البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
دور الملك خالد في دعم التضامن العربي والإسلامي
آخر نداء عربي وإسلامي ...
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول العربية والإسلامية
سياسة الملك خالد الخارجية
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
المزيد ....
دعم المملكة للقضية الفلسطينية
دعم القضية الفلسطينية
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
أحداث عالمية
منظمة المؤتمر الإسلامي تطالب ...
11 دولة عربية تؤيد ...
انتخاب أمين عام للمؤتمر ...
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
د. محمد حمزة
(مستشار نائب القائد العام لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال عهد الملك خالد)

بدايات الثورة الفلسطينية ومراحل تطوُّرها استماع إلى الفقرة

* أنا الدكتور محمد حمزة ، عملتُ مستشارًا للشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) نائب القائد العام منذ عام 75 ، حتى استشهاده في تونس عام 88. الثورة الفلسطينية بدأت – كما هو معروف – في الخارج وليست داخل الأراضي الفلسطينية، بدأت.. الاجتماع الأول بتشكيل حركة فتح ، بدأ في الكويت في عام 59، ثم انتقل بعد ذلك إلى سورية ، حيث تلقوا تدريب عسكري، وأيضًا في الجزائر، وانتقلت الثورة الفلسطينية بعد ذلك إلى الأردن ، باعتبار أن المملكة الأردنية الهاشمية هي أقرب الدول العربية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي تملك أطول خط حدودي مشترك مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب أنه هناك عدد كبير جدًا من مواطني الأردن ، هم من أصول فلسطينية (أكثر من 70% تقريبًا من الأردنيين هم مواطنين من الأردن )، إلى جانب أن هناك علاقات تاريخية أصلًا ما بين شرق الأردن ، وما بين الضفة الغربية. لهذه الأسباب كلها فضَّلت كل منظمات الثورة الفلسطينية الانتقال إلى الأردن ، وجعل الأردن هي مركز الثقل الأساسي ، والميدان الأساسي لتحركها، لبناء قوتها العسكرية، للقيام بعمليات عبر نهر الأردن ، داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أذكر هنا ، أنه بعد هزيمة 67 مباشرةً ، كان ياسر عرفات هو القائد الفلسطيني الوحيد –تقريبًا- ، الذي قاد مجموعة كبيرة من قيادات حركة فتح ، وعبروا نهر الأردن وأقام داخل الأراضي الفلسطينية، وقامت القوات الإسرائيلية بمطاردته فترة طويلة إلى أن اضطر إلى أن يخرج مرة أخرى إلى الأردن .

الوجود الفلسطيني في الأردن استماع إلى الفقرة

* كانت هنا مشكلة.. الحقيقة أنه منظمة التحرير وفصائل منظمة التحرير أقامت ما يشبه الدولة ، داخل الدولة الأردنية : بَنَت مؤسسات، بَنَت قوات شبه نظامية، أقامت علاقات وطيدة داخل الأردن . بعض الفصائل اليسارية ، تجاوزت كثيرًا النظام الأردني، وبدأت تقيم ما يشبه نظام موازي لنظام الملك ، يهدد نظام الملك حسين في ذلك الوقت، إلى جانب أنها استخدمت الأردن كقاعدة لعملياتها في الخارج؛ مما استفزَّ الملك حسين تمامًا، أذكر هنا أنه الجبهة الشعبية مثلًا ، قامت بخطف طائرات من الخارج وأنزلتها في مطار قديم ، كانت تستخدمه الأردن ، أطلقت عليه اسم مطار الثورة، وقامت بتفجير الطائرات على الأراضي الأردنية. كل هذا أدى إلى حدوث توتُّر شديد في العلاقات الفلسطينية الأردنية.

جامعة الدول العربية و القاهرة في وجود عبد الناصر ، جرى تدخُّل لتخفيف التوتر بين الملك حسين وبين الفصائل الفلسطينية، تم التوصُّل إلى اتفاق ، لكن هذا الاتفاق كان هشّ للغاية؛ لأنه الصِّدَام كان محتَّمًا بين سلطة الملك حسين ، الذي كان يشعر بتهديد سلطته ، وبين فصائل المقاومة الفلسطينية التي تجاوزت بعض الشيء في عملياتها، في الاتصال بالجيش الأردني، في تشكيل نظام ، أعتقد أنه كان منافسًا لنظام الملك حسين ؛ مما عجَّل بما يُسَمَّى في التاريخ الفلسطيني والعربي بـ(أيلول)، أيلول الذي حصل فيه صِدام شديد جدًا ، بين الملك حسين وما بين قوات الثورة الفلسطينية، ما بين الجيش الأردني وما بين قوات الثورة الفلسطينية.

أعتقد أنَّ الذي ساهم في هذا هو موافقة الأردن على (روغرز) ، وموافقة مصر على (روغرز) أيضًا، في ذلك الوقت قامت الفصائل الفلسطينية كلها بمعارضة اتفاقية (روغرز) ؛ مما أعطى للملك فرصة لحشد قواته داخل الأردن ، والقيام بهجوم على قوات الثورة الفلسطينية في ذلك الوقت. هذا التاريخ معروف جدًا، حصلت اشتباكات عنيفة للغاية، تدخَّلت الدول العربية وخاصةً المملكة العربية السعودية ، جرى اجتماع قمة عربية في القاهرة ، وتم تكليف الرئيس السوداني الراحل النميري ، لإخراج ياسر عرفات من الأردن ، وجرى بالفعل إخراج ياسر عرفات ، ثم جرى إخراج كل الفصائل الفلسطينية إلى خارج الأردن .

الوجود الفلسطيني في لبنان استماع إلى الفقرة

* في ذلك الوقت اضطرت قوات الثورة الفلسطينية، أن تنتقل من الأردن إلى لبنان ، هذه هي المحطة الأساسية والسبب الأساسي ، الذي أدى إلى انتقال أغلبية الفصائل الفلسطينية من مقرها الأساسي في الأردن ، انتقلت إلى لبنان . كان في لبنان تنظيم لحركة فتح، عديد من المخيمات الفلسطينية، لكن لم يكن هناك وجود مسلَّح للفصائل الفلسطينية، بعد 70 انتقلت الفصائل الفلسطينية في أغلبها إلى لبنان ، حصلت صِدامات أولى مع الجيش اللبناني في 74، تدخَّلت مرة أخرى جامعة الدول العربية ، وأقامت اتفاقًا سُمِّي بـ(اتفاق القاهرة ) لينظِّم وجود العمل الفدائي ، والعسكري الفلسطيني داخل لبنان ، لكن – كما نعرف جميعًا – لبنان بلد مركَّب من مجموعة كبيرة جدًا من الطوائف (حوالي 17 طائفة) ، بينهم نظام سياسي هشّ للغاية ، وتوازُنات شديدة الحساسية، وجود منظمة التحرير الفلسطينية – كأغلبية سنِّية مسلَّحة – في لبنان كان يعني الإخلال بالتوازُنات الطائفية داخل لبنان ، لصالح طوائف ضد طوائف أخرى، الطوائف المارونية تحسَّست بشدَّة.. شعرت بحساسية شديدة ، من وجود الفلسطينيين بكثافة وبكثرة داخل لبنان ، خاصةً وأنهم كانوا مدعومين من الطائفة السنِّية ومن الطائفة الشيعية أيضًا ، وكانوا يملكون سلاحًا وخبرة عسكرية ، وخبرة قتالية واسعة والتفاف من أغلب الشعب اللبناني؛ مما أدى إلى – أيضًا – توتير الأجواء بين الطوائف اللبنانية، وخاصةً في ذلك الوقت بين الطوائف المسيحية المارونية ، وما بين المقاومة الفلسطينية وحُلفائها من الشارع الإسلامي السنِّي والشيعي على وجه التحديد.

محاولات نزع فتيل الاصطدام الفلسطيني اللبناني استماع إلى الفقرة

* الفلسطينيين كانوا حريصين في ذلك الوقت ، أن يبنوا تحالُف مع أوسع القوى اللبنانية ، حتى يؤمِّنوا وجودهم في لبنان ، وحتى لا يتكرر ما حصل في الأردن معهم ، يتكرر مرة أخرى في لبنان ؛ لذلك حرصوا على إقامة تحالُفات واسعة مع الشارع السنِّي الإسلامي في لبنان ، وأيضًا حاولوا مدّ جسور مع الشارع المسيحي الماروني، أذكر هنا أنَّ أحد أهم مساعدي أبو عمار (أبو حسن سلامة) تزوَّج في تلك الفترة من جورجينا رزق ، جورجينا رزق كانت ملكة جمال العالَم ، وكانت لبنانية الأصل وهي مارونية، وكان هذا الزواج سياسي في الأصل ، وليس مجرد زواج عادي؛ لأنه فلسطيني مساعد أساسي.. هو الذراع الأيمن ل أبو عمار ، في مجال الأمن يتزوج من مارونية ، كانت هي ملكة جمال لبنان في ذلك الوقت، كانت محاولة – أيضًا – لنزع فتيل صِدام ، كان يمكن أن يحصل في الشارع اللبناني.

انشقاق الجيش اللبناني وازدياد التوتُّر استماع إلى الفقرة

* أيضًا أذكر أن الفلسطينيين كانوا حريصين على تحييد الجيش اللبناني.. إخراج الجيش اللبناني من معادلة الصراع ، حتى لا يتكرر معهم ما حصل في الأردن ، حيث قام الجيش بمواجهة عنيفة ومسلَّحة مع القوات الفلسطينية؛ لذلك أعتقد أنَّ الفلسطينيين تدخَّلوا داخل الجيش اللبناني ، وحصل في تلك الفترة استقطاب داخل الجيش اللبناني، فالضباط والجنود المسيحيين مالوا أكثر ناحية الجانب المسيحي ، والماروني والأحزاب المارونية في ذلك الوقت، بينما الجانب السنِّي والإسلامي مال ناحية منظمة التحرير ، وفصائل منظمة التحرير، فانشقَّ الجيش اللبناني، صار هناك جيشان في لبنان : جيش سُمِّي بالجيش العربي اللبناني بقيادة أحمد الخطيب ، وجيش آخر ماروني. انفكَّ الجيش، جزء منه خرج إلى الجنوب خرج منه سعد حداد ، الذي أقام النظام في جنوب لبنان الذي تطوَّر لاحقًا إلى التحالف مع الجانب الإسرائيلي ، في القرى القريبة من الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

الوضع كان متوتِّرًا للغاية، في تلك الفترة في عام 76 ، قررت سورية التدخُّل عسكريًا داخل لبنان ، وهذه مرحلة في غاية الأهمية أيضًا.

اشتعال الحرب الأهلية في لبنان استماع إلى الفقرة

* لبنان – كما تعرف – هي جنة العرب؛ لأنه لبنان هي بلد من الناحية الطبيعية بلد جميل جدًا، من الناحية الثقافية هي منفتحة على كل الثقافات، من الناحية الحضارية هي أقرب لنظام ديمقراطي تعدُّدي، من ناحية المواطنين اللبنانيين هم مواطنين يحبُّون الحياة.. مُقبلين على الحياة، قبل الحرب الأهلية في لبنان ، كانت الحياة في لبنان حياة جميلة للغاية، كنا يمكننا أن نتجوَّل في كل لبنان .. لنا صداقات عديدة مع كل الطوائف اللبنانية.

التوتُّر – كما أشرت – هذا التوتُّر كان يُنذر بأنه هناك ما سيحدث.. ينتقل بالتوتُّر إلى حالة الاشتباك. في أعقاب حادثة عين الرمانة ، وقَتْل عدد من الفلسطينيين في أحد الباصات (الأوتوبيسات) كان الجوُّ مُهيًّا بسرعة شديدة لإشعال عود كبريت إلى جانب مستودع ضخم من البنزين ومن المتفجِّرات؛ لذلك اشتعلت بسرعة الحرب الأهلية، وكانت – في الحقيقة – من أسوأ المراحل التي شهدتها لبنان ؛ لأنه في ذلك الوقت كان القتل والذبح على الهوية، مجرد الاشتباه في أنه.. من اللهجة.. من البطاقات (على الهوية) كان أي شخص يُخطئ في تجاوز الحدود للمنطقة الأخرى كان يتعرض للموت السهل.. شديد السهولة، حصل نوع شديد من الكراهية، حصل تبادُل للقتل والخطف والاعتقال، المناطق التي كانت متداخلة (زي صيدا والمناطق الجنوبية، أو المناطق التي كانت فيها مسيحيين ومسلمين) ، جرى فيها تطهير عرقي، جرت مذابح مؤسفة جدًا من الطرفين، وأنا شخصيًا كنت أستغرب من أين للُّبنانيين الحضاريين الوُدعاء اللطيفين كل هذه الطاقة على الدخول في حرب أهلية دموية مؤسفة؟!

الحقيقة ، أن الطرفين ارتكبا مذابح مؤسفة للغاية، كان المواطنين الأبرياء يذهبون ضحايا هذا التطهير العرقي والعنصري، كان يكفي أن تخطئ في ركوب سيارة تدخل بك في منطقة مسيحية أو منطقة إسلامية لتتعرض للقتل، كان هناك تعبئة. حاول العقلاء التدخُّل لكن كان الأمر صعبًا للغاية ولا يمكن إيقاف هذه المذابح، (العفريت أو الجن الطائفي) ، كان قد انطلق ولم يكن أحد بمقدوره أن يعيده مرة أخرى ، إلى داخل القمقم الذي كان بداخله.

التدخُّل السوري في لبنان استماع إلى الفقرة

* نحن نعرف جميعًا أن سورية تعتبر لبنان هي مزرعتها الخلفية.. الحديقة الخلفية لسورية ، سورية لم تقم علاقات دبلوماسية مع لبنان إلا قبل عدة شهور فقط، ولم ترسِّم الحدود بينها، النظام السوري كان يعتبر لبنان جزء مُلحَق به؛ لذلك لم يعترف أبدًا ، بأنَّ هناك لبنان مستقل، لم يقم علاقات دبلوماسية معه، كان يعتبر لبنان هي حديقته الخلفية؛ وبالتالي كان أيضًا ينظر للتطورات الداخلية داخل لبنان ؛ لأنه أي أحداث تتطور داخل لبنان تؤثر بالتأكيد على الوضع السوري.

المسألة الثانية : هو أن الجولان كان قد احتُلَّ في عام 67، في عام 74 بعد حرب 73 .. 74 جرى فصل للقوات، لكن بقي الجزء الأكبر من الجولان محتل، ووافقت سورية منذ عام 74 على وقف لإطلاق النار، وقف إطلاق النار ، هذا يتجدد منذ 74 حتى الآن؛ لأن سورية ليس بمقدورها أن تدخل حربًا مع إسرائيل منفردة، خاصةً بعد أن خرجت مصر من الصراع المسلَّح مع إسرائيل. لذلك كانت سورية معنيَّة بإمساك كثير من الأوراق ، حتى تساوم بهذه الأوراق لبنان ، وتساوم الولايات المتحدة الأمريكية ، وتساوم إسرائيل لتحسين وضعها في الجولان .

سورية في ذلك الوقت مع اندلاع الحرب الأهلية ، قرَّرت أن تتدخَّل لصالح الشارع المسيحي ، ولصالح الأحزاب المسيحية، هي تدخَّلت ضد منظمة التحرير، وكانت هذه إشارة للولايات المتحدة ، ولإسرائيل بأنها يمكن أن تكون عامل ضبط لمنظمة التحرير ، وفصائل منظمة التحرير داخل لبنان . كان المقصود من هذه الإشارة ليس اللبنانيين، كان المقصود من هذه الإشارة هو إسرائيل ، و الولايات المتحدة الأمريكية ، حتى تحسِّن وضع النظام السوري أمام الولايات المتحدة الأمريكية ، وأمام إسرائيل.

سورية دخلت.. ارتكبت كثير من المذابح، القيادة الفلسطينية قررت مواجهة القوات السورية، نشبت معارك عنيفة جدًا بين القوات السورية ، والقوات الفلسطينية في الجبل، القوات الفلسطينية منعت القوات السورية من التدخُّل ، لكن – للأسف الشديد – القوات السورية أخذت غطاء من جامعة الدول العربية ، وتحوَّلت من قوات سورية إلى قوات عربية ، تحت مظلة جامعة الدول العربية، وبقيت هناك في لبنان حتى قبل عامين فقط ، اضطرت بعد المقاومة اللبنانية ، والرفض اللبناني الشديد اضطرت للخروج. لكنها ارتكبت مذبحة كبيرة جدًا ضد مخيَّم فلسطيني اسمه مخيَّم (تل الزعتر) أبادته ، ولم يعد موجودًا على الخريطة، القوات السورية دخلت.. حاصرت هذا المخيَّم وأبادته بالكامل ، ولم يعد هذا المخيَّم موجودًا؛ لذلك تدخُّل سورية في ذلك الوقت كان لأسباب سياسية ، ورسالة إلى إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية ، لكنها منذ عام 76 ، حتى خروجنا من لبنان في عام 83 ، كانت عامل أساسي في معادلة لبنان ، بقيت سورية عامل أساسي ، ومؤثر عن طريق قواتها العسكرية التي كانت موجودة في كثير من المناطق، لكن الاتفاق لم يكن يسمح للقوات السورية بتجاوُز الجنوب، كانت موجودة عند صيدا، ممنوع أن تتقدم باتجاه الحدود مع إسرائيل، وكانت أيضًا في الشمال ممنوع أن تتقدم باتجاه مرتفعات الجولان ؛ لذلك كانت القوات السورية هي قوات ضبط للأمن ، داخل لبنان وأصبحت جزءًا مهمًا من المعادلة اللبنانية والفلسطينية الداخلية.

الدعم السعودي للمقاومة الفلسطينية استماع إلى الفقرة

* أنا أعرف عن قرب الرئيس عرفات ، والمرحوم خالد الحسن (أبو السعيد) ، خالد الحسن (أبو السعيد) كان أحد أقرب القيادات الفلسطينية.. كان مساعدًا ل أبو عمار ، كان من أقرب الناس إلى المملكة العربية السعودية ، وكان يحظى باحترام شديد داخل المملكة العربية السعودية ، وواحد من الذين بنوا العلاقات السعودية الفلسطينية . السعودية منذ اليوم الأول كانت هي الداعم الحقيقي للثورة الفلسطينية، خاصةً الدعم المالي الذي ساعد الفلسطينيين كثيرًا على مواجهة كثير من المشكلات، وكانت هناك علاقة قوية جدًا تربط الفلسطينيين ب المملكة العربية السعودية ، والدعم الأساسي المالي ، كان يأتي من المملكة العربية السعودية ، وبالتالي كان الرئيس عرفات باستمرار ، يوفد خالد الحسن (أبو السعيد) إلى المملكة العربية السعودية في الأزمات ، حتى ترمي بثقلها لحلِّ الأزمات التي يمكن أن تتدخَّل..، كما أشرت في أحداث أيلول 69 – 70 لعبت السعودية دورًا هامًا، في هذه الأحداث ، أوفد أبو عمار خالد الحسن إلى السعودية ، تدخَّل لدى الملك خالد ، الملك خالد تدخَّل بقوة لدى القوات السورية ، حتى لا تقوم بتكرار ما حصل في الأردن ، وتوجيه ضربات قوية للفلسطينيين يمكن أن تؤذي الوجود العسكري الفلسطيني ، والمقاومة الفلسطينية.

عندما تتدخل السعودية – خاصةً لدى النظام السوري ، الذي يحظى أيضًا بدعم كبير من السعودية – فإن النظام السوري يقيم وزنًا كبيرًا للتدخُّل السعودي. حاولت جامعة الدول العربية أن تتدخَّل.. الدول العربية.. القاهرة .. حاولوا أن يتدخَّلوا لكن في غياب عبد الناصر ، في ذلك الوقت كانت الكلمة العليا للمملكة العربية السعودية ، وبالذات للملك خالد الذي عايش تلك الفترة ، وأعتقد أنه تدخَّل بقوة بعدَ... أنا كنت إلى جانب القيادة الفلسطينية ، عندما قرر إرسال السيد خالد الحسن (أبو السعيد) إلى المملكة العربية السعودية ، برسالة يطلب تدخُّل الملك خالد لوقف الحرب السورية ، ضد منظمة التحرير وفصائل منظمة التحرير، وأعتقد أنه نجح في ذلك نجاحًا كبيرًا، أوقفَ حالة الحرب وأقام هدنة طويلة الأمد بين سورية ، وبين فصائل منظمة التحرير داخل لبنان .

حرب عام 1973م والدور السعودي استماع إلى الفقرة

* بعد حرب 67 ، إسرائيل كانت احتلت أغلب الأراضي العربية: كل غزة والضفة الغربية ، سيناء بالكامل، احتلت مرتفعات الجولان بالكامل، واحتلت أغلب الأراضي الفلسطينية، والجيش الأردني خرج من الضفة الغربية ومن القدس .

بعد وفاة عبد الناصر ، تَسَلَّمَ الرئيس السادات ، حاول بكل الطرق التوصُّل إلى تسوية سلمية مع الجانب الإسرائيلي، إسرائيل رفضت بشدة كل الجهود السلمية.

السادات فكَّر... إلى جانب محاولاته ، لإقرار السلام مع الجانب الإسرائيلي دون الحاجة إلى حرب؛ كان يستعد من الناحية العسكرية أيضًا، إذا فشلت الحلول السلمية أنه يقوم بعمل عسكري يُجبر إسرائيل على العودة إلى مائدة المفاوضات ، وقبول السلام الذي كان معروضًا عليها.

في تلك الفترة ، قام الرئيس السادات بتنسيق عسكري مع الرئيس حافظ الأسد في سورية ، لكن لم تكن الحرب وحدها.. الرئيس السادات كان يدرك أن الحرب العسكرية وحدها ، لم يكن من الممكن لها أن تضغط على إسرائيل ، وعلى المجتمع الدولي حتى تضطر إسرائيل للانسحاب من كل الأراضي. لذلك أقام الرئيس السادات علاقات حميمة وقوية مع المملكة العربية السعودية ، ومع الملك خالد ، المملكة العربية السعودية لعبت دورًا أساسيًا في هذه الحرب بالتنسيق ، عندما دخلت بقوة في مسألة حظر النفط عن العالَم، هذا الحظر هو الذي شكَّل أداة ضغط قوية جدًا جدًا على الولايات المتحدة وعلى العالَم الغربي، الذي أدَّى في النهاية إلى إجبار إسرائيل ، للجلوس على مائدة المفاوضات. بقي حظر النفط موجودًا إلى أن تدخَّل الرؤساء الأمريكيين و (كسنجر) لعب دورًا كبيرًا في تلك الفترة، بعد أن تأكدت السعودية أن إسرائيل ، سوف تجلس على مائدة المفاوضات ، جرى رفع الحظر البترولي، لكن في تلك الفترة لعبت السعودية دورًا أساسيًا وحيويًا إلى جانب حرب 73 في جلب إسرائيل مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات ، والتحدث عن السلام.

السيطرة السورية على لبنان، وأثرها في القرار الفلسطيني استماع إلى الفقرة

* نحن نعرف أن كثير من الشعوب العربية ، خرجت بمظاهرات عنيفة تندِّد بالمجازر التي ارتكبتها سورية في لبنان ، خاصةً ضد المخيمات اللبنانية، لكن في ذلك الوقت كانت سورية مدعومة ببعض الدول العربية، سورية أخذت قرار من جامعة الدول العربية ، بتحويلها إلى قوات تدخُّل عربي ، سُمِّيت باسم (القوات العربية) رغم أنه كانت هناك قوات يمنية في البداية ، لكنها انسحبت، وبقيت سورية هي وحدها المسيطرة على لبنان ، وكان لها تأثير قوي جدًا على القرار السياسي الفلسطيني ، منذ دخولها لاحقًا.

أنا أعتقد أنه لو كانت القيادة الفلسطينية موجودة خارج لبنان ، وأنها لم تكن تحت الهيمنة والسيطرة السورية ، كان يمكن للفلسطينيين أن يتخذوا قرارات بحرِّية أكبر، بقدرة أكبر على المناورة، لكن وجود السوريين... خاصةً أن سورية ارتكبت أيضًا بعض الحوادث الشديدة الأسف ضد كُتَّاب ومفكِّرين لبنانيين؛ مما خلق حالة من الإرهاب على القيادات الفلسطينية ، والقيادات اللبنانية داخل لبنان .

كل المواقف الفلسطينية داخل لبنان ، كانت بالتأكيد متأثرة بالوجود السوري العسكري، ولأنَّ لبنان ليست لها أي حدود برِّية إلا مع سورية (وطبعًا مع إسرائيل المغلقة من الجانب الإسرائيلي)؛ ف سورية تتحكم بشكل أساسي في دخول ، وخروج عبر الأراضي البرية.

دور الملك خالد في وقف الحرب الأهلية اللبنانية استماع إلى الفقرة

* الحقيقة أن السعودية – والملك خالد تحديدًا – لعبوا دور مهم جدًا في لبنان ، السعودية لها دور قوي جدًا ، في التأثير على الوضع الداخلي اللبناني، تجمع كل الأحزاب اللبنانية، نحن نعرف أنه الحرب الأهلية لم تتوقف ، إلا باتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية ، وهي التي ضمنت وقف هذه الحرب، وأيضًا ضمنت إعادة إعمار ما دمَّره الحرب، هذا الدور الذي – بالفعل – لعبته السعودية ، ولعبه الملك خالد بشكل أساسي من السعودية ؛ أنه كل الأطراف.. مساعدة كل الأطراف على التوصُّل إلى حلّ.. ، صيغة عبقرية اسمها صيغة (لا خاسر ولا رابح؛ لا مهزوم ولا فائز) هذه الصيغة تُرضي جميع الأطراف ، حتى يخرج الجميع من الحرب لا يوجد أحد يقول أنه انتصر في هذه الحرب ؛ لأنه لبنان – في الحقيقة – هو الذي خسر في هذه الحرب الأهلية. هذه الصيغة التي دعمتها السعودية ، والملك خالد هي التي نزعت فتيل الحرب وأوقفته تمامًا، وجرى التراضي وفق صيغة تعيد الجميع إلى الترابُط داخل لبنان ، وأيضًا أن السعودية تحمَّلت بسخاء إعادة بناء كل ما دمَّره الحرب في لبنان ، العاملين دُوْل همَّ أوقفوا الحرب الأهلية ، وأعادوا إلى لبنان الأمن والسِّلْم الداخلي ، ونزعوا فتيل هذه الحرب المدمِّرة اللي استمرّت قرابة 13 سنة تقريبًا في لبنان .

العلاقات المصرية السعودية استماع إلى الفقرة

* نحن نعرف أن العلاقات بين مصر في فترة عبد الناصر ، وبين السعودية كانت علاقات متوتِّرة للغاية في فترة الملك سعود ثم في فترة الملك فيصل ، ثم خفَّت قليلًا هذه التوتُّرات في العلاقة بين مصر و السعودية في أعقاب حرب 67 ، وحضور الملك فيصل إلى القاهرة ، وبدأ في تبادل للزيارات، ولكن العلاقات المصرية السعودية شهدت تطورًا كبيرًا في فترة الملك خالد ، والرئيس أنور السادات .

أذكر أيضًا – بشكل شخصي – أنه الملك خالد ذكر لنا أثناء لقائه ، الذي أشرتُ إليه في عام 81 في قصره في الطائف ، أنه ليس فقط اتفق مع الرئيس السادات على دخول قرار الحرب عن طريق الدعم الاقتصادي ، بقطع أو وقف تصدير النفط؛ مما خلق أزمة ضخمة جدًا في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا للضغط على إسرائيل، لكنه أيضًا موَّل – وهذه نقطة هامة جدًا – موَّل مصر وسورية بصفقات شراء الأسلحة التي كانوا يحتاجونها، السعودية قامت بتمويل الجزء الأكبر من صفقات الأسلحة السورية، وبجزء كبير موَّلت أيضًا شراء أسلحة مصرية.

أذكر أيضًا أن الملك خالد في وجود الأمير سلطان وزير الدفاع ، قال إنه قبل حرب 73 طلب الرئيس أنور السادات ، أنواعًا محدَّدة من الأسلحة كانت موجودة لدى السعودية ، وأنه الرئيس السادات بعد أن كان حدد يوم 6 أكتوبر موعدًا للحرب ، كان يتعجَّل من السعودية الحصول على هذه الأسلحة، الملك خالد قال أمامي – وأنا كنت شاهد على هذا الحديث – قال : إنهم صنعوا (Runway) لطائرات الشحن المصرية مباشرةً قريبة من مخازن الأسلحة؛ حتى يختصروا الوقت ولا يتم نقل الأسلحة من مخازنها إلى المطارات قاموا بعمل (Runway) مؤقَّت إلى مخازن الأسلحة ، حتى تهبط الطائرات المصرية العملاقة لتأخذ شحنات الأسلحة المطلوبة مباشرةً من هذه المخازن إلى مصر ، وبالتالي أنا أعتقد أنه الملك خالد لعب دورًا قويًا ومؤثرًا، ثم بدأ بعض التوتُّر بينه وبين الرئيس السادات (كما قال هو) لأنه السادات ذهب وحده إلى (كامب ديفيد) ولم يستشر المملكة العربية السعودية ، والملك خالد الذي كان شريكه في هذه الحرب.

دور الملك خالد في مرحلة ما بعد حرب 1973م استماع إلى الفقرة

* بعد حرب 73 كانت هناك جهود أمريكية لترتيبات في الجبهة، خاصةً الفصل بين القوات في مصر ، تأخَّرت سورية بعض الشيء لكنها عادت ، فقبلت قرارات فصل القوات. الرئيس السادات كان يضغط باتجاه مؤتمر دولي، هذا المؤتمر الدولي يدعو إلى انسحاب إسرائيل بالكامل ، من الأراضي التي احتلتها في عام 67. جرى اقتراح جنيف مقرًا لهذا المؤتمر، الرئيس (كارتر) تعاوَنَ مع الاتحاد السوفييتي ، في تلك الفترة لعقد مؤتمر دولي. إسرائيل كانت ترفض تمامًا فكرة المؤتمر الدولي ، وقالت إنه إذا حضرت المؤتمر ، فستقوم بعلاقات ثنائية: إسرائيل – مصر ؛ إسرائيل – سورية ، وكانت ترفض تمامًا حضور الفلسطينيين. الرئيس المصري حاول أن يضغط باتجاه حضور وفد من منظمة التحرير، لكن إسرائيل كانت ترفض بشدة.

المملكة العربية السعودية تدخلت في تلك الفترة للجمع ، بين الأطراف العربية التي ستشارك في عملية السلام ، حتى يكون هناك موقف عربي واحد. الملك خالد لعب دورًا مهمًا في التنسيق بين أضلاع المثلث الأساسية: مصر وسورية والجانب الفلسطيني؛ حتى يكون هناك موقف عربي موحَّد ، أمام الجانب الإسرائيلي. إسرائيل كانت ترفض باستمرار وجود الفلسطينيين، الملك خالد كان يضغط على الولايات المتحدة الأمريكية (الرئيس (كارتر) و (كيسنجر) في ذلك الوقت) ، حتى يتم إيجاد صيغة لقبول الوفد الفلسطيني ، في أي مفاوضات موجودة، نعرف بعد كده إنه تقرير (بروكنز) الذي خرج من الولايات المتحدة الأمريكية .. (فانس) .. إلخ كل الحديث الذي أدلى به الرئيس (كارتر) ، حول ضرورة وجود وطن للفلسطينيين.. حول ضرورة حل المشكلة الفلسطينية ، أعتقد كان بتأثير وتدخُّل قوي من المملكة العربية السعودية ، التي لعبت دورًا مهمًا في تلك الفترة في الهندسة السياسية للعملية السياسية المقبلة.

مقدمات زيارة الرئيس السادات للقدس استماع إلى الفقرة

* بالمصادفة كان الرئيس ياسر عرفات و صلاح خلف (أبو إياد) كانوا موجودين في القاهرة ، ودعاهم الرئيس السادات لحضور جلسة في مجلس الشعب، وتحدث في هذه الجلسة الرئيس السادات قال : إنه مستعد أن يذهب إلى نهاية العالَم من أجل السلام، وأنه مستعد لأنْ يذهب إلى إسرائيل في بيتها.. في قلب بيتها في داخل القدس .

أعضاء مجلس الشعب (أو مجلس الأمة كان اسمه في تلك الفترة) صفَّقوا للرئيس السادات , والكاميرات سُلِّطت على الرئيس ياسر عرفات وعلى صلاح خلف ، الذين اندهشوا كثيرًا من تصريح السادات ، ولم يفهموا هل هو يعني بشكل مجازي أنه يمكن أن يذهب إلى القدس ؟ أو أنه أخذ قراره بالذهاب إلى القدس ؟

المذكرات السياسية لاحقًا كشفت أنه كانت هناك ترتيبات حصلت في المغرب ، بين أحد مساعدين الرئيس السادات و (موشيه ديان) ، الذي كان وزيرًا للخارجية في تلك الفترة لترتيبات هذه الزيارة، لكن الرئيس السادات قام بصدمة ومفاجأة سياسية ، وأعلن أنه سيذهب إلى القدس .

أثر الضغط السوري في القرار الفلسطيني استماع إلى الفقرة

* أنا أعتقد أن العلاقات المتوتِّرة بين سورية وبين مصر في تلك الفترة، سورية كانت باستمرار تتخلف عن قبول ما تقبله مصر ، مصر تقبل.. سورية تنتظر سنة أو سنتين ، ثم تعود فتقبل ما كانت ترفضه في السابق، لكن التوتُّر كان من حرب 73 ، كان هناك توتُّر شديد في العلاقات المصرية السورية، هذا التوتُّر انعكس عالفلسطينيين في لبنان ، فتدخلت القيادة السورية ، وحذرت القيادة الفلسطينية من أي موافقة على قرار السادات بالذهاب للقدس ، أو مشاركته في اتجاهه بالذهاب بعيدًا مع الولايات المتحدة الأمريكية باتجاه التسوية السياسية.

أنا أعتقد أن الوجود السوري ، والضغط السوري والتدخُّل السوري هو الذي تحكَّمَ في القرار الفلسطيني في ذلك الوقت. لا أقول أنه الفلسطينيين كانوا سيرحبوا بزيارة السادات إلى القدس ، لكن على الأقل ما كانوا يتخذوا موقفًا شديد العداء ضد السادات عند زيارته للقدس ؛ لأنه الجميع كان يترقَّب ما هي نتائج هذه الزيارة، ليس الزيارة في حد ذاتها ولكن ما سينتج عن هذه الزيارة. لكن – كما قلت – وجود منظمة التحرير في لبنان تحت سقف الجيش السوري والدولة السورية كان القرار الفلسطيني دائمًا يتأثر بالوجود السوري ، وبالقوات السورية الموجودة في لبنان .

تقدُّم الرئيس السادات باتجاه عملية السلام، ومحاولة جذب الفلسطينيين استماع إلى الفقرة

* كان واضحًا أن الرئيس السادات أخذ قراره بالتقدُّم للأمام، لم يكن واضحًا أنه السادات ، سوف يتراجع وأنه سيذهب وحده إلى عملية السلام، كان الرئيس السادات قد أخذ قرارات لا يمكن التراجع عنها، مثلًا: طَرَدَ الخبراء السوفييت من مصر ، أقام علاقات قوية مع تل أبيب ومع (مناحيم بيغن) ، فتح خط قوي جدًا مع (كيسنجر) ، (كيسنجر) تقريبًا كان موجودًا في القاهرة بصفة مستمرة ، في دبلوماسية الـ(خطوة خطوة) والمكوكية؛ وبالتالي فإنه القيادة الفلسطينية ، كانت تعرف أنه السادات لن يتراجع عن الطريق الذي مضى فيه.

السادات حاول بتلك الطرق جذب الفلسطينيين إلى جانبه، أود أن أشير إلى معلومات: قبل حرب 73 مباشرةً طلب الرئيس السادات من الرئيس ياسر عرفات إرسال كتيبتين أو ثلاثة من الكتائب المسلَّحة للثورة الفلسطينية ، لوضعها على قناة السويس للمشاركة في الحرب، كلَّفَ أبو عمار أبو جهاد (الذي كنتُ أعمل مساعدًا له) بإرسال كتيبة مسلَّحة ، لتكون موجودة مع القوات المصرية على قناة السويس . عندما أنا سألتُ شخصيًا أبو جهاد ، فقال أن السادات قال: يجب أن تكونوا موجودين في الحرب حتى تكونوا موجودين على مائدة المفاوضات عندما يبدأ السلام، فعندما تشاركون في الحرب ، سيكون لكم مقعد على الطاولة عندما يبدأ السلام. وبالفعل أُرسلت كتيبة بقيادة محمد جهاد ، وكانت موجودة على قناة السويس ، وشاركت في العمليات العسكرية. السادات حاول أن يجذب منظمة التحرير ، و عرفات لكل المفاوضات التي جرت، وأذكر أنه حجز له.. وَضع العَلَم في الـ (مينا هاوس) ، لكن منظمة التحرير ، لم يكن من الممكن لها على الإطلاق أن تشارك مع السادات في العملية السياسية ، نتيجة العوامل التي أشرتُ إليها: الضغط الداخلي من الفصائل التي كانت تتبع العراق وتتبع بعض الدول العربية، ونتيجة الوجود السوري والضغط السوري ، الذي كان يخاصم السادات في هذه الفترة.

الرفض الفلسطيني لاتفاقية (كامب ديفيد)، والغزو الإسرائيلي لبيروت استماع إلى الفقرة

* بعد توقيع اتفاق (كامب ديفيد) حاول السادات أن يكون هناك ، قسم في (كامب ديفيد) يتعلق بالجانب الفلسطيني؛ لأنه السادات كان يريد حل شامل ، وليس حل منفرد بين مصر وإسرائيل فقط؛ لذلك حاول أن يكون هناك جزء من هذه الاتفاقية خاص بالفلسطينيين.

(مناحيم بيغن) في تلك الفترة اقترح حكم ذاتي للفلسطينيين، الفلسطينيين رفضوا كل ما جاء في (كامب ديفيد) فيما يخص الحكم الذاتي، خرجت مظاهرات في لبنان ، جرى اقتحام السفارة المصرية، كل طاقم السفارة المصرية في بيروت خرج، ولكن أذكِّر هنا بأن ياسر عرفات ، هو الذي أمَّن الحماية لأعضاء السفارة المصرية الذين كانوا موجودين، بعض الفصائل الفلسطينية حاولت التهجُّم عليهم.. خَطْف السلك الدبلوماسي لكن ياسر عرفات رفض تمامًا، وهو الذي أمَّن الحماية للأطقم. لكن منظمة التحرير.. موقف القيادة الفلسطينية في تلك الفترة كان رفض اتفاقات (كامب ديفيد) ورفض الحكم الذاتي، ودَه كان مقدمة للحرب ، التي شنَّتها إسرائيل على منظمة التحرير في عام 82 وغزو لبنان وبيروت في عام 82 ، وإخراج منظمة التحرير بالكامل خارج لبنان .

الوضع الحرج في بيروت، ودور الملك خالد استماع إلى الفقرة

* عندما حاصرت القوات الإسرائيلية بيروت في كل الأماكن ، كانت تهدِّد بإفناء كامل للقيادة الفلسطينية، كنا موجودين في بيروت ، في ما لا يزيد عن خمسة كيلو متر مربع. القوات الإسرائيلية كانت تحاصر هذه الخمسة كيلو متر مربع من كل الجوانب، كانت تطلق النار لمدة.. في فترة من الفترات بقيت تطلق النار لمدة 14 ساعة كاملة بكل أصناف الأسلحة: من الطيران، من المدفعية، من الزوارق.. من كل أنواع الـ..، ومع ذلك لم تستطع أن تتقدم إلى داخل بيروت .

في تلك الفترة مُورست ضغوط شديدة جدًا على المنظَّمة كي تنسحب، القيادة الفلسطينية اجتمعت لتقرر ماذا ستفعل، خاصة وأنه اللبنانيين بدؤوا يضغطوا.. الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني ، بدأ يضغط لإخراج المنظَّمة حتى لا تُدَمَّر لبنان بالكامل. المنظمة بقيت وحيدة، الفصائل الفلسطينية بقيت وحيدة، الاتحاد السوفييتي لم يقدم دعمًا لها، الدول العربية لم تستطع أن تقدم دعم، سورية تركت قواتها في لبنان تحت رحمة الإسرائيليين ، ولم تتدخل، أعتقد أن المملكة العربية السعودية ، والملك خالد لعب دورًا مهمًا جدًا في تلك المرحلة دبلوماسيًا مع الولايات المتحدة الأمريكية ، حتى لا تسمح للجنرال (شارون) بالقضاء تمامًا على منظمة التحرير داخلها، ووقف آلة الحرب، والسماح بانسحاب القوات الفلسطينية من لبنان بشكلٍ مشرِّف.

أنا أعتقد إنه لعبت دور مهم في هذه المرحلة، و (ريغن) أعطى تعليماته لـ (بيغن) بوقف الحرب ، عند هذا الحد وإنهاء هذه العملية، والسماح للفلسطينيين بالخروج.

حزن الملك خالد لانفراد الرئيس السادات بقراره استماع إلى الفقرة

* أنا أعتقد (المعلومات المتوافرة لديَّ) إن السعودية كانت تشعر ببعض الألم من موقف السادات ، أنه بعد كل الدعم الذي قدمته للرئيس السادات (قبل التحضير للحرب والدعم للحرب أثناء الحرب ووقف للبترول) كل ذلك.. السادات تقريبًا قطع العلاقة مع المملكة العربية السعودية ، وهو يذهب باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وباتجاه إسرائيل.

في اللقاء – الذي أشرتُ إليه – في شهر 10 سنة 81 تحدث الملك خالد بمرارة عن هذه المسألة، قال إنه قدَّمنا الكثير للرئيس السادات ، انطلاقًا من تأييدنا للموقف العربي والموقف المصري في هذه الحرب، لكن عندما ذهب السادات إلى (كامب ديفيد) ، وعندما ذهب إلى السلام لم يقم باستشارتنا، ذهب وحده وهذا كان مصدر ألم شديد لنا ، في تلك الفترة.

تحدث بمرارة.. الحقيقة، أنا شعرت بأنه يتحدث بمرارة عن علاقته ب السادات ، وكأن السادات لم يكن وفيًا بما يكفي للعلاقة معه، قال: لقد قدَّمنا كل شيء ل لسادات بحب شديد، لكنه عندما قرر أن يذهب للسلام ذهب وحده ، ولم يستشرنا معه.

أعتقد أنه تحدث ببعض المرارة عن الموقف ب السادات ، تحدث عن أن السعودية قدمت كل ما يمكن لمساندة السادات انطلاقًا من حرصها على القضية العربية، لكنه أعتقد أنه تحدث بمرارة عن ما آلت إليه العلاقة بينه ، وبين السادات في نهاية فترتها.

زيادة دعم الملك خالد لمنظمة التحرير استماع إلى الفقرة

* الجانب الفلسطيني كان يشعر أنه يمكن أن يتعرض لضغط شديد نتيجة رفضه لـ (كامب ديفيد) ؛ لذلك قام بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية ، تحت زعامة الملك خالد لتقوية موقف الجانب الفلسطيني، السعودية – كما أشرت – رفعت الدعم المالي لفصائل منظمة التحرير ، وللرئيس عرفات حتى يستطيع أن يواجه تبعات الأزمة الشديدة ، التي ستقع عندما يرفض (كامب ديفيد) .

دعم الثِّقل الاقتصادي السعودي للموقف العربي استماع إلى الفقرة

* أنا أعتقد أنه الرئيس السادات استخدم مسألة الدعم المالي لتعبئة المصريين لصالحه، هو قال إنه كل أموال العرب لا تعوِّض نقطة دم واحدة من أبناء شعبي. أنا أعتقد أنه هذه كانت المقصود بيها جذب التأييد الشعبي للخطوات التي سيقوم بها، لكن لا يوجد أحد في القيادة المصرية ، ولا في الشارع المصري ينكر الدور الذي لعبته الدول العربية ، وخاصةً المملكة العربية السعودية في الدعم الاقتصادي القوي الذي قدمته – كما أشرت – بعدة أشكال: دعم مباشر، شراء صفقات من الأسلحة، تسليم أسلحة لمصر قبل الحرب، أنا أعتقد أنه إلى جانب الدور الذي لعبته في قيادة منظمة (الأوبك) لوقف ضخّ النفط ، وإحداث أزمة اقتصادية عالمية، هذه الحرب الشاملة (العسكرية والاقتصادية) بدون الجانب الاقتصادي ، أنا أعتقد ما كانت تستطيع مصر – تحت قيادة السادات – تحقيق ما حقَّقته. التكامل ما بين العمل العسكري الحربي في 73 ، والخطة الاقتصادية المتعددة الجوانب – كما أشرت – سواءً بالدعم المالي المباشر للاقتصاد المصري ، الذي كان منهكًا نتيجة فترات الحرب الطويلة، وبتمويل صفقات شراء الأسلحة، وبتسليم أسلحة، وبعملية وقف ضخّ.. قيادة (الأوبك) لوقف ضخّ.. أنا أعتقد أن هذه الإستراتيجية هي التي استطاعت أن تضغط على الولايات المتحدة وعلى المجتمع الدولي ، وعلى إسرائيل حتى تجلس على الطاولة ، وتصل إلى اتفاقية السلام اللاحقة.

الالتقاء بالملك خالد، ودعمه اللامحدود للقضية الفلسطينية استماع إلى الفقرة

* الحقيقة أني أنا شخصيًا ، كان لي شرف الالتقاء بالملك خالد في وفد.. كنت مساعد المستشار السياسي للشهيد أبو جهاد ، قمنا بزيارة عدد من الدول الخليجية وخاصةً السعودية ، والتقينا بالملك خالد في قصره في الطائف .. أعتقد في شهر 10 في الطائف .

الملك خالد كان قد قدَّم مساعدة قوية جدًا للجانب الفلسطيني، هذه المساعدة لا تقتصر فقط على المال؛ لأن السعودية كانت تدفع باستمرار حصة من الدعم.. الحصة الأكبر التي كانت تُدفَع من الدول العربية ، كانت تقوم المملكة العربية السعودية بدفعها إلى الجانب الفلسطيني؛ إلى جانب أننا نعرف أنه عدد كبير جدًا من الفلسطينيين ، كانوا يعملون داخل المملكة العربية السعودية ، بواسطة وتنسيق بين منظمة التحرير والقيادة الفلسطينية ، وما بين الملك خالد والأسرة السعودية الحاكمة في السعودية ، كانت توفر السعودية عدد كبير من فرص العمل للفلسطينيين ، في المملكة العربية السعودية ، وكانت المملكة تسمح لمنظمة التحرير باقتطاع 5% من مرتَّبات العاملين في المملكة العربية السعودية ، تقوم بتحويلها للصندوق القومي الفلسطيني، وبالتالي فإن مصادر الدعم السعودية كانت تأتي من التمويلات المباشرة (الدعم المباشر السعودي لمنظمة التحرير الفلسطينية) ، وأيضًا من الأموال التي تُقتَطَع من الفلسطينيين العاملين، ومن توفير فرص عمل كبيرة للفلسطينيين.

وأذكر هنا أيضًا أن الملك خالد ، عندما تحدثنا عن الاحتياجات التسليحية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، أَمَرَ رئيسَ الأركان السعودي (أتذكر أنَّ كان اسمه الشيخ سعد في تلك الفترة، وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان ، كان حاضرًا في هذا الاجتماع) أعطى تعليماته الملك خالد بفتح كل مخازن الأسلحة داخل السعودية لتلبية احتياجات حركة فتح ، ومنظمة التحرير من الأسلحة التي يحتاجونها في مقاومتهم لإسرائيل.

وهنا ربما أقول شيء لا يعرفه أحد: أن السعودية كانت اشترت الأسلحة السوفييتية في الصومال من زياد بري ، وفي تلك الفترة قال الأمير سلطان – وكان وزيرًا للدفاع – أنه: السلاح الشرقي هو أقرب لاستخدامات منظمة التحرير ، التي تعوَّدت أن تجلب السلاح من الاتحاد السوفييتي ومن الدول الشرقية. وبالتالي فإن الأسلحة التي كانت موجودة في الصومال ، والتي ساعدت السعودية على شرائها أُتيحت للفلسطينيين ليأخذوا منها ما يريدوا، وأعتقد أنه تمَّ تحويل جزء كبير من هذه الأسلحة للجانب الفلسطيني.

الاهتمام الكبير بالشأن الفلسطيني استماع إلى الفقرة

* زيارتنا للملك خالد كانت آخر محطة في زيارة دول الخليج . نحن زرنا خمسة دول تقريبًا، بدأت ب الإمارات ثم البحرين ، ثم اليمن (كانت اليمنَين: كان فيه يمن جنوبي ، ويمن شمالي أيامها) ، ثم إلى المملكة العربية السعودية ، وصلنا إلى جدة ، قالوا لنا إن الملك خالد في الطائف ، طائرة عسكرية خاصة من الملك خالد أقلَّتنا إلى الطائف . وصلنا إلى هناك كان الملك فهد – الله يرحمه – كان موجودًا خارج المملكة العربية السعودية ، دخلنا تقريبًا قبل صلاة الظهر، المساعدين المقرَّبين من الملك خالد تمنُّوا أن يستقبلنا بعد صلاة الظهر ، وليس قبل صلاة الظهر ؛ خوفًا من أنه قد يضطر للخروج للصلاة ، ولا يعود مرة أخرى؛ ولذلك كنا نحن أيضًا خائفين في الوفد الفلسطيني برئاسة أبو جهاد ، إنه عندما طلبنا قبل الصلاة، لكن عندما أذَّن المؤذِّن لصلاة الظهر ، بقي الملك خالد نتيجة أهمية الموضوع.. شعر بأهمية الموضوع ، فبقي الملك خالد ولم يخرج، وبقي الاجتماع مستمرًا لأكثر من ساعة ونصف، وأمر بعد هذا الاجتماع.. كان حاضرًا في هذا الاجتماع – كما أشرتُ – الأمير عبد الله الملك الحالي، والأمير سلطان وزير الدفاع، و رشاد فرعون كان مستشارًا للملك خالد في ذلك الوقت ، وكان الوفد الفلسطيني.

احتفاء الملك خالد بالوفد الفلسطيني، والانطباعات عنه رحمه الله استماع إلى الفقرة

* الملك خالد كان مستمعًا جيدًا ، عندما قدَّم أبو جهاد شرح لاحتياجات منظمة التحرير ، ولمواجهتنا مع الاحتلال الإسرائيلي، كان مستمعًا جيدًا، وعندما تحدث تحدث بإسهاب، هو كان شخص فارع الطول.. أنا أذكر أنه كان شخص فارع الطول، كان مبتسمًا طوال اللقاء، ثم هو الذي بادر إلى الحديث: تحدث عن ذكرياته مع الملك عبدالعزيز ، وكان قال إنه كان طفلًا لم يتجاوز عمره 13 – 14 سنة ، وأنه شارك في القتال مع أبيه عبدالعزيز في ذلك الوقت رغم أنه كان صغيرًا، وأذكر أنه قال : إنه البندقية التي استلمها كانت أطول منه، وتحدث بإسهاب عن ذكرياته، دعا الفلسطينيين إلى التوحُّد والتمسك بالوحدة الداخلية، استجاب لكل الطلبات الفلسطينية، أوعزَ لرئيس الأركان بأنْ يعطي الفلسطينيين كل ما يريدونه، وأوعزَ للأمير عبد الله بتقديم الدعم المالي المطلوب للمنظمة، وأعطى هدية للوفد المرافق: أمرَ بأن يقوم الوفد المفاوض بعمل عمرة في مكة ، على حساب الملك خالد كهدية منه لهذا الوفد. بقينا أكثر من ساعة (بين ساعة إلى ساعة ونص لا أذكر الآن، لكن أكثر من ساعة بالتحديد) بقينا مع الملك خالد في هذا الاجتماع، تحدث فيها بتفصيل واسع عن ذكرياته، قدَّم دعمه الكبير للفلسطينيين، كان بشوشًا طول الوقت. أعتقد أنه – كشخص – كان شخص طيب من داخله ؛ لأنه كان طول الوقت يبتسم، يتحدث بفطرة، يتحدث عن ذكرياته القديمة، و – كما أشرت – سَأَلَنا في النهاية إن كنا قمنا بعمرة ، فقال : إنه يجب أن نقوم بعمرة هدية من الملك، وجُهِّزت السيارات ، وانتقلنا من الطائف إلى مكة لعمرة تحت رعاية جلالة الملك خالد في ذلك الوقت.

أعتقد أنه بعد هذا اللقاء بشهور ، توفَّاه الله إلى رحمته.

هذا الاجتماع كان اجتماعًا خاصًا جدًا، ربما خرجتْ عن هذا الاجتماع خبر وصور في نشرة الأخبار السعودية، لكنه لم يتحدث أمام الإعلام، فقط وكالات الأنباء والتلفزيون السعودي نقل الاجتماع ، وقال : إنه التقى الملك خالد بوفد فلسطيني رفيع المستوى بقيادة أبو جهاد وعضويتنا، ونقلوا صور عنا، لكن الملك خالد لم يتحدث، لكنه في حديثه الداخلي كان متدفق بشدة، وعفوي في حديثه، وصريح للغاية؛ تحدث عن علاقته ب السادات ، تحدث عن علاقته بالحرب، تحدث عن ذكرياته القديمة، تحدث وكأننا نجلس في ديوان للعائلة، هذا هو الإحساس.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ الفصيح
للمقابلة مع الضيف
د. محمد حمزة
(مستشار نائب القائد العام لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال عهد الملك خالد)

بدايات الثورة الفلسطينية ومراحل تطوُّرها

* أنا الدكتور محمد حمزة ، عملتُ مستشارًا للشهيد خليل الوزير (أبي جهاد) ، نائب القائد العام منذ عام 1975م ، حتى استشهاده في تونس عام 1988م. الثورة الفلسطينية بدأت – كما هو معروف – في الخارج ، وليست داخل الأراضي الفلسطينية، فالاجتماع الأول بتشكيل حركة فتح انعقد في الكويت في عام 1959م، ثم انتقلت الحركة بعد ذلك إلى سورية ، حيث تلقت تدريبًا عسكريًا، وأيضًا في الجزائر ، وانتقلت الثورة الفلسطينية بعد ذلك إلى الأردن لكون المملكة الأردنية الهاشمية هي أقرب الدول العربية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي تملك أطول خط حدودي مشترك مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب أن هناك عددًا كبيرًا جدًا من مواطني الأردن هم من أصول فلسطينية (أكثر من 70% تقريبًا من الأردنيين هم مواطنون أصليون في الأردن )، إلى جانب أن هناك علاقات تاريخية أصلًا ما بين شرق الأردن والضفة الغربية . لهذه الأسباب كلها فضَّلت كل منظمات الثورة الفلسطينية الانتقال إلى الأردن ، وجعل الأردن هو مركز الثقل الأساسي ، والميدان الأساسي لتحركها، ولبناء قوتها العسكرية، وللقيام بعمليات عبر نهر الأردن ، داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أذكر هنا أنه بعد هزيمة 1967م مباشرةً ، كان ياسر عرفات هو القائد الفلسطيني الوحيد تقريبًا الذي قاد مجموعة كبيرة من قيادات حركة فتح وعَبَرَ نهر الأردن ، وأقام داخل الأراضي الفلسطينية، وقامت القوات الإسرائيلية بمطاردته فترة طويلة إلى أن اضطر إلى أن يخرج مرة أخرى إلى الأردن .

الوجود الفلسطيني في الأردن

* كانت هناك مشكلة.. الحقيقة أن منظمة التحرير وفصائلها أقامت ما يشبه الدولة داخل الدولة الأردنية : بَنَت مؤسسات، بَنَت قوات شبه نظامية، أقامت علاقات وطيدة داخل الأردن . بعض الفصائل اليسارية تجاوزت كثيرًا النظام الأردني، وبدأت تقيم ما يشبه نظامًا موازيًا لنظام الملك يهدد نظام الملك حسين في ذلك الوقت، إلى جانب أنها استخدمت الأردن قاعدةً لعملياتها في الخارج؛ مما استفزَّ الملك حسين تمامًا. وأذكر هنا أن الجبهة الشعبية مثلًا قامت بخطف طائرات من الخارج ، وأنزلتها في مطار قديم كان يستخدمه الأردن ، وأطلقت عليه اسم مطار الثورة، وقامت بتفجير الطائرات على الأراضي الأردنية. كل هذا أدى إلى حدوث توتُّر شديد في العلاقات الفلسطينية الأردنية.

وقد تدخَّلت جامعة الدول العربية و القاهرة في عهد عبد الناصر لتخفيف التوتر بين الملك حسين وبين الفصائل الفلسطينية، وتم التوصُّل إلى اتفاق ، لكن هذا الاتفاق كان هشًَّا للغاية؛ لأن الصِّدَام كان محتَّمًا بين سلطة الملك حسين ، الذي كان يشعر بتهديد سلطته ، وبين فصائل المقاومة الفلسطينية ، التي تجاوزت بعض الشيء في عملياتها، وفي الاتصال بالجيش الأردني، وفي تشكيل نظام أعتقد أنه كان منافسًا لنظام الملك حسين ؛ مما عجَّل بما يُسَمَّى في التاريخ الفلسطيني والعربي بـ(أيلول)، أيلول الذي حصل فيه صِدام شديد جدًا الجيش الأردني وقوات الثورة الفلسطينية.

أعتقد أنَّ الذي أسهم في هذا ، هو موافقة الأردن على اتفاقية (روغرز) ، وموافقة مصر على (روغرز) أيضًا، في ذلك الوقت قامت الفصائل الفلسطينية كلها بمعارضة اتفاقية (روغرز) ؛ مما أعطى للملك فرصة لحشد قواته داخل الأردن ، والقيام بهجوم على قوات الثورة الفلسطينية في ذلك الوقت. هذا التاريخ معروف جدًا، فقد حصلت اشتباكات عنيفة للغاية، وتدخَّلت الدول العربية وبخاصةٍ المملكة العربية السعودية ، وجرى اجتماع قمة عربية في القاهرة ، وكُلِّف الرئيس السوداني الراحل النميري لإخراج ياسر عرفات من الأردن ، وجرى بالفعل إخراج ياسر عرفات ، ثم جرى إخراج كل الفصائل الفلسطينية إلى خارج الأردن .

الوجود الفلسطيني في لبنان

* في ذلك الوقت اضطرت قوات الثورة الفلسطينية إلى أن تنتقل من الأردن إلى لبنان ، هذا هو السبب الأساسي الذي أدى إلى انتقال أغلبية الفصائل الفلسطينية من مقرها الأساسي في الأردن إلى لبنان . كان في لبنان تنظيم لحركة فتح، وعدد من المخيمات الفلسطينية، لكن لم يكن هناك وجود مسلَّح للفصائل الفلسطينية، بعد عام 1970م ، انتقلت أغلب الفصائل الفلسطينية إلى لبنان ، ثم حصلت صِدامات أولى مع الجيش اللبناني في عام 1974م، وتدخَّلت جامعة الدول العربية مرةً أخرى ، وأقامت اتفاقًا سُمِّي بـ(اتفاق القاهرة ) ينظِّم وجود العمل الفدائي والعسكري الفلسطيني داخل لبنان ، لكن – كما نعرف جميعًا – لبنان بلد مركَّب من مجموعة كبيرة جدًا من الطوائف (17 طائفة تقريبًا) بينها نظام سياسي هشّ للغاية ، وتوازُنات شديدة الحساسية، فوجود منظمة التحرير الفلسطينية – بوصفها أغلبية سنِّية مسلَّحة – في لبنان ، كان يعني الإخلال بالتوازُنات الطائفية داخل لبنان لصالح طوائف ضد طوائف أخرى، الطوائف المارونية شعرت بحساسية شديدة من وجود الفلسطينيين بكثافة وبكثرة داخل لبنان ، وبخاصةٍ أن الفلسطينيين كانوا مدعومين من الطائفة السنِّية ، ومن الطائفة الشيعية أيضًا ، وكانوا يملكون سلاحًا وخبرة عسكرية وخبرة قتالية واسعة ، والتفاف من أغلب الشعب اللبناني؛ مما أدى أيضًا إلى توتير الأجواء بين الطوائف اللبنانية، وبخاصةٍ في ذلك الوقت ، بين الطوائف المسيحية المارونية ، وبين المقاومة الفلسطينية وحُلفائها من الشارع الإسلامي السنِّي والشيعي على وجه التحديد.

محاولات نزع فتيل الاصطدام الفلسطيني اللبناني

* كان الفلسطينيون حريصين -في ذلك الوقت- على أن يبنوا تحالُفًا مع أوسع القوى اللبنانية كي يؤمِّنوا وجودهم في لبنان ، وكي لا يتكرر ما حصل في الأردن معهم مرةً أخرى في لبنان ؛ لذلك حرصوا على إقامة تحالُفات واسعة مع الشارع الإسلامي السنِّي في لبنان ، وأيضًا حاولوا مدَّ جسور مع الشارع المسيحي الماروني، أذكر هنا أنَّ أحد أهم مساعدي أبي عمار (وهو أبو حسن سلامة ) تزوَّج في تلك الفترة من جورجينا رزق ، كانت جورجينا رزق ملكة جمال العالَم ، وكانت لبنانية الأصل وهي مارونية، وكان هذا الزواج سياسيًا في الأصل ، وليس مجرد زواج عادي؛ لأنه زواج فلسطيني -هو الذراع الأيمن ل أبي عمار في مجال الأمن- من مارونية كانت هي ملكة جمال لبنان في ذلك الوقت، كانت هذه محاولة أيضًا لنزع فتيل صِدام ، كان يمكن أن يحصل في الشارع اللبناني.

انشقاق الجيش اللبناني وازدياد التوتُّر

* أذكر –أيضا- أن الفلسطينيين كانوا حريصين على تحييد الجيش اللبناني؛ أي إخراج الجيش اللبناني من معادلة الصراع ، كي لا يتكرر معهم ما حصل في الأردن ، حيث قام الجيش بمواجهة عنيفة ومسلَّحة مع القوات الفلسطينية؛ لذلك أعتقد أنَّ الفلسطينيين تدخَّلوا داخل الجيش اللبناني ، وحصل في تلك الفترة استقطاب داخل الجيش اللبناني، فالضباط والجنود المسيحيون مالوا أكثر ناحية الجانب المسيحي والماروني ، والأحزاب المارونية في ذلك الوقت، بينما الجانب الإسلامي مال ناحية منظمة التحرير وفصائلها, فانشقَّ الجيش اللبناني، صار هناك جيشان في لبنان : جيش سُمِّي بالجيش العربي اللبناني بقيادة أحمد الخطيب ، وجيش آخر ماروني. وجزء من الجيش اتجه إلى الجنوب ، وخرج منه سعد حداد الذي أقام نظامًا في جنوب لبنان تطوَّر لاحقًا إلى التحالف مع الجانب الإسرائيلي في القرى القريبة من الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

كان الوضع متوتِّرًا للغاية، في تلك الفترة ، في عام 1976م ، قررت سورية التدخُّل عسكريًا داخل لبنان ، وهذه مرحلة في غاية الأهمية أيضًا.

اشتعال الحرب الأهلية في لبنان

* لبنان – كما هو معروف – هو جنة العرب؛ فمن الناحية الطبيعية هو بلد جميل جدًا، ومن الناحية الثقافية هو منفتح على كل الثقافات، ومن الناحية الحضارية هو أقرب إلى نظام ديمقراطي تعدُّدي، ومن ناحية المواطنين اللبنانيين هم مواطنون يحبُّون الحياة ويُقبلون عليها ، فقبل الحرب الأهلية في لبنان كانت الحياة في لبنان حياة جميلة للغاية، وكان يمكننا أن نتجوَّل في كل لبنان ، ولنا صداقاتٌ عدة مع كل الطوائف اللبنانية.

التوتُّر – كما أشرتُ – كان يُنذر بأن هناك شيء ما سيحدث ، وينتقل بالتوتُّر إلى حالة الاشتباك. في أعقاب حادثة عين الرمانة ، وقَتْل عدد من الفلسطينيين في أحد الحافلات (الأوتوبيسات) كان الجوُّ مُهيًَّا بسرعة شديدة ، لإشعال عود كبريت إلى جانب مستودع ضخم من البنزين ومن المتفجِّرات؛ لذلك اشتعلت الحرب الأهلية بسرعة, وكانت – في الحقيقة – من أسوأ المراحل التي شهدها لبنان ؛ لأنه في ذلك الوقت كان القتل والذبح بناءً على البطاقة الشخصية (على الهوية), وعلى اللهجة, ولمجرد الاشتباه, كان أي شخص يُخطئ في تجاوز حدود المنطقة الأخرى ، يتعرض للموت السهل.. بل شديد السهولة، فحصل نوع من الكراهية الشديدة، وحصل تبادُل للقتل والخطف والاعتقال، والمناطق التي كانت متداخلة (مثل صيدا والمناطق الجنوبية، والمناطق الأخرى ، التي كان فيها مسيحيون ومسلمون) جرى فيها تطهير عرقي، وجرت مذابح مؤسفة جدًا من الطرفين، ولقد كنت –شخصيًا- في غاية الاستغراب وأتساءل: من أين للبنان يين الحضاريين الوديعين اللطيفين كل هذه الطاقة ، على الدخول في حرب أهلية دموية مؤسفة؟!

أن الطرفين –في الحقيقة- ارتكبا مذابح مؤسفة للغاية، كان المواطنون الأبرياء يذهبون ضحايا ، هذا التطهير العرقي والعنصري، كان يكفي أن تخطئ في ركوب سيارة ، تدخل بك في منطقة مسيحية ، أو منطقة إسلامية لتتعرض للقتل، كان هناك تعبئة. حاول العقلاء التدخُّل ، لكن كان الأمر صعبًا للغاية ولا يمكن إيقاف هذه المذابح، فــ (العفريت أو الجن الطائفي) كان قد انطلق ، ولم يكن بمقدور أحد أن يعيده مرة أخرى إلى داخل القمقم الذي كان بداخله.

التدخُّل السوري في لبنان

* نعرف جميعًا أن سورية تَعُدُّ لبنان حديقتها الخلفية, ف سورية لم تقم علاقات دبلوماسية مع لبنان إلا قبل شهورٍ فقط، ولم ترسِّم الحدود بينها وبين لبنان ، فالنظام السوري كان يَعُدُّ لبنان جزءًا مُلحَقًا به؛ لذلك لم يعترف مطلقًا بأنَّه يوجد لبنان مستقل، لم يُقم علاقات دبلوماسية معه، كان يَعُدُّ لبنان حديقته الخلفية؛ ومن ثَمَّ كان أيضًا يراقب التطورات الداخلية في لبنان ؛ لأن أي أحداث تتطور داخل لبنان ، تؤثر بالتأكيد في الوضع السوري.

الأمر الآخر :هو أن الجولان كان قد احتُلَّ في عام 1967م، وبعد حرب 73 (في عام 1974م) جرى فصلٌ للقوات، لكن بقي الجزء الأكبر من الجولان محتلا، ووافقت سورية منذ عام 1974م على وقف إطلاق النار، وهذا الوقف لإطلاق النار ، يتجدد منذ عام 1974م حتى الآن؛ لأن سورية ليس بمقدورها أن تدخل حربًا منفردة مع إسرائيل ، وبخاصةٍ بعد أن خرجت مصر من الصراع المسلَّح مع إسرائيل. لذلك كانت سورية معنيَّة بإمساك كثير من الأوراق كي تساوم بها لبنان ، وتساوم الولايات المتحدة الأمريكية ، وتساوم إسرائيل لتحسين وضعها في الجولان .

قررت سورية -في ذلك الوقت ، مع اندلاع الحرب الأهلية- أن تتدخَّل لصالح الشارع المسيحي ولصالح الأحزاب المسيحية، فقد تدخَّلت ضد منظمة التحرير، وكانت هذه إشارة للولايات المتحدة ولإسرائيل بأنها يمكن أن تكون عامل ضبط لمنظمة التحرير وفصائلها داخل لبنان . لم يكن اللبنانيون هم المقصودون بهذه الإشارة، بل كان المقصود من هذه الإشارة إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية ، حتى يتحسَّن وضع النظام السوري أمام الولايات المتحدة الأمريكية وأمام إسرائيل .

دخلت سورية لبنان ، وارتكبت كثيرًا من المذابح، والقيادة الفلسطينية قررت مواجهة القوات السورية، فنشبت معارك عنيفة جدًا بين القوات السورية والقوات الفلسطينية في الجبل، القوات الفلسطينية منعت القوات السورية من التدخُّل لكن – للأسف الشديد – القوات السورية ، أخذت غطاءً من جامعة الدول العربية ، وتحوَّلت من قوات سورية إلى وصفها بقوات عربية تحت مظلة جامعة الدول العربية، وبقيت هناك في لبنان حتى قبل عامين فقط ، إذ اضطرت بعد المقاومة اللبنانية ، لوجودها والرفض اللبناني الشديد إلى الخروج. لكنها ارتكبت في ذلك الوقت مذبحة كبيرة جدًا ، ضد مخيَّم فلسطيني اسمه مخيَّم (تل الزعتر) , فقد أبادته ، ولم يعد موجودًا على الخريطة، القوات السورية دخلت ، وحاصرت هذا المخيَّم ، وأبادته بالكامل ولم يعد هذا المخيَّم موجودًا؛ لذلك فإن تدخُّل سورية في ذلك الوقت ، كان لأسباب سياسية ورسالة إلى إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية ، لكنها منذ عام 1976م حتى خروجنا من لبنان في عام 1983م ، كانت عاملًا أساسيًا في معادلة لبنان ، وبقيت عاملًا أساسيًا ، ومؤثرًا عن طريق قواتها العسكرية ، التي كانت موجودة في كثير من المناطق، لكن الاتفاق لم يكن يسمح للقوات السورية بتجاوُز الجنوب، كانت موجودة عند صيدا ، وممنوعٌ أن تتقدم باتجاه الحدود مع إسرائيل ، وكانت أيضًا في الشمال ممنوعٌ عليها أن تتقدم باتجاه مرتفعات الجولان ؛ لذلك كانت القوات السورية هي قوات ضبط للأمن داخل لبنان ، وأصبحت جزءًا مهمًا من المعادلة اللبنانية والفلسطينية في لبنان .

الدعم السعودي للمقاومة الفلسطينية

* كنت أعرف جيد صلة القرابة بين الرئيس عرفات والمرحوم خالد الحسن (أبي السعيد) ، خالد الحسن (أبو السعيد) ، كان أحد أقرب القيادات الفلسطينية إلى أبي عمار ومساعدًا له، كان من أقرب الناس إلى المملكة العربية السعودية ، ويحظى باحترام شديد داخل المملكة العربية السعودية ، وهو واحد من الذين بنوا العلاقات السعودية الفلسطينية .

السعودية منذ اليوم الأول ، كانت هي الداعم الحقيقي للثورة الفلسطينية، وبخاصةٍ الدعم المالي الذي ساعد الفلسطينيين كثيرًا على مواجهة كثير من المشكلات، وكانت هناك علاقة قوية جدًا تربط الفلسطينيين ب المملكة العربية السعودية ، والدعم الأساسي المالي ، كان يأتي من المملكة العربية السعودية ، ومن ثَمَّ فقد كان الرئيس عرفات يوفد خالد الحسن (أبا السعيد) باستمرار إلى المملكة العربية السعودية في الأزمات ، حتى ترمي بثقلها لحلِّ الأزمات ، التي يمكن أن تتدخَّل بشأنها، وفي أحداث أيلول 69 – 1970م ، أدَّت السعودية دورًا مهمًا، في هذه الأحداث ، فقد أوفد أبو عمار خالد الحسن إلى الملك خالد ، والملك خالد تدخَّل بقوة لدى القوات السورية ، حتى لا تقوم بتكرار ما حصل في الأردن ، وتوجيه ضربات قوية للفلسطينيين ، يمكن أن تؤذي الوجود العسكري الفلسطيني ، والمقاومة الفلسطينية.

عندما تتدخل السعودية – وبخاصةٍ لدى النظام السوري الذي يحظى أيضًا بدعم كبير من السعودية – فإن النظام السوري يقيم وزنًا كبيرًا للتدخُّل السعودي. حاولت جامعة الدول العربية أن تتدخَّل ، وكذلك حاولت الدول العربية ولا سيما مصر , لكن في غياب عبد الناصر في ذلك الوقت ، كانت الكلمة العليا للمملكة العربية السعودية ، وتحديدًا للملك خالد الذي عايش تلك الفترة وتدخَّل بقوة.

لقد كنتُ إلى جانب القيادة الفلسطينية ، عندما قرر أبو عمار إرسال السيد خالد الحسن (أبي السعيد) إلى المملكة العربية السعودية برسالةٍ يطلب فيها تدخُّل الملك خالد لوقف الحرب السورية ضد منظمة التحرير وفصائلها, وأعتقد أن الملكَ خالدًا نجح في ذلك نجاحًا كبيرًا، وأوقفَ حالة الحرب ، وأقام هدنة طويلة الأمد بين سورية وبين فصائل منظمة التحرير داخل لبنان .

حرب عام 1973م والدور السعودي

* بعد حرب عام 1967م ، كانت إسرائيل قد احتلت أغلب الأراضي العربية: كل غزة والضفة الغربية ، و سيناء بالكامل، واحتلت مرتفعات الجولان بالكامل، واحتلت أغلب الأراضي الفلسطينية، والجيش الأردني خرج من الضفة الغربية ومن القدس .

بعد وفاة عبد الناصر تَسَلَّمَ الرئيس السادات الـحُكم، وحاول بكل الطرق التوصُّل إلى تسوية سلمية مع الجانب الإسرائيلي،إلا أن إسرائيل رفضت بشدة كل الجهود السلمية.

إلى جانب محاولات السادات لإقرار السلام مع الجانب الإسرائيلي دون الحاجة إلى حرب؛ كان يستعد من الناحية العسكرية أيضًا،وفكر في أنه إذا فشلت الحلول السلمية ، فإنه سيقوم بعمل عسكري يُجبر إسرائيل على العودة إلى مائدة المفاوضات ، وقبول السلام الذي كان معروضًا عليها.

في تلك الفترة قام الرئيس السادات بشنِّ حرب 1973م بتنسيق عسكري ، مع الرئيس حافظ الأسد في سورية ، لكن الرئيس السادات كان يدرك أنه لم يكن من الممكن للحرب العسكرية ، أن تضغط على إسرائيل ، وعلى المجتمع الدولي حتى تضطر إسرائيل للانسحاب من كل الأراضي. لذلك أقام الرئيس السادات علاقات حميمة وقوية مع المملكة العربية السعودية ومع الملك خالد .

وقد أدَّت المملكة العربية السعودية دورًا أساسيًا في هذه الحرب ، عندما دخلت بقوة في مسألة حظر النفط، هذا الحظر هو الذي شكَّل أداة ضغط قوية جدًا على الولايات المتحدة وعلى العالَم الغربي، و أدَّى في النهاية إلى إجبار إسرائيل على الجلوس على مائدة المفاوضات. بقي حظر النفط موجودًا إلى أن تدخَّل الرئيس الأمريكي ، و لعب (كسنجر) دورًا كبيرًا في تلك الفترة، وبعد أن تأكدت السعودية أن إسرائيل سوف تجلس على مائدة المفاوضات جرى رفع الحظر النفطي، لقد أدَّت السعودية في تلك الفترة دورًا أساسيًا وحيويًا ، إلى جانب حرب عام 1973م ، في جلب إسرائيل مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات ، والتحدث عن السلام.

السيطرة السورية على لبنان وأثرها في القرار الفلسطيني

* جميع يعرف –جيدا- أن كثيرًا من الشعوب العربية ، خرجت بمظاهرات عنيفة تندِّد بالمجازر التي ارتكبتها سورية في لبنان ، وبخاصةٍ المجازر ضد المخيَّمات اللبنانية، لكن في ذلك الوقت كانت سورية مدعومة ببعض الدول العربية، فقد حصلت على قرار من جامعة الدول العربية بتحويل قواتها إلى قوات تدخُّل عربي ، سُمِّيت باسم (القوات العربية), وعلى الرغم من أنه كانت هناك قوات يمنية في البداية ، لكنها انسحبت، وبقيت سورية هي وحدها المسيطرة على لبنان ، وكان لها تأثير قوي جدًا على القرار السياسي الفلسطيني منذ دخولها إلى لبنان .

أعتقد أنه لو كانت القيادة الفلسطينية موجودة خارج لبنان ، ولم تكن تحت الهيمنة والسيطرة السورية ، لكان يمكن للفلسطينيين أن يتخذوا قرارات بحرِّية أكبر، ويتمتعوا بقدرة أكبر على المناورة، لكن وجود السوريين كان له أثر كبير فيهم, وبخاصةٍ أن سورية ارتكبت أيضًا بعض الحوادث الشديدة الأسف ، ضد كُتَّاب ومفكِّرين لبنانيين؛ مما خلق حالة من الإرهاب على القيادات الفلسطينية والقيادات اللبنانية داخل لبنان .

كل المواقف الفلسطينية داخل لبنان كانت بالتأكيد متأثرة بالوجود السوري العسكري، ولأنَّ لبنان ليس له أي حدود برِّية ، إلا مع سورية (وطبعًا مع إسرائيل المغلقة من الجانب الإسرائيلي)؛ فإن سورية تتحكم بشكل أساسي في الدخول والخروج عبر الأراضي البرية.

دور الملك خالد في و قف الحرب الأهلية اللبنانية

* الحقيقة أن السعودية والملك خالد تحديدًا أدى دورًا مهمًا جدًا في لبنان ، ف السعودية لها دور قوي جدًا في التأثير في الوضع الداخلي اللبناني، وهي تجمع كل الأحزاب اللبنانية، ونحن نعرف أن الحرب الأهلية ، لم تتوقف إلا باتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية ، وهي التي ضمنت وقف هذه الحرب، وأيضًا ضمنت إعادة إعمار ما دمَّره الحرب، هذا هو الدور الذي أدَّته السعودية وأدَّاه الملك خالد بشكل أساسي؛ وهو مساعدة كل الأطراف على التوصُّل إلى حلّ بصيغة عبقرية هي صيغة (لا خاسر ولا رابح؛ لا مهزوم ولا فائز) هذه الصيغة تُرضي جميع الأطراف ، حتى يخرج الجميع من الحرب ، ولا يوجد أحد يقول إنه انتصر في هذه الحرب ؛ لأن لبنان – في الحقيقة – هو الذي خسر في هذه الحرب الأهلية.

هذه الصيغة التي دعمتها السعودية والملك خالد ، هي التي نزعت فتيل الحرب وأوقفتها تمامًا، وجرى التراضي وفق صيغة تعيد الجميع إلى الترابُط داخل لبنان ، وأيضًا السعودية تحمَّلت بسخاء إعادة بناء كل ما دمَّرته الحرب في لبنان ، وهذان العاملان هما اللذان أوقفا الحرب الأهلية ، وأعادا إلى لبنان الأمن والسِّلْم الداخلي ، ونزعا فتيل هذه الحرب المدمِّرة ، التي استمرَّت 13 سنة تقريبًا في لبنان .

العلاقات المصرية السعودية

* نعرف –جيد- أن العلاقات بين مصر في عهد عبد الناصر وبين السعودية كانت علاقات متوتِّرة للغاية ، في عهد الملك سعود ، ثم في عهد الملك فيصل ، ثم خفَّت قليلًا هذه التوتُّرات في العلاقة بين مصر و السعودية في أعقاب حرب عام 1967م ، وحضور الملك فيصل إلى القاهرة ، وبدئه في تبادلٍ للزيارات، ولكن العلاقات المصرية السعودية شهدت تطورًا كبيرًا في عهد الملك خالد و الرئيس أنور السادات .

أذكر أيضًا – بشكل شخصي – أن الملكَ خالدًا ذكر لنا أثناء لقائه ، الذي أشرتُ إليه في عام 1981م في قصره ، في الطائف أنه ليس فقط اتفق مع الرئيس السادات على الدخول في قرار الحرب ، عن طريق الدعم الاقتصادي بوقف تصدير النفط؛ مما خلق أزمة ضخمة جدًا في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ؛ وذلك بهدف الضغط على إسرائيل ، وتوجد نقطة مهمة جدًا: أنه موَّل صفقات شراء الأسلحة ، التي كانت تحتاجها مصر وسورية ، ف السعودية قامت بتمويل الجزء الأكبر من صفقات الأسلحة السورية، وموَّلت أيضًا شراء جزء كبير من الأسلحة المصرية.

أذكر أيضًا أن الملكَ خالدًا في وجود الأمير سلطان وزير الدفاع ، قال : إنه قبل حرب عام 1973م طلب الرئيس أنور السادات أنواعًا محدَّدة من الأسلحة كانت موجودة لدى السعودية ، وأن الرئيس السادات بعد أن كان حدد يوم 6 أكتوبر ، موعدًا للحرب كان يتعجَّل الحصول على هذه الأسلحة من السعودية , وقال الملك خالد أمامي – وكنت شاهدًا على هذا الحديث – : إنهم صنعوا مَدْرَجًا لطائرات الشحن المصرية قريبًا من مخازن الأسلحة؛ فلكي يختصروا الوقت ، ولا تُنقَل الأسلحة من مخازنها إلى المطارات ، قاموا بعمل مَدْرَج مؤقَّت إلى مخازن الأسلحة ، حتى تهبط الطائرات المصرية العملاقة لتأخذ شحنات الأسلحة المطلوبة مباشرةً من هذه المخازن إلى مصر ، ومن ثَمَّ فأنا أعتقد أن الملكَ خالدًا أدى دورًا قويًا ومؤثرًا. ثم بدأ بعض التوتُّر بينه وبين الرئيس السادات (كما قال الملك خالد ) ؛ لأن السادات ذهب وحده إلى (كامب ديفيد) ولم يستشر المملكة العربية السعودية والملكَ خالدًا ، الذي كان شريكه في هذه الحرب.

دور الملك خالد في مرحلة ما بعد حرب 1973م

* بعد حرب عام 1973م ، كانت هناك جهود أمريكية لإجراء ترتيبات في الجبهة، وبخاصةٍ الفصل بين القوات في مصر ، ولقد تأخَّرت سورية بعض الشيء ، لكنها عادت ، فقبلت قرارات فصل القوات.

كان الرئيس السادات يضغط باتجاه مؤتمر دولي، هذا المؤتمر الدولي يدعو إلى انسحاب إسرائيل بالكامل من الأراضي التي احتلتها في عام 1967م. جرى اقتراح جنيف مقرًا لهذا المؤتمر، وتعاوَنَ الرئيس (كارتر) مع الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة لعقد المؤتمر الدولي. إسرائيل كانت ترفض تمامًا فكرة المؤتمر الدولي ، وقالت : إنها إذا حضرت المؤتمر ، فستقوم بعلاقات ثنائية: إسرائيل – مصر ؛ إسرائيل – سورية ، وكانت ترفض تمامًا حضور الفلسطينيين. حاول الرئيس المصري أن يضغط باتجاه حضور وفد من منظمة التحرير، لكن إسرائيل كانت ترفض بشدة.

لقد تدخلت المملكة العربية السعودية في تلك الفترة للجمع بين الأطراف العربية ، التي ستشارك في عملية السلام لإيجاد موقف عربي واحد, وقد أدَّى الملك خالد دورًا مهمًا في التنسيق بين أضلاع المثلث الأساسية ( مصر وسورية والجانب الفلسطيني) لتشكيل موقف عربي موحَّد أمام الجانب الإسرائيلي.

كانت إسرائيل ترفض -باستمرار- وجود الفلسطينيين، وكان الملك خالد يضغط على الولايات المتحدة الأمريكية (الرئيس (كارتر) و (كيسنجر) في ذلك الوقت) ، حتى يتم إيجاد صيغة لقبول الوفد الفلسطيني في أي مفاوضات موجودة.

ولقد عرفنا بعد ذلك أن تقرير (بروكنز) ، الذي خرج من الولايات المتحدة الأمريكية , وتصريحات (فانس) , وكل الحديث الذي أدلى به الرئيس (كارتر) حول ضرورة وجود وطن للفلسطينيين وضرورة حل المشكلة الفلسطينية؛ أعتقد أن كل ذلك كان بتأثير وتدخُّل قوي من المملكة العربية السعودية ، التي أدَّت دورًا مهمًا في تلك الفترة في الهندسة السياسية للعملية السياسية المقبلة.

مقدمات زيارة الرئيس السادات للقدس

* كان الرئيس ياسر عرفات و صلاح خلف (أبو إياد) –بالمصادفة- موجودَين في القاهرة ، ودعاهما الرئيس السادات لحضور جلسة في مجلس الشعب، وقال الرئيس السادات في هذه الجلسة : إنه مستعد أن يذهب إلى نهاية العالَم من أجل السلام، وإنه مستعد لأنْ يذهب إلى إسرائيل في بيتها.. في قلب بيتها في داخل القدس .

أعضاء مجلس الشعب (أو مجلس الأمة ، كما كان اسمه في تلك الفترة) صفَّقوا للرئيس السادات , والكاميرات سُلِّطت على الرئيس ياسر عرفات وعلى صلاح خلف اللَّذَين اندهشا كثيرًا من تصريح السادات ، ولم يفهما هل هو يعني بشكل مجازي : أنه يمكن أن يذهب إلى القدس ؟ أم أنه أخذ قراره بالذهاب إلى القدس ؟

ولقد كشفت المذكرات السياسية –لاحقًا- أنه كانت هناك ترتيبات لهذه الزيارة ، حصلت في المغرب بين أحد مساعدي الرئيس السادات و (موشيه ديان) الذي كان وزيرًا للخارجية في تلك الفترة, والرئيس السادات قام بصدمة ومفاجأة سياسية ، وأعلن أنه سيذهب إلى القدس .

أثر الضغط السوري في القرار الفلسطيني

* كانت العلاقات متوتِّرة بين سورية وبين مصر في تلك الفترة، ف سورية كانت باستمرار تتخلف عن قبول ما تقبله مصر ، و مصر تقبل و سورية تنتظر سنةً أو سنتين ، ثم تعود فتقبل ما كانت ترفضه في السابق، لكن بعد حرب 1973م كان هناك توتُّر شديد في العلاقات المصرية السورية، هذا التوتُّر انعكس على الفلسطينيين في لبنان ، فتدخلت القيادة السورية ، وحذرت القيادة الفلسطينية من أي موافقة على قرار السادات بالذهاب للقدس ، أو مشاركته في اتجاهه بالذهاب بعيدًا مع الولايات المتحدة الأمريكية باتجاه التسوية السياسية.

أعتقد أن الوجود السوري ، والضغط السوري والتدخُّل السوري هو الذي تحكَّمَ في القرار الفلسطيني في ذلك الوقت. لا أقول إن الفلسطينيين كانوا سيرحبون بزيارة السادات إلى القدس ، لكن على الأقل ما كانوا ليتخذوا موقفًا شديد العداء ضد السادات عند زيارته للقدس ؛ لأن الجميع كان يترقَّب نتائج هذه الزيارة، ليس الزيارة في حد ذاتها ، ولكن ما سينتج عن هذه الزيارة.

ولكن – كما قلت – بسبب وجود منظمة التحرير في لبنان تحت سقف الجيش السوري ، والدولة السورية ولقد كان القرار الفلسطيني يتأثر دائمًا بالوجود السوري وبالقوات السورية الموجودة في لبنان .

تقدُّم الرئيس السادات باتجاه عملية السلام ومحاولة جذب الفلسطينيين

* كان واضحًا أن الرئيس السادات أخذ قراره بالتقدُّم للأمام، لم يكن واضحًا أن السادات ، سوف يتراجع بل سيذهب وحده إلى عملية السلام، كان الرئيس السادات قد اتخذ قرارات لا يمكن التراجع عنها، مثلًا: طَرَدَ الخبراء السوفييتيين من مصر ، وأقام علاقات قوية مع تل أبيب ومع (مناحيم بيغن) ، وفتح خطًا قويًا جدًا مع (كيسنجر) ، و (كيسنجر) كان موجودًا في القاهرة بصفة مستمرة تقريبًا في دبلوماسية الـ(خطوة خطوة) والمكوكية؛ ومن ثَمَّ فإن القيادة الفلسطينية كانت تعرف أن السادات لن يتراجع عن الطريق الذي مضى فيه.

حاول السادات بتلك الطرائق جذب الفلسطينيين إلى جانبه، وأود أن أشير هنا إلى معلومات مهمة :

قبل حرب 1973م –مباشرةً- طلب الرئيس السادات من الرئيس ياسر عرفات إرسال كتيبتين أو ثلاثٍ من الكتائب المسلَّحة للثورة الفلسطينية لوضعها على قناة السويس للمشارَكة في الحرب، فكلَّفَ أبو عمار أبا جهاد (الذي كنتُ أعمل مساعدًا له) بإرسال كتيبة مسلَّحة ؛ لتكون موجودة مع القوات المصرية على قناة السويس , وعندما سألتُ أبا جهاد قال إن السادات قال: يجب أن تكونوا موجودين في الحرب ، حتى تكونوا موجودين على مائدة المفاوضات عندما يبدأ السلام، فعندما تشاركون في الحرب ، سيكون لكم مقعد على الطاولة عندما يبدأ السلام. وبالفعل أُرسلت كتيبة بقيادة محمد جهاد ، وكانت موجودة على قناة السويس ، وشاركت في العمليات العسكرية. و السادات حاول أن يجذب منظمة التحرير والرئيس عرفات إلى كل المفاوضات التي جرت، وأذكر أنه حجز له موضعًا وَضَع عليه عَلَم منظمة التحرير في الـ (مينا هاوس) ، لكن منظمة التحرير لم يكن من الممكن لها على الإطلاق أن تشارك مع السادات في العملية السياسية ، نتيجة العوامل التي أشرتُ إليها: الضغط الداخلي من الفصائل التي كانت تتبع العراق ، وتتبع بعض الدول العربية، ونتيجة الوجود السوري والضغط السوري ، الذي كان قد خاصم السادات في هذه الفترة.

الرفض الفلسطيني لاتفاقية (كامب ديفيد)، والغزو الإسرائيلي لبيروت

* بعد توقيع اتفاق (كامب ديفيد) حاول السادات أن يكون هناك قسم في (كامب ديفيد) يتعلق بالجانب الفلسطيني؛ لأن السادات كان يريد حلًا شاملًا ، وليس حلًا منفردًا بين مصر وإسرائيل فقط؛ لذلك حاول أن يكون هناك جزء من هذه الاتفاقية خاص بالفلسطينيين.

في تلك الفترة ، اقترح (مناحيم بيغن) حكمًا ذاتيًا للفلسطينيين، فرفض الفلسطينيون كل ما جاء في (كامب ديفيد) فيما يخص الحكم الذاتي، وخرجت مظاهرات في لبنان ، وجرى اقتحام السفارة المصرية، وخرج كل طاقم السفارة المصرية في بيروت ، ولكن أذكِّر هنا بأن ياسر عرفات هو الذي أمَّن الحماية لأعضاء السفارة المصرية ، الذين كانوا موجودين، بعض الفصائل الفلسطينية حاولت التهجُّم عليهم وخَطْف أعضاء السلك الدبلوماسي ، لكن ياسر عرفات رفض تمامًا، وهو الذي أمَّن الحماية لهم. لكن موقف القيادة الفلسطينية في تلك الفترة كان رفض اتفاقات (كامب ديفيد) ورفض الحكم الذاتي، وهذا كان مقدمة للحرب التي شنَّتها إسرائيل على منظمة التحرير ، في عام 1982م ، وغزو بيروت في عام 1982م ، وإخراج منظمة التحرير بالكامل من لبنان .

الوضع الحرج في بيروت، ودور الملك خالد

* عندما حاصرت القوات الإسرائيلية بيروت في كل الأمكنة ، كانت تهدِّد بإفناءٍ كاملٍ للقيادة الفلسطينية، كنا موجودين في بيروت في ما لا يزيد عن خمسة كيلومترات مربعة, والقوات الإسرائيلية كانت تحاصر تلك المنطقة من كل الجوانب، وكانت تطلق النار لفترات طويلة, في فترةٍ من الفترات بقيت تطلق النار لمدة 14 ساعة كاملة ، بكل أصناف الأسلحة: من الطيران، من المدفعية، من الزوارق.. من كل أنواع الأسلحة, ومع ذلك لم تستطع أن تتقدم إلى داخل بيروت .

في تلك الفترة ، مُورست ضغوط شديدة جدًا على المنظَّمة كي تنسحب، واجتمعت القيادة الفلسطينية لتقرر ماذا ستفعل، خصوصًا أن الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني بدأ يضغط لإخراج المنظَّمة ، حتى لا يُدَمَّر لبنان بالكامل, وهكذا بقيت المنظمة وحيدة، وبقيت الفصائل الفلسطينية وحيدة، والاتحاد السوفييتي لم يقدم دعمًا لها، والدول العربية لم تستطع أن تقدم دعمًا، و سورية تركت قواتها في لبنان تحت رحمة الإسرائيليين ولم تتدخل، أعتقد أن المملكة العربية السعودية ، والملك خالد أدَّى دورًا مهمًا جدًا في تلك المرحلة دبلوماسيًا مع الولايات المتحدة الأمريكية كي لا تسمح للجنرال (شارون) بالقضاء تمامًا على منظمة التحرير داخل لبنان ، ووقف آلة الحرب، والسماح بانسحاب القوات الفلسطينية من لبنان بشكلٍ مشرِّف.

أعتقد بأنه أدى دورًا مهمًا في هذه المرحلة، و (ريغن) أعطى تعليماته لـ (بيغن) بوقف الحرب عند هذا الحد وإنهاء هذه العملية، والسماح للفلسطينيين بالخروج.

حزن الملك خالد لانفراد الرئيس السادات بقراره

* أعتقد – حسب المعلومات المتوافرة لديَّ– بأن السعودية كانت تشعر ببعض الألم من موقف السادات ؛ لأنه بعد كل الدعم الذي قدمتْه للرئيس السادات (قبل التحضير للحرب والدعم أثناء الحرب ووقف تصدير النفط) ، قطع السادات العلاقة مع المملكة العربية السعودية تقريبًا ، وهو يذهب باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وباتجاه إسرائيل .

في اللقاء – الذي أشرتُ إليه – في الشهر العاشر من عام 1981م ، تحدث الملك خالد بمرارة عن هذه المسألة، قال: إننا قدَّمنا الكثير للرئيس السادات انطلاقًا من تأييدنا للموقف العربي ، والموقف المصري في هذه الحرب، لكن عندما ذهب السادات إلى (كامب ديفيد) وعندما ذهب للسلام لم يقم باستشارتنا، وهذا كان مصدر ألم شديد لنا في تلك الفترة.

في الحقيقة ، لقد تحدث بمرارة، ولقد شعرتُ بذلك عند حديثه عن علاقته ب السادات وأن السادات لم يكن وفيًا بما يكفي للعلاقة معه، قال الملك خالد : لقد قدَّمنا كل شيء للسادات بحب شديد، لكنه عندما قرر أن يذهب للسلام ذهب وحده ، ولم يستشرنا.

أعتقد أنه تحدث ببعض المرارة عن موقف السادات ، تحدث عن أن السعودية قدمت كل ما يمكن لمساندة السادات انطلاقًا من حرصها على القضية العربية، لكنه تحدث بمرارة عما آلت إليه العلاقة بينه وبين السادات في نهاية فترتها.

زيادة دعم الملك خالد لمنظمة التحرير

* الجانب الفلسطيني كان يشعر بأنه يمكن أن يتعرض لضغط شديد ، نتيجة رفضه لـ (كامب ديفيد) ؛ لذلك قام بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية ، بزعامة الملك خالد لتقوية موقف الجانب الفلسطيني، و السعودية – كما أشرت – رفعت مستوى الدعم المالي لفصائل منظمة التحرير وللرئيس عرفات ، كي يستطيع أن يواجه تبعات الأزمة الشديدة ، التي ستقع عندما يرفض (كامب ديفيد) .

دعم الثِّقل الاقتصادي السعودي للموقف العربي

* أعتقد أن الرئيس السادات استخدم مسألة الدعم المالي لتعبئة المصريين لصالحه، فلقد قال : إن كل أموال العرب لا تعوِّض نقطة دم واحدة من أبناء شعبي. أعتقد أن هذه العبارة كان المقصود بها جذب التأييد الشعبي للخطوات التي سيقوم بها، لكن لا يوجد أحد في القيادة المصرية ، ولا في الشارع المصري ينكر الدور ، الذي أدَّته الدول العربية وبخاصةٍ المملكة العربية السعودية في الدعم الاقتصادي القوي ، الذي قدمته – كما أشرت – بأشكالٍ عدة: دعم مباشر، وتمويل صفقات الأسلحة، وتسليم أسلحة لمصر قبل الحرب، بالإضافة إلى الدور الذي أدَّته السعودية في قيادة منظمة (الأوبك) لوقف ضخِّ النفط ، وإحداث أزمة اقتصادية عالمية، ففي هذه الحرب الشاملة (العسكرية والاقتصادية) أنا أعتقد أن مصر – تحت قيادة السادات – لم تكن لتستطيع تحقيق ما حقَّقته من دون الجانب الاقتصادي, فقد تَحَقَّقَ التكامل ما بين العمل العسكري الحربي ، في حرب عام 1973م والخطة الاقتصادية المتعددة الجوانب – كما أشرت – سواءً بالدعم المالي المباشر للاقتصاد المصري ، الذي كان منهكًا نتيجة فترات الحرب الطويلة، أو بتمويل صفقات شراء الأسلحة، أو بتسليم أسلحة، أو بعملية وقف ضخِّ النفط؛ أعتقد أن هذه الاستراتيجية هي التي استطاعت أن تضغط على الولايات المتحدة وعلى المجتمع الدولي وعلى إسرائيل ، حتى تجلس على الطاولة ، وتصل إلى اتفاقية السلام اللاحقة.

الالتقاء بالملك خالد، ودعمه اللامحدود للقضية الفلسطينية

* لقد كان لي -شخصيًا- شرف الالتقاء بالملك خالد ضمن وفد, فلقد كنتُ مساعد المستشار السياسي للشهيد أبي جهاد ، وقمنا بزيارة عدد من الدول الخليجية ، وبخاصةٍ السعودية ، والتقينا بالملك خالد في قصره في الطائف , أعتقد بأن ذلك كان في الشهر العاشر من عام 1981م في الطائف .

كان الملك خالد قد قدَّم مساعدات مالية قوية جدًا للجانب الفلسطيني، فالحصة الكبرى التي كانت تُدفَع من الدول العربية كانت المملكة العربية السعودية تقوم بدفعها باستمرار للجانب الفلسطيني؛ إلى جانب أننا نعرف أن عددًا كبيرًا جدًا من الفلسطينيين كانوا يعملون داخل المملكة العربية السعودية ، بوساطةٍ وتنسيقٍ بين منظمة التحرير ، والقيادة الفلسطينية ، وبين الملك خالد والأسرة السعودية، كانت توفر السعودية عددًا كبيرًا من فرص العمل للفلسطينيين في المملكة العربية السعودية ، وكانت المملكة تسمح لمنظمة التحرير باقتطاع 5% من مرتَّبات العاملين في المملكة العربية السعودية ، وتقوم بتحويلها إلى الصندوق القومي الفلسطيني، ومن ثَمَّ فإن مصادر الدعم السعودي ، كانت تأتي من التمويلات المباشرة (الدعم المباشر السعودي لمنظمة التحرير الفلسطينية) وأيضًا من الأموال التي تُقتَطَع من الفلسطينيين العاملين، ومن توفير فرص عمل كبيرة للفلسطينيين.

لم تقتصر مساعدات الملك خالد على الجانب المالي فحسب , بل أذكر هنا أن الملكَ خالدًا عندما تحدثنا عن الاحتياجات التسليحية لمنظمة التحرير الفلسطينية أَمَرَ رئيسَ الأركان السعودي (أتذكر أنَّ اسمه كان الشيخ سعد في تلك الفترة، ووزير الدفاع السعودي الأمير سلطان كان حاضرًا في هذا الاجتماع) وأعطى تعليماته بفتح كل مخازن الأسلحة داخل السعودية لتلبية احتياجات حركة فتح ومنظمة التحرير من الأسلحة التي تحتاجها في مقاومتها لإسرائيل .

أذكر هنا شيئًا ربما لا يعرفه أحد: كانت السعودية قد اشترت الأسلحة السوفييتية في الصومال من زياد بري ، وفي تلك الفترة قال الأمير سلطان – وكان وزيرًا للدفاع – : إن السلاح الشرقي هو أقرب لاستخدامات منظمة التحرير ، التي تعوَّدت أن تجلب السلاح من الاتحاد السوفييتي ومن الدول الشرقية. ومن ثَمَّ فإن الأسلحة التي كانت موجودة في الصومال ، والتي قامت السعودية بشرائها أُتيحت للفلسطينيين ليأخذوا منها ما يريدون، وأعتقد أنه حُوِّل جزء كبير من هذه الأسلحة إلى الجانب الفلسطيني.

الاهتمام الكبير بالشأن الفلسطيني

* كانت زيارتنا للملك خالد آخر محطة في زيارات دول الخليج. نحن زرنا خمس دول تقريبًا، بدأت ب الإمارات ثم البحرين ثم اليمن (وكان في حينها يمنَين: كان فيه يمن جنوبي ويمن شمالي) ثم المملكة العربية السعودية ، وصلنا إلى جدة ، ولقد قالوا لنا : إن الملكَ خالدًا في الطائف ، فأقلَّتنا طائرة عسكرية خاصة من الملك خالد إلى الطائف . وصلنا إلى هناك وكان الملك فهد – الله يرحمه – موجودًا خارج المملكة العربية السعودية ، دخلنا تقريبًا قبل صلاة الظهر، وتمنَّى المساعدون المقرَّبون من الملك خالد أن يستقبلنا بعد صلاة الظهر ، وليس قبل صلاة الظهر ؛ خوفًا من أنه قد يضطر إلى الخروج للصلاة ، ولا يعود مرة أخرى؛ ولذلك كنا نحن أيضًا في الوفد الفلسطيني برئاسة أبي جهاد نخشى من هذا ، عندما طلبنا مقابلته قبل الصلاة، لكن عندما أذَّن المؤذِّن لصلاة الظهر بقي الملك خالد نتيجة أهمية الموضوع, فهو شعر بأهمية الموضوع فبقي ولم يخرج، وبقي الاجتماع مستمرًا لأكثر من ساعة ونصف، وكان حاضرًا في هذا الاجتماع – كما أشرتُ – الأمير عبد الله الملك الحالي، والأمير سلطان وزير الدفاع، و رشاد فرعون الذي كان مستشارًا للملك خالد في ذلك الوقت.

احتفاء الملك خالد بالوفد الفلسطيني، والانطباعات عنه رحمه الله

* كان الملك خالد مستمعًا جيدًا عندما قدَّم أبو جهاد شرحًا لاحتياجات منظمة التحرير للمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، وعندما تحدث تحدث بإسهاب، أنا أذكر أنه كان شخصًا فارع الطول، وكان مبتسمًا طوال اللقاء، وهو الذي بادر إلى الحديث: تحدث عن ذكرياته مع الملك عبدالعزيز ، وقال إنه كان طفلًا لم يتجاوز عمره 13 أو 14 سنة عندما شارك في القتال مع أبيه عبدالعزيز في ذلك الوقت ، على الرغم من أنه كان صغيرًا، وأذكر أنه قال : إن البندقية التي استلمها كانت أطول منه، وتحدث بإسهاب عن ذكرياته، ودعا الفلسطينيين إلى التوحُّد والتمسك بالوحدة الداخلية.

وقد استجاب لكل الطلبات الفلسطينية، وأوعزَ لرئيس الأركان بأنْ يعطي الفلسطينيين كل ما يريدونه، وأوعزَ للأمير عبد الله بتقديم الدعم المالي المطلوب للمنظمة، وقدَّم هدية للوفد المرافق ، وهي أنه أمرَ بأن يقوم الوفد المفاوض بأداء عمرة على نفقة الملك خالد هديةً منه لهذا الوفد.

لقد استغرق ذلك الاجتماع أكثر من ساعة (بين ساعة وساعة ونصف.. لا أذكر الآن، لكن أكثر من ساعة بالتأكيد)، وتحدث فيه بتفصيلٍ واسعٍ عن ذكرياته، وقدَّم دعمه الكبير للفلسطينيين، وكان بشوشًا طول الوقت. أعتقد أنه كان شخصًا طيبًا في داخله ؛ لأنه كان طول الوقت يبتسم، ويتحدث بفطرة، يتحدث عن ذكرياته القديمة، و – كما أشرتُ – سَأَلَنا في النهاية إن كنا قمنا بعمرة ، فقال إنه يجب أن نقوم بعمرة هديةً من الملك، وجُهِّزت السيارات وانتقلنا من الطائف إلى مكة لأداء عمرة تحت رعاية جلالة الملك خالد في ذلك الوقت.

أعتقد أنه بعد هذا اللقاء بشهور توفَّاه الله إلى رحمته.

هذا الاجتماع كان اجتماعًا خاصًا جدًا، ربما خرج عن هذا الاجتماع خبر وصور في نشرة الأخبار السعودية، لكنه لم يتحدث أمام الإعلام، فلقد نقلت وكالات الأنباء والتلفزيون السعودي خبر الاجتماع ، وقال إن الملكَ خالدًا التقى بوفد فلسطيني رفيع المستوى برئاسة أبي جهاد وعضويتنا، ونقلوا صورًا عنا، لكن الملكَ خالدًا لم يتحدث للإعلام، لكنه في حديثه في داخل الاجتماع كان متدفقًا بشدة، وعفويًا في حديثه، وصريحًا للغاية؛ تحدث عن علاقته ب السادات وتحدث عن علاقته بالحرب، وتحدث عن ذكرياته القديمة، تحدث وكأننا نجلس في ديوانٍ للعائلة، هذا هو الشعور الذي شعرنا به.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات