البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
الملك خالد صفاته ومناقبه
أبرز صفات الملك خالد:
كرم الملك خالد
الشجاعة والإقدام: (من صفات ...
المزيد ....
الملك خالد مع رعيته ولقاءاته بأبنائه المواطنين
الملك خالد مع رعيته
اهتمامه بشؤون المسلمين بالداخل: ...
كان الملك خالد قدوة ...
المزيد ....
تولي الملك خالد الحكم وسياسته الداخلية
الدروس والفوائد التي يمكن ...
اختيار الملك فيصل بن ...
الأعمال التي قام بها ...
المزيد ....
دور الملك خالد في دعم التضامن العربي والإسلامي
آخر نداء عربي وإسلامي ...
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
خطط التنمية ومجالاتها في عهد الملك خالد
شهد عهد الملك خالد ...
دراسة عهد الملك خالد ...
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم
النص بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
الدكتور سلطان بن خالد بن محمد حثلين
تربى في قصر الملك خالد

علاقتي بالملك خالد استماع إلى الفقرة

* أنا وُلدت - في أول الأمر - في قصر الملك خالد في الطائف، والدتي منيرة بنت مانع بن جمعة أمها نورة بنت فهد الدامر أخت الملكة صيتة بنت فهد زوجة الملك خالد ، ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش في قصر الملك خالد منذ كان أميراً (قبل أن يصير ولي عهد)، لأني كنت وحيد والدتي وكان والدي أميراً للعجمان ولكن في ذلك الوقت كانت ليس هناك مدارس متوفرة لدى القبائل والبادية فآثرت والدتي أن أتربى عند خالتي التي قامت بدور والدتي، وإلى الآن أنا لا أقول لها (خالتي) أقول لها (أمي صيتة). فمنذ أن وعيت على الدنيا وأنا في قصر الملك خالد، تعلمنا - أول شيء - في مدارس في قصره رحمه الله في أم الحمام، كان هناك مدرسة خاصة، وكنا صغار نذهب إليها فندرس فيها، ثم بعد ذلك انتقل - رحمة الله عليه - إلى الطائف في قصر الخالدية وسكنَّا هناك، وكان هناك عندنا أستاذ يدرِّسنا، إلى أن التحقنا في جدة في مدارس الثغر النموذجية سنة ثانية ابتدائي

اهتمامه بالتعليم استماع إلى الفقرة

* ففي ذاك الوقت لم تكن هناك مدارس كثيرة منتشرة بالمملكة العربية السعودية، فكان عادة كبار الأمراء أن يأتون بأساتذة يدرِّسون أبناءهم ومدرسات يدرِّسون بناتهم، فكانت هذه هي العادة المتَّبعة، ولم تكن المملكة العربية السعودية وحيدة في ذلك، كان هناك في مصر أيضا وفي المغرب (ما زال هذا سائرا حتى في المغرب)، ولكن نظراً إلى أن لك هناك مدارس كثيرة فكانوا يأتون بأستاذ أو أستاذين يدرِّسوننا لكن كان في فترة من سننا (أربع سنوات إلى سن ست سنوات أو سبع سنوات)؛ يعني ما يُعرف الآن بالتمهيدي تقريباً. بعد ذلك التحقنا بمدارس الثغر النموذجية وكنا في ثانية ابتدائي، فكنت أنا والأمير فيصل بن خالد في نفس الفصل في مدارس الثغر أيام كان مديرها المرحوم محمد الفدا، ودرسنا في مدارس الثغر إلى أولى متوسط عام 1965 حيث أنهينا أولى متوسط هناك وانتقلنا إلى الرياض بعد أن صار الملك خالد وليًا للعهد في الرياض بدأنا رحلة ثانية من التعليم وانتقلنا إلى معهد العاصمة النموذجي، وكان قصر الملك خالد - رحمه الله - في الرياض اشتراه من الأمير سلمان كان قصر الأمير سلمان... كان قصر الأمير سلمان، وكان قصر يتمتع بالجمال الطبيعي من غير مبالغة (الملك خالد الملك خالد لم يكن يحب المبالغة في أي شيء، كان يحب البساطة في الأشياء)، وتلقينا التعليم الثانوي في معهد العاصمة النموذجي. فلذلك كان معظم حياتي في قصر الملك خالد، إلى أن تخرجت وتوظفت انتقلت طبعاً في الرياض إلى سكني الخاص ثم إلى المنطقة الشرقية بعد أن اشتغلت في الجامعة.

الاهتمام بالتربية والقيم استماع إلى الفقرة

* أكثر ما يهتم به هو الجانب التربوي، كان يحرص كثيراً هو والوالدة صيتة - أطال الله في عمرها - على غرس مكارم الأخلاق، يهتم بالتعليم لكن يجب أن يوازيها ويكون أكثر منه هو الجانب التربوي الأخلاقي، فمثلاً كان يحرص على أننا نؤدي الصلاة في أوقاتها، كان مع الأمير فيصل دائماً أحد الرجال الذين يكونون مشهورين بالصلاح والعلم يكون مرافق له دائماً؛ منهم - أذكر - إبراهيم الشثري (على ما اعتقد اسمه)، وكان هذا الرجل معنا طول الوقت.. في وقت الصلاة.. في غيرها يهتم بهذا الجانب. كان أيضاً يهتم بجانب مجالس الرجال: أنكم تجلسون في مجالس الرجال من نعومة أظافركم حتى تعرفون هذه الأمور، فهذا كان جانب جداً جداً مهم. كان يركز على إنه لما نذهب إلى مجلسه نكون حتى في الزي فيه وقار وحشمة (الغترة والعقال) من نحن صغار نأتي بالغترة والعقال والثوب، ونجلس جلسة أدب واحترام. .

هيبته استماع إلى الفقرة

* كنا نهابه كثيراً رحمة الله عليه، مع حبنا له الفائض إلا أن فيه عنده (كاريزما) وقوية شخصيته.. ونهابه.

معاملته للأطفال استماع إلى الفقرة

* كان - رحمة الله عليه - يتعامل معنا بأسلوبين: أسلوب حازم وأسلوب فيه الحنان. الحازم: إنك لا تُخطئ، يريد منك أن تكون رجلاً بمعنى الكلمة، حتى وأنت طفل تكون تتحمل مسؤولية تصرفاتك؛ وكان حنوناً جداً جداً، لم أذكر يوماً من الأيام أنه ضربنا أو قال لنا كلمة نابية، يمكن الوالدة صيتة ضربتنا مرة واحدة على شقاوة بدرت منا ونحن صغار، أما الملك خالد فلم نعهد منه أي شيء من هذا القبيل. علاقته أيضاً بابنه الأمير فيصل كانت علاقة مبنية على المحبة والرحمة والتوجيه، علاقته مع بناته كذلك كان حنوناً لدرجة كبيرة جداً جداً، مما قد يُعرف عن الملك خالد أنه قوي الشخصية لا يخاف في الله لومة لائم وهذا صحيح.. ولكنه في الجانب الآخر أيضاً فهو أب وحنون، هذه الصفة تطغى عليه دائماً مع بناته. عندما أصبح ملكاً أصبح له أحفاد، وكان يهتم بحفيداته وأحفاده كثيراً، ولعل أهم حفيداته اللي كان يحبها كانت العنود بنت بدر بن عبدالمحسن ابنة البندري بنت خالد فكان كل ما يأتي وقت الغداء يسأل عنها.. أو وقت العشاء، فكان يرتاح معها كثيراً. فهذا لاحظته بأم عيني: اهتمامه بهذا الجانب في الأطفال: يحبهم، ويرتاح لهم، ويحنو عليهم، ويتفقدهم، ويلاعبهم ويداعبهم.

المساواة استماع إلى الفقرة

* أنا لم ألحظ أي اختلاف في معاملته بين سمو الأمير فيصل بن خالد وبيننا سواء كنت أنا وإخواني محمد الدامر أو فهد الدامر أو عبدالله لم نلحظ أي تغيير، بالعكس: كان الاهتمام واحد، كنا نذهب في المدرسة في سيارة واحدة، حتى عندما كبرنا وأخذ فيصل سيارة صار لكل واحد منا سيارته لم يعوِّدنا على البذخ، بالعكس: كانت حياتنا بسيطة وكانت سيارتنا - أذكر - 230 إس مرسيدس.. في ذلك الوقت، وبقت معنا إلين خلَّصنا مرحلة الثانوي. فالقضية أنه لم يحب البذخ كثيراً، والمعاملة واحدة لم نشعر يوماً من الأيام بأن فيصل في المرتبة الأولى ونحن في المرتبة الثانية، بالعكس: كان - رحمه الله - يعاملنا معاملة واحدة وجميعنا أبناؤه

البرنامج اليومي استماع إلى الفقرة

* الملك خالد كان برنامجه اليومي تستطيع أن تضبطه على ساعتك؛ فكان ممن ينام باكراً ويصحى باكراً، كان - رحمه الله - يستيقظ في الصباح الباكر وينزل إلى مجلسه الخاص حوالي الساعة الثامنة صباحاً، ويتناول شاهي كنت أذكره بياله شاهي ثقيلة مع حبتين من السكر، وكان في ذاك الوقت تجلس معه الوالدة صيتة، ويأتيه عجمي بن منيخر في مجلسه الخاص ويجلس نص ساعة وكذا يتبادل أطراف الحديث، إذا كان هناك قضية معينة أو شكوى من أحد تقدمها له الوالدة صيتة في هذا الصباح، ثم يتوجه إلى الديوان عندما كان ولي عهد ديوان ولي العهد أو عندما أصبح ملكاً الديوان الملكي، يتوجه في حوالي الساعة التاسعة إلا ربع. كان يأتي دائماً بعد صلاة الظهر إلى القصر، يقوم بأداء السنَّة.. يتسنن، ويجلس في مجلسه، والغداء كان يجتمع فيه مع بناته والأمير فيصل، دائماً كان الغداء والعشاء يحضره عائلته جميعهم. كان - رحمه الله - يتغدى وكان يحب البساطة في الطعام، لا يحب التكلف.. لا يحب التكلف في كل شيء.. لا في ملبسه ولا في بيته ولا في أكله. وكان يحب الأكل السعودي: الكبسة.. الجريش.. القرصان..؛ هو عربي بدمه وطباعه وأخلاقه رحمة الله عليه رحمة واسعة. بعد ذلك يقوم للقيلولة، وعند صلاة العصر بعد أن يصلي يذهب للديوان، وفي الليل يأتي بعد صلاة العشاء، وكنت أذكر كلما يأتي دائماً يذهب إلى مجلسٍ صغير يخلع فيه دقلته ويقعد يتسنن ويسبِّح، ثم بعد ذلك يجلس قبل العَشاء قليلاً ثم يتعشى، وكان دائماً - في وقته - كانت الأخبار تبدأ الساعة التاسعة فتنتهي التاسعة ونصف، التاسعة ونصف يقوم من مجلسه إلى غرفته، رحمة الله عليه، وكان إذا طلع الغرفة يصلي ويقرأ القرآن، فكان ممن ينام باكراً ويقوم باكراً، فهذا... كنا في مجلسه نحس بالمجلس الأسرة.. لا نشعر بتكلف، ولكن الهيبة طاغية على الحضور، يعني لا نستطيع أن نتفوه بكلمة أو نتصرف تصرف خاطئ في وجود الملك خالد أبداً، مع شعورنا (نحن وأبناءه وبناته) بالأبوَّة والمحبة والاحترام والجو الودي؛ إلا أن هيبته هو تكون طاغية وحاضرة باستمرار، رحمة الله عليه رحمة واسعة.

إيمانه استماع إلى الفقرة

* والدي - رحمه الله - عاش مع الملك عبدالعزيز فترة من الفترات.. طويلة عاصر فيها الملك عبدالعزيز وكان أحد رجالات الملك عبدالعزيز ، وكان يعرف عن الملك عبدالعزيز الكثير فربى الملك عبدالعزيز أولاده على التربية الدينية القديمة اللي هي حفظ القرآن والمحافظة على الصلاة في أوقاتها جماعة. وقد تأثر الملك خالد في شبابه بهذا المسلك، وكان معروف عنه الصلاح والورع منذ نعومة أظفاره وشبَّ على ذلك، منذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نعرف بيت الملك خالد إنا نحافظ على الصلاة، كانت دائماً إذا أتى رمضان النساء يجتمعون في القصر.. في حوش القصر في الطائف وكانوا يصلي بهم أحد المشايخ التراويح والقيام، وكنا نصلي معهم ونحن أطفال حتى إنا ننام في صلاة القيام وصلاة التراويح فالملك خالد كان... وكان هو - الله يرحمه - يصلي مع أخوياه وكذا صلاة التراويح والقيام، كان يهتم بهذا الجانب التعبُّدي: الصلاة والصيام والبُعد عن المحارم، وكان أكره ما يكره الكذب، هو رجل صادق ويكره الكذب. فالبعد الديني واضح في الملك خالد سواء في أسلوبه.. حياته.. علاقته مع ربه أو علاقته مع الآخرين أو حتى في مناهجه السياسية.

أخلاقه الفروسية استماع إلى الفقرة

* الملك خالد الله يرحمه كان يتمتع - بما أسميه أنا - أخلاق الفروسية أو أخلاق الفرسان، كان يتمتع بكل ما هو عربي أصيل.. عربي إسلامي أصيل من القيم، ومن هذا حبه للخيل وحبه للإبل وحبه للصقور والمقناص، ومن هنا ورث الأمير فيصل بن خالد هذا الشيء لأن الملك خالد عنده إسطبل للخيل ولم يتخلَّ عنه إلا عندما أصبح.. أو قبيل أن يصبح ملك في آخر فترة ولايته للعهد.. تولى الأمير فيصل الاهتمام بهذا الجانب، والملك خالد نظراً لانشغالاته فإن كان ترك جانب الاهتمام بالخيل وكذا إلا أنه ما زال يحبها ويحب الإبل، الذي لم يتخلَّ عنه هو حبه للطيور.. المقناص، وكان خبيراً - رحمه الله - في هذا الجانب: كان يعرف الطيور ويعرف.. أو يهتم فيها ويهتم حتى بأهل الطيور، وفي عهده - رحمه الله - كثيراً من أصحاب القرى.. الحاضرة والبادية وجدوا خيراً كثيراً من اهتمامه بالإبل والطيور وغيرها؛ لأنها كانت جزء لا يتجزأ من تاريخ وتراث هذا البلد.

سياسته الداخلية والخارجية استماع إلى الفقرة

* الملك خالد هو امتداد الملك فيصل، فهما بالنسبة إلي - حتى إن كانا أخوان من أب (الملك عبدالعزيز رحمه الله)- فإنهما توأمان في المحبة والفكر والمنهج، فيربطهما علاقة الأخوَّة والصداقة والمحبة منذ أمد طويل؛ لذلك عندما كان الملك خالد ولياً للعهد شاهَدَ أسلوب الملك فيصل في الحكم ومنهجه في قضية التضامن الإسلامي، وبعد أن أصبح ملكاً سار على هذا التوجه؛ سواء في الخطة الاقتصادية اللي كانت خطط التنمية اللي أولها أول خطة كان في عهد الملك فيصل.. على ما أعتقد عام 1971، أكمل الملك هذا المشوار، وفي عهده ازدهرت البلاد، وارتفعت أسعار البترول، وعم الرخاء البلد، وكان - رحمه الله - حريصاً على أن ينال الشعب السعودي أكبر قسط من هذه الثروة بأسلوب - ما أسميه أنا - التوزيع العادل للثروة. كان يهتم بالجانب الإسلامي كثيراً، ليس في حياته الخاصة إنما في منهج الحكم؛ فكان اتَّبع أيضاً استمرارية التضامن الإسلامي تحت قيادة المملكة، كان يهتم أيضاً بأسلوب تقارب وجهات النظر وحلول المشكلات في العالم العربي والإسلامي على ضوء الشريعة الإسلامية والأخوَّة الإيمانية، كان يهتم بذلك كثيراً وخاصة أنه عقد المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة وحضره كثير من رؤساء العرب.

تأثره بالأحداث استماع إلى الفقرة

* تأثر كثيراً - رحمه الله - عندما حدثت معركة.. أو مذبحة صبرا وشاتيلا، وأحس أنها مجزرة تمس العالم الإسلامي ولا تخص الفلسطينيين، وهذا كان قبيل وفاته رحمه الله. كان يهتم بقضايا العالم الإسلامي في حالة الكوارث الطبيعية كالفيضانات وكذا، وكان يتألم كثيراً ويرسل المعونات الكثيرة. كان يهتم أيضاً بما أسميه أنا (الرعاية الاجتماعية)؛ رعايته الاجتماعية كملك مسؤول عن شعبه، وسأضرب لكم مثل عن ذلك: الملك خالد - رحمه الله - كان يُقال له في مجلسه من قِبَل بعض المستشارين وبعض الوزراء في فترة من الفترات وخاصة عام 79 أو 80 عندما وصلت أسعار البترول إلى الذروة: بأنه لا يوجد في المملكة العربية السعودية فقير، قال أحدهم : إن أي عجوز يمكن عندها مليون ريال، ففي مكة أمر الملك خالد (في رمضان عندما كان هناك، وكان دائماً يصوم رمضان بمكة) أمر أن يُصرَف مبلغ وقدره عشرة ملايين ريال تُوزَّع على الفقراء، لم يكتفِ الملك خالد بهذه المبادرة بمعنى أنه: أبرأتُ ذمتي وأعطيتُ الفلوس حتى تُوزَّع، إنما كدوره كملك أراد أن يطمئن أنها صُرفت في أوجهها الشرعية ويتأكد من ذلك، فسألهم بعد مضي عشرة أيام: كم بقى من الفلوس؟، قالوا: والله طال عمرك صرفناها كلها، ولو كان مثلها معها لخلصت في نفس المدة. فرجع إلى المجلس، وقال لوزرائه ومستشارينه: إما أنكم كذابون أو أن هؤلاء حرامية. فهذا يدل على أنه كان مهتماً بهذا الجانب. كان بيته مفتوح للجميع.

الأميرة صيتة استماع إلى الفقرة

* بالرغم حتى من مشاغل الحكم كان يوكل بعض الأمور إلى الأميرة صيتة بنت فهد، فكانت هي - منذ أن كان ولي عهد - إذا ذهب للمكتب تجلس في مجلسها الخاص (ليس مجلس الملك.. تنزل في فيلا خاصة)، وتجلس تستقبل جميع النساء اللاتي يأتين بحوائجهن، فتأتيها نساء من المملكة العربية السعودية.. أجنبيات.. مَن كان لها مشكلة: إذا كانت مشكلتها مالية فهي من نفسها تحلها الوالدة صيتة تعطيها بعض المال، إن كانت لها مشكلة في المحكمة أو غيرها تأخذ أوراقها وترفعها إلى الملك عندما يأتي أو ترسلها للديوان، فكانت جميع الأمور تُحل ببساطة. بل لم يكتفون بذلك بل كان هناك بعض النساء من يأتي (ضعيفات) إلى القصر الملكي مستجيرات إما من سبب معاملة أزواجهن أو ظلمهن أو ظلم أحد الأقارب، وكانت الوالدة صيتة تستأذن الملك فيسمح لهن بالقيام ويجلس.. لهم في محل خاص في القصر حتى يصلح أمرها إما عن طريق المحكمة أو عن طريق الصلح أو غيره. الرجال اللي يأتون الوالدة صيتة غالباً تقابلهم كما يقابل نساء نَجْد الـ.. هذا.. عبر الـ.. تكون الوالدة صيتة - كانت حتى في الخارج - تلتزم بالحجاب الشرعي الكامل، حتى عندما تذهب الملك خالد كان.. أتذكر أنا في سويسرا.. جنيف عام 69 عندما ذهبنا (أو 68) كانت الوالدة صيتة هي ووالدتي منيرة هن متحجبات تراهن في الـ.. هذا في حجابهن الشرعي، فكانت ملتزمة بالحجاب الشرعي في داخل المملكة وخارجها، هذا مما تربُّوا عليه، وكانت حافظة للقرآن أطال الله في عمرها، فكانت عندما تقابل الرجال تقابلهم - كما يقابلون النساء المسلمات - بحجابها وتتكلم معهم ويجلسون ويقولون لها كذا كذا..، ومعظم الرجال الذين يأتون يكونون من الأسر المعروفة الذين عرفوا الملك خالد وعرفوا سمو الأميرة صيتة في أيام كان الملك خالد في بيته في حوطة خالد الله يرحمه .

حقوق المرأة استماع إلى الفقرة

* كان ينظر إلى هذا الجانب ليس من الجانب الفلسفي أو السياسي.. ينظر إلى أنه من جانب الشرعي: أن الشريعة الإسلامية أعطت كل ذي حق حقه، وأن الله - سبحانه وتعالى - قد فصَّل في الكتاب كل ما يلزم الناس؛ ولذلك هو يكره الظلم سواء كان على الرجل أو على المرأة، كان يركز دائماً على أن العدل أساس الحكم، وأنه يجب أن يعطى للناس حقوقهم سواء حقوقهم المالية أو حقوقهم الاجتماعية أو حقوقهم الاقتصادية، فكان يركز على هذا الجانب، لا يفرق في ذلك بين المرأة والرجل: من كان له حق فهو يأخذه. بالنسبة للمرأة هل كان الملك خالد - رحمه الله - ينظر إلى الآن بما يُسمى حقوق المرأة وما إلى ذلك؟ الملك خالد - رحمه الله - كان رجلاً مسلماً مؤمناً عربياً أصيلاً.. فيعتقد أن المرأة حقوقها نابعة من الشريعة الإسلامية ومن كرم وأصالة الإنسان العربي، كان يرى أنه هذا حق مشروع لا يحب الفلسفة فيه ولا الدخول في تفاصيله، يعرف أن للمرأة حقوق أوجبها الله - سبحانه وتعالى - على الرجل وعلى ولي الأمر وكان يسعى جاهداً لإعطاء المرأة حقوقها من هذا المنطلق، من غير ما إثارة إعلامية أو زوبعة صحفية أو غير ذلك، فكان إذا جاءته امرأة مظلومة وكذا نجده يغضب كثيراً إلى هذا. بالنسبة للتعليم كان الملك خالد من أهم الناس المهتمين بتعليم المرأة، شهد على ذلك تعليمه لبناته واهتمامه بتعليمهن، وعندما قام الملك فيصل تعليم المرأة كان الملك خالد إلى جانبه سواء في قراراته عندما كان رئيساً لوزراء الملك فيصل أو بعد أن صار ملكاً، فالملك خالد بالنسبة لقضية المرأة كان ينظر إلى أن المرأة يجب أن تتطور وتأخذ حقوقها لكن مع القيام على الثوابت الشرعية والمبادئ العربية الأصيلة، بحيث تكون التوجه نحو هذه الحقوق توجه أصيل متوازن وليس توجه جزئي أو مُخِلّ أو غير متوازن؛ لأن هذه الطريقة في استنساخ الحقوق هي طريقة تشوِّه الحقوق في حقيقة الأمر، فلا تؤدي إلى النتيجة المطلوبة، إنما تؤدي إلى تكرار ما حدث في دول عربية أخرى نرى أنها رجعت الآن إلى الطريق القويم، يجب أن نعرف أن الملك خالد كاكان ينظر أيضاً نظرة البُعد الزمني بحيث أنه يحب أن تتغير الأمور تدريجياً، لا يحب القفز على واقع المجتمع، كان ينظر أن لدينا أهميات يجب أنا نرقى قليلا فقليلاً، وهو كان صادقاً في ذلك، رحمه الله.

احترام القضاء استماع إلى الفقرة

* الملك خالد لم يكن يتدخل في القضاء؛ يؤمن باستقلالية القضاء، هذي من الأشياء التي يحبها الملك خالد ، لكنه في نفس الوقت لا يحب تأخير القضايا ولا يحب أن تُعطَّل حقوق الناس. وكان يهتم كثيراً بمكالمة المشايخ والعلماء، وكان مجلسه يعج دائماً بكبار العلماء والمشايخ ويتحدث معهم في هذه الأمور. كان لا تأخذه في الله لومة لائم، يحب تطبيق حدود الله، ويعرف أن متى ما اختلت الموازين وبدأت تلين الأمور أو تتغير الأمور نحو التقليل من تطبيق الشريعة أن المجتمع سوف يختل وتدخل فيه معدلات الفساد وانتشار الجريمة، وقد كان صادقاً في ذلك. بالنسبة لهذا أنا أذكر عندما كان أميراً قبل أن يكون ولي عهد كان هو بنفسه يقوم أحياناً بتطبيق الحد الشرعي إذا أخطأ أحد في بيته من قِبَل الخدم وغيرهم في فترة من الفترات أذكر - وأنا كنت صغير - أن أحد الـ.. قامت بجريمة زنا، فقام - رحمه الله - بجلدها وأمر أحد الـ.. هذا بتكميل الجلد، وجمع الجميع حتى يرون العقوبة، فكان اهتم بهذا الجانب اهتماماً كبيراً: جانب تطبيق العقوبة وجانب رؤية الناس للعقوبة؛ حتى يحافظ على سلامة البيت قبل كل شيء ثم المجتمع.

اهتمامه بالثقافة والعلم استماع إلى الفقرة

* الملك خالد.. نعم.. يقرأ، وأنا - يمكن - من الذين استفادوا كثيراً من مكتبته، أنا أذكر الآن عندما أشرح لطلابي أحياناً عن حقوق الإنسان.. وبحكم أني درست الدكتوراه في جامعة غربية فأتطرق أحياناً إلى مناهج الليبرالية والديمقراطية وما غيرها من... ورؤيتهم لحقوق الإنسان، لكن أنا أعتقد إني في فترة الثانوي كنت من الأوائل في معهد العاصمة.. كنت أهتم بهذا الجانب الدراسي والقراءة، فكانت تأتي للملك خالد كتب جميلة جداً جداً، وكنت أنا أستعير بعض هذه الكتب أو أجلس في مكتبته وأقرأها، واستفدت منها كثيراً كثيراً، إلى الآن ما زالت معظم معلوماتي من تلك المرحلة؛ معلومات كانت قيمة جداً؛ سواء كانت في التاريخ وسواء كانت في القصص والعبر، كانت تأتيك بعض الكتب فيها منوعات وتُهدى للملك خالد رحمه الله، ففيها من التاريخ وفيها من الشعر وفيها من الأدب.. الكثير، فكنت أنا أستفيد منها. كان يقرأ - رحمه الله - على قدر ما يتسع به الوقت نظراً لانشغاله الكثير، ولكنه كان خلوقاً عندما تستمع له تعرف أنك أمام ملك فاهم.. عنده خبرة كثيرة.. عنده صلابة الملوك.. وحنان الأب.. وسعة أفق الرجل المؤمن.. وحلم الشهم النبيل.. صفات كثيرة لا يستطيع الإنسان أن يعبِّر عنها بكلمات بسيطة

أمانة الملك خالد استماع إلى الفقرة

* أول شيء أهم شيء يراه هو قضية دينه: خدمة دينه، الملك خالد كان يرى أنه يجب أن يخدم هذا الدين، ومن خلال خدمته لهذا الدين ينطلق إلى خدمة المواطن التي يرى أنها جزء من خدمة الدين وواجب عليه، خدمة الوطن.. خدمة الأمة العربية وخدمة الأمة الإسلامية؛ هذه المنطلقات كانت تشكل أساسيات عند الملك خالد؛ بمعنى أنه ينظر إليها كجزء من الأمانة التي حُمِّل.. أو تحمَّلها عندما بلغ سدة الحكم، فكان لا يقبل - حتى - أنه يتنازل في بعضٍ منها، فكان بالنسبة له حقوق المواطن ورفاهية المواطن جزء من...أولوية من أولوياته السياسية. حفظ الوحدة الوطنية وحفظ سلامة المملكة وأراضيها أيضاً جزء مهم. الاهتمام بمشاكل العالم العربي والإسلامي سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو كوارث طبيعية... كان يهتم بها جداً جداً، فكان هذا جزء من مخيلته وإرثه السياسي. كان بالنسبة للملك خالد هذه الأشياء لا تتجزأ، هي وحدة كاملة بالنسبة إليه.. أشياء مصيرية.. مبادئ أساسية لا يقبل أن ينظر إليها على أساس أنها وقتية أو زمنية أو تتبع المصالح.

المشاريع الرئيسية استماع إلى الفقرة

* بدأت المشاريع الحقيقية الجبيل وينبع كانت في عهد الملك خالد (طبعاً كانت مولودة في الخطة من أيام الملك فيصل)، بداية توسعة الحرمين الشريفين المكي والمدني، الاتصالات في عقودها المختلفة، الخطوط السعودية، صفقات السلاح، الطرق والمشاريع الكبرى، طرق من الشمال إلى الجنوب ومن المنطقة الشرقية إلى الرياض ومن الرياض إلى جدة فجميع هذه المشاريع شهدت قفزة حقيقية في عهد الملك خالد وكانت يصرف برخاء على هذه المشاريع الملك خالد بالنسبة له النظرة التنموية كان ينظر إليها نظرة شاملة؛ بمعنى أنه يرى أنه أهم شيء إني أعطي المواطن حقوقه.. حقوقه المالية.. ثم بعد ذلك أهتم بالجانب التعليمي والصحي بحيث أنه تصل له أفضل المدارس وأفضل طرق التعليم من غير عناء على المواطن لا عناءً جسدياً ولا عناءً مالياً، وكذلك في الصحة والتعليم؛ لذلك شاهدنا في عهده قفزة نوعية وكمية لا في مستوى التعليم (المدارس) ولا في مستوى الجامعات ولا في مستوى المستشفيات، كانت كان نقول: إن الله - سبحانه وتعالى - قدَّر لهذا الملك الطيب أن تسير الأمور حسب رغبته ونيته الطيبة، فوفقه الله - سبحانه وتعالى - إلى القيام بذلك، مع أن فترة الملك خالد سبع سنوات إلا أنه حقق فيها الكثير الكثير الكثير، وأعتقد أن ما نعيش فيه الآن هو سنوات تلك.. كنا نسميها الطفرة أو نسميها سنوات الخير والبركة.. أنا أحب أسميها سنوات الخير والبركة لم تكن سنوات طفرة.

وفاة الملك فيصل استماع إلى الفقرة

* من الأشياء.. الحوادث التي مرت بالملك خالد واهتز لها كثيراً هي قضية اغتيال الملك فيصل رحمه الله، كان الملك فيصل بالنسبة للملك خالد أكثر من أخ؛ فهو أخ وصديق وقريب جداً، العلاقة بينهما حميمية واحترامية كثير؛ كان ينظر الملك خالد إليه بنظرة إجلال واحترام ومحبة، فعندما سمع بنبأ قتله تأثر كثيراً، ولكن كما قلت لكم سابقاً: الملك خالد من الذين يؤمنون بالقضاء والقدر، بالرغم من كبر المصاب في الملك فيصل وتأثره الكبير به إلا أنه كان عنده رباطة جأش، واتخذوا القرار الصائب في سرعة توليه الحكم، وسارت الأمور على خير ما يرام ولله الحمد. أما الخبر الثاني فهو قضية استيلاء جهيمان على الحرم المكي هذه كانت مأساة كبيرة وكان الملك غاضب لأمرين؛ الأمر الأول : هو انتهاك قدسية الحرم، والثاني : هو منع المصلين من الصلاة في الحرم؛ متعود دائماً أنه يرى المصلين الأوقات الخمسة كلها والرُّكَّع السجود والذين يطوفون بالبيت ويسعون في المسعى؛ كانت هذه الأشياء جزء لا يتجزأ من أسلوب الحياة في المملكة، وبالنسبة للملك خالد كان هذا أهم شيء في المملكة العربية السعودية بالنسبة إليه، فيكون انتهاء قدسية هذا المكان أغضبته غضباً شديداً، وكان - رحمه الله - لا يرتاح ليلاً ولا نهاراً حتى قُضي على هذه الفتنة، وكان يصر بإلحاح على القضاء عليها بأسرع وقت، وقد استهلكت من صحته ووقته الكثير، وكنت أنا شاهداً على ذلك. فكان - رحمه الله - متأثراً، كان لا يتصور أن يكون أحد بالاعتداء على الحرمين، فما بالك أحد من أبناء هذه البلد وتحت ذريعة الإسلام؟ كان يرى أن ذلك عملاً ليس فقط مجافياً للدين وإنما هو منافياً للعقل؛ بمعنى لا يتصوره عقل: أن يقوم أمرؤ بهذا الجنون والعبثية تحت أي مسمى أو تحت أي تبرير

الحج استماع إلى الفقرة

* الملك خالد في فترة الحج.. كان هناك تقليد من أيام الملك فيصل أخذت من الملك عبدالعزيز أنه يستقبل وفود الحجاج ، وكان الملك فيصل يجلس ، في عهد الملك فيصل يجلس (وفي عهد الملك فيصل كنت شاباً) فكان يجلس ويستقبل وفود الحجاج؛ هناك من يلقي القصيد وهناك من يلقي الكلمة.. وكان يأتيك وفود الحجاج من كل حدب وصوب.. بلاد عربية.. من بلاد إسلامية.. تتنوع.. حتى البلاد الإسلامية حتى وإن تنوعت لغاتنا إلا أن مصادر الثقافة ترى واحدة: وهي القيم الإسلامية مع مجموعة من القيم التي تخص هذا البلاد، لكل مجتمع خصوصيته.. لكن في العموم ليس هناك تناقض، هناك تنوع في هذه الثقافات لكن ليس هناك تناقض؛ لذلك الملك خالد والملك فيصل - رحمه الله - كان عندما يجتمعون بالوفود ويسمعون منهم يعطونهم آذاناً صاغية، خاصةً فيما يتعلق بمسألة التحديث ونقل التقنية وغيرها.. وتجارب الأمم الإسلامية، فهم يرون في ذلك خطوة إيجابية كوننا نرى ما عند الأمم الإسلامية الأخرى.

الملك خالد والأميرة صيتة استماع إلى الفقرة

* بالنسبة للملك خالد - رحمه الله - والملكة صيتة بالنسبة إلي كانوا ليس فقط خالتي ومليكي؛ وإنما كانوا أكثر من والدَين وقدوتَين، كانوا حقاً نبراسَين أتمثل منهما أو أستشف منهما المثال الذي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والسلف الصالح، أستشف منهما كيف يكون الإنسان إنساناً مسلماً ويتحدى مغريات الزمان والمكان؛ بالرغم من أنه ملك وأنها ملكة وعندهما جميع ما يحتاجان إلا أنهما كان يحرصان على قيام الليل ويحرصان على صيام رمضان وصيام الست وصيام التسع من ذو الحجة وجميع الأعمال الصالحة، كان فيهما التواضع الكبير الجم، حُسْن الخُلُق، الصبر والأناة والحلم التي قلما تشهدها في إنسان، هذه أمور كنت أراها وأنا شاب.. وأنا كبير، عندما الآن أنظر إليها أقول: هذه منحة من الله سبحانه وتعالى، فأسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يمنحني مثل ما منحهم هذا الجانب وإلاَّ أمور الدنيا مصيرها إلى الزوال، أسأل الله - سبحانه وتعالى - للملك خالد المغفرة والرحمة والدرجات العلا من الجنة، وأسأله لخالتي إطالة العمر والرحمة وأيضاً الدرجات العلا من الجنة ولوالديَّ ولكم جميعاً إن شاء الله.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم
النص الفصيح
للمقابلة مع الضيف
الدكتور سلطان بن خالد بن محمد حثلين
(تربى في قصر الملك خالد)
علاقتي بالملك خالد

* في أول الأمر: أنا وُلدتُ في قصر الملك خالد في الطائف، والدتي هي منيرة بنت مانع بن جمعة، أمها نورة بنت فهد الدامر أخت الأميرة صيتة بنت فهد زوجة الملك خالد، ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش في قصر الملك خالد منذ أن كان أميراً (قبل أن يصير ولي عهد)؛ فقد كنت وحيد والدتي وكان والدي أميراً للعجمان، وفي ذلك الوقت لم تكن توجد مدارس متوافرة لدى القبائل والبادية، فآثرت والدتي أن أتربى عند خالتي التي قامت بدور والدتي، وإلى الآن أنا لا أدعوها (خالتي) بل أدعوها (أمي صيتة). فمنذ أن وعيتُ على الدنيا وأنا في قصر الملك خالد، تعلمنا في البداية في مدرسةٍ في قصره-رحمه الله- في أم الحمام، حيث كانت توجد مدرسة خاصة، وكنا صغاراً نذهب إليها وندرس فيها، وبعد ذلك انتقل - رحمة الله عليه - إلى قصر الخالدية في الطائف وسكنَّا هناك، وكان عندنا هناك أستاذ يدرِّسنا، إلى أن التحقنا في جدة بمدارس الثغر النموذجية في الصف الثاني الابتدائي.

اهتمامه بالتعليم

* في ذاك الوقت لم تكن توجد مدارس كثيرة منتشرة في المملكة العربية السعودية، فكانت عادة كبار الأمراء أن يأتوا بأساتذة يدرِّسون أبناءهم ومدرسات يدرِّسن بناتهم، وكانت هذه هي العادة المتَّبعة، ولم تكن المملكة العربية السعودية وحيدةً في ذلك، بل كانت هذه العادة في مصر أيضاً وفي المغرب (ولا يزال هذا سارياً في المغرب)، ولكن نظراً إلى عدم وجود مدارس كثيرة فقد كانوا يأتون بأستاذ أو أستاذين يدرِّساننا لكن كان ذلك في فترة أعمارنا (أربع سنوات إلى سن ست سنوات أو سبع سنوات)؛ وهو ما يُعرف الآن بالتمهيدي تقريباً. بعد ذلك التحقنا بمدارس الثغر النموذجية وكنا في الصف الثاني الابتدائي، فكنت أنا والأمير فيصل بن خالد في الفصل نفسه في مدارس الثغر أيام كان مديرها المرحوم محمد الفدا، ودرسنا في مدارس الثغر إلى الصف الأول المتوسط عام 1965م، إذ أنهينا تلك السنة هناك وانتقلنا إلى الرياض بعد أن صار الملك خالد ولياً للعهد. في الرياض بدأنا رحلة ثانية من التعليم وانتقلنا إلى معهد العاصمة النموذجي، وكان قصر الملك خالد- رحمه الله - في الرياض (كان قصر الأمير سلمان واشتراه الملك خالد منه)، وكان قصراً يتمتع بالجمال الطبيعي من غير مبالغة (فالملك خالد لم يكن يحب المبالغة في أي شيء، بل كان يحب البساطة في الأشياء)، وتلقينا التعليم الثانوي في معهد العاصمة النموذجي. فلذلك كان معظم حياتي في قصر الملك خالد، إلى أن تخرجت وتوظفت فانتقلت طبعاً في الرياض إلى سكني الخاص، ثم إلى المنطقة الشرقية بعد أن عملتُ في الجامعة.

الاهتمام بالتربية والقيم

* إن أكثر ما يهتم به هو الجانب التربوي، فقد كان يحرص كثيراً هو والوالدة صيتة - أطال الله في عمرها - على غرس مكارم الأخلاق، هو يهتم بالتعليم لكن يجب أن يوازيه ويفوقه الجانب التربوي الأخلاقي، فمثلاً كان يحرص على أن نؤدي الصلاة في أوقاتها، وكان مع الأمير فيصل دائماً أحد الرجال المشهورين بالصلاح والعلم ليكون مرافقاً له دائماً؛ وأذكر منهم إبراهيم الشثري (هذا اسمه على ما أعتقد)، وكان هذا الرجل معنا طول الوقت: في وقت الصلاة وفي غيرها يهتم بهذا الجانب. كان أيضاً يهتم بجانب مجالس الرجال: أن نجلس في مجالس الرجال منذ نعومة أظافرنا حتى نعرف خصائص الرجال ومجالسهم، وهذا كان جانباً مهماً جداً جداً. كان يركز على أننا عندما نذهب إلى مجلسه نتسم بالوقار والحشمة حتى في الزي (الغترة والعقال)؛ فمنذ أن كنا صغاراً كنا نأتي بالغترة والعقال والثوب، ونجلس جلسة أدب واحترام.

هيبته

* كنا نهابه كثيراً رحمة الله عليه، مع حبنا الفائض له إلا أن لديه (كاريزما) وشخصيته قوية، فكنَّا نهابه.

معاملته للأطفال

* كان - رحمة الله عليه - يتعامل معنا بأسلوبين: أسلوب حازم وأسلوب فيه الحنان. الحازم: ألا تُخطئ، يريد منك أن تكون رجلاً بمعنى الكلمة، حتى وأنت طفل يريد أن تتحمل مسؤولية تصرفاتك؛ وكان-من جهة أخرى- حنوناً جداً جداً، لم أذكر في يوم من الأيام أنه ضربنا أو قال لنا كلمة نابية، ربما الوالدة صيتة ضربتنا مرة واحدة على مشاكسات بدرت منا ونحن صغار، أما الملك خالد فلم نعهد منه أي شيء من هذا القبيل.

علاقته أيضاً بابنه الأمير فيصل كانت علاقة مبنية على المحبة والرحمة والتوجيه، وفي علاقته مع بناته كذلك كان حنوناً إلى درجة كبيرة جداً جداً. مما قد يُعرف عن الملك خالد أنه قوي الشخصية لا يخاف في الله لومة لائم وهذا صحيح.. ولكنه في الجانب الآخر أيضاً هو أب وحنون، وهذه الصفة تطغى عليه دائماً مع بناته. عندما أصبح ملكاً أصبح له أحفاد، وكان يهتم بحفيداته وأحفاده كثيراً، ولعل أهم حفيدة كان يحبها هي العنود بنت بدر بن عبدالمحسن ابنة البندري بنت خالد، فكان كل ما جاء وقت الغداء أو وقت العشاء يسأل عنها، فكان يرتاح معها كثيراً. فهذا مما لاحظته بأم عيني: اهتمامه بهذا الجانب في الأطفال: يحبهم، ويرتاح لهم، ويحنو عليهم، ويتفقدهم، ويلاعبهم ويداعبهم.

المساواة

* أنا لم ألحظ أي اختلاف في معاملته بين سمو الأمير فيصل بن خالد وبيننا، سواء أنا أو إخواني محمد الدامر أو فهد الدامر أو عبدالله، لم نلحظ أي اختلاف، على العكس: كان الاهتمام واحداً؛ وكنا نذهب إلى المدرسة في سيارة واحدة، حتى عندما كبرنا واشترى فيصل سيارة وصار لكل واحد منا سيارته لم يعوِّدنا على البذخ، بل كانت حياتنا بسيطة وأذكر أن سيارتنا كانت (مرسيدس 230إس) في ذلك الوقت، وبقيتْ معنا إلى أن أنهينا المرحلة الثانوية. فهو لم يكن يحب البذخ كثيراً، وكانت المعاملة واحدة فلم نشعر في يوم من الأيام بأن فيصلاً في المرتبة الأولى ونحن في المرتبة الثانية، بل كان - رحمه الله - يعاملنا معاملة واحدة كأنما جميعنا أبناؤه.

البرنامج اليومي

* برنامج الملك خالد اليومي تستطيع أن تضبطه على ساعتك؛ فكان ممن ينام باكراً ويصحو باكراً، فقد كان-رحمه الله-يستيقظ في الصباح الباكر وينزل إلى مجلسه الخاص في الساعة الثامنة صباحاً تقريباً، ويتناول الشاي(أذكره: كأس من الشاي الثقيل مع حبتين من السكر)، وكانت في ذلك الوقت تجلس معه الوالدة صيتة، ويأتيه عجمي بن منيخر في مجلسه الخاص ويجلس نصف ساعة تقريباً يتبادلان أطراف الأحاديث، وإذا كانت توجد قضية معينة أو شكوى من أحد تقدمها له الوالدة صيتة في هذا الوقت من الصباح، ثم يتوجه إلى ديوان ولي العهد (عندما كان ولي عهد) أو إلى الديوان الملكي (عندما أصبح ملكاً)، وذلك في الساعة التاسعة إلا ربعاً تقريباً

. وكان يأتي دائماً بعد صلاة الظهر إلى القصر، يقوم بأداء صلاة السنَّة، ويجلس في مجلسه، ويجتمع في الغداء مع بناته ومع الأمير فيصل، دائماً كانت عائلته كلها تحضر الغداء والعشاء. وكان - رحمه الله - يتغدى وكان يحب البساطة في الطعام، لا يحب التكلف، وهو لا يحب التكلف في أي شيء؛ لا في ملبسه ولا في بيته ولا في أكله. وهو يحب الأكل السعودي: الكبسة.. الجريش.. القرصان..؛ هو عربي بدمه وطباعه وأخلاقه رحمة الله عليه رحمة واسعة. بعد ذلك يقوم للقيلولة، وعند صلاة العصر بعد أن يصلي يذهب إلى الديوان، وفي الليل يأتي بعد صلاة العشاء، وأذكر أنه كلما يأتي يذهب إلى مجلسٍ صغير يخلع فيه (دقلته) ويقعد يتسنن ويسبِّح، ثم بعد ذلك يجلس قبل العَشاء قليلاً ثم يتعشى، وكان دائماً يتابع الأخبار، وكانت في ذلك الوقت تبدأ في الساعة التاسعة وتنتهي في التاسعة ونصف. في التاسعة ونصف يقوم من مجلسه إلى غرفته.. رحمة الله عليه، وكان إذا طلع إلى غرفته يصلي ويقرأ القرآن، وكان ممن ينام باكراً ويستيقظ باكراً.

كنا في مجلسه نحس بالشعور الأسري فلا نشعر بتكلف، ولكن الهيبة طاغية على الحضور، فلا نستطيع أن نتفوه بكلمة أو نتصرف تصرفاً خاطئاً في وجود الملك خالد أبداً، مع شعورنا- نحن وأبناءه وبناته- بالأبوَّة والمحبة والاحترام والجو الودي؛ إلا أن هيبته تكون طاغية وحاضرة باستمرار، رحمة الله عليه رحمة واسعة.

إيمانه

* والدي - رحمه الله - عاش مع الملك عبدالعزيز فترة طويلة عاصره فيها فهو أحد رجالات الملك عبدالعزيز ويعرف عنه الكثير، وقد ربى الملك عبدالعزيز أولاده على التربية الدينية القويمة المتمثلة في حفظ القرآن والمحافظة على الصلاة في أوقاتها جماعةً. وقد تأثر الملك خالد في شبابه بهذا المسلك، وكان معروفاً عنه الصلاح والورع منذ نعومة أظفاره وشبَّ على ذلك، ومنذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نعرف بيت الملك خالد من حيث أنه علينا أن نحافظ على الصلاة. كانت النساء دائماً إذا أتى رمضان يجتمعن في فسحة القصر في الطائف ويصلي بهن أحد المشائخ التراويح والقيام، وكنا نصلي معهن ونحن أطفال حتى إنا ننام في صلاة القيام وصلاة التراويح.

والملك خالد -رحمه الله- كان يصلي مع أخويائه وغيرهم صلاتَي التراويح والقيام، كان يهتم بهذا الجانب التعبُّدي: الصلاة والصيام والبُعد عن المحارم، وكان أكثر ما يكره الكذب، فهو صادق ويكره الكذب. فالبعد الديني واضح في حياة الملك خالد سواء في أسلوبه وحياته وعلاقته مع ربه أو علاقته مع الآخرين، أو حتى في مناهجه السياسية.

أخلاق الفروسية

* الملك خالد-رحمه الله-كان يتمتع بما أسميه أنا (أخلاق الفروسية؛ أو أخلاق الفرسان)، كان يتمتع بكل ما هو عربي إسلامي أصيل من القيم، ومن هذا حبه للخيل وحبه للإبل وحبه للصقور ورحلات الصيد، ومن هنا وَرَثَ الأمير فيصل بن خالد هذا الجانب؛ لأن الملك خالداً عنده إسطبل للخيل ولم يتخلَّ عنه إلا قبيل تولِّيه المُلك أي في آخر فترة ولايته للعهد، إذ تولى الأمير فيصل الاهتمام بهذا الجانب. وإن كان الملك خالد قد ترك جانب الاهتمام بالخيل وما إلى ذلك نظراً إلى انشغالاته إلا أنه بقي يحبها ويحب الإبل.

وأما الذي لم يتخلَّ عنه فهو حبه للطيور ورحلات الصيد، وكان خبيراً - رحمه الله - في هذا الجانب: كان يعرف الطيور ويعرف أنواعها وخصائصها ويهتم بها ويهتم حتى بالعارفين بالطيور، وفي عهده - رحمه الله - كثير من أصحاب القرى.. الحاضرة والبادية وجدوا خيراً كثيراً من اهتمامه بالإبل والطيور وغيرها؛ لأنها كانت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ هذا البلد وتراثه.

سياسته الداخلية والخارجية

* الملك خالد هو امتداد للملك فيصل، فهما كما أرى- بالإضافة إلى كونهما أخوين من أب هو الملك عبدالعزيز رحمه الله- توأمان في المحبة والفكر والمنهج، وتربطهما علاقة الأخوَّة والصداقة والمحبة منذ أمد طويل؛ لذلك عندما كان الملك خالد ولياً للعهد شاهَدَ أسلوب الملك فيصل في الحكم ومنهجه في قضية التضامن الإسلامي، وبعد أن أصبح ملكاً سار على هذا التوجه نفسه؛ سواء في الخطة الاقتصادية (خطط التنمية التي كانت أُولاها في عهد الملك فيصل.. على ما أعتقد عام 1971م)، وأكمل الملك خالد هذا النهج، وفي عهده ازدهرت البلاد، وارتفعت أسعار النفط، وعم الرخاء البلاد، وكان - رحمه الله - حريصاً على أن ينال الشعب السعودي أكبر قسط من هذه الثروة بأسلوب (التوزيع العادل للثروة) كما أسمِّيه.

كان يهتم بالجانب الإسلامي كثيراً، ليس في حياته الخاصة فقط بل في منهج الحكم أيضاً؛ فحرص على استمرارية التضامن الإسلامي بقيادة المملكة، وكان يهتم أيضاً بتحقيق تقارب وجهات النظر وإيجاد حلول لمشكلات العالَم العربي والإسلامي على ضوء الشريعة الإسلامية والأخوَّة الإيمانية، كان يهتم بذلك كثيراً وخاصةً أنه عقد المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة وحضره كثير من رؤساء العرب.

تأثره بالأحداث

* تأثر كثيراً - رحمه الله - عندما حدثت مذبحة صبرا وشاتيلا، وأَحَسَّ أنها مجزرة تمس العالم الإسلامي ولا تخص الفلسطينيين فحسب ، وكان هذا قبيل وفاته رحمه الله. وكان يهتم بقضايا العالم الإسلامي في حالة الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات وغيرها، وكان يتألم كثيراً ويرسل المعونات الكبيرة. كان يهتم أيضاً بما أسميه (الرعاية الاجتماعية)؛ رعايته الاجتماعية بوصفه ملكاً مسؤولاً عن شعبه، وسأضرب لكم مثالاً عن ذلك: الملك خالد - رحمه الله - كان يُقال له في مجلسه من قِبَل بعض المستشارين وبعض الوزراء في فترة من الفترات وخاصةً عام 1979 أو 1980م عندما وصلت أسعار النفط إلى الذروة: أنه لا يوجد في المملكة العربية السعودية فقير، قال أحدهم : إن أي عجوز ربما تملك مليون ريال، فعندها ذهب الملك خالد إلى مكة في رمضان (وكان دائماً يصوم رمضان بمكة) وأمر أن يُصرَف مبلغ قدره عشرة ملايين ريال تُوزَّع على الفقراء، ولم يكتفِ بهذه المبادرة بمعنى أنه أبرأ ذمته وأعطى الأموال كي تُوزَّع، إنما-بوصفه ملكاً- أراد أن يطمئن أنها أُنفقت في أوجهها الشرعية ويتأكد من ذلك، فسألهم بعد مضي عشرة أيام: كم بقي من الأموال؟ قالوا: والله- طال عمرك- أنفقناها كلها، ولو كان يوجد مثلها معها لأُنفقت في المدة نفسها. فرجع إلى المجلس، وقال لوزرائه ومستشاريه: إما أنكم كذابون أو أن هؤلاء مختلسون!! فهذا يدل على أنه كان مهتماً بهذا الجانب. لقد كان بيته مفتوحاً للجميع.

الأميرة صيتة

* نظراً إلى مسؤوليات الحكم كان يوكل بعض الأمور إلى الأميرة صيتة بنت فهد، فكانت هي - منذ أن كان ولي عهد - إذا ذهب إلى المكتب تجلس في مجلسها الخاص (ليس مجلس الملك وإنما تنزل في فيلا خاصة)، وتجلس تستقبل جميع النساء اللاتي يأتين بحوائجهن، فتأتيها نساء سعوديات أو مقيمات ممن لهن مشكلة: إذا كانت المشكلة مالية فالوالدة صيتة تحلها بنفسها وتعطي المال اللازم، وإن كانت مشكلة المرأة في المحكمة أو غيرها فإنها تأخذ أوراقها وترفعها إلى الملك عندما يأتي أو ترسلها إلى الديوان، فكانت جميع الأمور تُحَل ببساطة. ولم تكتفِ بذلك، بل كان بعض النساء الضعيفات اللواتي يأتين إلى القصر الملكي مستجيرات؛ بسبب معاملة أزواجهن أو ظلمهم أو ظلم أحد الأقارب أو غير ذلك، وكانت الوالدة صيتة تستأذن الملك فيسمح لهن بالحديث ويجلس يستمع لهن في موضع خاص في القصر حتى يُصلَح الأمر عن طريق المحكمة أو عن طريق الصلح أو غيره. وأما الرجال الذين يأتون إلى الوالدة صيتة فهي غالباً تقابلهم وتكون الوالدة بالحجاب الشرعي الكامل، وهي تلتزم به حتى عندما تُسافر مع الملك خالد إلى الخارج، وأذكر عندما سافرنا إلى جنيف في سويسرا عام 69 (أو 68) كانت الوالدة صيتة هي ووالدتي منيرة متحجبتَين تراهما في حجابهن الشرعي، فكانت ملتزمة بالحجاب الشرعي في داخل المملكة وخارجها، هذا مما تربَّوا عليه، وكانت حافظة للقرآن.. أطال الله في عمرها، فكانت عندما تقابل الرجال تقابلهم - كما تقابل النساء المسلمات الرجال - بحجابها وتتكلم معهم ويجلسون ويقولون لها ما جاؤوا من أجله، ومعظم الرجال الذين يأتون يكونون من الأسر المعروفة الذين عرفوا الملك خالد وعرفوا سمو الأميرة صيتة منذ أن كان الملك خالد في بيته في حوطة خالد، رحمه الله.

حقوق المرأة

* كان ينظر إلى هذا الأمر ليس من الجانب الفلسفي أو السياسي، وإنما من الجانب الشرعي: أن الشريعة الإسلامية أعطت كل ذي حق حقه، وأن الله - سبحانه وتعالى - قد فصَّل في الكتاب كل ما يلزم الناس؛ ولذلك هو يكره الظلم سواء كان على الرجل أو على المرأة، كان يركز دائماً على أن العدل أساس الحكم، وأنه يجب أن يُعطى للناس حقوقهم سواء حقوقهم المالية أو حقوقهم الاجتماعية أو حقوقهم الاقتصادية، فكان يركز على هذا الجانب، لا يفرق في ذلك بين المرأة والرجل: مَن كان له حق فيجب أن يأخذه. بالنسبة إلى المرأة كيف كان الملك خالد - رحمه الله - ينظر إلى ما يُسمى الآن حقوق المرأة؟ الملك خالد - رحمه الله - رجل مسلم مؤمن عربي أصيل.. يؤمن بأن حقوق المرأة نابعة من الشريعة الإسلامية ومن كرم الإنسان العربي وأصالته، كان يرى أن هذا حق مشروع لا يحب التفلسف فيه ولا الدخول في تفصيلاته، يعرف أن للمرأة حقوقاً أوجبها الله - سبحانه وتعالى - على الرجل وعلى ولي الأمر وكان يسعى جاهداً لإعطاء المرأة حقوقها من هذا المنطلق، من غير ما إثارة إعلامية أو زوبعة صحفية أو غير ذلك، فكان إذا جاءته امرأة مظلومة غضب كثيراً لهذا. بالنسبة إلى التعليم كان الملك خالد من أكثر الناس اهتماماً بتعليم المرأة، شهد على ذلك تعليمه لبناته واهتمامه بتعليمهن، وعندما قام الملك فيصل بإجراءات تعليم المرأة كان الملك خالد إلى جانبه في قراراته عندما كان رئيساً لوزرائه، وواصَلَ هذا النهج بعد أن صار ملكاً، فالملك خالد بالنسبة إلى قضية المرأة كان ينظر إلى أن المرأة يجب أن تتطور وتأخذ حقوقها لكن مع الحفاظ على الثوابت الشرعية والمبادئ العربية الأصيلة، بحيث يكون التوجه نحو هذه الحقوق توجهاً أصيلاً متوازناً وليس توجهاً جزئياً أو مُخِلاًّ أو غير متوازن؛ لأن هذه الطريقة في استنساخ الحقوق هي طريقة تشوِّه الحقوق في حقيقة الأمر، ولا تؤدي إلى النتيجة المطلوبة، إنما تؤدي إلى تكرار ما حدث في دول عربية أخرى نرى أنها رجعت الآن إلى الطريق القويم. يجب أن نعرف أن الملك خالداً كان ينظر أيضاً نظرة البُعد الزمني؛ بمعنى أنه يحب أن تتغير الأمور تدريجياً، لا يحب القفز على واقع المجتمع، كان ينظر أن لدينا أولويات يجب أنا نرقى إليها بالتدريج، وهو كان مصيباً في ذلك، رحمه الله. .

احترام القضاء

* الملك خالد لم يكن يتدخل في القضاء؛ بل يؤمن باستقلالية القضاء، وهذا من الجوانب التي يحترمها الملك خالد، لكنه في الوقت نفسه لا يحب تأخير القضايا ولا يحب أن تُعطَّل حقوق الناس. وكان يهتم كثيراً بالتحدث إلى المشائخ والعلماء، ومجلسه يعج دائماً بكبار العلماء والمشائخ ويتحدث إليهم في هذه الأمور. كان لا تأخذه في الله لومة لائم، يحب تطبيق حدود الله، ويرى أنه متى ما اختلت الموازين وبدأت تلين الأمور أو تتغير نحو التقليل من تطبيق الشريعة فإن المجتمع سوف يختل وتزداد فيه معدلات الفساد وانتشار الجريمة، وقد كان مصيباً في ذلك. بالنسبة إلى هذا الجانب أنا أذكر أنه عندما كان أميراً (قبل أن يصير ولي عهد) كان هو بنفسه يقوم أحياناً بتطبيق الحد الشرعي إذا أخطأ أحد في بيته من الخدم وغيرهم، في فترة من الفترات أذكر - وأنا كنت صغيراً- أن إحدى العاملات قامت بجريمة زنا، فقام - رحمه الله - بجلدها وأمر آخر بإكمال الجَلد، وجَمَعَ الجميع كي يروا العقوبة، فهو يهتم بهذا الجانب اهتماماً كبيراً: جانب تطبيق العقوبة وجانب رؤية الناس للعقوبة؛ حتى يحافظ على سلامة البيت قبل كل شيء ثم المجتمع.

اهتمامه بالثقافة والعلم

* الملك خالد من الذين يقرؤون جيداً وأنا من الذين استفادوا كثيراً من مكتبته، فأنا الآن أشرح لطلابي أحياناً عن حقوق الإنسان، وبحكم أني درست الدكتوراه في جامعة غربية فإني أتطرق أحياناً إلى مناهج الليبرالية والديمقراطية وغيرها.. وكذلك رؤيتهم لحقوق الإنسان، فقد كنت في فترة المرحلة الثانوية من الأوائل في معهد العاصمة، وكنت أهتم بهذا الجانب الدراسي وبالقراءة عموماً، وكانت تأتي للملك خالد كتب مفيدة جداً جداً، فكنت أنا أستعير بعض هذه الكتب أو أجلس في مكتبته وأقرؤها، واستفدت منها كثيراً جداً، وإلى الآن لا يزال معظم معلوماتي مستمداً من تلك المرحلة؛ معلومات كانت قيمة جداً؛ سواء كانت في التاريخ أو في القصص والعِبَر، وكان يأتي بعض الكتب التي فيها منوعات وتُهدى للملك خالد رحمه الله، ففيها من التاريخ وفيها من الشعر وفيها من الأدب الشيء الكثير، فكنت أنا أستفيد منها. كان يقرأ - رحمه الله - على قدر ما يتسع به الوقت نظراً إلى انشغاله الكبير، ولكنه كان ذا خُلُق وعندما تستمع له تعرف أنك أمام ملك ذي فهم عميق وعنده خبرة واسعة؛ عنده صلابة الملوك، وحنان الأب، وسعة أفق الرجل المؤمن، وحِلْم الشهم النبيل.. صفات كثيرة لا يستطيع الإنسان أن يعبِّر عنها بكلمات بسيطة.

أمانة الملك خالد

* أهم ما يهمه هو قضية دينه؛ خدمة دينه، الملك خالد كان يؤمن بأنه يجب أن يخدم هذا الدين، ومن خلال خدمته لهذا الدين ينطلق إلى خدمة المواطن التي يرى أنها جزء من خدمة الدين بالإضافة إلى كونها واجباً عليه. خدمة الوطن، وخدمة الأمة العربية، وخدمة الأمة الإسلامية؛ هذه المنطلقات كانت تشكل أساسيات عند الملك خالد؛ بمعنى أنه ينظر إليها بوصفها جزءاً من الأمانة التي حُمِّلَها-أو تحمَّلَها- عندما بلغ سدة الحكم، فكان لا يقبل أن يتنازل في شيء منها، فكانت بالنسبة إليه حقوق المواطن ورفاهيته أولوية من أولوياته السياسية. وحفظ الوحدة الوطنية وحفظ سلامة المملكة وأراضيها أيضاً جزء مهم من أولوياته، وكذلك الاهتمام بمشكلات العالم العربي والإسلامي سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو كوارث طبيعية... كان يهتم بها جداً جداً، فكان هذا كله جزءاً من مخيلته وإرثه السياسي. هذه الأشياء بالنسبة إلى الملك خالد لا تتجزأ، هي وحدة كاملة بالنسبة إليه.. أشياء مصيرية.. مبادئ أساسية لا يقبل أن ينظر إليها على أساس أنها وقتية أو زمنية أو تتبع المصالح.

المشروعات الرئيسة

* بدأت المشروعات الحقيقية في عهد الملك خالد، فمشروع الجبيل وينبع كان في عهده (طبعاً كان موجوداً في الخطة في عهد الملك فيصل)، بداية توسعة الحرمين الشريفين المكي والمدني، الاتصالات في عقودها المختلفة، الخطوط السعودية، صفقات السلاح، الطرق والمشروعات الكبرى، طرق من الشمال إلى الجنوب ومن المنطقة الشرقية إلى الرياض ومن الرياض إلى جدة؛ جميع هذه المشروعات شهدت قفزة حقيقية في عهد الملك خالد، وكان يُنفق بكرم على هذه المشروعات. كان الملك خالد ينظر إلى الجانب التنموي نظرة شاملة؛ بمعنى أنه يرى أن أهم شيء هو أن يُعطى المواطن حقوقه المالية، ثم بعد ذلك اهتم بالجانب التعليمي والصحي بحيث يحصل المواطن على أفضل المدارس وأفضل طرق التعليم من غير عناء لا عناءً جسدياً ولا عناءً مالياً، وكذلك في الصحة؛ لذلك شاهدنا في عهده قفزة نوعية وكمية في مستوى التعليم العام وفي مستوى الجامعات وفي مستوى المستشفيات. كنا نقول إن الله - سبحانه وتعالى - قدَّر لهذا الملك الطيب أن تسير الأمور حسب رغبته ونيته الطيبة، فوفقه الله - سبحانه وتعالى - في إنجاز كل هذه الإنجازات، ومع أن فترة الملك خالد سبع سنوات إلا أنه حقق فيها الكثير الكثير الكثير، وأعتقد أن ما نعيش فيه الآن هو من ثمرة تلك السنوات التي كنا نسميها (الطفرة) أو نسميها (سنوات الخير والبركة).. أنا أحب أن أسميها سنوات الخير والبركة.. لم تكن سنوات طفرة.

وفاة الملك فيصل

* من أبرز الحوادث التي مرت بالملك خالد واهتز لها كثيراً قضية اغتيال الملك فيصل رحمه الله، فقد كان الملك فيصل بالنسبة إلى الملك خالد أكثر من أخ؛ فهو أخ وصديق وقريب جداً، العلاقة بينهما حميمية ونابعة من عميق الاحترام؛ وكان الملك خالد ينظر إليه نظرة إجلال واحترام ومحبة، فعندما سمع بنبأ قتله تأثر كثيراً، ولكن كما قلت سابقاً: الملك خالد من الذين يؤمنون بالقضاء والقدر، فعلى الرغم من كِبَر المصاب في الملك فيصل وتأثره الكبير بفقده إلا أنه كان رابط الجأش، وقد اتخذوا القرار الصائب في سرعة توليه الحكم، وسارت الأمور على خير ما يرام ولله الحمد. أما الخبر الثاني فهو قضية استيلاء جهيمان على الحرم المكي، هذه كانت مأساة كبيرة، وكان الملك غاضباً لأمرين؛ الأمر الأول : هو انتهاك قدسية الحرم، والثاني : هو منع المصلين من الصلاة في الحرم؛ فهو معتاد دائماً على أن يرى المصلين في الأوقات الخمسة كلها والرُّكَّع السجود والذين يطوفون بالبيت ويسعون في المسعى؛ كانت هذه الأمور جزءاً لا يتجزأ من أسلوب الحياة في المملكة، وكان هذا أهم شيء في المملكة العربية السعودية بالنسبة إلى الملك خالد، فانتهاء قدسية هذا المكان أغضبه غضباً شديداً، وكان - رحمه الله - لا يرتاح ليلاً ولا نهاراً حتى قُضي على هذه الفتنة، وكان يصر بإلحاح على القضاء عليها بأسرع وقت، وقد استهلكت من صحته ووقته الكثير، وكنت أنا شاهداً على ذلك. لقد كان - رحمه الله - متأثراً، كان لا يتصور أن يقوم أحد بالاعتداء على الحرمين، فما بالك بأن يكون المعتدي من أبناء هذه البلد وتحت ذريعة الإسلام؟! لقد رأى أن هذا عمل ليس فقط منافياً للدين وإنما هو منافٍ للعقل؛ بمعنى أنه لا يتصوره عقل: أن يقوم أمرؤ بهذا الجنون والعبثية تحت أي تسمية أو تحت أي تبرير.

الحج

* كان يوجد تقليد منذ عهد الملك فيصل- وقبله الملك عبدالعزيز- أنه يستقبل وفود الحجاج، وكان الملك فيصل يجلس (وفي عهد الملك فيصل كنت شاباً) كان يجلس ويستقبل وفود الحجاج؛ هناك من يلقي القصيد وهناك من يلقي كلمة، وتأتي وفود الحجاج من كل حدب وصوب.. من بلاد عربية ومن بلاد إسلامية متنوعة، والبلاد الإسلامية وإن تنوعت لغاتها إلا أن مصادر الثقافة واحدة: وهي القيم الإسلامية.. مع مجموعة من القيم التي تخص كل بلد، فلكل مجتمع خصوصيته.. لكن في العموم لا يوجد تناقض، يوجد تنوع في هذه الثقافات لكن لايوجد تناقض؛ لذلك كان الملك خالد والملك فيصل - رحمهما الله - عندما يجتمعان بالوفود ويسمعان منهم يعطيانهم آذاناً صاغية، خاصةً فيما يتعلق بمسألة التحديث ونقل التقنية وتجارب الدول الإسلامية، فهم يرون في ذلك خطوة إيجابية لكوننا نرى ما عند الدول الإسلامية الأخرى.

الملك خالد والأميرة صيتة

* لقد كان الملك خالد - رحمه الله - والأميرة صيتة بالنسبة إلي ليسا فقط مليكي وخالتي؛ وإنما كانا أكثر من والدَين وقدوتَين، كانا حقاً نبراسَين أستشف منهما المثل الذي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والسلف الصالح، أستشف منهما كيف يكون الإنسان إنساناً مسلماً ويتحدى مغريات الزمان والمكان؛ فعلى الرغم من أنه ملك وأنها أميرة وعندهما جميع ما يحتاجان إلا أنهما كان يحرصان على قيام الليل ويحرصان على صيام رمضان وصيام الست وصيام التسع من ذي الحجة وجميع الأعمال الصالحة، كان فيهما التواضع الكبير الجَمّ، حُسْن الخُلُق، الصبر، الأناة، الحِلْم؛ وصفات قلما اجتمعت في إنسان، هذه أمور كنت أراها وأنا شاب، عندما أذكرها الآن أقول: هذه منحة من الله سبحانه وتعالى، فأسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يمنحني مثل ما منحهما في هذا الجانب.. فأمور الدنيا مصيرها إلى الزوال. أسأل الله - سبحانه وتعالى - للملك خالد المغفرة والرحمة والدرجات العُلا من الجنة، وأسأله لخالتي إطالة العمر والرحمة وأيضاً الدرجات العلا من الجنة، ولوالديَّ وللمسلمين جميعاً.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات