البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
دور الملك خالد في دعم التضامن العربي والإسلامي
آخر نداء عربي وإسلامي ...
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول العربية والإسلامية
سياسة الملك خالد الخارجية
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
المزيد ....
دعم المملكة للقضية الفلسطينية
دعم القضية الفلسطينية
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
أحداث عالمية
منظمة المؤتمر الإسلامي تطالب ...
11 دولة عربية تؤيد ...
انتخاب أمين عام للمؤتمر ...
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف بطرس حرب
(وزير في الحكومة اللبنانية خلال عهد الملك خالد)

تداعيات الوجود الفلسطيني في لبنان استماع إلى الفقرة

* سنة الـ1975م ، كان في لبنان مسعى... كان فيه وجود فلسطيني مسلَّح، اعتبروا الفلسطينيين في لبنان إنه من حقُّن إنه يستعملوا الأرض اللبنانية لإطلاق عمليات عسكرية على الحدود الإسرائيلية، طبعًا هنِّ بنيَّتهم لتحرير أرض فلسطين المحتلة من الإسرائيليين، ولممارسة دورهم بالمقاومة ضد الدولة ، اللي اعتبروها اغتصبت حقهم بدولتهم، بالطبع هذا الأمر خلق مشاكل في لبنان ؛ لأنه كيف بدنا نوفِّق بين منطق الدولة اللبنانية وسيادتها وقرارها ، إنه هيّ تأخذ قرار إيمتى بتعمل حرب وإيمتى بتعمل سلم، وبين إنه القرار يكون مع الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة المرحوم ياسر عرفات (أبو عمار) ؟ طبعًا كان فيه ممانعة لدى قسم كبير من اللبنانيين حول هذه العمليات، خصوصًا وأنه إسرائيل كانت عم تردّ عالعمليات العسكرية باعتداءات على لبنان ، وكان عبيدفع ثمنها الشعب اللبناني والدولة اللبنانية، وهذا خلق طبعًا في لبنان جدل حول دعم العمل الفلسطيني المسلَّح من أرض لبنان ، ودعم القضية الفلسطينية على أساس إنه دعم القضية بدون ما إنه يتورط لبنان في العمل العسكري ، وبيكون هوّ ضحية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصًا وأنه كل الدول العربية المجاورة لإسرائيل كانت كلها جبهاتها هادئة، ومنعت أي عمل عسكري فلسطيني من حدودها على إسرائيل، وإذا ذكرنا بنذكر سنة 1970م الحرب التي دارت بين الملك حسين ملك الأردن والفلسطينيين، وما سُمِّي آنذاك بـ(أيلول الأسود) اللي الجيش الأردني واجه منظمة التحرير الفلسطينية ، وقمع الوجود المسلَّح الفلسطيني وهرب قسم كبير من الفلسطينيين قسم منهم إجا على لبنان ، فبقي الدولة الوحيدة.. الحدود الوحيدة المفتوحة الحدود اللبنانية. سنة 1973م صار اعتداء إسرائيلي على قادة فلسطينيين في لبنان ، وقُتل آنذاك ثلاثة من القادة ، بعملية إنزال كوماندوس إسرائيلي في بيروت ، فكان أحد قادة هذه العملية هو وزير الدفاع الإسرائيلي اليوم باراك ، وآنذاك طبعًا خُلقت مشكلة في لبنان ، إنه ليش الجيش اللبناني لم يتصدَّ لهذه العملية، ورئيس الوزارة آنذاك صائب سلام قدَّم استقالته؛ لأنه طلب إقالة قائد الجيش بسبب إنه الجيش لم يتصدَّ، ورئيس الجمهورية رفض هذا الأمر، إنه أن يتحول الجيش اللبناني ضحية في صراع سياسي قائم في البلد، استقال صائب سلام وابتدأت الأزمة آنذاك، ومن ثمَّ أُخذ قرار في لبنان إنه الجيش اللبناني يضبّ الوجود الفلسطيني؛ يعني يلملم الوجود الفلسطيني المسلَّح ، ويدخل على المخيَّمات اللي تحولت نوع من (هاربر) نوع من مرفأ أو ملجأ للمسلَّحين الفلسطينيين، ولا سيما وإنه الفلسطينيين ما اكتفيوا بالعمل العسكري على الحدود، عملوا حواجز بقلب بيروت وصاروا يدقّقوا بهويات الناس، صاروا يخطفوا ناس، صاروا يعتديوا على ناس آنذاك. هذا بالطبع خلق في لبنان ردَّة فعل، هلَّق فيه قسم عاطفيًا من اللبنانيين وبصورة عامة المسلمين في لبنان تعاطفوا مع الحركة العسكرية الفلسطينية ، بدافع العاطفة وتأييدًا منُّن لشعب مظلوم. هلَّق القسم الأكبر من اللبنانيين المسيحيين ، وبعض المسلمين كانوا مدركين لخطورة ما سيجري، وبالتالي – الحقيقة – رفضوا هذا الأمر، وانطلق في لبنان عملية تسليح بعد ما إنه الجيش ابتدأ عملية ضد المقاومة الفلسطينية.. ضد منظمة التحرير لجمع السلاح ، صار اصطدام بين الجيش اللبناني والمخيَّمات والمسلَّحين الفلسطينيين، بوقتها تدخلت الدول العربية كلها سوا، وطلبت من رئيس الجمهورية الرئيس سليمان فرنجية وقف العملية العسكرية، وبالتالي إعلان العجز عن ضبط العمل الفلسطيني المسلَّح في لبنان . هذا دفع فريق من اللبنانيين اللي مش مأمّنين بهذا الأمر ، أولًا: إنه يعتبر إنه الجيش اللبناني – بتركيبته السياسية ولأنه خاضع لسلطة سياسية مختلفة فيما بينها – إنه عاجز عن الدفاع عن هالقسم، ثانيًا : دفعهن إنه يتسلَّحوا يدافعوا هنِّن عن نفسهن؛ لأنه ما عاد العمل الفلسطيني موجَّه ضد إسرائيل صار موجَّه للداخل كمان، صار فيه اعتداء على ناس، صار فيه إطلاق نار على ناس، صار فيه خطف لناس لبنانيين بشوارع بيروت وبمناطق لبنان ، وهذا أنشأ ما يُسَمَّى (الميليشيات المسلَّحة المسيحية) – اللي هيِّ بقيادة أحزاب ذات طابع مسيحي – لمواجهة الفلسطينيين آنذاك. هذا الأمر – طبعًا – وتَّر الجو في لبنان لدرجة إنه كان عملية البوسطة اللي مارقة بعين الرمَّانة قرب احتفال للكتائب اللبنانية وإطلاق النار على مُرافق رئيس أحد الأحزاب اللبنانية ، وقتله عمل ردَّة فعل من الناس على هذه البوسطة ، وهي مارقة ومن ثمَّ أطلقوا النار عليها ووقع عشرات الضحايا بالبوسطة، وهذا أدى إلى اندلاع المواجهة العسكرية بين اللبنانيين.. أو القسم من اللبنانيين اللي رافض وبين الفلسطينيين، وطبعًا انقسم الشعب اللبناني بين مؤيِّد للفلسطيني ومؤيِّد للحركة اللي هيّ ضد حرية العمل الفلسطيني من أرض لبنان . هذا – الحقيقة – الجوّ اللي خلق إنه تحوَّلت حادثة البوسطة من حادثة ممكن تتعالج لو صارت بظروف عادية إلى حادثة شكلت نوع من إطلاق الشرارة لأحداث أوسع مدى، انقسمت فيها البلد وصار فيه قسم من اللبنانيين عم بيواجه الفلسطينيين ، ولو كان هالفلسطينيين مدعومين من قسم آخر من اللبنانيين بكل أسف، وهذا ما أدى إلى اندلاع الأحداث في لبنان .

موقف الدولة اللبنانية من المنظَّمات الفلسطينية استماع إلى الفقرة

* طبعًا السؤال إنه ليش الدولة اللبنانية ما كانت قادرة إنها هيّ تتعامل بشكل فاعل مع المنظَّمات الفلسطينية؟ بالحقيقة اللي بيعرف تركيبة لبنان السوسيولوجية (الاجتماعية) والطائفية، والحساسيات الموجودة فيها؛ بيدرك إنه في لبنان فيه قرار سياسي كان غائب، أو فيه عدم اتفاق على قرار سياسي بين القوى السياسية؛ يعني كان لبنان منقسم شعبيًا وسياسيًا، كان منقسم حول: ناس مع وناس ضد، وهذا جعل إنه الدولة ما تقدر تعمل مثل ما عملت الأردن بقيادة الملك حسين : الدولة كانت موحدة، أخذ قرار.. الملك، والجيش مشي بهذا القرار وواجه الوجود الفلسطيني المسلَّح، بلبنان عجزنا عن هذا الأمر؛ لأنه كان فيه خلاف، وهذا الخلاف أدى بالنتيجة إلى نوع من حرب ارتَدَت طابع أهلي وطائفي بين اللبنانيين؛ لأنه ما قدروا يتفقوا على قرار؛ لهذا السبب الجيش اللبناني عجز، والجيش اللبناني انقسم؛ لأنه ما ظل موحَّد؛ لأنه فيه فريق من الجيش اللبناني اعتبر إنه لبنان في خطر، ولا سيما إنه التصرُّف الفلسطيني آنذاك – بكل أسف – كان فيه غلطة كبيرة وتاريخية: إنه الفلسطينيين أوحوا آنذاك إنه هنِّ إذا ما قدروا استردُّوا فلسطين ، راح ياخذوا لبنان وطن بديل عنها، طبعًا اللبنانيين رفضوا هذا الأمر. هذا السبب إنه عطَّل القرار السياسي ، اللي كان ممكن تاخذوا السلطة الشرعية بوضع حدّ أو بحسم هذا الأمر مع الفلسطينيين، وهذا ما جعل إنه الأحداث تستمر سنوات؛ لأنه ما فيه اتفاق وطني على هذا الأمر.

انقسام بيروت وبدايات الحرب الأهلية استماع إلى الفقرة

* بتاريخ آخر نيسان ، كنت أنا شخصيًا في المنطقة، بعتقد كان (week end)، كنت أنا بزور منطقتي الانتخابية ، وكان – إذا ذاكرتي جيدة – الرئيس فرنجية كان بالمستشفى عامل عملية جراحية، كان رئيس جمهورية، بقى جئت للمنطقة ، وقصدت مستشفى الجامعة الأمريكية، أنا وجاي سمعت الخبر إنه صار هذا الحادث، وبالفعل طبعًا ما كان فيه قلق ؛ لأنه ما كنَّا – أولًا – ما كنَّا شايفين القصَّة هالقد هي راح تستمر، أو هالقد بعيدة المدى؛ يعني بمخاطرها، ولا كنا شايفين البلد راح تنقسم ، وراح تتحول حرب تستمر سنوات، بنهارها طبعًا شعرنا إنه القصة بلّشت تفلت، ما عاد فيه قيد عليها، ما عادت (under control)، وأدركنا آنذاك إنه الخطر عم يكبر وبدُّه يصير اصطدام كبير بين الفلسطينيين وبين المسيحيين بصورة خاصة في لبنان . بالطبع الحادث -بحدّ ذاته- ما شكَّل هاجس شخصي عليِّ أو على عائلتي، إلا إنه انعكاساته فيما بعد تحولت إلى حرب، وابتدأت.. أنا كنت ساكن على خطوط التماسّ.. ما يُسَمَّى (خطوط التماسّ) يعني حيث الجبهة أو حيث بيروت ، انقسمت بين بيروت غربية و بيروت شرقية، أنا كان بيتي على الخط تمام للجهة الشرقية, وبالطبع كانت عائلتي مقيمة هُنيك، وطبعًا رحنا على بيوتنا مثل العادة، إلا أنه بالليل ابتدأ رصاص.. إطلاق رصاص، واللبنانيين مش معوّدين، اللبنانيين عايشين بمجتمع حضاري، ومجتمع مدني، ومجتمع فيه دولة وفيه قانون، ففجأةً وجدوا حالُن في وسط حرب وإطلاق نار وإطلاق عيارات كبيرة، مش بس بنادق.. إطلاق مدافع.. مدافع كانت صغيرة (موتر) صغار. بالطبع أقلقنا هذا الأمر، وبذكر ليلتها إني اتصلت بالقصر الجمهوري، تا أستعلم إنه شو اللي صاير؟ كان الجواب إنه القصة عم تتعالج... ما بتخلص بعد شوي.. لأن كان فيه اتصالات إنه شو اللي عم بيصير؟ يعني فلتت الدنيا، طبعًا كان أنا قولي آنذاك إنه .. كان صار إطلاق النار ابتدأ كان صار له شي ساعة.. ساعتين، والناس طبعًا مش معوَّدة إطلاقًا، بتعرف إنه بتحطّ واحد بجوّ حرب ، وهوِّ مش معتاد على الحرب, طبعًا الـ(Effect) ردَّة الفعل على شخصه.. على نفسيته.. على المدنيين.. عالأطفال.. عالنساء.. شغلة كبيرة كتير. طبعًا قلت للمسؤول اللي كنت عم أحكي معه آنذاك إنه: طب مش قادرين الناس يحملوا.. مش قادرين يحملوا استمرار الحالة.. أسرعوا بمعالجة القضية قبل ما الناس تنهار. وبالفعل كان كل فكري إنه راح تتعالج بعد شوي القصة ، وتاني يوم راح نقوم على يوم عادي للعمل، إلا إنه بالحقيقة اكتشفنا إنه ليلتها كل الليل استمر إطلاق النار، تاني يوم تعطلت البلد عن العمل وابتدأت الحرب، وصار كل يوم يصير فيه أحداث.. مدافع.. قذائف.. أربيجيات.. مدافع ضد الدروع تُطلق بين حَي وحَي، إطلاق نار، بلَّش مسلَّحين ينوجدوا، بلَّشوا الناس تتسلَّح تاتدافع عن بيوتها بالأول؛ لأن ما كانت الناس فايتة بمنظمات مسلَّحة.. صار كل واحد يدافع عن بيته، إلى أن تطورت الأمور ، وصار فيه تنظيم للدفاع عن المنطقة.. هاي المنطقة وهذيك المنطقة، إلا أنه الغريب فيها – وبعد ثلاثين سنة الواحد بيشوفها بهدوء – ما كان عندنا أيَّ ضمانة ، إنه هذا الخط الفاصل بين المنطقتين إنه هذا ما حدا راح يخرقه.. كنا متصوّرين إنه أي واحد فيه يروح لهون ، أو أي واحد فيه يجي لتاني جهة، إلا أنه يبدو إنه قواعد الاشتباك كانت واقفة عند هذا الحدّ، كنت تطلق النار قد ما بدَّك ويطلق النار قد ما بدُّه.. يموت ناس من هون.. يموت ناس من هون بس ممنوع حدا يتجاوز هذا الخط، بأيَّ سحر؟ بأيَّ اتفاق؟ ما بعرف، بس إنه اليوم بعد 32 – 33 سنة إذا نظرت إلى الوراء ، وصرت تسأل نفسك: ليش ما حدا حاول يتجاوز؟ مع إنه طبيعي إنه حدا يحاول يحتل منطقة حدا.. بتسأل: ليه؟ بيتولَّد عندك الشعور وكأنه كانت هَي الحرب مرسومة هيك، ممنوع حدا يتجاوزها، ممنوع يعطِّل قواعد الاشتباك فيها، ممنوع إنك تطيح بحالة معيَّنة، ومفروض تستمر الحرب في لبنان لإيجاد حل لمشاكل أكبر ، بس كانت عم بيتعبَّر عليها في لبنان .

دور سورية في الأحداث اللبنانية ودخول الجيش السوري استماع إلى الفقرة

* بالحقيقة دور سورية في الأحداث توضَّح مع الوقت.. مع مرور الزمن.. هلَّق تاريخيًا سورية لم تعترف مرة بدولة لبنان المستقلة، وكان النظام السوري – حتى عند إنشاء دولة لبنان – يعتبر إنه لبنان هوّ أنشأها الاستعمار ، وهي دولة مش موجودة، وإنه لبنان جزء من سورية ؛ مشان هيك النظام القائم في سورية ، وهو نظام البعث (حزب البعث) لا يعترف بوجود لبنان ، بيعترف لبنان جزء من سورية ، وكانت دائمًا سورية عينها على لبنان ، وعندها رغبة تسيطر على القرار السياسي في لبنان ، دائمًا .. قبل الأحداث. هلَّق عندما اندلعت الأحداث أنا رأيي الشخصي بإنه سورية كانت متورطة بالأحداث، كانت تعتبر إنه هذه الأحداث يمكن مناسَبة إنها ترجع تحطّ سيطرتها على لبنان ، وتضم لبنان لإلها، هذا تحليلي للأمر. والدليل على ذلك إنه فيه منظَّمات عسكرية فلسطينية بتتبع لسورية ، بتاخذ أوامرها من الحكومة السورية؛ شاركت في القتال في لبنان ، وهجَّرت مسيحيين من قراهم، بحرب خاضتها قتلت فيها الناس وهجَّرتهم من قراهم، بعطي مَثَل: الدامور (اللي هي أحد أكبر المدن المسيحية على الساحل اللبناني) صار هجوم آنذاك من الصاعقة (منظَّمة الصاعقة الفلسطينية التي تخضع قيادتها لسورية ) وهجَّروا أهل الدامور ، وارتكبوا مجازر كبيرة جدًا، ومن ثُمَّ ابتدأ التدخل السوري يكبر يكبر، وطبعًا كان يتدخل وزير الخارجية آنذاك بحجة أو تحت شعار إنه جاي تا يعمل نوع من التهدئة والوساطة بين الأطراف؛ بين اللبنانيين وبين الفلسطينيين وغيرهم، إلا إنه عمليًا كان هيّ توطئة لبسط سيادة سورية على لبنان .. أو لبسط سلطة سورية على لبنان . وهذا طبعًا تكرّس عندما فلت الأمر بلبنان ، وبلغنا مراحل الخطورة الكبيرة، انعقدت القمة العربية، وأطلقوا وقتها فكرة إنه يبعثوا قوى عربية مشتركة لمساعدة الدولة اللبنانية على إعادة بناء جيشها ، وعلى إعادة سيطرتها على هالأرض. وبالتالي أرسلت سورية .. كانوا ثلاثين ألف عسكري.. جندي، سورية طرحت – لأنه مدركة سورية إنه ما حدا عنده إمكانية يبعث هذا العدد – إنه مين بيريد يشارك أهلا وسهلا بهالثلاثين ألف، وهيّ مستعدة تغطي الفرق. شاركت بعض الدول العربية مثل السعودية .. مثل يمكن السودان .. وبعض الدول بخمسميَّة وألف عسكري، وسورية شاركت يمكن – إذا ذاكرتي جيدة – بسبعة وعشرين ألف عسكري.. وطبعًا سورية مدركة إنه مع الوقت ، لن يبقوا هؤلاء وستبقى سورية لوحدها، وهذا اللي حصل؛ انسحبوا السعوديين، وانسحبوا السودانيين، وانسحبوا الجزائريين – بعتقد – والمصاروة، وبقيت سورية لحالها في لبنان بخمسة وثلاثين ألف عسكري سوري موجودين في لبنان . حصلت قمة عربية عند انتخاب الرئيس إلياس سركيس رئيسًا للجمهورية سنة 1976م، ومن ثُمَّ كُلِّفت.. أُنشئت ما يُسَمَّى (قوة الردع العربية)، وكانت سورية هيَّ قائدة لهذه القوة، هي الـ(Bulk) الأساسي تبع القوة، وبالتالي سورية سيطرت على لبنان عسكريًا، على أساس إنه هيّ تخضع لسلطة رئيس جمهورية لبنان ، إلا إنه عند دخولها للبنان صار طبعًا السياسة السورية عم بتسيطر على رئيس جمهورية لبنان وعلى الأجهزة كلها في لبنان ، وهذا سورية – طبعًا – دورها كان تحوَّل من دور (Mediator) (الوسيط) إلى دور المتدخِّل الفعلي، وإلى دور الفاعل على الأرض اللبنانية، وبالتالي أخذت سورية القرار السياسي في لبنان ، وتطوَّر هذا الأمر مع الوقت حتى وضعت سورية يدها على لبنان بصورة شبه كاملة مع الوقت.

انقسام اللبنانيين تجاه الوجود الفلسطيني المسلَّح استماع إلى الفقرة

* انقسموا اللبنانيين لفريق مؤيِّد للوجود الفلسطيني المسلَّح ، وفريق رافض لهذا الأمر، فريق مؤيِّد للقضية الفلسطينية بس رافض الوجود المسلَّح الفلسطيني ، ولإطلاق العمل المسلَّح من لبنان ضد إسرائيل، بس ملتزمين وداعمين للحق الفلسطيني إنما على أساس إنه أن يُصار إلى وضع إستراتيجية عربية مشتركة ، ولبنان بيؤدِّي قسطه أو جزء من دوره في هذه القصة، مش إنه لبنان يحمل كل القضية والحرب تصير على أرض لبنان ، وكل الجبهات العربية الأخرى هادئة. هلَّق فيه الفريق.. طبعًا بلبنان فيه عندنا خلافاتنا الداخلية السياسية حول السلطة.. حول السياسة الخارجية.. فيه عندنا خلافات مثل كل دولة في العالم، هلَّق الفريق اللي كان بالجبهة اللبنانية ضمّ الشخصيات والأحزاب السياسية اللي هيّ كانت عبتقول: نحن مع القضية الفلسطينية ، إنما ضد إنه الفلسطينيين يمارسوا عملهم المسلَّح من لبنان على حساب السيادة اللبنانية: وفريق آخر كان يقول: نحنا مع العمل الفلسطيني وإطلاق حريته بلبنان أيًا كانت النتائج ، ولو كان على حساب السيادة اللبنانية، وبالوقت ذاته ضافوا على هذا مطالب داخلية حول إنه الصلاحيات السياسية في لبنان : صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي، صلاحيات رئيس الوزارة السنِّي، وكيفية إدارة الشأن السياسي في لبنان . الحركة الوطنية هيّ اللي كانت مواجِهة للجبهة اللبنانية آنذاك، اللي كانت بقيادة كمال جنبلاط ؛ بيُّه للوزير وليد جنبلاط الحالي. وآنذاك كانوا هنِّ متعاطفين مع الحركة الفلسطينية، مطالبين بمذكَّرة.. أو بمشروع يتضمن مطاليب إصلاحية سياسية؛ منها تخفيف صلاحيات رئيس الجمهورية.. وغيرها من الأمور الأخرى. وصار الخلاف – طبعًا – بين اللبنانيين والفلسطينيين أساسًا، ودخل على هامش هذا الخلاف الفريق اللبنانيين فيما بينهم.. ضد بعضهم؛ هذا متغطِّي وراء الفلسطينيين ، وهذا عم بيواجه الفلسطينيين ومَن وراءهُم (يعني الفريق اللبناني الآخر بكل أسف). مشان هيك طبعًا الـ(Ideology) مختلفة بين الفريقين؛ فريق يؤمن بسيادة مطلقة للبنان ، لا يمكن أن يحصل شيء على أرض لبنان إلا بقرار من السلطة السياسية اللبنانية، وفريق آخر كان يقول: لأ؛ لبنان يجب أن يضحِّي وأن يتنازل عن قسم من سيادته ، وأن يطلق الحركة السياسية والعسكرية للفلسطينيين، ولو لبنان دفع ثمن الـ(Retaliation) (ردَّة الفعل) الإسرائيلية عليه، وهو الخلاف السياسي الأساسي هون، بالإضافة إلى إنه فريق الجبهة اللبنانية كان عبيقول: النظام السياسي في لبنان بدُّه بعض التعديلات، إنما مش على أساس إنه يمسُّوا صلاحيات توزيع السلطة في لبنان بين المسيحيين والمسلمين. والفريق الآخر كان يقول: لأ، يجب تعديل النظام السياسي في لبنان ، وإلغاء الطائفية السياسية في لبنان ، مش الطائفية.. الطائفية السياسية؛ يعني التمثيل السياسي للطوائف في لبنان ، ويجب تخفيف صلاحيات رئيس الجمهورية.. وغيرها من المطالب. هذا الخلاف اللي كان قائم بين اللبنانيين، اللي هوِّ إجا أصلًا خلاف على السلطة في لبنان ، اللي إجا.. اندمج مع الخلاف على الموضوع الفلسطيني اللي هوّ أدى بالنتيجة لاندلاع الحرب في لبنان .

موقف العالَم العربي من الأحداث اللبنانية استماع إلى الفقرة

* هلّق بالطبع الخلاف اللي صار في لبنان .. لبنان ما إنه جزيرة معزولة عن محيطه، ولبنان إلُه أصدقاء، وكل الدول العربية بتحبُّه وبتحب أهله، وبتعتبره إنه نوع من واحة سياحية وثقافية، وبتعتبره إنه مثل مستشفى للعالَم العربي، مثل الجامعة للعالَم.. الجامعة اللي بتعلِّم.. المدرسة..، كان فيه عطف خاص على لبنان ، ولا سيما من أهل الخليج، ولا سيما من المملكة العربية السعودية ، اللي كانت دائمًا تتعامل مع لبنان بشكل عاطفي وسياسي إيجابي. هلَّق طبعًا عندما اندلعت الأحداث في لبنان كان العالَم العربي مش متفرج، كان العالَم العربي معنيّ بما يجري في لبنان ، سورية طبعًا لها مطامح في لبنان ، العالَم العربي الآخر ما إلُه مطامح في لبنان سياسية ، أو اجتياح أو أخذ الحكم في لبنان ، بس طبعًا التوازنات العربية لا تسمح بإنه العالَم العربي يتفرج إنه سورية تحتل لبنان وتاخذه، مثل ما إنه العالَم العربي رفض وقت اللي صدام حسين احتل الكويت ، والعالَم العربي كان له موقف. وفيه صراعات ضمن العالَم العربي بين سورية من جهة والعراق من جهة، بين سورية ودول الخليج من جهة، والقضية الفلسطينية قضية تشغل كل الناس وكل واحد منهم إلُه نظرة تختلف عن الثاني تجاهها، هذا الصراع انتقل للبنان ، وبالتالي تحولت الدول العربية إلى فريق بالصراع في لبنان .

الدور الخليج – والسعودية بخاصة – في معالجة المشكلة اللبنانية استماع إلى الفقرة

* بس التاريخ بيسجِّل إنه دور المملكة العربية السعودية ودول الخليج التي تتعاون مع المملكة ( الكويت .. وغيرها من الدول) ، كان دور ساعي دائمًا إلى إيجاد حل في لبنان لا غالب ولا مغلوب فيه، إلى المحافظة على وحدة لبنان ، وإلى المحافظة على صيغة العيش المشترك بين الطوائف في لبنان . والسعودية – الحقيقة – لعبت دور كتير إيجابي ومميَّز في هذا الأمر، رافق الأحداث اللبنانية من أولها لحتى اليوم ولا يزال يتابعها. وكان فيه رعاية خاصة سعودية – ودولة إسلامية – كانت تدعي دائمًا للتفاهم المسيحي الإسلامي، وما كانت – مثلًا – تناصر فريق في وجه فريق آخر، وهذا دور تاريخي للسعودية ، واللبنانيين – كل اللبنانيين – بيعرفوه. وقامت السعودية بمساعي عديدة لجمع الأطراف اللبنانية، لإيجاد حل لمشاكلنا في لبنان ، لعقد مؤتمرات لمساعدة اللبنانيين على حل مشاكلهم، وطبعًا السعودية لم يكن لها مصلحة مباشرة مع أحد، بعكس سورية اللي كان لها مصلحة شخصية ، في إنها تسيطر على لبنان وعلى الرأي السياسي في لبنان ، ومن هالمنطلق أنا بعتبر إنه كان الدور السعودي دور إيجابي، بينما الدور السوري كان دور ليس حياديًا، وكان منحاز إلى فريق في وجه فريق، وبالنتيجة كان منحاز لشيء واحد: إنه إذا وقع الخلاف بين اللبنانيين وسقطت الدولة اللبنانية البديل عنها هي الدولة السورية والسلطة السورية، وهذا الفرق كان بين الدورين.

الأحداث بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان استماع إلى الفقرة

* بالواقع إن سورية كان همها أن تسيطر على الوضع الأمني في لبنان ، وبالتالي – طبعًا – أن تضع حدّ – لفترة معيَّنة – للاقتتال، وأن تضع يدها هيّ مباشرةً؛ لأنه سورية عندما تريد الدخول إلى لبنان ليس من مصلحتها أن يستمر القتال في لبنان ، يعني: دخولها بدُّه يلقط الأرض.. بدُّه يسيطر على الأرض.. بدُّه يضبط الأرض. طبعًا اللي كانوا رافضين ؛ لأنه كانوا مدعومين أصلًا.. مدعومين من سورية حتى.. سورية سلَّحت الفلسطينيين.. سلَّحت الجبهة الوطنية ضد الجبهة اللبنانية.. سلَّحتهم، وبالتالي في فترة معَّينة سورية مصلحتها تجاوزت مصلحة حلفائها، وبالتالي لقت مناسبة إنه تفوت بجيشها على لبنان . طبعًا بالجبهة الوطنية كان فيه ناس ضد دخول سورية عسكريًا، كانوا عم بيطالبوا إنه هنِّن بالمساعدات السورية والفلسطينية إنه يقدروا يسيطروا على لبنان عسكريًا، ويحتلُّوا بيروت ويحتلوا جونيه ويحتلوا كل المنطقة المسيحية، ويخضّعوها، سورية وجدت إنه هَي قضية لا تستطيع تحمُّلها دوليًا؛ لأنه لها انعكاسات دولية على مصير المسيحيين في لبنان ، وبالتالي سورية فايتة على لبنان .. هُنيك تصدُّوا لها وقَّفوا بوجهها: إنه لأ.. نحنا راح نكفِّي لحالنا.. ما بدنا إياكي. سورية كانت عبتوضع حدّ للاشتباك فتسيطر هيّ على الأرض، وقع اشتباك بيننا وبينهم. إلا أنه سورية عندما دخلت إلى لبنان رغم الفريق الآخر، وبعض الناس قالوا (دخلت تأييدًا للجبهة اللبنانية) مش صحيح.. دخلت تأييدًا لمصالحها؛ لأنه لو لم تسلِّح سورية الجبهة الوطنية، لو لم تسلِّح سورية الفلسطينيين ، وترسل منظَّماتها الفلسطينية إلى لبنان ؛ ما كان حصل اللي حصل، يعني بالنتيجة سورية وراء القصة. هلَّق بفترة معيَّنة وجدت سورية إنه السيطرة على لبنان فيه صعوبة، مَن هو الممانع الأساسي للسيطرة؟ هنِّ المسيحيين. يعني وقت اللي القوى السياسية الأخرى استسلمت للواقع السوري وبلَّشت تتعاون مع السوريين؛ المسيحيين رفضوا: إنه لأ.. سورية هيّ قوة تا تحفظ السلام في لبنان مش تا تاخذ القرار السياسي في لبنان رهينة ، أو تحطّ لبنان تحت وصايتها أو تضمّ لبنان لسورية . انوجدت حركة مواجهة لسورية عند المسيحيين، وهون رجعت ارتدّت سورية ضد المسيحيين؛ لأنه هذا بيعطِّل لها مشروعها. وقع الاشتباك بين السوريين والقوى السياسية المسيحية، في الوقت القوى السياسية غير المسيحية كانت سلَّمت أمرها لسورية ، وقبلت بالأمر؛ مش لأنها رغبانة إنه سورية تضع يدها؛ لأنه بالنتيجة استسلمت لقوة سورية العسكرية، لا سيما إنه سورية عند دخولها قتلت رأس الحركة الوطنية اللي هو كان كمال جنبلاط ، وبالتالي أرسلت رسالة للكل إنه هيّ دخلت إلى لبنان ولا تقبل بممانعة. إلا إنها ما قدرت مارست الأمر ذاته عند المسيحيين ؛ لأنه العالَم ما ممكن يغضّ النظر عن إنه سورية تقتِّل القيادات المسيحية آنذاك؛ مشان هيك وجدت حالها في مشكل مع المسيحيين، واعتبرت إنه أفضل سلاح لإلها إنها تتعاون مع الفريق الذي واجهها عند دخولها لمواجهة المسيحيين ، وللسيطرة على لبنان عبره.. وهكذا صار.

آثار انقسام بيروت استماع إلى الفقرة

* خلال فترة الأحداث طبعًا التوزيع الديمغرافي في لبنان تغيَّر، اللبنانيين كانوا منتشرين، ما كان فيه مسيحيين لجهة ومسلمين لجهة عايشين بعاد عن بعضُن، كانوا مختلطين، يعني كان في بيروت الغربية ، مثلًا عدد كبير كتير من المسيحيين عايشين ببيروت الغربية، ولا سيما بالحمراء، براس بيروت ، بأماكن السكن الراقي (Residention, Quarters) بصورة خاصة، كانت المحلات التجارية مختلطة، كانت الأسواق التجارية مختلطة، كانت الناس عايشين مع بعضها، عندما صارت الحرب اضطروا بحكم الأمن، إنه أولًا الأسواق تسكَّرت وتدمَّرت، ثانيًا صار فيه ممارسات على الناس بالمنطقتين مش بمنطقة وحدة، إنه المسيحي اللي كان قاعد بالمنطقة الغربية آنذاك ، كان يشعر أنه مضطَهَد وفيه بعض المسيحيين قُتلوا لأنهم مسيحيين؛ لأنه فيه ناس – ما عبقول عاللبنانيين – فيه ناس رادوا يمارسوا هذه الممارسة تا يقسّموا اللبنانيين، وطبعًا كان فيه ردَّة فعل بالمنطقة المسيحية؛ كمان قُتل ناس مسلمين ؛ لأنهم مسلمين بالمنطقة المسيحية، شو عمل، النتيجة الطبيعية إنه المسلم القاعد بالمنطقة المسيحية فَلّ عالمنطقة الإسلامية، والمسيحي القاعد بالمنطقة الإسلامية إجا عالمنطقة المسيحية، وصار فيه فرز على صعيد طائفي بهالمناطق. فيه قرى ، وبلدات تهجَّرت بكاملها، يعني أهالي الدامور اللي هنِّ مدينة (عشرين ألف إنسان) تهجَّرت بكاملها إجت عالمنطقة الشرقية، ما عاد ولا مسيحي هُنيك. في قرى فيه مسيحيين قُتلوا رغم إنه سياسيًا كانوا ينتمون إلى الطرف الثاني السياسي، قُتلوا مثلًا بالجبل، عندما قُتل كمال جنبلاط على يد السوريين – وهذا ثابت – آنذاك ردَّة فعل مؤيدي كمال جنبلاط قتل مين؟ قتل المسيحيين اللي كانوا قاعدين اللي هنِّ بيأيّدوا وليد جنبلاط و كمال جنبلاط ، وطبعًا هذا عمل عملية تهجير طويلة عريضة. هذا غيَّر صورة لبنان اللي بنعرفه، غيَّر صورة لبنان التعايش، غيَّر صورة لبنان التقاليد المشتركة.. العادات المشتركة.. الثقافة المشتركة.. اللِّبس المشترك، يعني كان بمجتمع مختلط، كنت تفتكر حالك بلبنان في سويسرا .. بباريس .. بلندن .. بأي دولة كان، بينما طبعًا إجت الأحداث فصلت كلِّيًا بين الطوائف، ومن النوادر جدًا إنه بقي مسيحي بالمنطقة الغربية أو مسلم بالمنطقة الشرقية.. من النوادر جدًا، وهذا غيَّر كلِّيًا – الحقيقة – هذا الموضوع. بالإضافة كان كل مسيحي أو كل مسلم بدُّه ينتقل لمنطقة تانية بيمرّ بخطر، أنا مثلًا – كنائب – كنت أتنقَّل، كنت لما بدِّي روح للمنطقة الغربية كنت تلفن لنائب زميلي مسلم ، وأقول له بدي روح لاقيني على حدود المنطقة بسيارتك. وأطلع بسيارته روح معه، ما كنت أسترجي روح لحالي. طبعًا العكس صحيح كمان؛ ما كان يسترجي يجي لحاله. أنا بذكر إنه مرة كنت بدي سافر ، وبلغني آنذاك إنه وقت اللي دخلوا القوات السورية سنة 76 إنه استلموا المطار، وسمعت من رئيس الجمهورية آنذاك إنه المطار صار آمن؛ لأن القوات السورية استلمته، تلفنت لنائب صديقي قلت له: أنا بدِّي سافر على أوروبا ، لاقيني تا روح عالمطار بالمنطقة الغربية المسلمة. لاقاني ونزلت بالمطار، وقال لي: بفوت معك؟ برافقك؟ قلت له: لا ما في لزوم، خلص هون صرت بقلب المطار. بقلب المطار تعرضت لحادثة شخصيًا؛ حدا بالمطار مسلَّح لابس ثياب (أو جيش أو قوى أمن.. ما بذكر) أخذني بالقوة بالسلاح وحاول يقتلني، لولا تدخُّل عسكري من الجيش اللبناني.. مسلم كمان مش مسيحي اللي هوِّ ردعه ومنعه إنه يعتدي عليّ، وكنت تحت رحمته.. كنت لحالي، ويعني مرقت بتجربة شخصية عم بعطيها، عشتها، وطبعًا هالدقائق الصغيرة اللي هيّ مهمة كتير بتاريخ الإنسان، اللي هيِّ بتعلّمه شو معنى.. شو ثمن إنك تظل مآمن بالعيش المشترك، فيه ثمن غالي بدَّك تدفعه، وما تراجعت عن هذا الأمر. يعني أنا مثلًا كنت من الفريق.. نحنا بالأحداث أنشأنا كتلة نيابية من النوَّاب المستقلين؛ لأن نحنا رفضنا نفوت في عملية العنف الحاصل، ومدَّينا جسر من الحوار مع نوَّاب مستقلين مسلمين، مسيحيين موارنة نحنا مدِّينا جسر حوار، وبقينا على تواصل، ويروحوا ويجوا لعندنا، وكانوا طبعًا الأطراف اللي متشدِّدين ومتطرفين كانوا مزعوجين منَّا، إن كان من المسيحيين أو كانوا مسلمين، وأبقينا على هذا الجسر من التواصل بين الناس سوا، وبعتقد هذا اللي أنقذ لبنان ، أنقذ لبنان ناس مارسوا هذا الدور، بأنه ما قطعوا الصلة بين المسيحيين والمسلمين، وتحدُّوا الصِّعاب وتعرَّضوا للمخاطر، وياما مرَّات كنا قد قُتلنا إما بقذيفة عم توقع.. إما بإطلاق نار نحنا ، وعم نمرّ من منطقة لمنطقة، وإما الحادثة اللي حكيت فيها عن المطار، وغيرها من الأحداث اللي مرَّينا فيها شخصيًا، إنما طبعًا كان نحنا أمام تحدِّي، أو إنا بدنا نترك لبنان ينقسم وبالتالي يروح لبنان ، إما إنا لأ.. بدنا نخاطر بذاتنا تا نظلّ نحنا على تواصل تا نمنع إنه لبنان ينقسم، ولهيك أخذنا الخيار الأصعب.. إنما الخيار الأفضل، والحقيقة ما ندمت عليه، وإن شاء الله ما بتتكرر الأحداث، إنما إذا طُلب مني بيوم من الأيام هذا الخيار برجع باخذه ذاته؛ لأني أنا مؤمن بلبنان مثل ما هو، لبنان اللي بيعيش فيه المسلم والمسيحي مع بعضُن، لبنان الديمقراطي، لبنان اللي أنا إلي رأي يختلف عن رأيك ، وأنا بقبلك وإنتا بتقبلني بدون ما نقتِّل بعضنا ؛ لأنه بآراء مختلفة.. هذا لبنان .. وقت اللي بيبطِّل لبنان هيك ما بيعود فيه قيمة بلبنان ، ما بيعود فيه ما يُسَمَّى مبرر لوجود لبنان ولازم لبنان يروح آنذاك. لأنا بنآمن بلبنان كوطن نهائي إلنا كلنا سوا عملنا اللي عملناه.

رعاية الملك خالد للبنان وجهوده في حل المشكلة اللبنانية استماع إلى الفقرة

* طبعًا بدِّي بس أَكِّد على شي: إنه الرعاية اللي أخذها لبنان من المملكة العربية السعودية طيلة كل الأحداث، بهذه الفترة بالذات الرعاية اللي أخذها لبنان من المرحوم الملك خالد كانت رعاية خاصة، وبذكر أن الجهود التي بذلها ليساعد لبنان للخروج من أزمته، وكان جهود – الحقيقة – جبَّارة، وسببت له كتير من الإحراجات في العالَم العربي، إلا أنه كان متشبِّث ومتمسِّك بمساعدة لبنان على إنهاء مشكلته. وكان المبادرات اللي أخذها ، واللي ترجمها بصورة خاصة وزير الخارجية ، الذي لا يزال وزير خارجية حتى اليوم الأمير سعود الفيصل؛ كانت – الحقيقة – مبادرات حية، اللي هيِّ ساعدت في أزمات كبيرة ، تَفَادي لانفجار كبير وسقوط لبنان . الحقيقة هذا.. لبنان يجب أن يسجِّلها له.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ الفصيح
للمقابلة مع الضيف بطرس حرب
(وزير في الحكومة اللبنانية خلال عهد الملك خالد)

تداعيات الوجود الفلسطيني في لبنان

* في عام 1975م ، كان هناك وجود فلسطيني مسلَّح، فقد رأى الفلسطينيون في لبنان أن من حقهم أن يستعملوا الأرض اللبنانية ؛ لتنفيذ عمليات عسكرية على الحدود الإسرائيلية، طبعًا هم في نيَّتهم أن هذا لتحرير أرض فلسطين المحتلة من الإسرائيليين، ولممارسة دورهم في المقاومة ضد الدولة ، التي رَأَوا أنها اغتصبت حقهم في دولتهم، وبالطبع هذا الأمر سبَّب مشكلات في لبنان ؛ فكيف يمكننا أن نوفِّق بين منطق الدولة اللبنانية ، وسيادتها وقرارها بحيث تأخذ هي القرار ، متى تشن حربًا ومتى تصنع سلمًا، وبين أن يكون القرار بيد الفلسطينيين ، ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة المرحوم ياسر عرفات (أبي عمار)؟

بالطبع كانت هناك ممانعة لدى قسم كبير من اللبنانيين حول هذه العمليات، خصوصًا أن إسرائيل كانت تردُّ على العمليات العسكرية باعتداءات على لبنان ، وكان يدفع ثمنها الشعب اللبناني والدولة اللبنانية، وهذا أنشأ –طبعًا- جدلًا في لبنان حول دعم العمل الفلسطيني المسلَّح من أرض لبنان ، ودعم القضية الفلسطينية على أساس أن يكون هذا الدعم للقضية من غير أن يتورط لبنان في العمل العسكري ، وتكون هي ضحية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصًا أن الدول العربية المجاورة لإسرائيل كانت كل جبهاتها هادئة، ومنعت أي عمل عسكري فلسطيني على حدودها مع إسرائيل ، ونذكر هنا الحرب التي دارت بين الملك حسين ملك الأردن و الفلسطينيين في عام 1970م، فيما سُمِّي آنذاك بـ(أيلول الأسود) الذي واجه فيه الجيش الأردني منظمة التحرير الفلسطينية ، وقَمَعَ الوجود المسلَّح الفلسطيني ، وهرب قسم كبير من الفلسطينيين وقسم آخر جاء على لبنان ، فبقيت الحدود الوحيدة المفتوحة هي الحدود اللبنانية.

في عام 1973م ، كان هناك اعتداء إسرائيلي على قادة فلسطينيين في لبنان ، وقُتل آنذاك ثلاثة من القادة في عملية إنزال كوماندوس إسرائيلي في بيروت ، فكان أحد قادة هذه العملية، وزير الدفاع الإسرائيلي اليوم باراك ، وآنذاك نشأت مشكلة في لبنان حول التساؤل: لماذا لم يتصدَّ الجيش اللبناني لهذه العملية، ورئيس الوزارة آنذاك صائب سلام قد قدَّم استقالته؟ لأنه طلب إقالة قائد الجيش ؛ لأن الجيش لم يتصدَّ للعملية ، فرفض رئيس الجمهورية هذا الأمر؛ لأن هذا سيجعل الجيش اللبناني ضحية في صراع سياسي قائم في البلد، فاستقال صائب سلام ، وبدأت الأزمة آنذاك، ومن ثمَّ اتُّخذ قرار في لبنان بأن (يدعم) الجيش اللبناني الوجود الفلسطيني المسلَّح ، ويدخل على المخيَّمات التي تحولت إلى نوع من مرافئ أو ملاجئ للمسلَّحين الفلسطينيين، ولا سيما أن الفلسطينيين لم يكتفوا بالعمل العسكري على الحدود، بل أنشؤوا حواجز في قلب بيروت ، وصاروا يدقِّقون في الهويات، ويخطفون ويعتدون على الناس آنذاك.

هذا -بالطبع- خلق في لبنان ردَّ فعل، فقد وجد قسم من اللبنانيين – وبخاصة المسلمون في لبنان – تعاطف مع الحركة العسكرية الفلسطينية بدافع العاطفة ، وتأييد الشعب المظلوم؛ إلا أن القسم الأكبر من اللبنانيين المسيحيين ، وبعض المسلمين كانوا مدركين خطورة ما سيجري، ومن ثَمَّ رفضوا هذا الأمر، وانطلقت في لبنان عملية تسليح ، بعد أن بدأ الجيش عملية ضد منظمة التحرير ؛ لجمع السلاح ووقع اصطدام بين الجيش اللبناني والمخيَّمات والمسلَّحين الفلسطينيين، وقد تدخلت الدول العربية كلها ، وطلبت من رئيس الجمهورية ، الرئيس سليمان فرنجية وقف العملية العسكرية، ومن ثَمَّ إعلان العجز عن ضبط العمل الفلسطيني المسلَّح في لبنان .

هذا الأمر دفع فريقًا من اللبنانيين غير المطمئنين إلى هذا الأمر :

أولًا : إلى أن يعدُّوا الجيش اللبناني – بتركيبته السياسية ، وخضوعه لسلطة سياسية مختلفة فيما بينها – عاجزًا عن الدفاع عن هذا القسم.

ثانيًا : دفعهم إلى أن يتسلَّحوا ليدافعوا هم عن أنفسهم؛ لأن العمل الفلسطيني لم يعد موجَّهًا ضد إسرائيل ، بل صار موجَّهًا إلى الداخل أيضًا، فقد كان هناك اعتداءات على الناس, وإطلاق للنار عليهم، وخطف للبنانيين في شوارع بيروت ومناطق لبنان ، وهذا أنشأ ما يُسَمَّى (الميليشيات المسلَّحة المسيحية) – التي هي بقيادة أحزاب ذات طابع مسيحي – لمواجهة الفلسطينيين آنذاك.

هذا الأمر – طبعًا – أدى إلى اضطراب الجو في لبنان إلى درجة حدوث حادثة البوسطة (الحافلة) ، التي كانت مارَّةً بعين الرمَّانة قرب احتفال للكتائب اللبنانية ، وقد تم إطلاق النار على مُرافق رئيس أحد الأحزاب اللبنانية وقتله؛ مما أنشأ ردَّ فعل من الناس على هذه البوسطة ، وهي تمر ومن ثَمَّ أطلقوا النار عليها ، وسقط عشرات الضحايا في البوسطة، وهذا أدى إلى اندلاع المواجهة العسكرية بين القسم الرافض للوجود الفلسطيني المسلح من اللبنانيين وبين الفلسطينيين، وبالطبع انقسم الشعب اللبناني بين مؤيِّد للفلسطينيين ومؤيِّد للحركة التي كانت ضد حرية العمل الفلسطيني من أرض لبنان .

هذا الجوُّ الذي نشأ أدى إلى تحول حادثة البوسطة ، من حادثة يمكن أن تُعالج ، لو حدثت في ظروف عادية ، إلى حادثة شكلت نوعًا من إطلاق الشرارة لأحداث واسعة المدى، انقسمت فيها البلد وظهر قسم من اللبنانيين يواجه الفلسطينيين ، وإن كان هؤلاء الفلسطينيون مدعومين من قسم آخر من اللبنانيين بكل أسف، مما أدى إلى اضطراب الأحداث في لبنان .

موقف الدولة اللبنانية من المنظَّمات الفلسطينية

* ويبدو لنا سؤال مهم هو: لماذا لم تكن الدولة اللبنانية قادرة على ، أن تتعامل هي بشكل فاعل مع المنظَّمات الفلسطينية؟ -في الحقيقة- الذي يعرف تركيبة لبنان السوسيولوجية (الاجتماعية) والطائفية، والحساسيات الموجودة فيها؛ يدرك جيدا أنه كان في لبنان قرار سياسي غائب، أو كان هناك عدم اتفاق على قرار سياسي بين القوى السياسية؛ فقد كان لبنان منقسما شعبيًا وسياسيًا، كان منقسما: ناس مع ، وناس ضد، وهذا جعل الدولة غير قادرة على أن تعمل مثلما عملت الأردن ، بقيادة الملك حسين ، فقد كانت الدولة موحدة واتخذ الملك قرارًا والجيش نفذه ، وواجه الوجود الفلسطيني المسلَّح في لبنان ، ولقد عجزنا عن هذا الأمر؛ لوجود الخلاف، وهذا الخلاف أدى بالنتيجة إلى نوع من حرب أخذت طابعًا أهليًا وطائفيًا بين اللبنانيين ؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يتفقوا على قرار؛ لهذا السبب عجز الجيش اللبناني وانقسم ولم يبقَ موحَّدًا؛ لأن فريقًا من الجيش اللبناني رأى أن لبنان في خطر، ولا سيما أن التصرُّف الفلسطيني آنذاك – بكل أسف – كان به خطأ كبير وتاريخي: أن الفلسطينيين أوحوا آنذاك بأنهم إذا لم يستطيعوا أن يستردُّوا فلسطين ، فإنهم سيأخذون لبنان وطنًا بديلًا، -وبالطبع- اللبنانيون رفضوا هذا الأمر.فقد كان هذا هو السبب الذي عطَّل القرار السياسي ، الذي كان من الممكن أن تأخذه السلطة الشرعية بوضع حدٍّ لهذا الأمر أو بحسمه مع الفلسطينيين، وهذا ما جعل الأحداث تستمر لسنوات؛ لعدم وجود اتفاق وطني على هذا الأمر.

انقسام بيروت وبدايات الحرب الأهلية

* بتاريخ آخر نيسان ، كنتُ أنا شخصيًا في المنطقة (أعتقد أنه كان عطلة نهاية الأسبوع)، كنتُ أزور منطقتي الانتخابية ، وكان – إذا أسعفتني الذاكرة – الرئيس فرنجية في المستشفى ، قد أُجريت له عملية جراحية، وقد كان رئيسا للجمهورية في هذا الوقت ، فجئتُ إلى المنطقة وقصدتُ مستشفى الجامعة الأمريكية، وأنا قادم سمعتُ الخبر بحدوث هذا الحادث، -وبالطبع- ما كان هناك قلق ؛ لأننا لم نكن نعتقد أن هذا الموضوع سيستمر لهذه المدة، أو سيكون بعيد المدى بمخاطره، ولا كنا نعتقد أن البلد ستنقسم وسيتحول الأمر إلى حرب تستمر لسنوات، في حينها شعرنا بأن الموضوع أصبح خارج السيطرة ، ولا يوجد قيد عليه، وأدركنا آنذاك أن الخطر بدأ يكبر ، وسينشأ اصطدام كبير بين الفلسطينيين والمسيحيين بصورة خاصة في لبنان .

إن الحادث -في حدِّ ذاته- لم يشكل هاجسًا شخصيًا عليَّ أو على عائلتي، إلا إن انعكاساته فيما بعد تحولت إلى حرب. فقد كنت ساكنًا على ما يُسَمَّى (خطوط التماسّ) أي حيث الجبهة ، أو حيث انقسمت بيروت بين بيروت غربية و بيروت شرقية، كان بيتي على الخط تمامًا إلى الجهة الشرقية, -وبالطبع- كانت عائلتي مقيمة هُناك،وقد ذهبنا إلى بيوتنا كالعادة، إلا أنه في الليل بدأ إطلاق رصاص، واللبنانيون غير معتادين على هذا، فهم يعيشون في مجتمع حضاري، مجتمع مدني، مجتمع فيه دولة و قانون، -ففجأةً- وجدوا أنفسهم في وسط حرب وإطلاق نار وإطلاق عيارات كبيرة، وليس فقط بنادق ، بل إطلاق مدافع (مدافع صغيرة "موتر").

بالطبع أقلقنا هذا الأمر، وأذكر في تلك الليلة أني اتصلت بالقصر الجمهوري ، كي أستعلم ما الذي يحدث؟ فكان الجواب أن الموضوع يُعالَج, لكن الأمر لم ينتهِ بسرعة, وكانت تُجرى اتصالات تتساءل: ما الذي يحدث؟ فقد تفلتت الأمور، وبدأ إطلاق النار ومر عليه ساعة أو ساعتان، والناس ليسوا معتادين على هذا إطلاقًا, ولتعرف ما أثر أن تضع أحدًا بجوِّ حرب ، وهو ليس معتادًا على الحرب,يظهر الأثر في شخصه.. في نفسيته.. كذلك في المدنيين.. من أطفال.. ونساء.. فقد كان الأثر كبيرًا جدًا. قلت للمسؤول الذي كنت أتكلم معه آنذاك : إن الناس غير قادرين على أن يتحملوا استمرار تلك الحالة.. أسرِعوا بمعالجة القضية قبل أن ينهار الناس.

وبالفعل كنت أظن أن الموضوع سيُعالج بعد قليل ، وفي اليوم التالي سنستيقظ على حال أفضل للعمل، إلا أننا – في الحقيقة– اكتشفنا في تلك الليلة ، أن إطلاق النار استمر طيلة الليل، وفي اليوم التالي تعطلت البلد عن العمل وبدأت الحرب، وصار في كل يوم أحداث.. مدافع.. قذائف.. (أربيجيات).. مدافع ضد الدروع تُطلق بين حَي وحَي، إطلاق نار يومي، وظهر المسلَّحون، فقد بدأ الناس يتسلَّحون ليدافعوا عن بيوتهم أولًا؛ لأن الناس لم يكونوا قد انخرطوا في منظمات مسلَّحة.. بل صار كل واحد يدافع عن بيته، إلى أن تطورت الأمور ، وصار هناك تنظيم للدفاع عن المنطقة.. عن هذه المنطقة وعن تلك المنطقة، إلا أن الغريب في الأمر – وبعد ثلاثين سنة وبتأمل أحدنا بهدوء – أنه لم تكن عندنا أي ضمانة بأنه لا أحد سيخرق هذا الخط الفاصل بين المنطقتين.. فقد كنا نتصوّر أنه يمكن لأي شخص أن يذهب إلى هذه الجهة ، أو أن يأتي إلى الجهة الثانية، إلا أنه يبدو أن قواعد الاشتباك كانت متوقفة عند هذا الحدّ، كنت تطلق النار كما تريد ويطلق النار كما يريد.. يموت ناس من هنا ، ويموت ناس من هناك ، ولكن يمنع على أي واحد أن يتجاوز هذا الخط، بأيِّ سحر؟ بأيِّ اتفاق؟ لا أدري، ولكن اليوم بعد 32 أو 33 سنة ، إذا نظرتَ إلى الوراء و سألت نفسك: لماذا لم يحاول أحد أن يتجاوز؟! مع أنه من الطبيعي أن يحاول أحد الطرفين أن يحتل منطقة من الطرف الآخر, وعندما تتسائل: لِمَ لم يحدث هذا ؟ يتولَّد عندك شعور بأن هذه الحرب كانت مرسومة بهذا الشكل، وممنوع أن يتجاوزها أحد، وممنوع أن تعطِّل قواعد الاشتباك فيها، وممنوع أن تُطيح بحالة معيَّنة، والمفروض أن تستمر الحرب في لبنان لإيجاد حل لمشاكل أكبر ، ولكن كان يُعبَّر عنها في لبنان .

دور سورية في الأحداث اللبنانية ودخول الجيش السوري

* في الحقيقة دور سورية في تلك الأحداث ، اتَّضح مع مرور الزمن تاريخيًا ، سورية لم تعترف -ولو لمرة واحدة- بدولة لبنان المستقلة، وكان النظام السوري – حتى عند إنشاء دولة لبنان – يرى أن الذي أنشأ لبنان هو الاستعمار ، وأنها دولة ليست موجودة، وأن لبنان جزء من سورية , لهذا فإن النظام القائم في سورية ، وهو نظام البعث (حزب البعث) لا يعترف بوجود لبنان ، بل يرى أن لبنان جزء من سورية ، وقد كانت سورية –دائما- عينها على لبنان ولديها رغبة في أن تسيطر على القرار السياسي في لبنان من قبل الأحداث.

وفي رأيي الشخصي ، عندما اندلعت الأحداث كانت سورية متورطة فيها، وقد كانت ترى أن هذه الأحداث ربما تكون مناسَبة لتعود ، فتبسط سيطرتها على لبنان وتضمه إليها، هذا تحليلي للأمر. والدليل على ذلك أنه كانت توجد منظَّمات عسكرية فلسطينية تتبع لسورية ، وتأخذ أوامرها من الحكومة السورية ، شاركت في القتال في لبنان ، وهجَّرت مسيحيين من قراهم، في حربٍ خاضتها ، قتلت فيها الناس وهجَّرتهم من قراهم، وأعطي هنا مَثَلًا: في الدامور (التي هي إحدى كبريات المدن المسيحية على الساحل اللبناني) صار هناك هجوم آنذاك من الصاعقة (منظَّمة الصاعقة الفلسطينية التي تخضع قيادتها لسورية ) وهجَّروا أهل الدامور ، وارتكبوا مجازر كبيرة جدًا، ومن ثَمَّ بدأ التدخل السوري يكبر ويكبر، وبالطبع كان وزير الخارجية آنذاك يتدخل في الأمر -بحجة أو تحت شعار- أنه آتٍ ليصنع نوعًا من التهدئة والوساطة بين الأطراف جميعا ؛ بين اللبنانيين وبين الفلسطينيين وغيرهم، إلا أنه عمليًا كانت هذه توطئة لبسط سيادة سورية لها سلطة على لبنان .

وهذا -بالطبع- تكرَّس عندما تفلتت الأمور بلبنان ، وبلغنا مراحل الخطورة الكبيرة، فقد انعقدت القمة العربية، وأطلقوا وقتها فكرة أن يرسلوا قوى عربية مشتركة لمساعدة الدولة اللبنانية على إعادة بناء جيشها ، وعلى إعادة سيطرتها على أرضها, وكان تعداد هذه القوى ثلاثين ألف جندي، و سورية كانت مدركة أنه لا أحد لديه إمكانية ؛ لأنْ يرسل هذا العدد فطرحت أنه من يريد أن يشارك ، فأهلًا وسهلًا وهي مستعدة لأنْ تغطي الفرق. شاركت بعض الدول العربية مثل السعودية وربما السودان .. وبعض الدول بخمسمائة عسكري أو ألف، و شاركت سورية ربما – إذا كانت ذاكرتي جيدة – بسبعة وعشرين ألف عسكري.. وبالفعل كانت سورية مدركة أنه مع الوقت لن تبقى القوى العربية وستبقى سورية بمفردها ، وهذا الذي حدث؛ انسحب السعوديون، وانسحب السودانيون، وانسحب الجزائريون – على ما أعتقد – والمصريون، وبقيت سورية وحدها في لبنان بخمسة وثلاثين ألف عسكري سوري في لبنان .

وقد قامت قمة عربية عند انتخاب الرئيس إلياس سركيس رئيسًا للجمهورية سنة 1976م، ومن ثَمَّ أُنشئ ما يُسَمَّى (قوة الردع العربية)، وكانت سورية هي القائدة لهذه القوة، وهي الـكتلة الأساسية في هذه القوة، ومن ثَمَّ سيطرت سورية على لبنان عسكريًا ، على أساس أن تخضع هذه القوة لسلطة رئيس جمهورية لبنان ، إلا أنه عند دخولها لبنان صارت –بالطبع- السياسة السورية تسيطر على رئيس جمهورية لبنان وعلى الأجهزة كلها بها ، وتحوَّل دور سورية –بالطبع– من دور الوسيط إلى دور المتدخِّل الفعلي، وإلى دور الفاعل على الأرض اللبنانية، ومن ثَمَّ أخذت القرار السياسي في لبنان ، وتطوَّر هذا الأمر مع الوقت ، حتى وضعت سورية يدها على لبنان بصورة شبه كاملة.

انقسام اللبنانيين تجاه الوجود الفلسطيني المسلَّح

* انقسم اللبنانيون إلى فريقين : فريق مؤيِّد للوجود الفلسطيني المسلَّح ، وفريق رافض لهذا الأمر، وقد كان هذا الفريق الأخير مؤيِّدا للقضية الفلسطينية ، لكنه رافض للوجود المسلَّح الفلسطيني ، ولإطلاق العمل المسلَّح من لبنان ضد إسرائيل ، إلا أنه ملتزم وداعم للحق الفلسطيني لكن على أساس أن توضع استراتيجية عربية مشتركة ، و لبنان يؤدِّي قسطه ودوره في هذا الأمر، لكن ليس على أساس أن يحمل لبنان كل القضية ، و تصير الحرب على أرض لبنان ، في حين أن كل الجبهات العربية الأخرى هادئة. -وبالطبع- توجد عندنا في لبنان خلافات داخلية سياسية حول السلطة.. وحول السياسة الخارجية.. وتوجد عندنا خلافات مثل أي دولة في العالم، فالفريق الذي كان في الجبهة اللبنانية ضمَّ الشخصيات والأحزاب السياسية التي كانت تقول: نحن مع القضية الفلسطينية ، ولكن ضد أن يمارس الفلسطينيون عملهم المسلَّح من لبنان على حساب السيادة اللبنانية, والفريق الآخر كان يقول: نحن مع العمل الفلسطيني وإطلاق حريته في لبنان أيًا كانت النتائج ، ولو كان هذا على حساب السيادة اللبنانية، وفي الوقت ذاته أضافوا على هذا مطالب داخلية حول الصلاحيات السياسية في لبنان : صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي، صلاحيات رئيس الوزارة السنِّي، وكيفية إدارة الشأن السياسي في لبنان .

إن الحركة الوطنية هي التي كانت مواجِهة للجبهة اللبنانية آنذاك، وهي التي كانت بقيادة كمال جنبلاط ( أبو الوزير وليد جنبلاط الحالي). وقد كانوا آنذاك متعاطفين مع الحركة الفلسطينية، ومطالبين بمشروع يتضمن مطالب إصلاحية سياسية؛ منها تخفيف صلاحيات رئيس الجمهورية.. وغيرها من الأمور الأخرى. وصار الخلاف – بالطبع – بين اللبنانيين والفلسطينيين أساسًا، ودخل على هامش هذا الخلاف اللبنانيون فيما بينهم؛ هذا يتخفى وراء الفلسطينيين وهذا يواجه الفلسطينيين ، ومَن وراءهُم (أي الفريق اللبناني الآخر بكل أسف).

لأجل هذا كان التوجه الفكري مختلفًا بين الفريقين؛ ففريق يؤمن بسيادة مطلقة للبنان ، وبأنه لا يمكن أن يحصل شيء على أرض لبنان ، إلا بقرار من السلطة السياسية اللبنانية، وفريق آخر كان يقول: لا؛ لبنان يجب أن يضحِّي وأن يتنازل عن جزء من سيادته وأن يطلق الحركة السياسية والعسكرية للفلسطينيين، حتى لو دفع لبنان ثمن ردَّ الفعل الإسرائيلي عليه، وهذا هو الخلاف السياسي الأساسي، بالإضافة إلى أن فريق الجبهة اللبنانية كان يقول: إن النظام السياسي في لبنان يلزمه بعض التعديلات، ولكن ليس على أساس أن تُمَس صلاحيات توزيع السلطة في لبنان بين المسيحيين والمسلمين. والفريق الآخر كان يقول: لا، يجب تعديل النظام السياسي في لبنان وإلغاء الطائفية السياسية فيها ، ليست الطائفية فحسب ، بل الطائفية السياسية؛ أي التمثيل السياسي للطوائف في لبنان ، ويجب تخفيف صلاحيات رئيس الجمهورية.. وغيرها من المطالب. هذا هو الخلاف الذي قام بين اللبنانيين، والذي نشأ أصلًا من الخلاف على السلطة في لبنان ، والذي اندمج مع الخلاف على الموضوع الفلسطيني الذي أدى في النهاية إلى اندلاع الحرب في لبنان .

موقف العالَم العربي من الأحداث اللبنانية

* لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيط العالم العربي ، لبنان له أصدقاء، وكل الدول العربية تحبُّه وتحب أهله، وتعده نوعًا من واحة سياحية وثقافية، ومثل مستشفى للعالَم العربي، مثل الجامعة للعالَم.. الجامعة التي تعلِّم.. مثل المدرسة..، فقد كان هناك عطف خاص على لبنان ، ولا سيما من أهل الخليج ، وبخاصة من المملكة العربية السعودية التي كانت دائمًا ، تتعامل مع لبنان بشكل عاطفي وسياسي إيجابي.

وعندما اندلعت الأحداث في لبنان ، لم يقف العالَم العرب متفرجًا، بل كان معنيًَّا بما يجري في لبنان ، فقد كانت سورية –بالطبع- لها مطامح في لبنان ، لكن العالَم العربي الآخر ليس له مطامح سياسية في لبنان ، أو تطلع إلى اجتياح لبنان أو الاستيلاء على الحكم فيه، لكن –بالطبع- التوازنات العربية لا تسمح بأن يقف العالَم العربي متفرجًا على أن تحتل سورية لبنان وتستولي عليه، كما رفض العالَم العربي احتلال صدام حسين للكويت ، والعالَم العربي كان له موقف. وكانت توجد صراعات ضمن العالَم العربي بين سورية من جهة و العراق من جهة ، وبين سورية ودول الخليج من جهة ، والقضية الفلسطينية قضية تشغل كل الناس وكل جهة لها نظرة ، تختلف عن الجهة الأخرى تجاهها، هذا الصراع انتقل للبنان ، ومن ثَمَّ تحولت الدول العربية إلى فريق في الصراع في لبنان .

دور الخليج – والسعودية بخاصة – في معالجة المشكلة اللبنانية

* لقد سجل التاريخ دور المملكة العربية السعودية ودول الخليج ، والتي كانت تتعاون مع المملكة (مثل الكويت .. وغيرها من الدول) فقد كان لهم دور ساعٍ دائمًا إلى إيجاد حل في لبنان ، لا غالب فيه ولا مغلوب، إلى المحافظة على وحدة لبنان وإلى المحافظة على صيغة العيش المشترك بين الطوائف في لبنان . و السعودية – في الحقيقة – أدت دورًا إيجابيًا ومميَّزًا جدًا في هذا الأمر، هذا الدور رافق الأحداث اللبنانية منذ بدايتها حتى اليوم ولا يزال يتابعها. وكانت توجد رعاية خاصة سعودية – بوصفها دولة إسلامية – كانت تدعو دائمًا إلى التفاهم المسيحي الإسلامي، ولم تكن – مثلًا – تناصر فريقًا في وجه فريق آخر، وهذا دور تاريخي للسعودية ، واللبنانيون – كل اللبنانيين – يعرفون ذلك الدور . وقد قامت السعودية بمساعٍ متعددة لجمع الأطراف اللبنانية، لإيجاد حل لمشكلاتنا في لبنان ، ولعقد مؤتمرات لمساعدة اللبنانيين على حل مشكلاتهم، -وبالطبع- لم تكن للسعودية مصلحة مباشرة مع أحد، بعكس سورية التي كانت لها مصلحة شخصية في أن تسيطر على لبنان وعلى الرأي السياسي فيه، ومن هذا المنطلق أنا أرى أن الدور السعودي كان دورًا إيجابياَ، في حين أن الدور السوري لم يكن حياديا ، كان منحازًا إلى فريق في وجه فريق، وبالفعل كان منحازًا لشيء واحد: أنه إذا وقع الخلاف بين اللبنانيين ، وسقطت الدولة اللبنانية فالبديل منها هو الدولة السورية والسلطة السورية، وهذا هو الفرق الذي كان بين الدورين.

الأحداث بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان

* في الحقيقة، كان هم سورية الأول أن تسيطر على الوضع الأمني في لبنان ، ومن ثَمَّ – بالطبع – وضع حدًَّ – لفترة معيَّنة – للاقتتال، وأن تضع يدها هي مباشرةً على هذا الوضع؛ لأن سورية عندما تريد الدخول إلى لبنان ، فليس من مصلحتها أن يستمر القتال في لبنان ، أي أن دخولها يجب أن يسيطر على الأرض.. وأن يضبط الأرض.

وبالطبع كان هناك فريق مدعوم أصلًا من سورية , وقد سلَّحت سورية الفلسطينيين.. وسلَّحت الجبهة الوطنية ضد الجبهة اللبنانية، و في فترة معَّينة تجاوزت مصلحة سورية مصلحة حلفائها، ووجدت في ذلك فرصة مناسبة لأنْ تدخل بجيشها إلى لبنان.وبالطبع كان هناك في الجبهة الوطنية مَن هو ضد دخول سورية عسكريًا، كانوا يرون أنهم يستطيعون بالمساعدات السورية والفلسطينية ، السيطرة على لبنان عسكريًا، واحتلال بيروت و جونيه واحتلال كل المنطقة المسيحية ويُخضعوها لهم ، ولقد وجدت سورية أن هذه قضية لا تستطيع تحمُّلها دوليًا؛ لأن لها انعكاسات دولية على مصير المسيحيين في لبنان ، ولكن عندما دخلت سورية إلى لبنان تصدُّوا لها ووقفوا في وجهها ، وقالوا: لا.. نحن سنواصل بمفردنا.. لا نريدكِ. وقد كانت سورية تضع حدًَّا للاشتباك لتسيطر هي على الأرض، فوقع اشتباك بيننا وبينهم.

إلا أن سورية دخلت إلى لبنان ، رغما عن الفريق الآخر, وبعض الناس قالوا : إنها دخلت تأييدًا للجبهة اللبنانية ، وهذا غير صحيح بل دخلت تأييدًا لمصالحها ؛ لأنه لو لم تسلِّح سورية الجبهة الوطنية، ولو لم تسلِّح الفلسطينيين وترسل منظَّماتها الفلسطينية إلى لبنان ؛ لَمَا حدث ما حدث ، ففي الواقع كانت سورية وراء هذا كله.

في فترة معيَّنة ، رأت سورية أن السيطرة على لبنان في غاية الصعوبة، فمَن يكون الممانع الأساسي للسيطرة؟ إن الممانع الأساسي هم المسيحيون. ففي الوقت الذي استسلمت فيه القوى السياسية الأخرى للواقع السوري ، وبدأت تتعاون مع السوريين ، رفض المسيحيون ذلك ، وقالوا: سورية لها قوة في لبنان لتحفظ السلام به ، وليست لإتخاذ القرار السياسي في لبنان رهينة ، أو وضع لبنان تحت وصايتها أو ضم لبنان إليها. فوُجدت حركة مواجهة لسورية عند المسيحيين، وهنا انقلبت سورية على المسيحيين؛ لأن هذا يعطِّل مشروعها, ووقع الاشتباك بين السوريين والقوى السياسية المسيحية ، في الوقت الذي سلَّمت فيه القوى السياسية غير المسيحية أمرها لسورية ، وقبلت بالأمر؛ ليس لأنها راغبة في أن تضع سورية يدها على لبنان ؛ بل لأنها استسلمت لقوة سورية العسكرية، لا سيما أن سورية عند دخولها قتلت رأس الحركة الوطنية (كمال جنبلاط) ، ومن ثَمَّ أرسلت رسالة للجميع أنها دخلت إلى لبنان ولا تقبل أي ممانعة.

إلا إنها لم تستطع أن تمارس الأمر ذاته عند المسيحيين ؛ لأن العالَم لا يمكن أن يغضَّ الطرف عن تقتيل سورية للقيادات المسيحية آنذاك، لأجل هذا وجدت نفسها في مشكلة مع المسيحيين، ورأت أن أفضل سلاح لها ، هو أن تتعاون مع الفريق الذي واجهها عند دخولها لمواجهة المسيحيين ، وللسيطرة على لبنان من خلاله.. وهذا ما حدث.

آثار انقسام بيروت

* خلال فترة الأحداث الجارية ، تغيَّر التوزيع الديمغرافي في لبنان ، كان اللبنانيون قبلها منتشرين، لم يكن المسيحيون في جهة ، والمسلمون في جهة أخرى أي يعيشون بعيدا عن بعضهم البعض ، بل كانوا مختلطين، ففي بيروت الغربية مثلًا كان يعيش عدد كبير جدًا من المسيحيين، ولاسيما في الحمراء ، في رأس بيروت ، في أمكنة السكن الراقي بصورة خاصة، وكانت المحال التجارية مختلطة، وقد كانت الأسواق التجارية مختلطة، وكان الناس يعيشون مع بعضهم البعض ، ولكن عندما نشبت الحرب نشأ بحكم الأمن وضع جديد: أولًا : الأسواق أُغلقت ودُمِّرت، ثانيًا : نشأت ممارسات على الناس في المنطقتين (وليست بمنطقة واحدة): إن المسيحي الذي كان مقيمًا في المنطقة الغربية آنذاك كان يشعر بأنه مضطهد وقد قتل بعض المسيحيين لأنهم مسيحيون؛ لأنه كان هناك ناس – لا أقصد من اللبنانيين – أرادوا أن يمارسوا هذه الممارسة ليقسِّموا اللبنانيين، وبالطبع كان هناك ردَّ فعل في المنطقة المسيحية؛ وأيضًا قُتل مسلمون في المنطقة المسيحية لأنهم مسلمون، ما النتيجة إذا؟ النتيجة الطبيعية أن المسلم المقيم في المنطقة المسيحية رحل إلى المنطقة الإسلامية، والمسيحي المقيم في المنطقة الإسلامية رحل إلى المنطقة المسيحية، وصار هناك فرز على صعيد طائفي في هذه المناطق. هناك قرى وبلدات هُجِّرت بكاملها، مثل أهالي الدامور التي كان (تعدادها عشرين ألف نسمة) ، فقد هُجِّرت بكاملها وانتقل سكانها إلى المنطقة الشرقية ، ولم يعد أي مسيحي موجودًا هناك. وكان هناك مسيحيون في قرى قُتلوا على الرغم من أنهم كانوا ينتمون سياسيًا إلى الطرف السياسي الآخر، قُتلوا مثلًا في الجبل، عندما قُتل كمال جنبلاط على يد السوريين – وهذا ثابت – آنذاك كان ردَّ فعل مؤيدي كمال جنبلاط قَتْل من؟ قَتْل المسيحيين الذين كانوا مقيمين هناك ، ممن هم مؤيدون لوليد جنبلاط و كمال جنبلاط ، وبالطبع هذا أنشأ عملية تهجير واسعة جدًا. وقد غيَّر هذا صورة لبنان التي نعرفها، وغيَّر صورة لبنان في التعايش، وغيَّر صورة لبنان في التقاليد المشتركة.. والعادات المشتركة.. والثقافة المشتركة.. واللِّباس المشترك، لقد كان لبنان مجتمعًا مختلطًا، كنتَ في لبنان تعتقد أنك في سويسرا .. في باريس .. في لندن .. في أي دولة، بينما جاءت الأحداث لتفصل بين الطوائف كلِّيًا، وصار من النادر بقاء مسيحي في المنطقة الغربية أو مسلم في المنطقة الشرقية.. ، وهذا غيَّر كلِّيًا – في الحقيقة – الوضع السابق. بالإضافة إلى أن أي مسيحي أو أي مسلم يريد أن ينتقل إلى المنطقة الأخرى كان يتعرض للخطر، أنا مثلًا – لكوني نائبًا – كنت أتنقَّل، وكنت عندما أريد أن أذهب إلى المنطقة الغربية ، كنت أتصل هاتفيًا بنائب زميلي مسلم ، وأقول له : انتظرني على حدود المنطقة بسيارتك. وأركب معه في سيارته وأذهب معه، لم أكن أجرؤ على أن أذهب منفردًا. وطبعًا العكس صحيح أيضًا؛ لم يكن يجرؤ هو على أن يأتي منفردًا. أنا أذكر أنني -في مرة- كنت أريد أن أسافر وبلغني آنذاك -عند دخول القوات السورية عام 1976م- أنهم استلموا المطار، وسمعت من رئيس الجمهورية آنذاك أن المطار صار آمنًا؛ لأن القوات السورية استلمته، اتصلت هاتفيًا بنائبٍ صديقي وقلت له: أريد أن أسافر إلى أوروبا ، قابلني لنذهب إلى المطار في المنطقة الغربية المسلمة. فقابلني ونزلتُ بالمطار، وقال لي: هل أدخل معك وأرافقك؟ قلت له: لا ..لا داعي لذلك؛ فقد صرت في قلب المطار. وفي قلب المطار تعرضت شخصيًا لحادثة ؛ فقد كان في المطار شخص مسلَّح ويلبس زي الجيش ، أو قوى الأمن - لا أذكر- أخذني بقوة السلاح وحاول أن يقتلني ، لولا تدخُّل عسكري من الجيش اللبناني (مسلم وليس مسيحيًا) ردعه ومنعه من أن يعتدي عليّ، كنت تحت رحمته.. فقد كنت وحيدًا، وهكذا مررت بتجربة شخصية أتحدث عنها ؛ لأني عشتها، وبالطبع هذه الدقائق القصيرة مهمة جدًا في تاريخ الإنسان، فهي تعلِّمه ما معنى ، وما ثمن أن تظل آمنًا على العيش المشترك، ويوجد ثمنٌ غالٍ يجب أن تدفعه، ولم أتراجع عن هذا الأمر. أنا –مثلًا- كنت من الفريق الذي شكل في الأحداث كتلة نيابية من النوَّاب المستقلين؛ لأننا رفضنا أن ندخل في عملية العنف الحاصل، ومددنا جسرًا من الحوار مع نوَّاب مستقلين مسلمين، نحن مسيحيون موارنة مددنا جسر حوار، وبقينا على تواصل، هم يزورونا ونحن نزورهم، وبالطبع كان الذين هم من الأطراف المتشدِّدة والمتطرفة منزعجين منَّا، سواء كنا من المسيحيين أو من المسلمين، وأبقينا على هذا الجسر من التواصل بين الجميع، وأعتقد أن هذا هو الذي أنقذ لبنان ، فقد أنقذ لبنانَ أناسٌ مارسوا هذا الدور، بأنهم لم يقطعوا الصلة بين المسيحيين والمسلمين، وتحدَّوا الصِّعاب وتعرَّضوا للمخاطر، وكم من مرَّة كنا سنُقتَل فيها بقذيفة تسقط.. أو بإطلاق نار ونحن نمرُّ من منطقة إلى منطقة، أو في حادثة مثل التي حدثت لي في المطار.. وغيرها من الأحداث التي مررنا بها، ولكن بالطبع كنا أمام تحدٍّ صعب ، إما أن نترك لبنان ينقسم ومن ثَمَّ يضيع، وإما أن نخاطر بأنفسنا لنظلَّ على تواصل ؛ لكي نمنع لبنان من أن ينقسم، ولهذا أخذنا الخيار الأصعب.. لكنه الخيار الأفضل، والحقيقة أننا لم نندم عليه، وإن شاء الله لن تتكرر مثل هذه الأحداث، وإذا طُلب مني في يوم من الأيام الاختيار ، فسأعود لأتخذ هذا الخيار ذاته؛ لأني مؤمن بلبنان مثلما هو، لبنان الذي يعيش فيه المسلم والمسيحي معًا، لبنان الديمقراطي، لبنان التي علِّمنا فيه أنه إذا كان لي رأي يختلف عن رأيك ، فإني أقبلك وأنت تقبلني من دون أن نقتِّل بعضنا بعضا ؛ لأننا برأيين مختلفين.. هذا هو لبنان ..وفي الوقت الذي لم يعد فيه لبنان هكذا لم تعد توجد قيمة للبنان ، لم يعد يوجد ما يُسَمَّى مبررًا لوجود لبنان ، وسينتهي لبنان آنذاك, ولأننا نؤمن بلبنان وطنًا نهائيًا لنا جميعًا عملنا الذي عملناه.

رعاية الملك خالد للبنان وجهوده في حل المشكلة اللبنانية

* أريد في النهاية أن أَؤكِّد على شيء: أن الرعاية التي حظي بها لبنان من المملكة العربية السعودية طيلة كل الأحداث.. -بهذه الفترة تحديدًا- الرعاية التي حظي بها لبنان من المرحوم الملك خالد كانت رعاية خاصة، وأذكر أن الجهود التي بذلها ، ليساعد لبنان للخروج من أزمته كانت جهودًا جبَّارة في الحقيقة ، وسبَّبت له كثيرًا من الإحراجات في العالَم العربي، إلا أنه كان متشبِّثًا ومتمسِّكًا بمساعدة لبنان على إنهاء مشكلته. وكانت المبادرات التي أطلقها والتي ترجمها بصورة خاصة وزير الخارجية ، الذي لا يزال وزيرا للخارجية حتى اليوم (الأمير سعود الفيصل) ؛ كانت – في الحقيقة – مبادرات حية، وقد ساعدت في حل أزمات كبيرة ؛ تَفَاديًا لانفجار كبير وسقوط لبنان . في الحقيقة يجب على لبنان أن يسجِّل له هذا المجهود العظيم .

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات