البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
زيارات واستقبالات الملك خالد
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
استقبالات الملك خالد الدبلوماسية ...
الزيارات التي قام بها ...
المزيد ....
خطط التنمية ومجالاتها في عهد الملك خالد
شهد عهد الملك خالد ...
دراسة عهد الملك خالد ...
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
المزيد ....
وفاة الملك خالد ومراثيه
وفاة الملك خالد
لحظاته الأخيرة قبل وفاته: ...
نبأ وفاة الملك خالد ...
المزيد ....
أمن الحرمين
قضاء الملك خالد على ...
حادثة الحرم المكي
الحادث الأليم والطامة الكبرى ...
المزيد ....
رعاية الأماكن المقدسة وخدمة الحجيج
توسعة الحرم النبوي (في ...
ترسيخ الدور الإسلامي والريادي ...
لجنة الحج العليا في ...
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
د. سامي محسن عنقاوي
(رئيس مركز أبحاث الحج خلال عهد الملك خالد)

يومٌ لا يُنسى استماع إلى الفقرة

* ذاك اليوم كان هو يوم –طبعًا- ما يتنسي في حياة كثير من الناس في مكة ، واللي خارج مكة وكل المسلمين، أنا كنت بوقتها من الصبح بدري ، بعد صلاة الفجر بأقرأ في القرآن وأحفظ القرآن كنت يومتها، وكنت بأراجع، وصلنا للآية في – سبحان الله – كانت عن المسجد الحرام وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، وبعد كذا كان المفروض يومتها أطلع مكة وأجيب عمرة، لكن كان فيه موعد مع رئيس إدارة المياه، فاتجهت إلى الموعد على حوالي الساعة 8 – 9 صباحًا، ودخلت عليه، وأنا داخل: (بيني وبينه معرفة بسيطة) ، لكن يوم دخلت طالع فيَّ وقال لي: ظهر المهدي. فالمهدي.. ظهر المهدي... . كنت أحسبه يمزح معاي ، بحيث إنه أنا شكلي وعصايتي ولابس مشلحي وكذا.. وطريقتي الـ.. هذا.. فأعتبره بيمزح معاي ، فقال لي: لا من جد، المهدي ظهر. قلت له: جادّ في الموضوع؟ الكلام هذا جدّ؟ فعلَّى صوت الجهاز ، اللي عنده وفعلًا كان سمعت الكلام بيدور بين البوليس والشرطة وكذا، فجلست أستمع شويَّة، وبعدين طبعًا اتلغى الموعد، رجعت أنا البيت، وكإنسان مكِّي من مكة ، وابن مكة ما قدرت أصبر، وبعدين من منطلق المسؤولية برضه ، أنا أيامها كنت بمركز أبحاث الحج ومدير المركز، فأخذت سيارة وطلعت مكة ، وعندنا بعض الأصدقاء بالقرب من المسجد ، فنزلت في واحد من البيوت.. شقة عالية مطلَّة على المسجد ، وعلى الساحة المحيطة، وابتديت أشوف إيش صاير، فكان يوم عجيب، خصوصًا اليوم الثاني وما تلتها من أيام، أولًا الواحد ما يقدر يقرِّب للمسجد، ما كان يقدر يدخل المسجد، يعني كان نوع من الحصار ، اللي هوَّ تقدر تقول عليه: حصار من الداخل للخارج، يعني نوع من الاستيلاء بالقوة، وأعتقد هناك كانت خطة مدبَّرة، فكنت أنا محتار إيش أسوِّي؟ إيش اللي حاصل؟.

فابتديت أشوف الناس اللي طالعين من المسجد, تكلمت مع الناس اللي كانوا خارجين من المسجد ، وأعرف بعضهم معرفة قوية وثقة وبأنهم ملتزمين ومتديِّنين، فوصفوا لي الحال إنه فيه وضع عدائي عدواني أكثر منه وضع ديني أو مسألة دينية، إنه عندهم طلبات معيَّنة وأعلنوها ، واستغلوا صفة المهدي وأوصافه وكانوا بيحاولوا إنه يدخلوا من هذا المدخل، لكن كان واضح جدًا من الكلام أن المسألة عدوانية، وحسب وصفهم للكلام اللي كان يُقال ، والأحداث اللي تصير كان واضح لي إنها تتعلق بحركة عصبية تعصُّبية لرأي لفئة معيَّنة ، قد تكون تكررت في التاريخ قبل ذلك، ففعلًا تنبَّهت وقررت ساعتها إني أسوِّي شي، أتصرف في حاجة.

استغلال موضوع المهدي والبيعة له استماع إلى الفقرة

* بعض الناس اللي تكلمت معاهم ، وأعرفهم كانوا في داخل المسجد، فبعد صلاة الفجر بعد بشوَيَّة ، وابتدأ الناس لسَّاعهم بيطوفوا بالمسجد ، وبعضهم كانوا بينتظروا وقت الإشراق عشان صلاة السنَّة، فجأة صوت في الميكروفون.. اتَّاخذ الميكروفون وشخص ابتدا يتكلم إنه: أيها المسلمون، الآن آن الأوان ، وظهر المهدي . وأشار إلى شخص واقف مرتدي عُمَّة ولِبْس أبيض وملتحي.. وأبيض.. أظن انتقوا شخص حسب المواصفات اللي وردت في كتب السيرة والحديث، وبدأ يتكلم عن هذا الشخص إنه هو المهدي ، ويجب الآن إنه بيعة المهدي واتِّباع المهدي ، فهو نوع من المكر ، في استغلال شيء ديني مُنْتَظَر إلى تحويل الناس ، وأخذ تعاطفهم وطلبوا منهم البيعة، وهذا أمر.. لا يكون هناك بيعتان (بيعة للملك تمَّ، وما فيه إحنا في طريقتنا ، لا يجوز بيعة لأكثر من ملك واحد) ، وهذولا كرجال دين ليس لهم بيعة، البيعة للحاكم، أما كرجال دين لهم منَّا الاستماع لنصحهم ، وهناك أكثر من رأي، فكثير من أهل مكة .. إحنا نقول (خابزينها وعاجنينها) يعني عارفين الوضع مضبوط، وعارفين لـمَّا نسمع لأحد يتكلم أو يلقي أو يحاول يقنع.. قد مرُّوا علينا المئات والعشرات من هذي الأشياء، فكان على طول الوضع شفاف لنا ، إنه دي أحد بيستغل الدين وبيحاول يستفيد من هذا الشي؛ لأنه التوافقات – حسب ما نعرفها في الماضي والتاريخ – ما هي كده، ما هو واحد جاي بسلاح ويبغى يغصب الناس وكذا، فكانت هذي مهمة جدًا.. الحركة، وفعلًا كان هناك مَن – أعتقد – مَن خرج من اللي كانوا جوَّا ، وأوصلوا الوصف والإيضاح لولاة الأمر، فكان لهم كان دور هنا أساسي برضه أيضًا ، في عملية الاطمئنان إنه من همَّ دُوْل؟ رغم إنه طبعًا – أكيد – الدولة لها تحرِّياتها وأعمالها ، لكن – أعتقد – يجي الوضع من رجال من مكة ، ومن ناس معروفين أعتقد كان ليه دور مهم جدًا، خاصةً إنسان زي السيد محمد علوي المالكي رحمة الله عليه.

خروج الناس من الحرم في بداية الأحداث استماع إلى الفقرة

* طبعًا الناس بعد ما سمعوا الخطبة ، وتأكَّدوا بعدين هم ابتدوا يصيبهم شيء من الفزع والقلق ابتدوا يخرجوا، فاتَّجهوا.. أسهل مكان للخروج كان المسعى، فالمسعى بترتفع (فيه انحدار) إلى أن تصل إلى مستوى الفتحات ، اللي هيَّ تحيط بالمسعى (ولها صور)، فالفتحات.. (الغريل) موجود (أو شغل الحديد الموجود والنحاس) يسمح براحة بمرور أشخاص، فابتدوا يتسلَّلوا من خلال هذي الفتحات ، ويرفعوا بعضهم ويتسلَّلوا ويرفعوا بعضهم.. إلى أن خرجت كميات كبيرة، كل يوم شويَّة كل يوم شويَّة، وفي الساعات الأولى شويَّة، فأعتقد من لطف الله إنه وجود إمكانية للخروج، وإلا كان يمكن الـ(كارتك) إنه تكون أكبر وأعظم من كده.

حُرمة المكان استماع إلى الفقرة

* لـمَّا نتكلم عن مكة المكرَّمة: هي ليست مدينة، وليست بالمعنى الإنكليزي (City)، إنما هي تُسَمَّى بـ(أم القرى) ، وهي أصلًا حَرَم؛ أي بالإنكليزي مثلًا (Sanctuary) حَرَم كما هو الآن في الأشياء الحديثة ، إنه هناك مناطق محميَّة ممنوع فيها الصيد و....، فالمنطقة المحميَّة دي اللي هيَّ الحرم، إذا إنسان التقى بقاتل أبيه أو بينه وبينه دم ، لا يعتدي عليه في داخل حدود الحرم، وأيضًا من ضمن التشديد لدرجة إن الإنسان... الشوك أو شجر الشوك ، لا يستطيع أن يقتلعه أو يقتله، فالتشديد إنه حرم (Sanctuary) محرَّم على أي قتل ، أو أي عداء أو أي اعتداء، مكة ككل، فما أدراك بالمسجد الحرام نفسه المحيط مباشرةً بالكعبة: الحرمة – أعتقد – تتعاظم وتكبر. فهو اعتداء واضح جدًا على حرمة مكان لتحقيق أغراض ، وأشياء قد تكون ما هي.. تبدو دينية ، ولكن هذي الفئة من الناس تعوَّدت على التسلُّط والتعامل مع الدين بتسلُّط، فلمَّا ابتدوا يحسُّوا إنه هذي السلطة ابتدت تُسحَب منهم ، أو تخفّ فتحركوا بقوة ما أعتقد إنها كانت مناسبة إنها تكون في مسجد حرام ، وفي الحرم.

المسؤولية الوطنية والدينية استماع إلى الفقرة

* من متابعتي للوضع والأحداث والأخبار ، بتطلع وكيف التصرُّف كان وكيف إنه الدولة تردَّدت رغم إنها عندها القوة الضاربة ، إنها تتحرك ؛ لأنه كل شي موجود، لكن كان هناك تردُّد في الهجوم المعاكس ،احترامًا لحرمة المسجد، إلى أن تمَّ استشارة رجال الدين، لكن في نفس الوقت أنا كنت.. يعني كنت يمكن في نفس الحيرة ؛ لأنه الوضع محيِّر: الواحد كيف.. المكان اللي متحصّنين فيه هو المسجد الحرام، وقد العنف يؤدي إلى.. الهجوم يؤدي إلى تخريب، وقد حتى تصل إلى الكعبة نفسها، فالآية اللي كنت وقفت عندها في سورة البقرة: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، كان – سبحان الله – إنه في نفس اليوم ، وكنت بوقتها بحفظها، فكنت أردِّدها وبعدين تعمَّقت في معناها وتأكَّدت إنه المسألة عدوانية قتالية، فعملت استخارة صليت ركعتين، وشعرت إنه.. والوضع اللي حاصل.. وأيضًا نقطة مهمة جدًا لنا بالنسبة إحنا أهل مكة بشكل خاص ، والجميع أعتقد كمسلمين: إنه أعطينا البيعة والولاء لوليّ الأمر، فهو زي ما كان ولاة الأمر متردِّدين أنا كنت متردِّد إيش أسوِّي، ففعلًا تذكرت إنه عندي قوة مهمة جدًا اللي هيَّ المعلومات، ففعلًا تحركت إلى جدة ؛ لأنه جوّ المدينة كان جوّ عجيب، يعني تحسّ بالحزن، تحسّ بنوع من الرهبة المخيفة في المكان، يعني بحالة غريبة جدًا لم أشعر بها في حياتي: مزيج من الخوف والرهبة والقلق والانزعاج الداخلي، كأنه شي مستمر ، والمفروض إنه يستمر زي الطواف وغيره وفجأة توقَّف؛ لأنه الطواف أمر كان يحدث من بداية تاريخ مكة ، وتاريخ الكعبة دائمًا هناك الحركة حول الطواف ، وفجأة توقَّفت هذه الحركة، فكأنما الأرض.. شعرت كأنما الأرض توقفت عن الدوران؛ لأن هناك علاقة – لا شك – بين الأشياء وبعضها، فقررت إنه لابد أساعد، كيف؟ لسَّه ما كنت عارف، فجيت المركز وجدة، ونظرت إيش عندي من أشياء، طبعًا تردَّدت كثير لكن اتصلت بواحد من أصحاب السموّ ، كان لي اتصال به وكان له تشجيع للمركز في بدايته: الأمير أحمد بن عبدالعزيز ، وقلت له إنه عندي – زي ما إنت عارف – المركز وعندنا صور وعندنا خرائط وعندنا صور جوية. فقال لي: عجِّل بيها، أي شي عندك جيبه بسرعة. وادَّاني اسم شخص محدَّد أوصل، فطبعًا عملت.. أخذت الخرائط ولفِّيتها والصور الجوية وشكلت عبارة عن أنبوبة من الخرائط ملفوفة، فشلتها وطلعت بها على مكة ، فبعدين ابتديت أنتبه إنه نفس الخرائط والأشياء اللي معايا عبارة عن أنبوبة مستطيلة ، وشكلها غريب ما هو شكل عادي ، كأنما هي ما يُسمَّى (هاون) أو...، فالمهم كنت عند المحطات كانوا برضه يوقِّفوني: إيش شايل معاك؟ أقول لهم: خرائط – خرائط فين رايحة؟ كذا... أدِّيهم القصة، إلى أن تدرُّجًا وصلت إلى المسجد الحرام ، وسألت عن الشخص اللي هوَّ المفروض يكون أحد القادة في العسكرية، فما أذكر اسمه الآن، لكن تكلمت مع واحد من الآخرين القادة ، فقالوا: لأ.. تعطيها للشخص هذا نفسه.

حتى كانوا متخوِّفين من الشي ، اللي شايله ما عارفين إيه هوَّه رغم إنه اسمي معروف ، والشخص اللي كلَّمني معروف لديهم، لكن أعتقد الحالة كانت كل واحد ما يعرف كيف يتصرف، فأصرُّوا لازم أسلِّمها للشخص نفسه، فقلت: فينه الشخص اللي أدِّي له؟ قالوا: هوَّ عند المسجد، عند باب الملك. طبعًا عند باب الملك فيه المنارتين، وكانوا برضه المنارة الأخرى.. همَّ كانوا من القنَّاصة من المنائر ، كانا بيطلقوا حول أي أحد يتحرك، فطبعًا تردَّدت وأخبرت واحد من الإخوة: خلِّيها عندك ووصِّلها. قال لي: أبدًا، مسؤولية و.... . – طب أنتظر؟ – لا تنتظر. – أعمل إيه؟ قال: روح إدِّي له هيَّ.

– طب كيف أروح أدِّي له؟ قال لي: ما أعرف، إنت مسؤول وتوكل على الله. يعني ما كان يبغى...، فيعني برضه توكلت على الله ومتوقِّع في أي لحظة طلقة تجيني من اتجاه أو آخر، لكن أعتقد يمكن شعوري باللي حاصل وشعوري بإنه هذا مكان مقدَّس ومكان مكرَّم وحرم، وناس معتدين، وهذا واجب وطني، وواحد من ولاة أمري طلب مني أداء واجب، فتوكلت على الله ، وسمِّيت بالرحمن وتشاهدت وابتديت أدخل.

طبعًا حاولت إني أتصرف بحيث إني أجري بطريقة (زيك زاك) ما كان أظن تنفع ، لكن تخيَّلت إنها قد تساعد، وفي يدي الخرطوشة شايلها وبجري بيها، وسوِّيت اللُّطمة حول وجهي، يعني شكلي كان كأنه أحد هاجم أو أحد..، لكن – سبحان الله – وصلت إلى المسجد، وعند الوصول إلى المسجد لقيت الشخص عند الباب، فتكلمت معاه ، قلت له: تفضَّل الأمانة وصِّلها. قال لي: إيوه عارفك بس أنا.. المفروض إنت لازم تسلِّمها بنفسك. – يا أخي أنا جبتها والآن.... .

قال لي: ما فيه غير لازم توصِّلها بنفسك. – طب كيف؟ قال لي: ده حين إنت زي ما جيت ارجع. فطبعًا قد مرِّيت وما صدَّقت على الله وصلت، طبعًا اضطرِّيت أرجع مرة ثانية بنفس الحركة وربنا ستر، بعدين هوَّ لحقني وأخذني إلى الفندق اللي كان فيه الأمراء، وحتى كان في الأرض عاملين خيط شفَّاف ، ما يبان فنبَّهني قال لي: انتبه للخيط. لأنه معمول بطريقة إذا أحد هجم وما هو منتبه يمكن يتكعبل ويطيح، نوع من الوسائل الدفاعية الخفيفة والبسيطة، لكن عمومًا وصلت للمكتب ، وعارف إنه الأمراء كانوا موجودين في الداخل.. أعتقد سمو الأمير سلطان ، وأعتقد يمكن الأمير نايف ، والأمير أحمد ، والأمير تركي الفيصل ، وأمير مكة .. وعدد من الأمراء كانوا في الداخل.

طبعًا ما حبِّيت إني أدخل ، لكن أعطيت المعلومات وأخبرت مدير المكتب (كان موجود ويعرفني)، وقلت له: هذي فيها خرائط. فكان كأنهم منتظرينها ، يعني فيه انتظار لها، فوصَّلتها وسلَّمتها ليه هوَّ. من ضمن الأشياء أتذكر نقاش دار بيني وبينه عن إيش اللي حاصل، فقال إنه مدسوسين في.. أو بيلجؤوا إلى تحت الأرض ، اللي هيَّ الـ(Basement) أو القبو.. القبوات أسفل المسجد، ومحتارين كيف لأنه ما قادرين نوصل لهم، والمسجد مقفّلين الأبواب. فكان في بالي فكرة قلت له: ممكن نستخدم البلدوزر (أو التراكتر) ويطيِّح الأبواب، ويكون حول (التراكتر) جنزير اللي يستخدم لهذا.. كحماية للسائق، ويدخلوا جوَّا. وبعدين فيه الكسَّارات اللي تضرب ، تخرِّم الجبال فقلت له: لو نستخدمها بحيث يصير ثقب من أعلى للأسفل، ويمكن يُرمى فيها دخان أو منوِّم أو أي شيء من الغازات. فاستحسن الفكرة، وبعد كذا أنا قلت: أي خدمة؟ قال: لا شكرًا. مشيت، قد تكون أحد غير فكَّر في هذه الفكرة، وأنا عرفت بعدين أنها نُفِّذت، لكن هذي من ضمن الأشياء اللي أتذكر هذا النقاش اللي دار فيه، والحمد لله طبعًا شعرت إني أدِّيت شي من الواجب، لو طُلب مني إني أدخل وأسوِّي شي كان يمكن دخلت، لكن أعتقد فيه هناك مختصين من الجنود والعسكر وأدُّوا دورهم وواجبهم، هناك مَن مات وهناك مَن ُقتل، وكانت مصيبة يمكن ما فيه ذكر في التاريخ لها ، إلا مرة أو مرتين اعتداءات، لكن أعتقد في التاريخ الحديث يمكن أكبر اعتداء صار على مكان مقدَّس.. المسجد الحرام نفسه.

حرص الملك خالد على قدسية المكان وسلامة عُمَّاره استماع إلى الفقرة

* المسجد الحرام طبعًا في البناء الجديد له بوابات، والبوابات كبيرة جدًا ومسوَّاية ثقيلة جدًا ، ولـمَّا تُغلق يصعب الدخول أو الخروج، المسجد طبعًا المنائر المرتفعة المحيطة به، وتوجد منطقة الصفا والمروة ، وكله عبارة عن خرسانة ثقيلة جدًا.. يعني حديد وأسمنت، فاستغلوا همَّ فرصة وجود الأبواب وقفل الأبواب، استغلوا فرصة المنائر وارتفاعاتها، وتحصَّنوا في هذي الأماكن.

برضه البيوت في هذيك الفترة كانت قريبة من مبنى المسجد، فده يمكن ساعد في عملية حماية المدينة ، أكثر من إنه ما كان منطقة منفتحة.. في رأيي. والمسجد الحرام لـمَّا يُقفَل ، أو إذا شفناه من الأعلى من الصورة الجوية ، ممكن يكون حصن حصين ممكن بكل سهولة الواحد يتحصَّن فيه، وهمَّ أيضًا فهمته إنه كانوا بيعبِّئوا لفترة طويلة، فلمَّا أغلقوا الأبواب فعلًا أصبح حصن، وكان الخوف الكبير من جهة الدولة على قدسية المكان ، وعلى إنه أحد من الحجاج أو أحد من الزوار يموت، وأعتقد أنا فهمت إنه الملك خالد – الله يرحمه – شخصيًا كان مباشرةً على التلفون طول الوقت بيسأل ويتطمَّن، وخوفه قلقه إنه واحد يتأثَّر خصوصًا من الحجاج ، أو أحد يصيبه شي أو يموت أو كذا، فكان هذا هو القلق الشديد اللي حاصل، وكلنا شعرنا بهذا الشي.

دور أهل مكة استماع إلى الفقرة

* أهل مكة طبعًا كان دور لهم من منطلق الواجب، أهل مكة كانوا ساعدوا في كثير من الأشياء، فهمت إنه فتحوا بيوتهم.. مو فهمت يعني شفتها بعيني، فتحوا بيوتهم كانوا يستضيفوا العسكر، كان كل بيت يطبخ يعبِّي أكل يدِّيه للجنود، كانوا العسكر يدخلوا في البيوت يناموا، كانوا يروحوا إذا أحد طاح ما بين المسجد أو صُوِّب كانوا يسرعوا يشيلوه ويرجعوا، فكان فيه حركة من أهل مكة أعتقد ما.... قد أحد من الخارج يعتبرها حاجة شجاعة ، لكن بالنسبة لنا هو جزء من طريقة حياتنا وطريقة تفكيرنا، وإنه هذي بلدنا وهذول ولاة أمرنا، وإحنا لهم بيعة في رقابنا، فكل من في مكة كان متحرك بدَه الاتجاه وكان متفاعل، وأعتقد إنه المسؤولين نفسهم شعروا بهذا الشيء، وكان تفاعُل فعلًا عجيب معاكس للفئة الأخرى، يعني الفئة الأخرى كانت اعتداء وهجوم وكذا؛ أهل مكة كان استيعاب ، ومساعدة ومعاونة وعطاء وتضحية، وبدون تفكير، بدون ما يفكر الواحد يسوِّي أو لأ؛ لأنه هذي طبيعتنا وهذا ولاؤنا.

الأجواء الكئيبة، والاقتحام استماع إلى الفقرة

* طبعًا أنا أقمت أكثر من يوم في المكان اللي جلست فيه، وكنت في الليل ، وفي النهار وكل وقت أحاول نتوجه إلى الله بالصلاة والاستلطاف، والوضع غريب ؛ لأنه – مثلًا – تسمع أحيانًا طلقات نارية.. كذا ضربات، بعد كذا تسمع صوت القذائف، في الأخير الدولة قررت – أعتقد – إنها: ما نصبر خوفًا على الناس اللي في داخل المسجد الحرام، فابتدوا يحاولوا الضرب على اتجاه المنائر ، بحيث إنه كان المنائر هي أعلى شي، فكانوا يستغلُّوا ارتفاع المنارة ، ويصوِّبوا منها أي أحد متحرك، فكانت تركيز الضرب – أتذكر – على المنائر، إلى أن جاءت الفكرة حقَّة اقتحام المسجد، وأعتقد جاءت فتوى بذلك.. باقتحام المسجد الحرام، وأعتقد اللي أفتى – يمكن – ممن افتوا بيها كان السيد محمد علوي المالكي ؛ لأنه الآخرين كانوا متردِّدين جدًا، ولكن السيد محمد – من مكة ، هو عالم مكي –أفتى بإنه جواز الاقتحام وجواز مقاومتهم والقبض عليهم، وهذا كان شعور أهل مكة ، ككل من غير أي تردُّد.

فالجو – زي ما قلت – كئيب جدًا، وكان نسمع أصوات طلق النار ، ثم أصوات القذائف، وأحيانًا نسمع أصوات الميكروفون من الداخل وكأنه أحد بيحاول يتكلم أو يخطب، وطبعًا الحجاج مع مرور الوقت غالبيًا تسلَّلوا من خلال الفتحات الموجودة ، وقدروا يخرجوا، لكن بقي بعض.. عدد محدود في الداخل، وابتدأ طبعًا بعد مرور الأسبوع الأول ، ابتدأ عملية الشَّدّ في الاقتحام، وبعد كذا فعلًا اقتُحم المكان، آخر ملجأ لهم كان القبوات الموجودة، وأيضًا بطريقة التخريم ، ووضع الغازات كانوا بيقدروا يدخلوا عليهم، وفعلًا قُبض على الجميع، وبعد ذلك حُقِّق معهم وأُعدموا.

استخدام المعتدين للأقبية استماع إلى الفقرة

• المسجد الحرام فيه الكعبة ، وما يحيط بها (مكان الطواف)، ثم الدور الموازي ليها، وبعد كذا الدور الأعلى والسطح. لكن فيه أيضًا (تحت) منطقة ، تحت الدور المساوي للكعبة كانت تُسَمَّى بـ(الخلاوي) أو ممكن نقول عليها (أقبية) من الداخل، وكانوا الناس يقضوا فيها أوقات تعبُّد في رمضان أو غير رمضان. فاستغلُّوا هذي الأماكن دخلوا لها من أسفل (لها بوابات) ودخلوها، وفعلًا جوَّاتها حصن حصين ما أحد يقدر يوصل لها، فوجودها تحت أيضًا كان له وسيلة – زي ما تقول يمكن – خط دفاع أخير وصلوا إليه، لكن – زي ما قلت – فكرة التخريم ووضع الغازات عليهم هذي ، ساعدت إنها.. يعني ما هو غازات سامَّة ، لكن غازات تخلِّيهم غصبًا عنهم يخرجوا, وكان أيضًا خروجهم بأقل مقاومة وأقل ضرر للجنود الآخرين وكذا؛ لأنه كانوا ما قدروا يقاوموا الوضع. فدي كانت ناحية القبو.

دراسات على ماء زمزم بعد انتهاء الأحداث استماع إلى الفقرة

* طبعًا بعد القضاء على ما سمِّي ذلك الوقت (الزمرة الفاسدة) ، أعتقد أنا أسمِّيها (الفكر الفاسد)؛ دخلت المسجد طُلب إني أروح عشان برضه موضوع زمزم، كانت مركز أبحاث الحج طُلب منا إننا ندخل ، وندرس الوضع في المياه خوفًا حدوث.. يكون فيه تلوُّث أو أي إشكالات، فلمَّا دخلت طبعًا ، منظر ما أنساه أبدًا في حياتي: وجود طلقات رصاص.. آثار الضرب موجودة في أماكن كثيرة، بعض آثار الدماء موجودة. وكان أول شيء في بالي هوَّ إني ألاقي فرصة أطوف، فالحمد لله طفنا.. طفت حول البيت وكان ما فيه ، إلا عدد محدود ؛ لأنه ما فُتح بالكامل، فبعد كده توجهت إلى زمزم، وكنت أول شي أبغي أشرب بصرف النظر عمَّا هو فيه ؛ لأنه أهل مكة إحنا متعوّدين نشرب زمزم، فكنت مشتاق إلى زمزم وطعم زمزم، ففعلًا شربنا وأخذنا عيِّنات ، وبحثنا وجدنا إنه فيه تلوُّث حصل من الاعتداء، فقررنا إنه تكون هناك دراسة، وفعلًا كوَّنَّا فريق لا يقل عن أربعة عشر شخص من كل التخصُّصات، واستخدمنا (الستالايت فوتوغرافي) ، واستخدمنا أخذ عيِّنات ، وعملت دراسات كيماوية ودراسات بيولوجية ودراسات كهربائية ، ودراسات هيدرولوجية، وأنا كنت – طبعًا – فرصة أعتبرها بالنسبة ليَّ مكافأة في حياتي ، إني قدرت.. أُتيحت لي الفرصة إني أنزل في البئر، ودرست ، وصوَّرت وأخذنا مقاييس وأكثر من مرة، و– الحمد لله – وثَّقنا البئر توثيق لم يحصل من قبل، و–الحمد لله – كانت هي مضرَّة لكن قدرنا نستفيد منها في مجال آخر ، اللي هوَّ دراسات وأبحاث زمزم.

الحمد لله ، الموضوع انتهى بسلام، لكن الحل ليس في التخلُّص وقتل الأفراد ؛ لأنهم المهم هو الفكر، إذا الأفراد راحوا الفكر – زي ما شفنا في التاريخ – يتكرر، فلابد الفكر ده لا يُحَلّ إلا بوجود فكر آخر ، فيصير نوع من التخفيف، وده يوزن الآخر، وكل رأي يوزن الرأي الآخر، أعتقد هذا شي مهم جدًا.

الفكر المتحجِّر مقابل التنوُّع استماع إلى الفقرة

* طبعًا لـمَّا تقارن ما بين الفكر المكي ، وطريقة تفكيرنا في مكة ، وإنه المكان ده آمن ومكان سلام وإنه مستحيل أحد يفكر إنه يعتدي في هذا المكان، مقابل الفئة الأخرى اللي أعتقد ما هو أول مرة ظهور فئة زي كذا، ما هم نفس الآباء والأجداد والتسلسُل النِّسَبي لكن نفس طريقة التفكير، الفكر إنه أنا على حق وإذا أحد عارضني قد أصل معاه إلى المقاتلة، وهذي طريقة التفكير اللي هيَّ حصلت مع الملك عبدالعزيز ، عندما بدأ في توحيد البلاد، وكان النوع هذا من الفكر يهدِّم ويكسِّر أي أشياء فيها قباب ، أو فيها مباني حول القبور أو غيرها، وكانوا يهاجموا بطريقة عنف شديدة، فالملك عبدالعزيز كان يبغي يوقِّفهم فرفضوا، فالملك عبدالعزيز حصرهم ، وفي الأخير اضطر إلى القضاء عليهم ؛ لأنه اعتدوا.

تكرر الاعتداء أيام الملك فيصل ، نفس طريقة التفكير، الملك فيصل أمر بفتح المدارس والتلفزيون في – برضه – ذيك الفترة، فصار هجوم على التلفزيون في نفس الفئة ، اللي تفكر بهذي الطريقة، وحاولوا.. صار فيه تراشُق، فقُتل شخص من – أعتقد – من الأسرة، ثم أخوه بعد كذا قتل الملك فيصل .

هذي تسلسُل أحداث، طبعًا أنا أعتقد برضه فيه التسلسُل اللي صار اللي هوَّ المسجد الحرام.. الهجوم على المسجد الحرام ، وما صار فيه من نفس طريقة التفكير. بعد كذا عند الاعتداء على الكويت وما حصل في الكويت ، أيضًا ما حصل من هجوم ومشاكل من نفس طريقة التفكير. بعد كذا حصل.. آخر شي حصل اللي هوَّ الاعتداء في نيويورك في 11 سبتمبر نفس طريقة التفكير، فمن ذيك الأيام ، ودائمًا أقول إنه التوحيد في الإسلام شي مهم جدًا ، لكن يوازنه التنوُّع، لا يمكن يكون توحيد بدون تنوُّع، فالتنوُّع يُعتبر وسيلة الأمان في الإسلام، لابد يكون، وخاصةً في مكة و المدينة ، أعتقد لمصلحة هذا الوطن ولمصلحة العالَم الإسلامي ، والعالَم كله إنه يُعاد التنوُّع الفكري إلى مكة و المدينة ، بطريقة منظَّمة مرتَّبة كأي جامعة أو جامعتين (لأنها هي كانت أول جامعتين) ، تحت إشراف ورعاية وتوجيه الحكم السعودي، وما فيه أي إشكالية – في بالنا وفي رأينا – أو تناقُض ما بين هذا التنوُّع ، ووجود حكم بيوحِّد البلد وبيرتِّبها وينظِّمها.

فدي طريقة تفكيري إنه عشان لا يتكرر مثل هذا الشيء – لا سمح الله – في مكة أو في غير مكة ، لابد من فتح صمَّام الأمان وترك التنوُّع ده يُعاد إلى مكة و المدينة ، وأعتقد هذي ما هي شغلة.. مطلب ب مكة و... لأ، أنا بقول هذا مطلب يخص العالَم الإسلامي كله من حيث الحاجة.. الضرورة الملحَّة له.

الملك عبد الله قد يكون بدأ الآن بإدخال هذا التنوُّع في مجلس الإفتاء الأعلى، ولكن أعتقد نحتاج المزيد وبسرعة، الوضع قد يعود إلى تدهوُر ، يصل إلى حالة سيئة مرة أخرى.

اللقاء بالملك خالد استماع إلى الفقرة

* أيام الحج في مِنى؛ عادةً الملك يلتقي بضيوف الدولة الحجاج، فصار ترتيب لي لزيارته مع الدكتور عبد الله ناصيف ، السيد أحمد عبد الوهاب كان هو رئيس الديوان الـمَلَكي، فصار ترتيب – جزاه الله خير – والتقيت بالملك، طبعًا كنت أنا متخوِّف: صار أقابل الملك (أشوفه في سلام ، وأشوف كذا لكن ما قد جلست معاه جلسة وأشرح له)، لكن – سبحان الله – لـمَّا التقيت بيه في الديوان ، وجينا عنده فسلَّمت عليه وكان جالس، فكنت أتخيَّل إنه الملك يكون جالس ، وينظر إلى الأشياء بطريقة معيَّنة.. لأ.. كان متواضع جدًا ، ورخى نفسه وابتدا يتكلم معانا ، وجلست جنبه على رُكَبي على الأرض ، وفيه زي الطاولة الصغيرة.. فجلست أشرح له.. حطيت الـ.. هذي، فكان كل ما له يميل إلى أن وصل صار معانا يمسك الصفحة ويقلِّب الأوراق، فشعرت فعلًا إني ما هو مواطن أو إنسان بيحاول يتكلم مع ملك.. كأني ابن بيتكلم مع أبوه، حتى تعبيراته.. طريقة كلامه كان يتكلم كأب.. فرحان باللي أورِّي له هوَّ، حتى كان الملك فهد (الأمير فهد ذيك الأيام) داخل – رحمة الله عليه – فزهم عليه ، قال: تعال فهد .. فهد .. فهد تعال.. شوف ناصيف و العنقاوي شيسوُّون. بطريقة بسيطة جدًا فطرية جدًا، فالملك فهد (الأمير فهد ) جاء وصار واقف، وصرنا نشرح، فكانت فرصة عجيبة، بعدها شعرت بنوع من العلاقة، يعني كانت نُص ساعة ، يمكن أو شي زي كده، لكن فعلًا في الفترة البسيطة دي شعرت بقرب من الرجل: كيف طريقة كلامه، تعامُله، بساطته، أسئلته اللي هي بسيطة لكن ذكية جدًا، يعني بقول بالإنكليزي (Right to the point) بعمق.

فبعدها صار عرض آخر: زار الجامعة (جامعة الملك عبدالعزيز ) فعملنا معرض، وبرضه جاء ترتيب وزار المعرض اللي عملناه عن المركز وأعمال المركز، ففترته ما أنسى: فترة خير كانت على الجميع، وبالنسبة لي.. خاصة بالنسبة لي كانت فترة تحوُّل رئيسي في حياتي؛ لأنه مركز أبحاث الحج كان مجرد مركز في الجامعة ، وكنا طلبنا من مجلس الوزراء ورفعنا للمقام السامي، في أيامه جاءت الموافقة على وجود مركز لأبحاث الحج مستقل، وحُدِّدت ليه أهداف، وأهم الأهداف كانت ، هو المحافظة على البيئة الطبيعية ، والبيئة الإسلامية لمكة المكرمة و المدينة المنورة، وابتدأ تجينا ميزانية وابتدينا نتحرك، فكانت أيامه بالنسبة ليَّ أيام خير وبركة يعني مباشرةً.. بشكل مباشر. فحسِّيت حتى لـمَّا جاء الجامعة ، ولـمَّا زار مرة ثانية تأكَّدتْ ليَّ بساطة الرجل، حميميَّته، إنسانيته الفطرية رغم إنه ملك لكن.. له حتى هيبة الملك ، لكن دائمًا يغيِّرها بطريقته البسيطة وتبسُّطه. فهذا اللي أتذكره عن الملك خالد ما إلُه علاقة بالمركز.

وطبعًا لي ذكرى أخرى طبعًا حزينة كانت، عند يوم وفاته رحمة الله عليه، أنا كنت في المركز، كان عندنا اجتماع الساعة 10 أو 11، فسمعت الخبر، فما أدري كيف.. نسيت نفسي.. على طول رُحت على المطار، حتى كلَّمت بالتلفون أرسلوا لي الملابس عشان أغيِّر، همَّ اللي عرفوا.. أرسلوا لي شنطة صغيرة فيها حوائجي، ورُحت مع الدكتور عبد الله ناصيف للرياض ، ووجدت نفسي كأني واحد من أبنائه ، أو شباب العائلة اللي موجودين وكبارهم، كنت موجود وبعدين جاء وقت الجنازة ، ووصولها فمع كثر حماسي نسيت نفسي: شايل الجنازة معاهم وداخلين المقبرة، فشعوري الأبوي كنت ارتباط عجيب بيه كان، وفعلًا كان اللي حصل ذاك اليوم برضه شي عجيب، يعني كانت ما فيه شي اسمه (Security) أو حراسة، الأمراء في كل مكان ، واقفين والشعب موجود وناس كثير أجانب موجودين، يعني كل واحد واقف تلاقي جنبه شخص آخر عادي، فكان وجوده حتى في وفاته – رحمة الله عليه – تحسّ بنوع من الطمأنينة.. يعني حزن موجود لكن ما هو الشي اللي بيربش أو الشي اللي بيعمل عدم ارتياح.

عهد الملك خالد ومواجهة التغيُّرات استماع إلى الفقرة

* أيام الملك خالد – رحمة الله عليه – أنا أتذكرها ؛ لأنه كنت دوبي جاي من أمريكا و دوبي بادئ مركز أبحاث الحج كتأسيس، ومباشرةً بعد وفاة الملك فيصل – رحمة الله عليه – كنت بأسعى إلى تأسيس المركز والتحرك باتجاه تأسيس المركز، كنت شعرت ذيك الأيام كأنه الوقت كان زي كأنه طائرة ستُقلِع، خاصةً بالنسبة لِمَا يُسَمَّى بـ(الطفرة) من الناحية المالية، فكان قرار في بالي: هل أبتدي أطلع في الاتجاه المالي، كمعماري كان ممكن أخش في مجال التطوير والتنمية – وبكل بساطة – عمل بالاتجاه المالي أو الاتجاه الاقتصادي، أو إنه أركز على الحج، فكمكَّاوي وابن مطوِّف ، فكان قراري بدون تفكير أو تردُّد، حتى الوالد كان – الله يرحمه – يحاول إنه يوجِّهني إلى اتجاه الخاص، فركَّزت – والحمد لله – اجتهدت وعملت مركز أبحاث الحج، فكان الجميع كأنه مشغول بجمع الأموال والزيادة في الثراء، والحمد لله إنه أنا كنت مشغول بأبحاث ودراسات وجمع معلومات.

الوضع كان نوع من (خاصةً المرة الأولى تحصل طفرة بهذي القوة) كانت نوع من الـ.. زي ما تقول فورة ثراء، فكان الواحد ممكن يسوِّي كده ويجيب فلوس.. يغمِّض عينه ، ويشتغل في أي مجال، خاصةً مجال الأراضي: ابتدت أسعار الأراضي ترتفع، وأنا كان عندي أكثر معلومات ممكنة عن الأراضي، فبرضه لكن ركزت على موضوع الحج والأبحاث، وابتدا التطور بحيث إنه السرعة كانت بسرعة خروج البترول من الأرض.. السرعة ما هي اختيارية؛ يعني السرعة مفروضة علينا على مستوى العالَم، بأنه العالَم بيسرع ، وبيتحرك يبغي البترول، فكانت سرعتنا غصبًا عنا، تحركنا في اتجاه سريع جدًا، كان ممكن يكون الوضع أبطأ بحيث يتطور تدريجيًا، لكن في هذي السرعة خسرنا أشياء كثيرة جدًا ، سواءً اجتماعيًا أو حضاريًا أو بيئيًا أو...، الضريبة كانت عالية كثير في تقديري، صحيح صارت تطورات كبيرة ، والدولة – مشكورة – قامت بجهود كبيرة جدًا؛ إنما عامل السرعة ، والتحرك بسرعة وما فيه وقت للمراجعة ما فيه وقت للدراسات بالطريقة اللي المفروض تكون، رغم إني كنت مشغول بأبحاث الحج وبحاول أسوِّي شي لكن سرعة التطور كانت سريعة جدًا، فدي سوَّت تأثير ، أعتقد كان أساسي على المجتمع مستمرّ إلى الآن ، وما كان فيه خط رجعة.

التعامُل مع المتغيِّرات دون فقدان الثوابت استماع إلى الفقرة

* أيام الملك خالد – رحمة الله عليه – كانت – زي ما قلت – بدأت الطفرة والتحرك في الثروة السريعة اللي بتحصل، كان في الجانب الآخر (وده كان يمكن تركيزي أنا): كيف نقدر نتعامل مع المتغيِّرات بدون فقدان الثوابت؟ طبعًا كنا بنحاول نستخدم البحث العلمي والدراسات، لكن الوضع كان بيتحرك بسرعة رهيبة، وخاصةً في بعض المدن زي جدة أو مكة و الرياض ، فكانت المتغيِّرات كبيرة جدًا، وكأنه كان نوع من – في تخيُّلي – السيل الجارف (Flood) داخل، وحتى يمكن – كما فهمت – من أيام الملك فيصل كان الملك خالد كمن بيحاول يردّ شي حاصل ، لكن قوة الشي اللي حاصل أقوى من أي مقاومة.

فالفترة كانت فترة صعبة جدًا، السرعة كانت سرعة رهيبة؛ يعني مفروضة حتى بطبيعة الحال، سرعة خروج البترول من الأرض كنا لازم نتحرك، فالمتغيِّرات ابتدت تتزايد، وابتدأ نوع من الانقسام: هناك مَن يبغي مزيد من المتغيِّرات وبسرعة عالية، وهناك مَن كان بيتكلم عن المحافظة والتمسُّك، أنا كنت بحاول أتعامل مع الموضوع ، عن طريق البحث العلمي والدراسات.

نهج الاعتدال عند الملك خالد استماع إلى الفقرة

* في نفس الوقت ، كان فيه ناس كأنه فيه حفلة كبيرة ، والناس مستمتعين بيها، لكن كان في نفس الوقت اللي بيشاهد ، بيحاول يدرس ويحلِّل.. في موقعي.. كنت شايف عملية الانقسام اللي حاصل: هناك مَن ابتدأ يتجه إلى التمسُّك والتشدُّد الزائد، وهناك من ابتدأ ينادي في الاتجاه الآخر ، ما سُمَّى فيما بعد بـ(الحداثة) والانطلاق ، وفرصة الانفلات حتى، طبعًا هنا يجي دور الدولة والملك خالد – رحمة الله عليه – بطبيعته وطريقته والتزامه المعروف عنه بالاعتدال، حبه للطبيعة، حبه للفطرة، تمسكه بالحياة البسيطة جدًا؛ أعتقد كان بيحاول.. زي واحد بيحاول يردّ سيل جارف ، ولكن أقوى من أي محاولة.

فالأمور تغيَّرت فعلًا ، وصارت تأثيرات على المجتمع، وما تلاها من فترات – أعتقد – أيام الملك فهد وبعدها ، أثَّرت تأثير كبير على المتغيِّرات الاجتماعية، الثقافية، الحضارية، العائلية، وأعتقد إذا الآن فعلًا فيه فرصة ، فهي اللحظات الأخيرة، الآن إذا نستطيع أن نراجع ونحاول – عن طريق الشغل العلمي والدراسات – إنه نحاول نعمل التوصيلة ، عشان لا يصير هناك انفصال بين الماضي والمستقبل. وهذا اللي يمكن مقلقني وشاغل وقتي.. معظم الوقت، خاصةً بالنسبة لمكة و المدينة .

أعتقد أيام الملك خالد كانت أيام خير وبركة، لكن في نفس الوقت كانت هناك متغيِّرات ، تأثيراتها حصلت واستمرت إلى الآن. البعض مَن يعتبرها إيجابية ، والبعض قد يعتبرها سلبية، لكن أنا أعتقد إنه يجب ألا تمرّ بهذي الطريقة أو مجرد مع أو ضد، إنما يجب أن يكون التركيز على كيف عملية النسج ما بين ماضينا ومستقبلنا؟ ويبغى له جهد كبير جدًا في هذي اللحظات الأخيرة الآن، وأرجو الله أن تتم وتتجه في ذا الاتجاه.

ذكرى وفاته الحزينة استماع إلى الفقرةاستماع إلى الفقرة

* أعتقد الملك خالد – رحمة الله عليه – رغم إنه الفترات التي التقيت بيه ، كانت قصيرة نسبيًا لكن مما سمعته عنه ، وعرفت عنه وفي لقائي بيه ، بدت بيني وبينه علاقة حميمة جدًا، فيوم وفاته أنا – زي ما قلت – انطلقت إلى الرياض ، وكنت موجود مع الناس اللي بيحاولوا يرتِّبوا الأمور، طبعًا في الخارج ما كنت جوَّا، لكن لحظة تحرُّك الجنازة ، ووصولها إلى منطقة المقابر بعد الصلاة وجدت نفسي من غير شعور ، كنت أنا شايل الجنازة مع الآخرين، وطبعًا هذي جلست في نفسي إلى الآن الذكرى: إنه كيف شلت جنازته، وعملية – رحمة الله عليه – دفنه، وما كان يحصل ، كيف كان الجميع موجودين: شعب وأمراء ، وحكومة ووزراء والناس العاديين.. كله موجود، فكأنه بساطته وحبه للفطرة والبساطة ، والناس انعكس فعلًا على يوم جنازته رحمة الله عليه.

أنا كنت واقف شويَّة عن بُعد بعدما وصلنا عند القبر، فكنت شايف المنظر من بُعد ، وكيف الناس متجمِّعين ؟ وكيف الناس في حالة معيَّنة انتشروا وغابوا، ففعلًا – سبحان الله – ملك وكيف وُري في التراب، والقبر بسيط جدًا ، لا يوجد عليه أي أشياء تبهر، إنما إنسان.. عودة إلى الله – عز وجل – في أرضه وفي مكانه وببساطة، فدي برضه لها تأثير كثير: كيف إنه ملك يُوارى التراب ، وعادةً في التاريخ وفي الأماكن الأخرى ،تُنشأ لهم المنشآت، وأعتقد هذي – يمكن – إحدى ميزات النعمة في الإسلام والبساطة اللي هيَّ موجودة، وانعكست في حياته ، وانعكست في وفاته رحمة الله عليه.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصُّ الفصيح
للمقابلة مع الضيف
د. سامي محسن عنقاوي
(رئيس مركز أبحاث الحج خلال عهد الملك خالد)

يومٌ لا يُنسى

* اليوم الذي حصلت فيه حادثة الحرم ، هو يومٌ لا يُنسى –بالطبع- في حياة كثير من الناس في مكة ، وخارج مكة ، وفي حياة كل المسلمين. في ذلك الوقت كنت بعد صلاة الصبح أحفظ القرآن، وفي ذلك اليوم كنتُ أُراجع حفظي، وسبحان الله وصلنا في المراجعة ، في ذلك اليوم إلى آيةٍ عن المسجد الحرام ، هي: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، وكان المفتَرَض بعد المراجعة ، أنني أذهب إلى مكة ، وأؤدي عمرة ، لكن كان لديَّ موعد مع رئيس إدارة المياه، فاتجهتُ إلى الموعد في الساعة الثامنة أو التاسعة صباحًا –تقريبًا- ودخلتُ عليه (وكانت بيني وبينه معرفة بسيطة) ، فعندما دخلتُ نظر فيَّ وقال: ظهر المهدي . كنتُ أحسب أنه يمازحني بسبب مظهري ، فقد كنتُ أحمل عصاي وألبس (مشلحي).. فلهذا ظننتُ أنه يمزح، فقال لي: أنا أتكلم جادًا، المهدي ظهر. قلتُ له: هل أنت جادٌّ فعلًا فيما تقول ؟! فرفع صوت الجهاز الذي عنده ، وكان فعلًا رجال الشرطة يتحدثون، فجلستُ أستمع قليلًا، ثم أُلغي الموعد ، ورجعتُ إلى البيت، وبوصفي ابن مكة ، فلم أستطع أن أصبر، وكذلك من منطلق المسؤولية فقد كنتُ في حينها مديرًا لمركز أبحاث الحج، فاستقلَّيتُ سيارة واتجهتُ إلى مكة ، وكان لديَّ بعض الأصدقاء الذين يسكنون بالقرب من المسجد ، فنزلتُ في بيت أحدهم ، وكان شقة عالية مطلَّة على المسجد وعلى الساحة المحيطة، وابتدأتُ أرى ما الذي يحدث، لقد كان أمرًا عجيبًا.. وبخاصةٍ اليوم التالي وما تلته من أيام، فلم يكن بإمكان أحد أن يقترب من المسجد أو يدخله، فقد ضُرب عليه نوع من الحصار الذي هو حصارٌ من الداخل للخارج؛ أي نوع من الاستيلاء بالقوة فقد كانت خطة مدبَّرة، وكنتُ محتارًا: ما الذي يحدث؟! وما الذي يمكن أن أفعله؟

ابتدأتُ أتكلم مع الناس الذين خرجوا من المسجد، وكنتُ أعرف بعضهم معرفة قوية ، وهم ثقاتٌ عندي وأعرفهم بأنهم ملتزمون ومتديِّنون، فوصفوا لي أن الوضع وضع عدواني أكثر من كونه وضعًا دينيًا أو قضية دينية، فلدى المعتدين طلبات معيَّنة أعلنوها، وقد استغلُّوا أوصاف المهدي ، وحاولوا أن يدخلوا من هذا المدخل. كان واضحًا من هذا الكلام أن المسألة عدوانية، وحسب وصفهم للأحداث ، كان واضحًا لي أنها تتعلق بحركة تعصُّبية لفئة معيَّنة ، تكرَّرَ أمثالها في التاريخ قبل ذلك، تنبَّهتُ لذلك وقررت حينئذٍ أن أفعل شيئًا ، وأن أتصرف في جانبٍ ما.

استغلال موضوع المهدي والبيعة له

* بعض الناس الذين أعرفهم ، وتكلمتُ معهم كانوا في المسجد، وقد حدثوني عما حصل؛ أنه بعد صلاة الفجر بقليل كان بعض الناس يطوفون بالكعبة ، وبعضهم ينتظرون وقت الإشراق لأداء سُنَّة صلاة الضحى، وفجأة ظهر صوتٌ في مكبِّر الصوت لشخصٍ ، بدأ يقول: أيها المسلمون، الآن آن الأوان وظهر المهدي . وأشار إلى شخصٍ واقفٍ يرتدي عمامة ، ويلبس لباسًا أبيض وهو ذو لحيةٍ وأبيض البشرة ، (وأظن أنهم انتقوا شخصًا حسب المواصفات التي وردت في كتب الحديث) ، وبدأ يتحدث عن أن هذا الشخص هو المهدي ، ويجب أن تجري الآن بيعة له وأن يُتَّبَع، وهذا نوع من المكر في استغلال تواجد شخصية دينية منتَظَرة ، لأخذ تعاطُف الناس وطلب البيعة منهم، في حين أنه لا يجوز أن توجد بيعتان ، (فقد بويع الملك، ولا يجوز أن يُبايَع أكثر من ملك واحد)، والمشائخ ليست لهم بيعة وإنما البيعة للحاكم، أما المشائخ فلهم منا الاستماع لنصحهم (مع وجود أكثر من رأي طبعًا). نحن أهل مكة لدينا مثل شعبي يقول: (خابزينها وعاجنينها) أي أننا نعرف الوضع تمامًا، وقد مرَّ بنا عشرات ومئات من مثل هذه الممارَسات, فعندما يتكَلم شخصٌ ، ويحاول أن يقنع فإن الوضع يكون شفافًا لنا ، ونميِّز إذا كان يستغل الدِّين ، ويحاول أن يستفيد من معطياته، والمعلومات عن المهدي – حسبما نعرفها من الأحاديث النبوية – ليست هكذا، ف المهدي ليس شخصًا يأتي بالسلاح ، ويُجبِر الناس على بيعته، فهذا الأمر مهمٌّ جدًا، والذين خرجوا من داخل المسجد أوصلوا الوصف والإيضاح لولاة الأمر، فكان لهؤلاء الخارجين دور أساسي في إيضاح حقيقة هؤلاء المعتدين، ومن المؤكد أن لرجال الدولة تحرِّياتهم ، ومعلوماتهم ، ولكن أن يأتي الوصف والمعلومات من رجال معروفين من أهل مكة ، فأعتقد أن هذا كان له دور مهم جدًا، وبخاصةٍ من رجلٍ مثل السيد محمد علوي المالكي -رحمة الله عليه-.

خروج الناس من الحرم في بداية الأحداث

* -بالطبع- إن الناس بعد أن سمعوا الخطبة ، وتأكدوا من حقيقة الوضع الناشئ ، بدأ يصيبهم شيءٌ من الفزع والقلق ، وبدؤوا يحاولون الخروج، وأسهل مكان للخروج كان هو المسعى، فالمسعى فيه انحدار إلى أن تصل إلى مستوى الفتحات ، التي تحيط بالمسعى (ولها صور) ، وهي مصنوعة بالحديد والنحاس بشكلٍ يسمح بمرور الأشخاص بارتياح، فابتدؤوا يتسللون من خلال هذه الفتحات ، ويرفع بعضهم بعضًا ويتسللون.. إلى أن خرجت أعداد كبيرة منهم، خرج في الساعات الأولى عدد منهم ، وفي كل يوم يخرج عدد، فمن لطف الله أنه كانت توجد إمكانية للخروج ، وإلا فإن الخسارة في الأرواح كان يمكن أن تكون أكبر مما حدث.

حُرمة المكان

* عندما نتحدث عن مكة المكرَّمة ، فإننا لا نتكلم عن مجرَّد مدينة، بل هي تُسَمَّى (أم القرى) ، وهي أصلًا (حرم) كالمناطق المحميَّة التي يمنع فيها الصيدُ مثلًا، فالحرم يعني وجود منطقة محميَّة.. فإذا التقى إنسان بقاتل أبيه ، أو بشخصٍ بينه وبينه دم ، فإنه لا يعتدي عليه في داخل حدود الحرم، ومن ضمن التشديد في الحُرمة ، أنه حتى شجيرات الشوك لا يجوز أن تُقتلع، فالحرم محرَّم على أي قتل أو اعتداء، والحرم يشمل مكة كلها ، فما أدراك بالمسجد الحرام نفسه الذي يحيط بالكعبة مباشرةً؟! لا شك في أن الحرمة تتعاظم ، وتكون أشد وأكبر. فكان ذلك اعتداءً واضحًا جدًا على حرمة المكان ، لتحقيق أغراضٍ ظاهرها ديني، ولكن هذه الفئة من الناس تعوَّدت على التعامل مع الدِّين بتسلُّط ، وعندما بدأوا يشعرون بأن هذه السلطة بدأت تُسحَب منهم ، أو تخفُّ تحركوا بقوةٍ لا تتناسب مع حرمة المسجد الحرام ، أو الحرم عمومًا.

المسؤولية الوطنية والدينية

* تردَّدت الدولة كثيرًا في الهجوم ، على الرغم من أن لديها القوة الضاربة ، التي تسمح لها بالتحرك فكل شيء متوافر لديها، لكن كان هناك تردُّد في الهجوم المعاكس ؛ احترامًا لحرمة المسجد، إلى أن استُشير رجال العلم الشرعي. فلقد كان الوضع محيِّرًا بالفعل، وقد كنتُ في الحيرة نفسها، فالمكان الذي يتحصَّن فيه هؤلاء هو المسجد الحرام، والهجوم قد يؤدي إلى تخريبٍ قد يصل إلى الكعبة نفسها، وتذكرتُ الآية التي وقفتُ عندها في سورة البقرة: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (وسبحان الله ، كنتُ في ذلك اليوم نفسه أحفظها)، فصرتُ أردِّدها وتعمَّقتُ في معناها ، وتأكدتُ من أن القضية عدوانية قتالية، فصلَّيتُ ركعتين سنة الاستخارة ، للعمل الذي نويتُ القيام به، وثمة نقطة مهمة جدًا -بالنسبة إلينا نحن أهل مكة بشكل خاص ، وبالنسبة للمسلمين بشكل عام-: أننا أعطينا البيعة والولاء لوليِّ الأمر. وكما كان ولاة الأمر متردِّدين كنتُ مترددًا وأتساءل: ماذا يمكن أن أفعل؟ فتذكرتُ أن لديَّ قوة مهمة جدًا هي المعلومات، وفعلًا انطلقت إلى جدة ، فقد كانت الأجواء في مكة أجواءً عجيبة تشعر فيها بالحزن، تشعر بنوع من الرهبة المخيفة في المكان، شعرت بحالة غريبة لم أشعر بها في حياتي: مزيج من الخوف والرهبة والقلق والانزعاج الداخلي، فتشعر أن شيئًا يجب أن يظل مستمرًا (مثل الطواف وغيره) وفجأة توقَّف، والطواف عملٌ كان يُؤَدَّى منذ بداية تاريخ مكة والكعبة.. دائمًا حركة الطواف متواصلة حول الكعبة وفجأة توقفت، فشعرتُ كأنما الأرض توقفت عن الدوران ، فلا شك في أن هناك علاقة بين الأشياء، فقررتُ أني لابد من أن أساعد... لكن كيف؟ لم أكن أدري بعد، فجئتُ إلى مركز أبحاث الحج في جدة ، ونظرتُ فيما عندي من أشياء، ولقد تردَّدتُ كثيرًا.. لكني اتصلتُ بواحدٍ من أصحاب السمو ، كان لي اتصال به ، وكان له تشجيع للمركز في بدايته وهو: الأمير أحمد بن عبدالعزيز ، وقلتُ له: إن عندنا في المركز – كما تعرف – صورًا وخرائط وصورًا جوية. فقال لي: عجِّل بها، وأي شيء عندك أحضِرْهُ بسرعة. وأعطاني اسم شخصٍ محدَّد ، لأتواصل مع هذا الشخص عندما أصل. وفعلًا أخذتُ الخرائط والصور الجوية ، ولففتُها فأخذتْ شكل أنبوبة من الخرائط الملفوفة، وحملتُها وانطلقتُ بها إلى مكة ، ثم انتبهتُ إلى أن هذه الخرائط والصور ، التي معي والتي أخذتْ شكل أنبوبة مستطيلة ، كان شكلها غريبًا ليس عاديًا، كأنما هي ما يُسَمَّى بـ(الهاون) أو ما شابه، وكانوا يوقفوني عند المحطات ، ويسألوني: ماذا تحمل معك؟ فأقول لهم: خرائط. فيقولون: لمن تذهب بها؟ فأُطلعهم على الموضوع، وهكذا تدرَّجتُ إلى أن وصلتُ إلى المسجد الحرام، فسألتُ عن الشخص الذي أعطاني ، وقد كان اسمه سموُّ الأمير أحمد ، والذي من المفتَرَض أنه أحد القادة العسكريين (لا أذكر اسمه الآن)، وتكلمتُ مع قادةٍ آخرين ، لأعطيهم الخرائط ، فقالوا: لا.. يجب أن تعطيها لهذا الشخص نفسه. حتى إنهم كانوا متخوِّفين من هذا الشيء ، الذي أحمله فَهُمْ غير متأكدين من ماهيَّته ، على الرغم من أن اسمي معروف لديهم ، والشخص الذي أذكره معروفٌ لديهم أيضًا، لكن يبدو أن الوضع جعل كل واحدٍ في وضعِ من لا يعرف كيف يتصرف؟ فأصرُّوا على أن أسلِّمها للشخص نفسه، فقلتُ: أين يوجد؟ قالوا: هو عند المسجد.. عند باب الملك.

-وبالطبع- عند باب الملك ، كانت توجد منائر ، والقنَّاصون يطلقون النار من المنائر على أي أحد يتحرك، فطبعًا تردَّدتُ وطلبتُ من أحد الإخوة ، أن يترك هذه الخرائط والصور عنده ويوصلها هو، فقال: أبدًا، فيها مسؤولية. فقلتُ: فهل أنتظر؟ قال: لا تنتظر. قلت: فماذا أفعل؟ قال: اذهب وسلِّمها له بنفسك. فقلتُ: كيف أذهب وأعطيها له؟ قال: لا أدري، أنت المسؤول وتوكل على الله. فتوكلتُ على الله ، وكنتُ متوقعًا في أي لحظة أن تصيبني طلقةٌ من اتجاهٍ أو آخر، ولكن الذي دفعني هو شعوري بخطورة ما يحدث ، وبأن هذا حرم ومكان مقدس ومكرَّم ، واعتدى عليه معتدون، وبأن هذا واجب وطني، وبأن أحد ولاة الأمر طلب مني أداء واجب، فتوكلتُ على الله ، وسمَّيتُ باسم الرحمن ونطقتُ الشهادتين ، وبدأتُ بالاقتراب.

-بالطبع- حاولتُ أن أجري بطريقة متعرجة ، لأتجنَّب إطلاق نارٍ محتَمَل باتجاهي، ولا أظن أن هذه الطريقة كانت تنفع ، لكني قدَّرتُ أنها قد تساعد، وفي يدي تلك الأنبوبة ، أحملها وأجري بها وقد تلثَّمتُ، فكان شكلي يوحي بأنني أهجم! لكن – سبحان الله – وصلتُ إلى المسجد ، والتقيتُ بالشخص المطلوب عند الباب، فقلتُ له: تفضَّل هذه هي الأمانة لتوصلها. فقال: نعم.. أنا أعرفك.. لكن يُفتَرض أن توصلها بنفسك. قلت: يا أخي أنا أحضرتُها لك لتوصلها. قال: بل يجب أن توصلها بنفسك. قلت: كيف أوصلها؟ قال: ارجع كما جئت. (وكنتُ قد وصلتُ ببالغ الصعوبة)، فاضطُررتُ أن أرجع مرةً أخرى بالحركة نفسها ، والله – سبحانه – حماني، ثم لحق بي هذا الشخص ، وأخذني إلى الفندق الذي كان فيه الأمراء، وأذكر أنهم كانوا قد وضعوا في الأرض خيطًا شفافًا غير ظاهر ؛ تحسُّبًا لأحدٍ قد يهجم فلا ينتبه لهذا الخيط ، فتصطدم قدماه به ، فيسقط (وهو نوع من الوسائل الدفاعية الخفيفة والبسيطة)، فنبَّهني إلى هذا الخيط. عمومًا وصلتُ إلى المكتب ، وكان الأمراء موجودين في الداخل، أعتقد أن الموجودين كانوا: الأمير سلطان ، والأمير نايف ، والأمير أحمد ، والأمير تركي الفيصل ، وأمير مكة .. وعدد من الأمراء.

-بالطبع- أنا ما أردتُ أن أدخل بل أعطيتُ المعلومات ، وأخبرتُ مدير المكتب (فقد كان موجودًا ، وهو يعرفني من قبل) قلت له: هذه فيها خرائط. فكانوا كأنهم في حالة انتظار لها، فسلَّمتُها له هو. أذكر أنه دار حوارٌ بيني وبينه عمَّا يحدث، فقال : إنهم مدسوسون ، وإنهم لجؤوا إلى الأقبية في أسفل المسجد، ونحن محتارون في كيفية الوصول إليهم ، وقد أُقفلت أبواب المسجد. فخطرت لي فكرة، قلتُ له: يمكن أن يُستخدم (البلدوزر؛ أو التراكتر) ليُسقط الأبواب، وتكون حول (التراكتر) سلسلة حديدية حمايةً للسائق، ثم يدخلون، ويمكن استخدام الكسَّارات التي تضرب الجبال وتصدِّعها وتثقبها، فيمكن أن نستخدمها ، بحيث نصنع ثقبًا من أعلى إلى أسفل ، ويُدخَل من خلالها دخان أو غاز منوِّم ، أو شيء من الغازات. فاستحسن الفكرة، ثم استأذنتُ بالانصراف وقلتُ: هل أقوم بأي خدمة أخرى؟ قال: لا، شكرًا. وانصرفتُ.

قد يكون شخص آخر قد فكَّر بهذه الفكرة، وأنا عرفتُ فيما بعد أنها نُفِّذت. -والحمد لله- شعرتُ بأني قد أدَّيتُ شيئًا من الواجب، ولو طُلب مني أن أدخل وأفعل شيئًا لكنتُ دخلتُ، لكن كان هناك مختصون من الجنود والعسكريين ، وقد أدُّوا واجبهم ومنهم مَن قُتل، وكانت مصيبة واعتداء ليس لها مثيل في التاريخ ، ربما إلا مرةً أو مرتين، لكن أعتقد أنه أكبر اعتداء على مكانٍ مقدَّس في التاريخ الحديث، إنه اعتداء على المسجد الحرام نفسه!

حرص الملك خالد على قدسية المكان وسلامة عُمَّاره

* المسجد الحرام في البناء الجديد ، له بوابات كبيرة جدًا ومصنوعة بشكلٍ جعلها ثقيلة جدًا ، وعندما تُغلَق يصعب الدخول والخروج، والمنائر –بالطبع- مرتفعة ومحيطة بالمسجد، ومنطقة الصفا والمروة هي منطقة عُملت بـ(الخرسانة) الثقيلة جدًا (حديد وأسمنت)، فاستغلَّ المقتحمون فرصة هذا الوضع للأبواب ، وأقفلوها واستغلوا فرصة وجود المنائر وارتفاعها ، وتحصَّنوا في هذه الأمكنة.

والبيوت في تلك الفترة كانت قريبةً من مبنى المسجد، وهذا – في رأيي – ربما ساعد في عملية حماية المدينة أكثر مما لو كانت منطقة منفتحة. ولو نظرنا إلى المسجد الحرام من الأعلى في صورة جوية ، لوجدنا أنه يمكن أن يكون حصنًا حصينًا ، يمكن التحصُّن به بسهولة، والذي فهمتُه أنهم كانوا يُعِدُّون ما يلزم للتحصُّن فيه، فلما أغلقوا الأبواب أصبح حصنًا فعلًا، وكان الخوف الكبير من جهة الدولة على قدسية المكان ، وعلى سلامة جميع الموجودين من الحجاج والمعتمرين وبقية المسلمين الموجودين للعبادة، والذي عرفتُه أن الملكَ خالدًا – رحمه الله – كان يتابع الأمور شخصيًا على الهاتف طوال الوقت، وكان أكثر قلقه من أن يُصاب أحد ، وخصوصًا من الحجاج والمسلمين الأبرياء داخل الحرم، وكلنا شعرنا بهذا الشيء.

دور أهل مكة

* أهل مكة كان لهم دور من منطلق الواجب، فقد ساعدوا في كثير من الأشياء، فقد رأيتُ بعيني أنهم فتحوا بيوتهم واستضافوا العسكر، وكان كل بيتٍ يطبخ طعامًا يقدِّم منه للجنود، وكان العسكر يُدخَلون في البيوت وينامون فيها، وإذا أُصيب أحد حول المسجد ، كان رجال من أهل مكة يُسرعون ليحملوه ويرجعوا به، فكان دور أهل مكة مهمًا، وربما أحد من الخارج يرى هذه الأعمال أعمالًا شُجاعة ، ولكن -بالنسبة إلينا- هي جزء من طريقة حياتنا وطريقة تفكيرنا، فهذا بلدنا ، وهؤلاء ولاة أمرنا ولهم بيعة في رقابنا، فكل مَن في مكة كان متحركًا بهذا الاتجاه ومتفاعلًا، وأعتقد بأن المسؤولين أنفسهم شعروا بهذا الشيء، كان فعلًا تفاعُلًا عجيبًا معاكسًا للفئة الأخرى ، التي كان عملها اعتداءً وهجومًا، في حين أن عمل أهل مكة كان استيعابًا ومساعدةً ومعاونةً وعطاءً وتضحية، ودون تفكير، فلم يكن أحد يفكر ، هل يساعد أم لا؛ لأن هذه طبيعتنا وهذا ولاؤنا.

الأجواء الكئيبة، والاقتحام

* ولقد بقيتُ أكثر من يوم في المكان الذي أقمتُ فيه، وكنتُ ليلًا ونهارًا أتوجه إلى الله بالصلاة والاستلطاف، والوضع كان غريبًا فأحيانًا تسمع أصوات طلقات نارية ، ثم أصوات قذائف، وفي النهاية ، قررت الدولة الهجوم وعدم التريُّث ، (فقد كان التريُّث بسبب وجود المسلمين الأبرياء ، الذين في داخل المسجد الحرام)، فبدأ الضرب باتجاه المنائر ، (وكان المعتدون قد استغلُّوا ارتفاع المنائر وصاروا يصوِّبون منها على أي أحد متحرك)، فكان تركيز الضرب – كما أذكر – على المنائر، إلى أن جاءت فكرة اقتحام المسجد، وأعتقد أنه جاءت فتوى بذلك، وأعتقد أنه مِن الذين أفتوا هذه الفتوى السيد محمد علوي المالكي ؛ لأن الآخرين كانوا متردِّدين جدًا، ولكن السيد محمد (وهو عالم مكي) ، أفتى بجواز الاقتحام ، وجواز مهاجمتهم والقبض عليهم، وهذا كان شعور أهل مكة جميعًا دون أي تردُّد.

فالجوُّ – كما قلتُ – كان كئيبًا جدًا، وكنا نسمع أصوات إطلاق النار ثم أصوات القذائف، وأحيانًا نسمع أصوات مكبِّر الصوت من الداخل ، وكأنَّ أحدًا يحاول أن يتكلم أو يخطب، -وبالطبع- أغلب الحجاج مع مرور الوقت ، تسلَّلوا من خلال الفتحات الموجودة ، واستطاعوا أن يخرجوا وبقي عدد محدود في الداخل، وبعد مرور الأسبوع الأول ، بدأت الشدة في الاقتحام، وبعد ذلك اقتُحم المكان فعلًا، وآخر ملجأ لهم كان الأقبية الموجودة، واستُخدمت طريقة (التثقيب) ، ووضع الغاز حتى أمكنَ الدخول عليهم، وفعلًا قُبض عليهم جميعًا، وبعد ذلك حُقِّق معهم وأُعدموا.

استخدام المعتدين للأقبية

* المسجد الحرام يتألف من موضع الطواف (الكعبة وما يحيط بها)، ثم الدور الموازي لها، ثم الدور الأعلى والسطح. ولكن توجد أيضًا في الأسفل منطقة تحت الدور المساوي للكعبة ، تتألف من أقبية ، وكانت تُسَمَّى بـ(الخلاوي)، وكان الناس يقضون فيها أوقات تعبُّد في رمضان أو في غير رمضان. فالمعتدون استغلُّوا هذه الأمكنة ، ودخلوها من الأسفل (لها بوابات)، وفعلًا هي حصن حصين ، لا يستطيع أحد أن يصل إليها، فوجود هذه الأقبية تحت الأرض جعلها وسيلة لهم ، لتكون خط الدفاع الأخير، ولكن – كما قلتُ – فكرة التثقيب وفتح الغازات عليهم ساعدت في إنهاء هذا الوضع، وهي ليست غازات سامَّة ، لكنها تُجبرهم على الخروج بأقل مقاومة ، وأقل ضرر على الجنود؛ لأن هؤلاء المعتدين لم يعودوا يستطيعون المقاومة.

دراسات على ماء زمزم بعد انتهاء الأحداث

* وبعد القضاء على ما سُمِّي في ذلك الوقت بـ(الزمرة الفاسدة) – وأنا أسمِّيها (الفكر الفاسد) – دخلتُ المسجد ، وكان قد طُلب مني أن أذهب إليه لأجل موضوع ماء زمزم، فمركز أبحاث الحج ، وجَّه بأن ندرس الوضع في المياه ؛ خوفًا من أن يكون قد تلوُّث أو ما شابه، فلما دخلتُ المسجد ، رأيتُ المنظر الذي لا أنساه أبدًا في حياتي: وجود آثار ضرب بطلقات رصاص ، وهذه الآثار موجودة في أمكنة كثيرة، وبعض آثار الدماء موجودة.

وكان أول ما أنوي فعله ، هو أن أجد فرصة لكي أطوف، والحمد لله طفتُ حول البيت ، ولم يكن يوجد إلا عدد محدود ؛ لأن المسجد لم يُفتح بالكامل. ثم توجهتُ إلى زمزم، وكنتُ أريد قبل أي شيء أن أشرب ، بصرف النظر عن الوضع في الماء؛ لأننا نحن أهل مكة معتادون على أن نشرب ماء زمزم، فكنتُ مشتاقًا إلى زمزم وطعم زمزم، وفعلًا شربنا وأخذنا عيِّنات ، وفحصناها وأظهرت الفحوصات وجود تلوُّث فعلًا ، حصل نتيجة الاعتداء، فقررنا إجراء دراسة، وبالفعل كوَّنَّا فريقًا لا يقل عدده عن أربعة عشر شخصًا من مختلف التخصصات، واستخدمنا (الستالايت موتوغرافي)، وأُجريت دراسات كيماوية وبيولوجية وكهربائية وهيدرولوجية، وأرى أنها كانت فرصة بالنسبة إليَّ ، ومكافأة في حياتي أني أُتيحت لي الفرصة أن أنزل في البئر، وصوَّرتُ وأخذتُ مقاييس أكثر من مرة ودرستُ الوضع، و – الحمد لله – وثَّقنا البئر توثيقًا لم يحصل من قبل، وعلى الرغم من أن تلك الحادثة كانت ضررًا إلا أننا استطعنا – والحمد لله – أن نستفيد منها في مجال آخر ، هو الدراسات والأبحاث على زمزم.

الحمد لله على أن تلك الحادثة انتهت بسلام، ولكن الحل ليس في التخلُّص من الأفراد وقتلهم ، بل المهم هو مكافحة الفكر، فإذا تخلصنا من الأفراد ، فالفكر ربما يتكرر (كما رأينا في التاريخ)، ولن يُكافَح هذا الفكر ، إلا بوجود فكر آخر ليحصل نوع من التخفيف ، بأن يوازي الرأيُ الرأيَ الآخر، أعتقد أن هذا أمرٌ مهمٌّ جدًا.

الفكر المتحجِّر مقابل التنوُّع

* من المهم أن نقارن بين الفكر المكي ، وطريقة تفكيرنا في مكة وإيماننا بأن هذا المكان آمن ومكان سلام ، ولا يمكن أن يفكر أحد في أن يعتدي عليه؛ وبين الفئة الأخرى التي هي امتداد لفئات أخرى سبقتها، -بالطبع- لا يربط هذه الفئات ببعضها عبر التاريخ آباء أو أجداد أو نَسَب ، لكن طريقة التفكير هي نفسها، طريقة أنني على حق ، وإذا عارضني أحد فقد أصل إلى قتاله، وهي طريقة التفكير نفسها التي واجهها الملك عبدالعزيز ، عندما بدأ في توحيد البلاد ، وواجه فكرًا يركز على تهديم أي قباب أو مبانٍ حول القبور ، وما شابه فكان حَمَلة هذا الفكر يهاجمون بطرائق عنفٍ شديدة، فحاول الملك عبدالعزيز أن يوقف هذه الأساليب فرفضوا، فحصرهم واضطر في النهاية إلى القضاء عليهم ؛لأنهم معتدون.

تكرَّرَ مثل هذا الاعتداء في عهد الملك فيصل الذي واجه طريقة التفكير نفسها، فقد أمر في تلك الفترة بفتح المدارس وإطلاق البث التلفزيوني، فحصل هجوم على مبنى التلفزيون من قِبَل الفئة نفسها ، التي تفكر بهذه الطريقة، وحصل تراشُق بالسلاح، فقُتل شخصٌ من الأسرة المالكة كما أعتقد، ثم أخوه بعد ذلك قتل الملكَ فيصلًا .

هذه أحداث متسلسلة من قِبَل أمثال هؤلاء، والذي حدث من الهجوم على المسجد الحرام ، هو ناشئ من طريقة التفكير نفسها، وكذلك ما حصل فيما بعد في الكويت من هجوم ومشكلات من أصحاب هذا التفكير، ومؤخرًا حصل اعتداء 11 سبتمبر في نيويورك من أصحاب الفكر نفسه، فمنذ تلك الأيام ، وأنا أقول دائمًا إن التوحيد في الإسلام شيء مهم جدًا ، لكن يوازيه التنوُّع، لا يمكن أن يوجد توحيد دون تنوُّع، فالتنوُّع وسيلة الأمان في الإسلام ، ولابد من أن يكون موجودًا، وبخاصةٍ في مكة و المدينة ، وأعتقد أنه لمصلحة الوطن ولمصلحة العالَم الإسلامي والعالَم كله ، أن يُعاد التنوُّع الفكري إلى مكة و المدينة بطريقة منظَّمة مرتَّبة ، كأي جامعة (لأنهما كانتا أول جامعتين) تحت إشراف الحكم السعودي ورعايته وتوجيهه، وفي رأيي لا يوجد أي تناقض بين هذا التنوُّع ووجود حكم يوحِّد البلاد وينظِّمها.

فهذه هي طريقة تفكيري؛ أنه كي لا يتكرر مثل هذا الأمر – لا سمح الله – في مكة ، أو في غيرها فإنه لابد من فتح صِمام الأمان ، وترك هذا التنوُّع يُعاد إلى مكة و المدينة ، وأعتقد أن هذا ليس مطلبًا يخص مكة و المدينة فحسب؛ بل هو مطلبٌ من العالَم الإسلامي كله مبنيٌّ على الضرورة الملحَّة له. الملك عبد الله بدأ بإدخال هذا التنوُّع في مجلس الإفتاء الأعلى، ولكن أعتقد أن الوضع يحتاج إلى المزيد وبسرعة، فالوضع قد يعود إلى تدهور ، يصل إلى حالة سيئة مرة أخرى.

اللقاء بالملك خالد

* في أيام الحج كان عادةً ما يلتقي الملك خالد في مِنى بضيوف الدولة من الحجاج، فرُتِّبت لي زيارته مع الدكتور عبد الله ناصيف ، وكان رئيس الديوان الـمَلَكي هو السيد أحمد عبد الوهاب ، فرتَّب اللقاء – جزاه الله خيرًا – والتقيتُ بالملك، -وبالطبع- كنتُ متخوِّفًا من أن أقابل الملك، كنتُ سابقًا أقابله في التسليم عليه ، ولكن لم يسبق أن جلستُ معه جلسةً وشرحتُ له شيئًا، وعندما التقيتُ به في الديوان وتقدمتُ وسلَّمتُ عليه كان جالسًا، فكنتُ أتخيَّل أن الملك سيكون جالسًا ، وينظر إلى الأشياء بطريقة معيَّنة.. والحقيقة أنه كان متواضعًا جدًا ، وجلستُ إلى جانبه على رُكْبَتَيَّ على الأرض ، وكانت توجد طاولة صغيرة ، ووضعتُ الأوراق عليها وجلستُ أشرح له، فتفاعل معنا ، وانحنى على الأوراق وصار يمسك الصفحات معنا ويقلِّب الأوراق، فشعرتُ بأني لستُ مواطنًا يكلِّم ملكًا ، بل كأني ابنٌ يكلِّم أباه، فتعبيراته وطريقة كلامه كانت تُشعر بأنه يتكلم كأب ، وكان فَرِحًا بالذي كنتُ أُطلعه عليه، حتى إن الملك فهد (الأمير فهد في تلك الأيام) – رحمة الله عليه – كان داخلًا فناداه ، وقال: فهد .. تعال وانظر ناصيف و العنقاوي ماذا يفعلون؟ قالها بطريقة بسيطة وفطرية جدًا، فجاء الأمير فهد ووقف، وصرنا نشرح، فكانت فرصة كبيرة، وبعدها شعرت بنوع من العلاقة، مدة اللقاء كانت نصف ساعة تقريبًا ، ولكن في هذه المدة البسيطة شعرتُ فعلًا بالقرب من الرجل: بطريقة كلامه، بتعامُله، ببساطته، بأسئلته التي كانت بسيطة ولكنها ذكية جدًا؛ فهي تتجه إلى عمق الموضوع.

وبعد هذا اللقاء ، حدث لقاء آخر عندما أقمنا معرضًا في جامعة الملك عبدالعزيز ، وزار الملك خالد المعرض الذي أقمناه عن المركز وأعماله. وعند الحديث عن المركز لا أنسى أبدًا ، أن عهد الملك خالد كان عهد خيرٍ على الجميع، وبالنسبة إليَّ ، كانت فترة تحوُّلٍ رئيسٍ في حياتي؛ لأن مركز أبحاث الحج كان مجرد مركز في الجامعة ، وكنا تقدَّمنا إلى مجلس الوزراء ، ورفعنا إلى المقام السامي طالبين استقلالية المركز، -وبالفعل- جاءت الموافقة على وجود مركز مستقل لأبحاث الحج، وحُدِّدت له أهداف، وكان أهم الأهداف هو المحافظة على البيئة الطبيعية ، والبيئة الإسلامية لمكة المكرمة و المدينة المنورة ، وبدأتْ تأتينا ميزانية وابتدأنا ننشط، فكان عهده بالنسبة إليَّ فترة خير وبركة بشكل مباشر. وعندما التقيتُ به في المرة الثانية ، عندما زار الجامعة تأكَّدَتْ لي بساطة الرجل، وحميميته، وإنسانيته الفطرية؛ فعلى الرغم من أن له هيبة الملك ، لكنه دائمًا يضفي عليها بساطته وتبسُّطه. فهذا الذي أتذكره عن الملك خالد مما له علاقة بالمركز.

-وبالطبع- لي ذكرى أخرى حزينة ، هي يوم وفاته -رحمة الله عليه-، فقد كنتُ حينها في المركز ، وعندنا اجتماع في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة، فسمعتُ الخبر.. ونسيتُ نفسي واتجهتُ فورًا إلى المطار (حتى إني كلَّمتُ أسرتي بالهاتف ، وأرسلوا لي حقيبة صغيرة فيها ملابس وفيها حوائجي) وسافرتُ مع الدكتور عبد الله ناصيف إلى الرياض ، ووجدتُ نفسي كأني واحد من أبناء الملك خالد أو أحد أفراد العائلة الموجودين، وعندما وصلت الجنازة لكثرة حماسي ، نسيتُ نفسي وحملتُ الجنازة معهم ، ودخلنا بها إلى المقبرة، فكان ارتباطي النفسي به كبيرًا ، ونابعًا من الشعور الأبوي، والذي حدث في ذلك اليوم كان شيئًا عجيبًا: لم تكن توجد حراسة، والأمراء في كل مكان ، وكان يوجد كثير من أفراد الشعب وكثير من الأجانب، فإلى جانب كل مسؤول كان يقف شخص عادي، فحتى في وفاته – رحمة الله عليه – تشعر بنوعٍ من الطمأنينة والسكينة.. لا شك في أن الحزن موجود في النفوس ، لكنه ليس من النوع الذي يُربك أو يُنشى عدم ارتياح.

عهد الملك خالد ومواجهة التغيُّرات

* في عهد الملك خالد – رحمة الله عليه – كنتُ عائدًا للتوِّ من أمريكا ، وبادئًا للتوِّ في التحرُّك باتجاه تأسيس مركز أبحاث الحج، وكانت فترة ما يُسَمَّى بـ(الطفرة) من الناحية المالية، وكنتَ تشعر في تلك الأيام ، كأنما ستُقلع طائرة ويجب أن تلحق بها، فكنتُ أفكر في قضيةِ ، هل أبتدئ في النشاط في الاتجاه المالي (ولكوني معماريًا ، فكان من الممكن أن أعمل في مجال التطوير والتنمية ، والاتجاه المالي والاقتصادي) أم أركز على أبحاث الحج؟ ولكوني مكيًا وابن مطوِّف ، فقد قررتُ دون تردُّد أن أسير في الاتجاه الثاني، وركَّزتُ اهتمامي على إنشاء مركز أبحاث الحج ، واجتهدتُ فيه والحمد لله، وفي الوقت الذي كان فيه الجميع منشغلين بجمع الأموال ، وزيادة الثروة كنتُ – والحمد لله – مشغولًا بأبحاثٍ ودراساتٍ وجمع معلومات.

كانت تلك هي الفترة الأولى ، التي تحصل فيها طفرة بهذه القوة، وكان الوضع أشبه ما يكون بـ(فورة ثراء)، وكان يمكن للشخص أن يعمل في أي مجال ، ويحصل على الأموال دون جهد، وبخاصةٍ في مجال الأراضي ، فقد ابتدأت أسعار الأراضي بالارتفاع ، وكان عندي أكبر كمّ ممكن من المعلومات اللازمة فيما يخص الأراضي، إلا أنني ركزتُ على موضوع الحج وأبحاثه، وكان حينها التطور سريعًا بسرعة خروج النفط من الأرض، لم تكن السرعة اختيارية ، بل هي مفروضة علينا على مستوى العالَم؛ فالعالَم يتحرك ويحتاج إلى النفط، فكانت سرعة التطور عندنا ، يفرضها علينا الواقع في العالَم، فاتجه التطور باتجاه سريع جدًا ، وكان من الممكن أن يتم بشكل أبطأ وتدريجي، لكننا خسرنا في هذه السرعة أشياء كثيرة جدًا ، سواءً اجتماعيًا أو حضاريًا أو بيئيًا أو من نواحٍ أخرى، فالضريبة كانت عالية جدًا في تقديري، صحيحٌ أنه حدثت تطورات كبيرة والدولة قامت – مشكورةً – بجهود كبيرة جدًا ، لكن السلبي هو عامل السرعة ، وعدم وجود وقت للمراجعة ، ودراسة الوضع بالشكل الذي يجب أن يكون، وعلى الرغم من أني كنتُ مشغولًا بأبحاث الحج ، إلا أني كنتُ أحاول أن أفعل شيئًا لكن وتيرة التطور كانت سريعة جدًا، وكان تأثير هذا الأمر – باعتقادي – أساسيًا في المجتمع ، وهو مستمر إلى الآن ، ولا يوجد خط رجعة.

التعامُل مع المتغيرات دون فقدان الثوابت

* في عهد الملك خالد – رحمة الله عليه – بدأتْ – كما قلتُ – الطفرة والتحرك السريع باتجاه الثروة، وفي الجانب الآخر – وهذا كان محور تركيزي – كان التساؤل: كيف نستطيع أن نتعامل مع المتغيرات دون فقدان الثوابت؟ -وبالطبع- حاولنا أن نستخدم البحث العلمي والدراسات ، لكن التغيُّر كان يتم بسرعة رهيبة، وبخاصةٍ في المدن ، مثل جدة ومكة والرياض ، فكانت المتغيِّرات كبيرة جدًا ، وكأنها – كما أتخيَّلها – نوع من السيل الجارف، وكما فهمتُ فإن الملكَ خالدًا كان منذ عهد الملك فيصل يحاول أن يرشِّد هذه التغيُّرات ، ويضبطها ، ولكن حجم التغيرات كان أكبر من أي مقاومة.

فكانت تلك الفترة تتسم بسرعة التغيُّرات بشكل رهيب، وهي تغيُّرات مفروضة بطبيعة الحال ، فكان يجب أن نتحرك بسرعة خروج النفط من الأرض، وابتدأت المتغيِّرات تتزايد، وبدأ ينشأ نوع من الانقسام: فريق يريد مزيدًا من التغيُّرات وبسرعة عالية، وفريق آخر يتحدث عن المحافظة والتمسُّك، وكنتُ أحاول أن أتعامل مع الموضوع ، عن طريق البحث العلمي والدراسات.

نهج الاعتدال عند الملك خالد

* في تلك الفترة كان الوضع أشبه بحفلة كبيرة ، والناس مستمتعون بها، ولكن في الوقت نفسه الذي يراقب ويدرس ويحلِّل – كَمَنْ في موقعي – كان يرى الانقسام، وكنتُ أرى هذا الانقسام بين مَن بدأ يتجه إلى التمسُّك والتشدُّد الزائد ، وبين الاتجاه الآخر الذي بدأ ينادي بما سُمِّي فيما بعد (الحداثة) والانطلاق ، حتى إنه يراها فرصة للانفلات، وطبعًا هنا يأتي دور الدولة والملك خالد – رحمة الله عليه – بطبيعته وطريقته والتزامه المعروف بالاعتدال، وبحبه للطبيعة، وبحبه للفطرة، وبتمسُّكه بالبساطة الشديدة للحياة، فكان كَمَنْ يحاول أن يردَّ سيلًا جارفًا ، ولكن السيل كان أكبر من أي مقاومة، فقد تغيَّرت الحياة -بالفعل- ، وحصلت تأثيرات في المجتمع، وفي الفترات التي تلت منذ عهد الملك فهد حصلت تغيُّرات كبيرة أيضًا أثرت تأثيرًا كبيرًا؛ اجتماعيًا، وثقافيًا، وحضاريًا، وعائليًا، وأعتقد أننا لدينا الآن فرصة لضبط هذه التغيُّرات ، وربما هي فرصة اللحظات الأخيرة، الآن يجب أن نراجع الوضع عن طريق العمل العلمي ، والدراسات لكي نحافظ على الصلة بين الماضي والمستقبل ، حتى لا يحدث انفصال بينهما، وهذا الذي يقلقني ويشغل معظم وقتي؛ وبخاصة بالنسبة إلى مكة و المدينة .

لقد كان عهد الملك خالد أيام خير وبركة، لكن في الوقت نفسه كانت توجد متغيرات لها تأثيرات استمرت إلى الآن، بعضهم يرى أنها إيجابية ، وآخرون يرون أنها سلبية، ولكني أعتقد ألا تكون القضية مجرد مع أو ضد، إنما يجب أن يكون التركيز على كيفية النسج ما بين ماضينا ومستقبلنا، وهذا يحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ جدًا في هذه اللحظات الأخيرة الآن، والله أسأل أن تتم هذه العملية وتتجه بهذا الاتجاه.

ذكرى وفاته الحزينة

* على الرغم من أن الأوقات التي التقيتُ فيها بالملك خالد – رحمة الله عليه – كانت قصيرة نسبيًا؛ إلا أنَّ ما سمعتُ عنه ، وعرفتُ عنه ومن خلال لقائي به ، بدأت بيني وبينه علاقة حميمة جدًا، وفي يوم وفاته – كما قلتُ – انطلقتُ إلى الرياض ، وكنتُ موجودًا مع الناس الذين يرتِّبون الأمور ، (ولقد كنتُ في الخارج ولستُ في الداخل)، لكني عند تحرُّك الجنازة ، واتجاهها إلى المقابر بعد الصلاة ، وجدتُ نفسي من غير شعور أحمل الجنازة مع الآخرين، -وبالطبع- ظلت هذه الذكرى في نفسي: كيف أني حملت الجنازة، وعملية دفنه -رحمة الله عليه-، وكيف كان الجميع موجودين شعبًا وأمراء وحكومة ووزراء وناسًا عاديين.. كلهم موجودون، فكأن بساطته وحبه للفطرة والبساطة والناس ، انعكس فعلًا على يوم جنازته -رحمة الله عليه-.

فقد كنتُ واقفًا عن بعدٍ –قليلًا- بعدما وصلنا إلى القبر، فكنتُ أنظر إلى المنظر من بُعد: كيف أن الناس متجمِّعون ، ثم كيف انتشروا وغابوا، فكان المشهد مهيبًا ، فهو مشهد ملكٍ يُوارى الثرى، والقبر بسيطٌ جدًا ، لا توجد عليه أي أشياء تُبهر، وإنما هي عودة إنسان إلى الله – عز وجل – في أرضه وببساطة، فهذه أيضًا لها تأثير: مواراة ملك في الثرى ، وهذه البساطة في القبر (وعادةً في التاريخ ، وإلى الآن في الدول الأخرى تُنشأ منشآت على قبور الملوك والرؤساء)، وأعتقد بأن هذه إحدى ميزات نعمة الإسلام وبساطته ، التي انعكست في حياة الملك خالد ، وفي وفاته، -رحمة الله عليه-.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات