ، ولتحصيلهم حقهم وفي نفس الوقت نحن في حالة تعارُض مع الفلسطينيين في ما ذهبوا إليه من اعتقاد أنهم يدافعون عن أنفسهم تجاه الآخرين، خاصةً أن لبنان هو حصن القضايا العربية؛ الفلسطينية وغير الفلسطينية؛ لأنه لبنان بلد الحريات العامة ، الاجتماعية والسياسية والإعلامية والفكرية، وهو البلد الوحيد الذي بقي يعبِّر عن القضايا العربية في كل الـمِحَن التي دارت تاريخيًا.

إذًا عندما هذا الصراع مع الفلسطينيين يتسبَّب في الإضرار ب لبنان ، يتسبَّب في حرمان الفلسطينيين من حصنهم؛ حصنهم الأساسي الذي دافع عنهم بمنابره وبصحافته وبدبلوماسيته، لبنان هو لا يعتبر موضوع فلسطين ، أنه فقط لأن التضامن مع الفلسطينيين هو من قبيل التضامن مع الشعب العربي الشقيق فقط، بل يعتبر لبنان أنه من قبيل الدفاع عن النفس، له مصلحة أكيدة بحصول الفلسطينيين على دولتهم ، وعلى العودة إلى أرضهم.

دخول الجيش السوري إلى لبنان استماع إلى الفقرة

* هو دخل قبل على منطقة الشمال، وبالتالي أوقف الحرب هناك، فكان بعد سقوط منطقة المسلخ وبالتالي تفاقُم الوضع في (الدامور) أصبح مُلزَم.. أنا لا أريد أن أبرِّر دخول الجيش السوري ، ولكن هناك قاعدة بأنه (لا فراغ على الإطلاق، الهواء يعبِّي الفراغ، أي مكان فارغ هو عرضة لملئه بأي شكل من الأشكال)، الوضع الذي أصبحنا فيه وضع يهدِّد كل شيء: مصير لبنان ، مصير اللبنانيين.. كل شيء كل شيء وبدون استثناء، حتى الذين يعتقدون أنهم متحصِّنون في حصن منيع, لا أعتقد أن أحدًا بقي سالمًا ، أو بقي آمنًا في لبنان . فكان هناك مطالَبات من عدة قيادات سياسية ومُعلَنة بوجوب مجيء الجيش السوري، وكان هناك أصوات مُعارِضة ولكنها بنفس الوقت هذه الأصوات ضعيفة ؛ لأنها لا تملك بديل عن هذه المسألة، هي فرضت نفسها ؛ لأنه لا بديل لها.

التطلُّع إلى دور لبناني فعَّال استماع إلى الفقرة

* بالنسبة لنا أولًا وآخرًا ، لا نزال أمام تلكُّؤ القوى الكبرى، وخصوصًا الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، هي تقصير فاضح في القيام بالتزاماتها، هي ملتزمة بموجب اتفاقية الهدنة لعام 49 ، بجعل الحدود في حالة هدنة على جانبَي الحدود اللبنانية الفلسطينية، وهذي مُتَّخَذة تحت الباب السابع من شرعة الأمم المتحدة (نظام الأمم المتحدة )، أيضًا هناك القرار (425) هي ملتزمة بتطبيقه، الذي يقتضي بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية ، وتمكين لبنان من إعادة بسط سلطته على الأرض اللبنانية، وهي للآن لم تقم بأي شيء من التزاماتها، وكان آخر التزام اتفاق الطائف ، فضلًا عما سُمِّي قرار (1701) الذي ذكر بصراحة تطبيق كامل بنود اتفاق الطائف . هذا الأمر يجعل الوضع في لبنان قابل لحالة عدم الاستقرار بصورة دائمة.

أيضًا هناك تلكُّؤ من القيادات اللبنانية بأنه حتى بعد أن أصبح لديهم ميثاقًا وطنيًا كاملًا، وأصبح لديهم دستور لبناني وإطار دستوري وميثاقي؛ هذا الإطار لم يعملوا على إقامة الدولة ، وبناء مؤسَّساتها ليصبح لبنان بمنأى عن أي تدخُّل أجنبي، ويصبح لبنان الآن.. بتصوري أن العالَم بحاجة إلى لبنان السليم أو الدور اللبناني، والمنطقة العربية والإسلامية بحاجة لهذا الدور؛ لأن لبنان يستطيع أن يكون هو الـمُلتقى، وهو صانع الصِّيَغ للدخول بالنظام العالَمي الجديد الذي أصبح – برأيي – أصبح بعد تأخير منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حتى الآن أصبح حتميًا، وخصوصًا بعد انهيار كل المقولات ، التي سبقت انتخاب الرئيس (أوباما) وهي (صراع الحضارات) أو (الغموض البنَّاء) أو (اليد الخفيَّة التي تنظِّم اقتصاد السوق) أو (الفوضى الخلاَّفة)، كل هذه الوهميَّات التي حصلت سقطت، الآن على رأس البيت الأبيض (باراك حسين أوباما) الذي جاء ، ويحمل معه بوادر النظام العالَمي الجديد، وبالأمس قمة العشرين حول – أيضًا – النظام العالَمي الجديد، هنا يأتي دور لبنان ، دور لبنان هو دور خيِّر لمنطقته وللعالَم، هو نافذة هذه المنطقة العربية ، والإسلامية على العالَم، وهو نافذة العالَم على هذه المنطقة؛ لأنه يملك الـمُعطَيات التي تؤهِّله للقيام بهذا الدور، إنْ من حيث الحريات العامة، أو من حيث التعوُّد على الممارَسة الديمقراطية، أو من حيث التسامح الديني بين الطوائف المتعددة، أو من حيث النخبة اللبنانية الموجودة في الداخل وفي الخارج ، التي يجب أن تُوَظَّف لخير المنطقة ، وخير حل قضاياها الشائكة.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ الفصيح
للمقابلة مع الضيف
حسين الحسيني
(من مؤسِّسي حركة "أمل"، وعضو في البرلمان اللبناني خلال عهد الملك خالد)

تأسيس حركة المحرومين وأهدافها

* حركة المحرومين ، بدأت قبل عام 1975م , وهي ناتجة عن طبيعة النظام اللبناني، ففي عام 1943م ، عندما نُقلت السلطة من ظل الانتداب الفرنسي إلى الاستقلال ، اقتصر الميثاق الوطني على مسألتين: المسألة الأولى: اقتناع غالبية اللبنانيين المسيحيين بعدم جدوى الحماية الأجنبية ، التي لها جذور عميقة منذ ما قبل عام 1840م، وأيضًا اقتناع أكثرية اللبنانيين المسلمين بضرورة الإقلاع عن المطالبة بالوحدة مع سورية أو الوحدة العربية؛ وذلك نتيجة الظروف الراهنة. هذا الأمر جمَّد السلطة في وضع ملتبس؛ بمعنى أنَّ الهيئة الاستقلالية عجزت عن تحديد الهوية الوطنية والانتماء العربي بشكلٍ صريح؛ لأنه عندما نعود إلى بيان حكومة الرئيس رياض الصلح الأولى التي تشكَّلت عام 1943م ، ونأتي إلى مسألة السلطة نجد أنها في حالة التباس، وحول تحديد الهوية الوطنية ، نجدها أيضًا في حالة غموض أو إغفال. وعندما وصلوا إلى تحديد الهوية العربية ، والانتماء العربي للبنان كان الأمر بمنزلة تعليق للجواب عن طريق القول: إن لبنان ذو وجه عربي. بمعنى آخر: الالتباس ما زال قائمًا، فأصبح أيضًا تحديد نوعية النظام اللبناني صعبًا وغامضًا.

من هنا استمرت الحالة بالنموّ للسلطة ، أو نموّ البلد نموًَّا عشوائيًا، بحيث تركَّزت السلطة والمال والأعمال وموارد الرزق في العاصمة وضواحيها، ومن ثَمَّ تسبَّب ذلك بمشكلات اجتماعية كبيرة ، من حيث نزوح أبناء الريف نحو المدينة، وكثير من المشكلات التي نتجت عن عدم استعداد المدينة لاستقبال هذا العدد الكبير، فضلًا عما خلَّف ذلك من إهمال للمناطق اللبنانية كافةً ، نتيجة هذا النزوح القسري.

من هنا كان لابد من النظر إلى رفع حالة الحرمان عن هذه المناطق اللبنانية، ومن ثَمَّ العمل على تحديد الدولة ، وتحديد الهوية الوطنية ، والهوية العربية ليصبح بالإمكان وضع تربية وطنية واحدة للُّبنانيين. هذا الأمر هو وراء تشكيل حركة المحرومين ، وبتشكيلها الأول كانت تضم غالبية من مختلف الطوائف اللبنانية ، بصرف النظر عن الانتماءات المذهبية أو الدينية أو الطائفية، وهذا ما أعطاها حضورًا كبيرًا ، بحيث ضمَّت شخصيات لها قيمة ، ولها وزن كبير في المجتمع اللبناني.

هذا الأمر بدأ يتحدد قبل عام 1968م، استمرارًا حتى عام 1973م ، إذ كان التأسيس الأول، خصوصًا بعد الاجتياح الإسرائيلي للجنوب على محورَي (جويَّة) و(قانا) في16 أو 17 أيلول 1972م ، وكان هذا أول اجتياح إسرائيلي للأراضي اللبنانية، وفي أعقاب هذا الاجتياح ، وانسحاب إسرائيل (تحديدًا في 20 أيلول 1972م) جرى وضع القرار الأساسي بتأسيس المقاومة الوطنية ، في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، وللحيلولة دون أن تعدَّ إسرائيل دخولها إلى لبنان ، واعتدائها على الأراضي اللبنانية كأنها نزهة، فكان أيضًا القرار الذي في عام 1972م, طبعًا الإمام الصدر كان هو المؤسس الأول، ورفاق الإمام الصدر الأُوَل كان لهم جهود كبيرة في هذا المجال، فضلًا عن الشخصيات الأخرى التي أسهمت ، حتى عام 1975م بوضع رؤى لهذه المقاومة وكيفية حمايتها، وكيفية التنسيق فيما بينها وبين القوة الشرعية اللبنانية.

مقدمات الأحداث في لبنان

* لابد من العودة إلى عام 1967م ، الذي حصلت فيه حرب 67 ، وقمة الخرطوم ، التي اشتُهرت بـ(اللاءات الثلاث)، في هذه القمة جرى التداول في مواجهة آثار الهزيمة التي حصلت للعرب. هنا برز اتجاه نحو إعطاء الدور الأساسي في تحرير الأرض للفلسطينيين ، بوصفهم قوى متقدمة لتحرير الأرض، والفكرة هي أن تنطلق هذه القوى بعمليات فدائية من الأراضي المجاورة للكيان الإسرائيلي لتحرير أرض فلسطين ، علمًا بأن هذه الفكرة – على وجاهتها وخصوصًا في أعقاب الهزيمة – استُدركت الآثار التي يمكن أن تنجم عنها بأن مصر وسورية والأردن – بوصفها دول طوق مجاورة لفلسطين – سارعت إلى استدراك الأمر ، وطلب تمويل عربي من أجل تعزيز الجيش المصري ، والجيش السوري والجيش الأردني ؛ لمواجهة آثار ما يمكن أن ترتِّبه الأعمال الفدائية. ولكن الخلل الكبير الذي حصل في هذه القمة ، هو أن القيادات العربية لم تضع استراتيجية عربية موحَّدة لتوزيع هذا العبء على الآخرين، وهنا برز اتجاه إلى لبنان ؛ لأن لبنان لم يكن بعدُ مؤهَّلًا أو مهيًَّا لإقامة الدولة وبناء مؤسَّساتها؛ حيث يوجد فيه- كما أسلفنا – وضع مؤقَّت ، وغير نهائي لطبيعة النظام والوفاق الوطني؛ من هنا أحجم الرئيس الراحل (شارل الحلو) عن مجاراة مصر وسورية و الأردن ، وأوضح أنه لا يريد مساعدات للجيش اللبناني ، ولا يريد بناء المؤسَّسة العسكرية، ومن ثَمَّ فهو يلتزم بما قرَّرته القمة من حيث انطلاق العمل الفدائي من الأراضي اللبنانية وغير اللبنانية.

كان هذا الأمر في عام 1967م، ولكن هذه السلطة اللبنانية التي لا تستند إلى وضع شرعي ونهائي أصبحت لديها ازدواجية العمل: ففي الوقت الذي سمحت فيه للفلسطينيين بالانطلاق من الأراضي اللبنانية ، سمحت لميليشيات مقابلة – وخصوصًا في صفوف اللبنانيين المسيحيين – بالتدرُّب والتسلُّح؛ مما خلق وضعًا متناميًا من الحذر والشك والخوف من الفلسطينيين تجاه هذه الميليشيات, ومن هذه الميليشيات تجاه الفلسطينيين.

هذا الوضع أهَّلَ لجعل لبنان صالحًا لإقامة حالة عدم الاستقرار، ومن هنا تعاقبت الأحداث حتى حصل أول صِدام بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية عام 1969م، ونتج عن ذلك توقيع اتفاقية القاهرة التي رقَّعت الموضوع ، ومن ثَمَّ أجَّلت الانفجار، واتفاقية القاهرة بحدّ ذاتها أصبحت إجازة للعمل بغير مضمونها، وخصوصًا أنه في عام 1970م وقعت حوادث الأردن ، ومن ثَمَّ اقتصر العمل الفدائي الفلسطيني على الجانب اللبناني فقط.

مع غياب الإستراتيجية العربية الموحَّدة ، أصبح هذا الوضع مقلقًا جدًا تجاه اللبنانيين وتجاه الفلسطينيين أيضًا، وأصبحت الدول العربية تدعم أكثر ، فأكثر تنظيمات فلسطينية موالية لها ، بحيث أصبحت العملية الفدائية الفلسطينية تُسَمَّى (فصائل المقاومة الفلسطينية)؛ بمعنى أنَّ كل فصيل ، يرتبط بدولة من الدول، أو يُمَوَّل أو يُدعَم من دولة من الدول. كذلك لم يعد هناك في داخل الوضع الفلسطيني انسجام أو تنسيق حقيقي بين الأطراف؛ مما انعكس أيضًا على زيادة المخاوف ، وزيادة الحذر عند اللبنانيين.

ثم أصبحنا أمام عام 1975م، وطبعا بالنسبة إلى المقاومة استمرت حركة المحرومين في السعي مع السلطات اللبنانية لجعل المقاومة الوطنية في الجنوب تحت شعار (أنصار الجيش) ، أو أي شعار وفقًا لرؤية قدَّمها الأستاذ غسان تويني في إطار الندوة اللبنانية ، التي كنا نلتقي فيها لمعالجة هذا الأمر، وكان يشاركنا عدد من المسؤولين في الجيش اللبناني ، وفي السلطة اللبنانية لإيجاد هذا النوع من المقاومة؛ بمعنى أن المقاومة تكون على الشريط الحدودي في القرى الحدودية ، وتحافظ على القرى وتدرِّب أبناء هذه القرى، والجيش اللبناني – لكونه لا توازُن بينه وبين الجيش الإسرائيلي – يكون وراء المقاومة ومهيًَّا لاستيعاب ردَّات الفعل.

وللأسف هذه العملية لم تنجح، من هنا كان تأسيس ما أسميناه "أمل" (أفواج المقاومة اللبنانية) عام 1975م.

الاصطدام اللبناني الفلسطيني

* كان الوضع مهيًَّا للانفجار؛ بمعنى آخر: كانت هناك حالة انعدام ثقة – وبخاصة من قِبَل الفلسطينيين – بمختلف الدول العربية، كانت هناك مشاعر لدى الفلسطينيين بأنَّ الجميع خائنون ، أو متآمرون على حقوق الشعب الفلسطيني؛ نتيجة عدم إعادة الحق الفلسطيني إلى الفلسطينيين طوال المدة التي دامت فيها النكبة الفلسطينية والتشرد الفلسطيني؛ مما أوجد حالة نقمة لدى الفلسطينيين أينما وُجدوا. هذا الأمر لا يمكن إغفاله. فضلًا عن أن المعالَجات لم تكن حقيقية، كانت تمريرًا للوقت أو دفعًا للأزمات إلى الأمام، والأزمات تتعاظم ككرة الثلج.

ففي عام 1975م كان طبيعيًا أن أي اصطدام بين سيارة وسيارة ، يمكن أن يُحدث هذا الانفجار ؛ لأن النفوس مَعَبَّأة ومُهَيَّأة، فضلًا عن التدخل الخارجي ممن هم منذ الحمايات الأجنبية ، ينظرون إلى لبنان على أنه موطئ قدم للدخول إلى منطقة الشرق الأوسط، وهنا كان لبنان يعاني من عدِّه ساحة وليس ملتقى كما هو دوره الحقيقي.

كنت آنذاك في (دير المخلِّص) في الجنوب، وكان المطران أندريه حداد هو صاحب الدعوة ، وكنتُ ممثلًا ل حركة المحرومين ، وكان معي الأستاذ كريم بقردوني ممثلًا لحزب الكتائب، وكذلك الحزب الشيوعي ، وعدد من الأحزاب؛ وذلك للحوار حول ما يمكن عمله تجاه هذا الوضع المُقلق والقابل للانفجار. وجاء مَن يُسِرُّ لي بأنه حصل هذا الانفجار ، وبأنه يوجد خطر على كريم بقردوني في العودة إلى بيروت لكونه مشاركًا في هذه الندوة في الجنوب، فأنا استفسرتُ عن الحالة وأخذتُ احتياطاتي ومن ثَمَّ أخذتُ ب كريم بقردوني في سيارتي وأوصلتُه إلى مكانٍ آمن في منطقة الأشرفية .

ثم عرَّجتُ على صحيفة (النهار) ، حيث كنا نلتقي في ندوة دائمة نستقي الأخبار، وعلمتُ في تلك اللحظة ردَّات الفعل حول ما سُمَّى آنذاك (عزل الكتائب)، فكان ردَّ فعلي الأول ، أنَّ هذا خطأ ، ويجب ألا يحدث ؛ لأن له آثارًا عكسية تمامًا، وهذا ما يصب في غير صالح الوحدة الوطنية ، ويعزِّز الفرز الطائفي والمذهبي، وفيما بعد نقلت هذا الجو إلى الإمام السيد موسى الصدر ، وبالفعل حركة الإمام الصدر و حركة المحرومين سارعت إلى رفض هذا الشعار والتحذير من نتائجه المدمِّرة، واستمرت هذه الأحداث، فضلًا عن أن الإمام الصدر ، بدأ يعمل على وضع حد لتعاظم هذا الحدث، ومن ثَمَّ العمل على تسليم المسؤولين عن هذه المجزرة إلى القضاء اللبناني وتهدئة النفوس، وكنتُ أحد العاملين في هذا المجال بالنسبة إلى حادث بوسطة (حافلة) عين الرمانة .

الوساطة السورية لتشكيل الحكومة اللبنانية

* بالطبع، قامت لقاءاتٌ عدة في عامَي1973 و1974م، ولكن علينا أن نتنبَّه دائمًا إلى مسألة أساسية هي الأمن القومي، ف لبنان ، لا يستطيع أن يَغفل مسألة الأمن القومي الذي لا يقتصر على الحدود اللبنانية فقط، كذلك يشمل سورية .. وكذلك لدى أي بلد عربي ، أو أي بلد بالعالَم هناك شيء اسمه الأمن القومي، وهذا أمر مهم بل إنه مهم جدًا، فإذا قبلت سورية بانفجار في لبنان ، فسيمتد هذا الانفجار إليها حتمًا، ومن ثَمَّ كانت المسارَعة، وبخاصة أن العلاقة بين الحُكم اللبناني (أي بين أفراد الـحُكم اللبناني؛ ولا سيما رئيس الدولة اللبنانية ، الذي كان حينئذٍ الرئيس سليمان فرنجية ) والقيادة السورية علاقة ممتازة جدًا، وشخصية أيضًا.

من هنا ، فإن هذا الوضع الذي نشأ منذ عام 1973م (الصِّدام الأساسي بين الجيش اللبناني والفلسطينيين بعد عام1969م) تسبَّبَ باستقالة حكومة الرئيس صائب سلام ، ثم تشكيل حكومة الرئيس أمين الحافظ ، التي لم تنل الثقة بسبب التطورات غير المحسوبة التي حدثت ؛ هذا الأمر أدَّى إلى فراغ في الحكومة وأزمة دائمة، ومن ثَمَّ أصبح العمل جادًا لتشكيل حكومة فعلية بعد استقالة الرئيس رشيد الصلح ، عندما حدث انفجار عام 1975م، هنا جاءت الوساطة السورية من قِبَل السيد عبدالحليم خدام والعماد حكمت الشهابي واللواء ناجي جميل بوصفهم وفدًا سوريًا من قِبَل القيادة السورية لإيجاد تسوية لهذه المسألة.

وكان الجدل حول موضوع تشكيل الحكومة بعد انهيار الوضع الأمني بشكل كامل، فكان الإصرار من قِبَلنا على تكليف الرئيس الراحل رشيد كرامي بتشكيل الحكومة لإيجاد حالة استقرار ومعالجة الأوضاع ، وبالفعل حدث هذا ، فالوساطة نجحت بهذا المعنى.

اللقاء مع السيد عبد الحليم خدام

* جرت لقاءاتٌ عدة بيننا وبين السيد عبد الحليم خدام ؛ مع الإمام الصدر ، أو في دار الفتوى حيث مثَّلتُ الفريق الذي أنتمي إليه في هذه الاجتماعات في دار الفتوى، واتُّفق هناك على رشيد كرامي رئيسًا للحكومة.

علاقة حركة المحرومين (أمل) بسورية

* أولًا: بالنسبة إلى مسألة الصراع العربي الإسرائيلي ، فإن سورية كانت دائمًا متعاطفة مع أي جهة تتخذ موقفًا مقاوِمًا للحركات الإسرائيلية ، التي كانت تهدف إلى تفتيت الوضع اللبناني وإثارة الفتن بين اللبنانيين، وإثارة المخاوف من طائفة تجاه طائفة ومن منطقة تجاه منطقة، في وضعٍ ليس فيه ضوابط، ليس فيه نظام مستقر، ليست فيه دولة قائمة، وليست فيه مؤسَّسات تحمي الدولة، ويوجد عمل فلسطيني، ويوجد عمل لبناني أيضًا سواءً العمل المقاوِم أو الحركة الشعبية.

حركة المحرومين ، هي من أبرز الحركات الشعبية في لبنان ، ومن ثَمَّ فمن الطبيعي أن توجد علاقة بينها وبين سورية ، لكن لا يوجد لها أي دعم على الإطلاق إلا الدعم المعنوي؛ لأن حركة المحرومين ليست بحاجة إلى أي دعم؛ هي حركة شعبية وقائمة بذاتها، فكانت توجد علاقة جدُّ ممتازة، وخصوصًا أن رؤية حركة المحرومين للعلاقة مع سورية ليست نابعة من تداوُل مع سورية ، بل كانت نابعة من الموقع الجغرافي السياسي للبنان ، ومصلحة لبنان في أن تكون سورية عمق لبنان في مواجَهاته للاعتداءات الإسرائيلية، وخصوصًا أننا في حركة المحرومين نظرنا إلى الأمر من منظار أنه لو جرت تسوية سليمة مع كل العرب ، فنحن مضطرون إلى أن نكون دائمًا بحالة دفاع عن النفس؛ لأن هناك مطامع إسرائيلية بأرضنا ومياهنا، وهناك عداء من إسرائيل ، لتكويننا الاجتماعي والسياسي المناقِض لتكوينها، فتكويننا قائم على التسامح الديني، ومن ثَمَّ فموقع لبنان ودورها في المنطقة مهدَّد بأن تستهدف إسرائيل هذا الدور. من أجل ذلك على لبنان أن يكون في حالة استعداد دائم ، للدفاع عن نفسه وعن مقوِّماته.

هذا الأمر بالطبع تنظر إليه القيادة السورية ، أو أي قيادة عربية إيجابيًا بشكلٍ عالٍ، وبالفعل أصبح هذا الموضوع ركنًا أساسيًا من أركان الوفاق الوطني فيما بعد بين اللبنانيين.. -كل اللبنانيين-؛ لأن هذا الوعي -للمخاطر على لبنان- أصبح راسخًا في ضمير كل لبناني ووجدانه.

أسباب عدم احتواء الأزمة

* ما أقمنا الدولة، فالدولة اللبنانية لم تُقَم، فقد كانت هناك أنواع من قوى سياسية على الأرض ، ومن ثَمَّ فلم تكن توجد دولة ضابطة ومنظِّمة لسائر مناحي الحياة في لبنان . من هنا أتينا على ذِكر الحرمان ، وعلى ذِكر المناطق التي أصبحت أحزمة بؤس حول العاصمة، وكل هذه الأمور كانت مدعاة تذمُّر وشكوى دون أن تكون هناك دولة لها مؤسسات ، ولها بقية مقوِّمات الدولة؛ بسبب غياب الهوية الوطنية ، والهوية العربية والتربية الوطنية الواحدة لجميع اللبنانيين؛ لأنه عندما اندلعت الحرب بعد عام 1975م ، واستمرت هذه الحرب أصبحنا نرى شبابًا على هذا المتراس يطلقون النار على شبابٍ في متراسٍ آخر، وعندما تسأل هؤلاء الشباب تجدهم في حالة اقتناع حقيقي ، بأنهم يدافعون عن الوطن، والمتراس المقابل أيضًا ، يقول الشباب فيه القول نفسه ، وهم مقتنعون الاقتناع نفسه بأنهم يدافعون عن الوطن؛ لأن الوطن لم يعد واحدًا بمنظار كل اللبنانيين؛ وهذا سببه غياب التربية الوطنية الواحدة, فأصبحت كل مدرسة في لبنان وزارة تربية قائمة بذاتها، لها برامجها ولها مناهجها ولها مفهوماتها.

إذًا هذا هو الوضع الذي جعل الأزمة اللبنانية مستحكمة؛ لأنه لا يوجد مَن يحلُّ مشكلات الناس ويرعاها.

من هنا كانت ورقة العمل التي صدرت باسم الطائفة الإسلامية الشيعية برئاسة الإمام الصدر (وأنا شاركتُ فيها مشاركة أساسية) ، قد بيَّنتْ – لأول مرة بتاريخ لبنان – أن لبنان هو وطن وسيِّد وحرّ ومستقل ونهائي ولجميع أبنائه؛ لأن الأسئلة كانت: هل لبنان لجزء من أهله أو لكامل أهله؟ هل لبنان على جزء من أرضه أو على كامل أرضه؟ هل لبنان وطن مرحلة أم هو وطن نهائي؟ -بالطبع- جاءت ورقة العمل هذه عام في أيار عام 1977م ؛ لتضع حدًا لكل هذه التساؤلات، ولتصبح أساسًا للوفاق الوطني الذي توصَّلنا إليه فيما بعد في اتفاق الطائف .

جوهر الخلاف الأيديولوجي بين الحركات السياسية اللبنانية

* جوهر الخلاف كان على أساس عدم تحديد الهوية الوطنية والانتماء العربي. ولكن أساس هذا الخلاف أنه لا يوجد ميثاق وطني كامل، فالميثاق الوطني عام 1943م اقتصر– كما قلت – على مسألة الإقلاع عن طلب الحماية الأجنبية، والإقلاع عن طلب الوحدة مع سورية ، والارتضاء بالعيش في وطن واحد هو لبنان . ولكن لم تُحَلَّ هذه المسألة الأساسية ، ومن ثَمَّ فقد أصبح من المستحيل إقامة دولة دون تحديد الهوية الوطنية.

هذا الصراع كان على هذا الموضوع، فبالنسبة إلى الجبهة اللبنانية كانت لديها مخاوف ، وتريد أن نبقى كما نحن؛ لأن الماضي بالنسبة إلى جماهير هذه الجبهة غير محبَّب إلى قلوبهم، والمستقبل غامض وغير واضح لهم، فالأفضل بالنسبة لهم أن نبقى كما نحن؛ نراوح دون نظام ودون دولة.

قد كانت الحركة الوطنية و حركة المحرومين والحركات الأخرى التي تمثل أيضًا جماهير؛ تريد الخروج من هذه الـمُراوَحة، ومن ثَمَّ إقامة الدولة وفقًا لميثاق وطني كامل. هذا كان جوهر الخلاف.

أما الأيديولوجيا بالنسبة إلى الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أو مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فإن هذه الحرب الباردة كانت تجد أي بؤرة توتُّر في العالَم ؛ لتُستخدم في الحرب الباردة، و لبنان أوجد نفسه في هذا الوضع؛ وعليه فالجانب الأيديولوجي غير موجود أساسًا، فضلًا عن أننا يجب أن نتنبَّه إلى مسألة أساسية في لبنان : عندما نتحدث عن المسلمين والمسيحيين علينا أن نتنبَّه إلى أن أفراد كل عائلة في لبنان يتنوَّعون بالانتماء إلى طوائف عدَّة ، ومذاهب عدَّة، إلا أننا من شعب واحد ومن أصل واحد، و لبنان غير قابل للتفتُّت، وهذا ليس من قبيل إبداء رأي غير مجرَّب، نحن جُرِّب عندنا تقسيم لبنان إلى قائمة أو قائمتين من عام 1942م حتى عام 1960م ، فكان هذا التقسيم حروب لا تنقطع، وانتهت بمجازر بشعة جدًا عام 1960م، ولكن انتهى لبنان إلى توحُّد أكثر فأكثر. ثم في عام 1975م – كما لاحظنا – تفتَّت لبنان وأصبحت كل قرية مفتَّتة وبعيدة عن القرية الأخرى، وتوجد حواجز بين القرى وبين الأحياء في المدن، ولكن فور إعلان الوفاق الوطني ، سقطت كل هذه الحواجز، وأصبح واضحًا أنها حواجز قسرية فُرضت فرضًا ، ومن ثَمَّ عندما زالت أسباب وضعها انتهت إلى تلاشٍ تلقائي دون أي عناء، وهذا ما حدث.

تصاعُد العنف، وتداعيات الأزمة

* سُمِّيت هذه الفترة (حرب السنتين)، وكانت من أبشع الفترات في الحرب اللبنانية، فقد كان معدَّل القتلى يوميًا بين 100 و150 قتيلًا ، فكانت من البشاعة بحيث لا تُوصَف، وانتهت بعد انتخاب الرئيس إلياس سركيس ، وبعد قمة الرياض ثم قمة القاهرة عام 1976م ، وفترة عام 1977م الهادئة نسبيًا ، إذ بدأ التفكير بحلول فعلية.

في قمة الرياض ، كان يوجد خلاف شديد بين مصر وسورية ، خصوصًا أن مصر هي العمود الفقري للجبهة الغربية في الصراع العربي الإسرائيلي، و سورية هي العمود الفقري في الجبهة الشرقية، وباقي الدول هي دول مسانَدة، فكانت الدعوة من قِبَل المملكة العربية السعودية والكويت لعقد هذه القمة ، وإنهاء النزاع الحاصل بين مصر وسورية . وكانت توجد وجهة نظر لدى الرئيس المصري هي أن تكون القمة سُداسية؛ أي مع لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت وجهة النظر السورية أن تكون رُباعية ؛ لأن الخلاف سوري مصري، بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية والكويت (صاحبتَي الدعوة) فلتكن رباعية.

واشتدَّ النزاع: رباعية أم سُداسية؟ هنا كان دور مهم للإمام الصدر ، وأنا شاركت فيه في تشرين الأول عام 1976م ، بإطلاق فكرة أن تكون الجلسة الأولى للقمة رباعية ، والجلسات التي تليها سُداسية، بمعنى آخر أن الشيء الذي يمكن أن يُبحَث بين مصر وسورية يكون قد انتهى، وتصبح عند ذلك لا عوائق أمام انعقاد هذه القمة السُّداسية.

هذه القمة مهمة جدًا ، بحيث إنها انتقلت فورًا إلى القاهرة بالأهداف نفسها ، بالإضافة إلى كونها قمة عربية كاملة ، تبنَّت مقرَّرات قمة الرياض وأُرسلت قوات ردع عربية إلى لبنان مكَّنت من البدء بالتقاط الأنفاس. وكان المُنتَظَر أن تشارك مصر ودول عربية أخرى مشارَكة كبرى في قوات الردع، ولكن للأسف مصر أحجمت عن المشاركة؛ مما جعل المشاركة القصوى هي من سورية لتغطية النقص، ومن هنا أيضًا أصبحت القوات الأخرى (السعودية أو اليمنية و قوات أخرى) تجد نفسها شيئًا فشيئًا أقلِّية ، أو لا حاجة لبقائها، وهكذا أصبحت القوات سوريَّة بالكامل بعد فترة زمنية. وهنا انتقلنا إلى مرحلة البحث عن حلول ، ولكن لم نتوصَّل إليها أيضًا بسبب الصراع الدولي ، والحرب الباردة التي كانت قائمة.

لبنان امتداد للأمن القومي السوري

* عندما أصبح لبنان –عمليًا- فاقد السيطرة على أموره ، أصبح عرضةً للاستخدام، فإذا لم تضمن سورية أن لبنان يشكل حالة اطمئنان لها ، حتمًا ستلجأ إلى ما يضمن أمنها، فعندما حدث الاجتياح الإسرائيلي عام 1982م ، ووقعت اتفاقية 17 أيار ، أصبح هناك تهديد مباشَر للأمن القومي السوري, فإذا لم يكن هناك ضوابط ، وضمانات لعدم تفلُّت الوضع في لبنان ، بحيث يصبح خطرًا على هذه الدولة أو تلك (سورية أو غير سورية أو أي دولة عربية) ، فمن الطبيعي أن تلجأ إلى حفظ ما يضمن سلامتها.

أنا أعتقد أن عملية الاتِّهامات غير مجدية في هذا السياق؛ لأنَّه –بالنتيجة- لا أحد يفكر بضمِّ لبنان إلى سورية ، ولا أحد في سورية يفكر بضمِّ لبنان إلى سورية ، هذا أمر غير مطروق وغير وارد، خصوصًا أنه عندما نفكر بمسألة الحلم القديم بالوحدة العربية ، نجد أن الوضع الآن قد تطوَّر؛ وأصبحنا بحاجة إلى اتّحاد عربي، ولا سيما عندما ننظر إلى الوحدة الأوروبية أو إلى المجموعة الأوروبية إلى أين وصلت، فالمطلوب هو التقدُّم إلى الأمام ، وليس العودة إلى أحلام ليس منها جدوى.

في تلك الفترة ، لم أجد ولم أشعر بأي فكرة من قِبَل لبنانيين– على اختلاف نزعاتهم – أو من قِبَل سوريين تطلب الانضمام إلى سورية ، ولم أجد أي مسؤول سوري يسمح بالكلام عن مثل هذه الطموحات. هذا ما أعتقده وما شاهدته من خلال مشاركتي.

التدخُّل الفلسطيني في الشؤون اللبنانية

* أساس المشكلة كان عام 1973م ، عندما حصل اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في شارع (فيردان) ، كان ردَّ الفعل قوي جدًا؛ لأن الكوماندوس الإسرائيلي دخل إلى شارع في قلب بيروت واغتال القادة الثلاثة.

أصبحت هناك ردود أفعال في الشارع اللبناني حول هذه المسألة، وانتهت بانفجار، وانتهت أيضًا بمقولة: إن على الفلسطينيين أن يحموا أنفسهم؛ لأن الدولة اللبنانية أو السلطة اللبنانية القائمة ليس عندها الإمكانات لحماية الفلسطينيين. هذا الإعلان كانت له آثار مدمِّرة؛ لأن الفلسطينيين أخذوا هذا الموقف سَنَدًا لممارستهم السلطة على الأرض اللبنانية؛ بمعنى حماية أنفسهم بقوتهم الذاتية، وهنا بدأنا بمرحلة التفجُّر بين الدولة ودويلات ضمن الدولة. بالطبع بدأت القيادة الفلسطينية تحشد الأنصار من هذا الصف الذي هو أصلًا ناقم على السلطة اللبنانية ، ولا تمثل هذه السلطة له شيئًا، وناقم على تكوين الجيش اللبناني ، وينظر إلى الجيش اللبناني على أنه جيش يخص فئة ، ولا يخص كل اللبنانيين.

هذا الوضع زاد الأمور تعقيدًا، فقد أصبحنا أمام تدخُّل فلسطيني في كل الشؤون، حتى في تنظيمات الحركة الوطنية فقد أصبحت القيادة الفلسطينية تتدخل بالتدريب والتمويل.. إلى آخره.

مقدمات الدور السوري في لبنان

* هنا تطوُّر الوضع الفلسطيني وأخذ منحى التحدِّي.. التحدِّي القاسي نتيجة الأحداث الجارية على الأرض، فعلى الرغم من محاولات التهدئة والوفاق ، أصبحنا نرى شعارات مثل أنَّ طريق القدس تمرُّ من (جونيه) ، وهذا المعنى أشعل حرب الجبل التي هي امتداد لتعاظُم الصراع، وهذه الحرب هدَّدت الوحدة الوطنية ووحدة لبنان الجغرافية بالانقسام الكامل، من هنا فإن التسليم بتقسيم لبنان ، أو تفتيت لبنان كما تعمل إسرائيل ليلًا نهارًا (وهو هدف أساسي بالنسبة إليها لإيجاد دويلات طائفية مذهبية عنصرية على شاكلتها) ، هذا الأمر يهدِّد الأمن القومي – ليس لسورية فقط، بل لكل الدول العربية – بالتفتُّت، ومن ثَمَّ فإنه ليس سرًا أن يقال في بداية الأزمة عام 1975م شعار (قَبْرَصَة لبنان )؛ ففي قبرص انتهى الوضع خلال ستة أشهر إلى تقسيم طوعي إلى منطقتين: منطقة فيها الأتراك مقابل تركية ، ومنطقة فيها اليونانيون مقابل اليونان ، فكانت الفكرة هكذا (قَبْرَصَة لبنان )، فالأحلام بتفتيت لبنان أحلام قديمة ، وليست من نسج الخيال، هي على الأرض، وقد نفَّذت إسرائيل – فيما بعد – هذه الأحزمة الأمنية لها عبر الشريط الحدودي وغير الشريط الحدودي، بالإضافة إلى مضمون اتفاق 17 أيار؛ مثل هذه الأمور لا تهدِّد سورية فحسب، بل تهدِّد كل المنطقة العربية بالتفتُّت. من هنا كانت ردود الفعل أنه لا يمكن أن نسمح بالوصول إلى هذا الحد، فوحدة لبنان أساسية في وحدة أي بلد عربي آخر.

مَن المسؤول عن الاصطدام الفلسطيني اللبناني؟

* لا أستطيع أن أعفي أحدًا من المسؤولية، وقد شاركنا مشاركة فاعلة في اجتماع حصل في (الحازمية) برئاسة الإمام الصدر ، وقمنا بإيفاد شخصيات إلى مخيَّم تل الزعتر ، وإلى (الدكوانة) لمحاولة وقف الانهيار، فجرى إطلاق النار علينا من قِبَل الجهتين على سياراتنا ، وعلى وجودنا في هذه المنطقة (ونحن نعرف أنها منطقة خطرة)، لقد كانت النفوس مُعبَّأة ومشحونة بإنهاء الوضع في تل الزعتر لصالح جهة دون جهة. ولكن الأصل هو ما سبق أن قلته عن مسألة انفلات الوضع ، بحيث هدَّد الوحدة بالخطر الفعلي على الأرض.

على كل حال ، في هذه المسألة لا يمكن إعفاء أحد من مسؤولياته على الإطلاق، حتى الذين لم يساعدوا على إقامة الدولة اللبنانية لحفظ سيادتها واستقلالها ، ومن ثَمَّ المحافظة على عمل الفلسطينيين، من هنا نجد أننا في حالة تعاطُف شديد مع الفلسطينيين لعودتهم ، ولتحصيلهم حقهم وفي الوقت نفسه نحن في حالة تعارُض مع الفلسطينيين في ما ذهبوا إليه من اعتقادٍ بأنهم يدافعون عن أنفسهم تجاه الآخرين، وبخاصة أن لبنان هو حصن القضايا العربية؛ الفلسطينية وغير الفلسطينية؛ لأن لبنان بلد الحريات العامة؛ الاجتماعية والسياسية والإعلامية والفكرية، وهو البلد الوحيد الذي بقي يعبِّر عن القضايا العربية في كل الـمِحَن التي حصلت تاريخيًا.

إذًا ، عندما يتسبَّب هذا الصراع مع الفلسطينيين في الإضرار ب لبنان ، فهو يتسبَّب في حرمان الفلسطينيين من حصنهم؛ حصنهم الأساسي الذي دافع عنهم بمنابره وبصحافته وبدبلوماسيته، لبنان لا يعد موضوع فلسطين أنه فقط تضامُن مع الفلسطينيين ، ومن قبيل التضامن مع الشعب العربي الشقيق فقط، بل يعده لبنان من قبيل الدفاع عن النفس، فله مصلحة أكيدة في حصول الفلسطينيين على دولتهم ، والعودة إلى أرضهم.

دخول الجيش السوري إلى لبنان

* الجيش السوري دخل قبلُ على منطقة الشمال، وأوقف الحرب هناك، وبعد سقوط منطقة المسلخ ، ومن ثَمَّ تفاقُم الوضع في (الدامور) أصبح مُلزَمًا.... أنا لا أريد أن أبرِّر دخول الجيش السوري ، ولكن هناك قاعدة تقول إنه (لا فراغ على الإطلاق، الهواء يعبِّئ الفراغ، أي مكان فارغ هو عرضة لملئه بأي شكل من الأشكال)، الوضع الذي أصبحنا فيه وضع يهدِّد كل شيء: مصير لبنان ، مصير اللبنانيين.. كل شيء ودون استثناء، حتى الذين يعتقدون بأنهم متحصِّنون في حصن منيع, لا أعتقد أن أحدًا بقي سالمًا أو بقي آمنًا في لبنان . فكانت هناك مطالَبات مُعلَنة من قيادات سياسية عدة ، بوجوب مجيء الجيش السوري، وكانت توجد أصوات مُعارِضة ، ولكنها ضعيفة لأنها لا تملك بديلًا عن هذه المسألة، فقد فرضت نفسها ؛ لأنه لابديل عنها.

التطلُّع إلى دور لبناني فعَّال

* -بالنسبة لنا أولًا وآخرًا- لا نزال أمام تلكُّؤ القوى الكبرى، وخصوصًا الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، فقد كان هناك تقصير فاضح في قيامها بالتزاماتها، هي ملتزمة بموجب اتفاقية الهدنة عام 1949م ، بجعل الحدود في حالة هدنة على جانبَي الحدود اللبنانية الفلسطينية، وقد اتُّخذت تحت الباب السابع من شرعة الأمم المتحدة (نظام الأمم المتحدة )، أيضًا هناك القرار (425) هي ملتزمة بتطبيقه، والذي يقتضي بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية ، وتمكين لبنان من إعادة بسط سلطته على الأرض اللبنانية، وهي إلى الآن لم تقم بأي شيء من التزاماتها، وكان آخر التزام هو اتفاق الطائف ، فضلًا عما سُمِّي قرار (1701) الذي ذكر بصراحةً تطبيق كامل بنود اتفاق الطائف. هذا الأمر يجعل الوضع في لبنان قابل لحالة عدم الاستقرار بصورة دائمة.

أيضًا هناك تلكُّؤ من القيادات اللبنانية؛ فحتى بعد أن أصبح لديهم ميثاق وطني كامل، وأصبح لديهم دستور لبناني ، وإطار دستوري وميثاقي؛ لم يعملوا على إقامة الدولة وبناء مؤسَّساتها ليصبح لبنان بمنأى عن أي تدخُّل أجنبي.

في تصوري أن العالَم بحاجة إلى لبنان السليم أو الدور اللبناني، والمنطقة العربية والإسلامية بحاجة إلى هذا الدور؛ لأن لبنان يستطيع أن يكون هو الـمُلتقى، وهو صانع الصِّيَغ للدخول في النظام العالَمي الجديد الذي أصبح – برأيي – بعد تأخير منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حتى الآن أصبح حتميًا، وخصوصًا بعد انهيار كل المقولات ، التي سبقت انتخاب الرئيس أوباما وهي (صراع الحضارات) أو (الغموض البنَّاء) أو (اليد الخفيَّة التي تنظِّم اقتصاد السوق) أو (الفوضى الخلاَّفة)، كل هذه الوهميَّات التي حصلت سقطت، الآن على رأس البيت الأبيض (باراك حسين أوباما) ، الذي جاء وهو يحمل معه بوادر النظام العالَمي الجديد، وبالأمس انعقدت قمة العشرين حول النظام العالَمي الجديد أيضًا ، هنا يأتي دور لبنان ، فقد كان دور لبنان دور خيِّر لمنطقته وللعالَم، فهو نافذة هذه المنطقة العربية والإسلامية على العالَم، وهو نافذة العالَم على هذه المنطقة؛ لأنه يملك الـمُعطَيات التي تؤهِّله للقيام بهذا الدور، سواء من حيث الحريات العامة، أو من حيث التعوُّد على الممارَسة الديمقراطية، أو من حيث التسامح الديني بين الطوائف المتعددة، أو من حيث النخبة اللبنانية الموجودة في الداخل ، وفي الخارج التي يجب أن تُوَظَّف لخير المنطقة ، وحل قضاياها الشائكة.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات