البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
نشأة الملك خالد وشخصيته
الجوانب الشخصية من حياة ...
الملك خالد (نسبه)
مولد ونشأة الملك خالد:
المزيد ....
الملك خالد صفاته ومناقبه
أبرز صفات الملك خالد:
كرم الملك خالد
الشجاعة والإقدام: (من صفات ...
المزيد ....
الملك خالد مع رعيته ولقاءاته بأبنائه المواطنين
الملك خالد مع رعيته
اهتمامه بشؤون المسلمين بالداخل: ...
كان الملك خالد قدوة ...
المزيد ....
القصص والمواقف الجميلة في حياة الملك خالد
الملك خالد يرفض دراستين ...
الملك خالد بن عبدالعزيز، ...
أعجوبة ملكية فريدة؟ (الملك ...
المزيد ....
زيارات واستقبالات الملك خالد
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
استقبالات الملك خالد الدبلوماسية ...
الزيارات التي قام بها ...
المزيد ....
تولي الملك خالد الحكم وسياسته الداخلية
الدروس والفوائد التي يمكن ...
اختيار الملك فيصل بن ...
الأعمال التي قام بها ...
المزيد ....
الحالة الصحية للملك خالد
تطور الحالة الصحية للملك ...
فرحة العودة قصيدة شعبية ...
جلالة الملك المفدى إنني ...
المزيد ....
وفاة الملك خالد ومراثيه
وفاة الملك خالد
لحظاته الأخيرة قبل وفاته: ...
نبأ وفاة الملك خالد ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول العربية والإسلامية
سياسة الملك خالد الخارجية
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصُّ المترجَم
للمقابلة مع الضيف
الدكتور فضل الرحمن شيخ
(الطبيب الخاص للملك خالد )

مناسبة اللقاء بالأمير خالد استماع إلى الفقرة

أحد إخوة الملك خالد كان مريضاً في المستشفى، وكان يريد أن أراه، لكن لم يُسمح لي بذلك, وقد قضى أربعة أسابيع بالمستشفى ثم سُمح له بالعودة إلى منزله. تمكنتُ من لقائه في المنزل, وكنتُ محظوظاً جداً لأنني كنت أعرف سبب علته على وجه التحديد, وتحسنت حالته الصحية في أربعة أيام فحسب بسبب العلاج الملائم. وقد ذكرني في حديثه للملك خالد أثناء قيامه بزيارةٍ لفرنسا ، وبعد ذلك جاءني الاستدعاء لمقابلته. حدث ذلك في شهر يونيو (حزيران) عام 1964م.

اللقاء الأول استماع إلى الفقرة

كنتُ على معرفةٍ بابنه ولم أكن أعرف من يكون ولم أسمع به قط؛ ربما لأنني لم أكن على تواصل مع الجميع. كنت على معرفةٍ بواحد أو اثنين من إخوانه الذين كانوا يقيمون في جدة بسبب عملي في الطب. أحمد الله على أنَّ شهرتي بوصفي طبيباً كانت كبيرةً جداً في ذلك الوقت. أخوه الذي عالجتُه أبلغَه بأنه قابلَ أفضل طبيب، ويجب أن يكون ذلك الطبيب في معيَّته. طلب مني ابنه أن أقابله، فذهبتُ إليه في منزل ابنه. هناك رأيتُ شخصاً لا يقل طوله عن ستة أقدام، له ابتسامة آسرة، ووسامة أخاذة. أظهر لي لطفاً غير معتاد، إذ خرج من مكان جلوسه إلى طرف غرفة الجلوس وأخذني من يدي وأجلسني بقربه. هذا تشريف كبير مما يمكن لشخصٍ أن يقدمه إليك وفق هذه الثقافة. وجَّه إليَّ بضع أسئلة، منها مدى جودة اللغة العربية التي أتحدثها. كانت قدراتي في العربية بدائية، وأظنها حتى الآن لا تزال غير جيدة بما يكفي، لكنها آنذاك كانت بدائية. ثم سألني إن كنتُ لا أمانع في الاعتناء بصحته, وكنتُ غبياً إذ أجبتُه بأنني يجب أن أطلب الإذن من مدير الشؤون الصحية الذي يرأسني. أثناء الحديث تَبَيَّنَ لي مع مَن كنتُ أتحدث: كنتُ أتحدث إلى نائب رئيس الوزراء وأخٍ لـملك المملكة العربية السعودية . وقال لي إن ذلك سيكون شرفاً كبيراً له ولبلاده. تلك هي الطريقة التي تغيرت حياتي بها.

إنسانية الملك خالد استماع إلى الفقرة

إنني الآن أبلغ من العمر نحو ثمانين عاماً، وقد قابلتُ مئات بل آلاف الأشخاص، بمن فيهم رؤساء دول بحكم عملي, لكنني لم ألتقِ قط بشخص عطوف في المكانة التي يشغلها. كان شخصاً عطوفاً للغاية ومهموماً بالآخرين . كان يكره أن يرى أي شخص يتعرض لصعوبات. وخلال الفترة التي مكثتُها معه وامتدت نحو 18 عاماً – إذ التحقتُ بالعمل معه في يونيو (حزيران) 1964م حتى وفاته في يونيو (حزيران) 1982م, وخلال السنوات العشر أو الاثنتي عشرة سنة الأخيرة من حياته كنتُ معه لمدة 14– 15 ساعة يومياً وجدتُه شخصاً يُعنى بالآخرين, كان يألو على نفسه خدمة الآخرين ولا يرضى بأن يعاني شعبه. كان يملك حباً دافقاً للشعب السعودي. وأذكر أنني مراراً كنت أرافقه في سيارته إلى الديوان الـمَلَكي، وكان رجال المرور والحرس يغلقون الطريق أمام المرور ليتسنَّى لموكبه المرور، ولم يكن سعيداً بذلك, كان يسألهم: لماذا تعطِّلون هؤلاء الناس؟! فلربما كان لديهم مريض، أو أنَّ أحدهم يصطحب أطفاله إلى المدرسة، أو يريد شراء شيء لعائلته. وكان يقول لهم: إنني ذاهب في هذا الاتجاه فلماذا تغلقون الطريق في المسار الآخر بوجه المرور؟

أذكر – على وجه التحديد – أننا كنا في الدمام وكان قد أضحى ملكاً لتوِّه, وكنا نقوم بزيارة رسمية للمنطقة الشرقية, كان يستقبل المئات من شيوخ القبائل ويدعوهم لتناول الغداء على مائدته, وكان المكان المخصَّص لإقامته يقع خلف القصر الذي تغدَّينا فيه, فذهبنا سيراً عبر الحديقة إلى مكان إقامته، وهي فِلَّة صغيرة خُصِّصت له ولم تكن عائلته ترافقه. كانت غرفتي تجاور غرفته. لمح رجلَي شرطة مُكَلَّفَيْن بحراسة باب الفِلَّة يقفان تحت الهجير. ذهب إليهما وأمرهما بعدم الوقوف تحت الشمس، وأن يبحثا عن مكانٍ آخر يجلسان فيه. خرجتُ في المساء لأنَّ لديَّ مهمة يتعيَّن القيام بها، فشاهدتُ ضابطاً برتبة لواء في الحرس الـمَلَكي يصرخ في وجه الجنديَّين اللذَين كان واجبهما يتطلب وقوفهما أمام بوابة الإقامة الـمَلَكية, فأبلغاه بأن الملك أمرهما بمغادرة المكان وإن لم يكن يصدقهما فليسألاني، وأشارا نحوي. وسألني الضابط فأكدتُ له صحة ما قالاه, فطلب مني أن أرافقه ليخبر جلالة الملك بأنه لا يمكن لهذَين الجنديَّين أن يقفا تحت ظل شجرة. عدنا وطرقتُ باب غرفة الملك وقلت له إن اللواء عبدالله من الحرس الـمَلَكي يريد أن يتحدث إليك. ودخلنا الغرفة سوياً واستمع إلى ما قاله اللواء في هدوء وظل هادئاً نحو دقيقة، ثم قال: لقد أمرتُهما بالذهاب بعيداً حتى لا أتطلع فأراهما يقفان تحت الهجير. ذلك هو الإنسان الذي كانه.

سمات شخصية الملك خالد استماع إلى الفقرة

أكثر ما انطبع في ذهني عنه أنه كان مسلماً ورعاً وتقياً, كما كان كريماً وعطوفاً جداً. في حياته الشخصية كان الإسلام مهماً جداً بالنسبة إليه, وعلى الرغم من أنه مراراً كان يشعر بمرضٍ شديد وكنتُ أنصحه بعدم الصوم من وجهة نظر طبية؛ إلا أنه كان يرفض تلك النصيحة، على الرغم من أنه كان يعاني من مشكلة خطيرة في القلب منذ الفترة 1970– 1971م.

يأتي في المقام الثاني بالنسبة إليه رفاهية شعبه. كان يسأل أعوانه لماذا يضعون حواجز بينه وبين شعبه، ويقول لهم: أنا منهم وهم مني، فهل تعتقدون أنني أخاف من شعبي؟ هناك حادثة ثالثة: كان يقوم بتطوير عدد من المشروعات الزراعية والسكنية وتخصيص قروض للمواطنين، وكانت هناك تساؤلات بشأن إنفاق مبالغ مالية ضخمة من الموازنة الحكومية على تلك المشروعات, وكانت وجهة نظره أن عائدات النفط الضخمة هي أمانة في عنقه ائتمنه عليها الله وعليه أن يحافظ عليها من أجل الشعب وينفقها على رفاهية الشعب لأن الشعب هو الذي يملكها. وكانت نتيجة مشروعاته إقامة مَزَارع أدت إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في السعودية ، بل إن السعوديين نجحوا في إحدى الفترات في تصدير القمح إلى روسيا . وبالطبع فإن ذلك أدى إلى إجهاد الـمَوَارد المائية وهي مشكلة كان لابد من بذل جهد في معالجتها, بيد أن ذلك كله كان بالنسبة إليه يحقق رفاهية شعبه التي كانت تهمه كثيراً.

في حادثةٍ أخرى أُصيب أحد أفراد عائلته – وهو أحد أحفاده– أُصيب بمرض شديد في الخارج، وكانت أمه تريد منه أن يرسل لها طائرة خاصة أكون أنا على متنها, فقال لها: إن الدكتور فضل سيذهب إليكِ، لكن عليكِ أن تستأجري طائرة خاصة سأدفع كلفتها؛ لأن الحكومة لا تملك طائرات. إلى ذلك الحد كان ضميره حياً.

كنا أثناء سيرنا في موكبه نصادف أصحاب الحاجات الذين يحاولون أن يقدِّموا إليه شكاواهم في خطابات. قال له أحد أولئك الأشخاص إن خطابات بعضهم تؤخذ منهم لكنها لا تصل إلى الملك, فأمر الحرس الـمَلَكي بتخصيص سيارة جيب في كل موكب من مواكبه لتتولى جمع رسائل العامة ونقلها إلى مكتبه مباشرةً. وقال لهم: لا تعطوا الرسائل إلى هذا الشخص أو ذاك من المسؤولين. وآلى على نفسه أن يقوم شخصياً بدراسة تلك الرسائل وعمل اللازم بشأنها. تلك المسائل كانت تؤرِّقه كثيراً. وكانت رفاهية شعبه مهمة جداً بالنسبة إليه. كما أنه كان مهتماً بتطور السعوديين, فعلى الرغم من أنه لم يتلقَّ تعليماً عالياً إلا أنه كان مهتماً للغاية بالتعليم.

وفاؤه لذكرى والدته استماع إلى الفقرة

أعتقد أن من المثير حقاً أنني قرأتُ كتاباً في عام 1951م عن المملكة العربية السعودية , ولم يدر بخلدي قط في ذلك العهد أنني سآتي إلى المملكة العربية السعودية . كنتُ قد تخرجتُ لتوِّي في كلية الطب في لاهور في عام 1951م. مؤلف الكتاب هو إتش. سي. آرمسترونغ . يشير الكتاب إلى سيدة اتضح أنها والدة الملك خالد . وقد كنا نتحدث ذات مرة وذكرتُ له أنني قرأتُ ذلك الكتاب، فقال: نعم, لقد كانت أمي امرأة رائعة، وكان والدي شغوفاً بها. كانت امرأة فائقة الجمال بمقاييس عصرها. غير أنها – بكل أسف – لم تعش طويلاً، إذ توفيت في عام 1918 أو 1919م إثر إصابتها بإنفلونزا. وكان مولعاً بخاله الذي كان أميراً لحائل , وقد اقترنت إحدى بنات خاله هذا بالأمير سلطان ، واقترنت الأخرى بالأمير فهد . بالطبع كنت أعرف العائلة بحكم عملي. بيد أن الملك خالد كان يذكر والدته على الدوام .

وفاؤه لذكرى والده استماع إلى الفقرة

كان الملك خالد أكثر أبناء الملك عبدالعزيز الذين عرفتهم ذِكْراً لوالده في معظم الأوقات. وقد شارك الـملك خالد في الحروب وصنع السلام وحقَّق رفاهية شعبه. وقد فهمتُ منه أنَّ والده كان من أعظم القادة الذين يجيدون التكتيك، وسبب نجاحه في ذلك المجتمع المتنوع أنه كان يملك رؤية واضحة لـِمَا يريده. وقد أشار كتاب آرمسترونغ الذي ذكرتُه قبل قليل إلى قدرته على اتخاذ القرار سريعاً وحركته السريعة الشبيهة بالتيار الكهربائي. وقد كسب معظم الحروب التي خاضها لأنه يكون في الميدان قبل أن يصل خصومه. هكذا كان الملك خالد يتحدث عن والده كثيراً. وكان قد شارك والدَه في حصار جدة في عام 1923م, كما انضم إلى أخيه الأمير فيصل في الحملة في الجنوب ضد اليمن . وكان الملك خالد يشير مراراً إلى حرص والده على استرضاء القبائل.

التضحية والحنكة في حروب توحيد المملكة استماع إلى الفقرة

لا شيء يخرج عن الإطار العام، فلعلك تعلم أن تلك الأحداث وقعت في العشرينيات، وكنتُ قد ظهرتُ في الأفق في الستينيات؛ لذلك كانت تلك الأحداث أضحت ماضياً عتيقاً. ولكن ما شدَّني أكثر هو ما سمعتُه من الملك فيصل الذي كنتُ أعتني أحياناً بصحته، فقد ذكر لي أنهم حين كانوا في الجنوب آنذاك كانوا يعانون ضائقة في المؤن الغذائية، إلى درجة أنه لم يكن هناك طعام يكفي الجندي للوقوف لأداء الصلاة، فكانوا من شدة هزالهم يصلُّون قعوداً، وكانوا إذا تمكنوا من الحصول مرة في الشهر على لحم فهو بمثابة عيد بالنسبة إليهم، وقد ذكر لي ذلك كلٌّ من الملك فيصل والملك خالد . وكان أخوهما الملك سعود على جبهة الشمال. لكن الأمر حسمتْه في النهاية حكمة الملك عبدالعزيز الذي كان يعرف متى يوقف الحرب ويصنع السلام. وقد قرأتُ كتاباً آخر ألَّفه شخص يُدعى وولف ، وهو يهودي نمساوي اعتنق الإسلام وسمى نفسه محمد أسد ، وألَّف كتباً عديدة، أحدها بعنوان "الطريق إلى مكة "، وآخر بعنوان "الإسلام في مفترق طرق"، وكان في وقتٍ ما مستشاراً للملك عبدالعزيز ، وقد ذكر أن الملك عبدالعزيز كان رجلاً يدرك متى يجب عليه التوقف، ولم يكن يخوض حرباً يدرك أنه سيخسرها. ولم يكن هناك مَن هو أكثر دراية بالقبائل من الملك عبدالعزيز .

رحلاته مع الملك فيصل إلى الغرب استماع إلى الفقرة

ذهب في الثلاثينيات إلى ألمانيا . وفي عام 1939م زار الولايات المتحدة بصحبة أخيه الأمير فيصل . لم يذكر ما إذا كان قد قام بأي دورٍ في تلك الزيارات، ولكن حين فرغنا من معالجته في عام 1972م كان يريد العودة من خلال طريقٍ يتتبَّع به مسار رحلتهما السابقة عبر لشبونة التي اضطرا إلى الذهاب عبرها لتفادي مناطق الحرب العالمية الثانية.

تولِّيه ولاية العهد ثم الـمُلك استماع إلى الفقرة

عندما التحقتُ بالعمل معه في عام 1964م – وكنتُ حينها أعمل في وزارة الصحة في جدة – لم يكن ولياً للعهد، بل كان نائباً لرئيس مجلس الوزراء. ومكثتُ معه نحو 10– 12 شهراً. كان الملك فيصل الذي بويع ملكاً في أكتوبر أو نوفمبر 1964م رئيساً للوزراء آنذاك. وفي عام 1965م أُعلن رسمياً اختيار الأمير خالد ولياً للعهد. لم يكن ذلك متوقَّعاً لكنه حدث لأن أخاه محمداً لم يكن راغباً في المنصب وكان هو التالي لشغله. كنت في مهمة رسمية في السويد مرافقاً لأحد المرضى وأخبرتني إحدى السيدات المرافقات بالقرار المتعلق باختيار الأمير خالد ولياً للعهد، الذي أُعلن في مارس (آذار). وبسبب حادثة الاغتيال المؤسفة التي تعرَّضَ لها الملك فيصل أصبح الأمير خالد ملكاً في عام 1975م.

حادثة اغتيال الملك فيصل استماع إلى الفقرة

أتذكر تلك الأحداث جيداً لأنها كانت حدثاً كبيراً جداً في حياة السعوديين والبلاد والمنطقة كلها. كنتُ في بيتي نحو الساعة العاشرة صباحاً وكان الملك فيصل قد اعتاد أن يذهب إلى مكتبه في تمام العاشرة صباحاً، وكان دقيقاً في مواعيده. اتصل بي كبير موظفي مكتبه طالباً مني الحضور فوراً إلى المكتب الذي اعتدتُ الذهاب إليه في تمام الحادية عشرة صباحاً. ذهبتُ سريعاً لكنني وجدتُ كل الأبواب مغلقة، وأخبرني أحدهم أن شخصاً أطلق النار على الملك. تمكنتُ من الدخول إلى مكتبه وكان معاونوه يحاولون نقله إلى سيارة إسعاف. وضعتُ رأسه بين يديَّ وجلس قبالتي طبيبٌ آخر كان معاوناً لي، إذ إن الطبيب الخاص بالملك لم يكن موجوداً. حاولنا على الرغم من ارتجاج سيارة الإسعاف أن نضع كيساً للتغذية الوريدية. وضعتُ يدي على رقبته لأتحسَّس نبضه. كان هناك منعطف كبير في الطريق وعند مرورنا بذلك المنعطف لاحظتُ أن رأسه مال مع تلك الانعطافة، أعتقد أن الملكَ فيصلاً توفي في تلك اللحظة. أخذناه إلى المستشفى حيث حاولوا إفاقة قلبه. كانت هناك طلقة في رأسه. وما لبث أن جاء الأمير خالد وأعضاء الأسرة المالكة الآخرون.

اعتقد الملك خالد حين سمع بالحادثة أن ثورةً ستندلع، فجمع بعض رجاله وسلَّح نفسه ببندقية وعرج على بيت الملك فيصل حيث اصطحب مزيداً من الرجال لأنه كان يعتقد أن المكتب يتعرض لهجوم؛ لذلك اعتقد بأنه ذاهبٌ للقتال.

شيءٌ آخر يمكنني أن أذكره عن شخصيته وهو أن لفظة خوف غير موجودة مطلقاً في قاموسه، كان أشجع رجلٍ رأيتُه في حياتي، وهو أمرٌ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيمانه بالله. كان دوماً يقول: لن يصيبنا إلاَّ ما كتب الله لنا. وعندما وصل إلى الديوان الملكي كنا قد غادرناه لنقل الملك فيصل إلى المستشفى، فذهب إلى هناك حيث تولى الأطباء معالجة الملك. كان طبيعياً أن أشعر بالقلق عليه. عُقد اجتماع للعائلة المالكة أعتقد أنه قُرِّر حينئذٍ أن يصبح الأمير خالد ملكاً للبلاد. لم يكن ما حدث متوقَّعاً لأنه ليس هناك من كان يتوقع أن يطلق ابن أخ الملك النار عليه.

زيارته الأولى لمصر بعد تولِّيه الـمُلك استماع إلى الفقرة

الواقع أنها كانت أول زيارة لي إلى مصر ، وكان لطفاً من الملك خالد السماح لي بمرافقته في تلك الرحلة التي زرنا مصر بعدها مراراً. بعض تلك الرحلات كان يتعلق بحضور قمم عربية نظَّمتها جامعة الدول العربية، وبعضها الآخر زيارات رسمية. أعتقد بأن زيارتنا الأولى لمصر – إذا لم تخنِّي الذاكرة – لم تكن رسمية. لكنني يجب أن أقول إن السادات كان رقيقاً مع الملك خالد وأبدى اهتماماً كبيراً به . وشعرتُ بأن الملك ارتاح لأنور السادات . وكان السادات يقول على الدوام إنه ابن قرية وكان شخصاً متواضعاً. وكانا يجلسان ليتحادثا على مدى ساعات ، أما أنا فلم أكن أفهم اللهجة المصرية ولم أنضمَّ إليهما حين كانا يناقشان قضايا كبيرة. لكن كان هناك تقارب جيِّد بين الزعيمَين. أذكر أن السادات قال إن المجتمع تغيَّر كثيراً، فحين كان صبياً في القرية كان جميع أهلها يعرفون أباه وعائلته وكانوا يحضُّونه على عدم القيام بهذا التصرف أو ذاك لأنه سيِّئ، وكان يقول إن المدنية قضت على ظاهرة مراقبة الآخرين ولم يعد التصرف السيِّئ سيئاً. كان ذلك مما قاله.

زيارة الملك خالد لسورية استماع إلى الفقرة

كنتُ مهتماً في تلك الأيام بالتصوير. أذكر أننا ذهبنا إلى القنيطرة وأتاحوا لنا مشاهدة إسرائيل، كان الإسرائيليون قد أخلَوا القنيطرة آنذاك، وقد رأيتُ انحطاط الإسرائيليين فقد انسحبوا من المدينة لكنهم لم يتركوا فيها مبنى واحداً في حاله، حتى المساجد والمدارس والطرق والمساكن... دمروا كل شيء بعد الاتفاق الذي ألزمهم بالجلاء عن القنيطرة . كان ذلك مؤلماً حقاً بالنسبة إليَّ. لقد تمت تنشئتهم على شعارٍ كاذبٍ يزعم أنه ليس هناك شعب على تلك الأرض وأن هناك شعباً بلا أرض. كان ذلك شيئاً صادماً بالنسبة إليَّ وذكرتُ ذلك للملك خالد . حافظ الأسد كان بطبعه شخصاً كتوماً، لا يسمح للآخرين بمعرفة رد فعله، ولم يكن يكثر الحديث. لا أعرف ما الذي ناقشاه في اجتماعاتهما المغلقة، ولكن أذكر أنه تمت دعوته إلى الرياض ، وكانت توجد خلافات بينه وبين مصر والأردن ، فأحضر الملك خالد زعماء تلك الدول إلى قصره في الناصرية وجمعهم في غرفة وطلب منهم عدم الخروج منها قبل توصُّلهم إلى اتفاق. أعتقد بأنه تم التوصل إلى اتفاق لكنني لا أعرف التفصيلات. كان الملك خالد شخصاً محباً للسلام، وكان يتمنى لكل شخصٍ أن يعيش في سلام، ولم تكن لديه أي مخطَّطات أخرى. ويكمن جمال سياسة المملكة العربية السعودية في حرصها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

زياراته العلاجية للولايات المتحدة استماع إلى الفقرة

الزيارة الأولى قمنا بها في عام 1971م بعدما أُصيب الملك خالد بنوبة قلبية. كنت أعتني بصحته، وكاد أن يفارق الحياة من جرَّاء تلك النوبة القلبية التي كانت قوية جداً. وأذكر أن البروفسور الفرنسي لينيغير أبلغه بأنَّ تلك النوبة تؤدي في مستشفاه إلى الوفاة بنسبة 85 في المئة، لكنه – أي الملك – يتعالج في منزله وهو محظوظ لأن برفقته أطباء جيدين للعناية به. لم يكن يوجد طبيبٌ غيري. وفي وقتٍ لاحق ذهبنا إلى أطباء في لندن لمزيد من الكشف وهم كانوا أساتذتي، وقد نصحونا بالذهاب إلى كليفلاند ، فذهبنا إلى هناك في عام 1971م حيث أُجريت قسطرة تقرَّرَ في ضوئها أنه بحاجة إلى إجراء جراحة. وبما أن حالته كانت جيدة فقد قالوا إنَّ بوسعه الانتظار ثلاثة أشهر. لكن صحته – بكل أسف – تدهورت فاضطُررنا إلى العودة لإجراء الجراحة. واضطُررنا إلى العودة إلى هناك مرةً أخرى بعد سبع أو ثماني سنوات. كان الرئيس كارتر يرسل مندوباً عنه لزيارة الملك، لكنه هذه المرة دعا الملك إلى مأدبة غداء قبل مغادرتنا متوجهين إلى جزيرة برمودا . وفي الطريق عرَّجنا على واشنطن حيث تناولَ الغداء على مائدة الرئيس كارتر . كانت علاقته مع كارتر ممتازة، وكان يعجبني فيه تواضعه،أما من الناحية السياسية فلا أستطيع تقويمه. ذهبنا عبر تلك الطريق لأنَّ الملكَ خالدا كان يريد اقتفاء أثر رحلته الأولى للولايات المتحدة التي كانت عبر لشبونة . وكان يريد الذهاب إلى برمودا لأنه زارها في طريقه إلى الولايات المتحدة في عام 1939م. ومن واشنطن توجهنا إلى برمودا حيث مكثنا أسبوعاً أو عشرة أيام ثم عدنا إلى واشنطن حيث عقد الملك خالد اجتماعاً مع كارتر لم أحضره.

حبُّه للأطفال وعطفه عليهم استماع إلى الفقرة

في أي مجتمع إسلامي – خصوصاً إذا كان عربياً – يمثل الأطفال أهمية كبيرة. وقد قرأتُ كتاباً جاء فيه أن هناك شعبين فقط يحبان الأطفال حباً جماً: أحدهما الشعب العربي، والآخر الشعب الروسي. لقد عشتُ في أوروبا وعرفت أن الأوروبيين لا يبالون بأطفالهم. كان الملك خالد يسعد بصحبة أطفاله وأحفاده، بل حتى أطفال خدمه وأطفالي، إذ كان يلاعب ولدي بالملاكمة حين كان عمره ثلاث أو أربع سنوات. وكان يشعر بقلق شديد على الأطفال. أذكر حين كنا في رحلة الذهاب لإجراء عملية القلب المفتوح الأولى له كان جميع أفراد العائلة برفقته، وكانت لإحدى بناته مولودة في الشهر الثاني أو الثالث، وقد اقترحتُ عليها قبل السفر أن تبقى في الرياض حتى تكبر الطفلة، فَلِكَوْني طبيباً كنتُ أعرف أن آذان الأطفال لا تتحمل ضغط أجواء الطيران فينتابهم ألمٌ فيها. وكانت مولودتها تبكي كثيراً أثناء الرحلة، وكان الملك خالد من شدة لهفته يأتي إلى مكان والدتها كل خمس دقائق ليطمئنَّ قلبه على الطفلة. وقلتُ لابنته انظري إلى أي مدى أزعجتِ والدكِ، خصوصاً أنني كنت أتوقع أننا سنذهب من الطائرة مباشرةً إلى غرفة العمليات في المستشفى؛ لأن حالة الملك الصحية كانت خطيرة، لكن الحمد لله على أن العقاقير جعلته يتحسن، وقلتُ له بعد وصولنا إلى كليفلاند إن بإمكاننا البقاء الليلة خارج المستشفى على أن نذهب إليه صباح اليوم التالي. ولكن ماذا فعل الملك خالد في تلك الليلة؟ ذهب نحو خمس مرات ليستفسر عما إذا كانت حفيدته لا تزال باكية. كان شديد التعلُّق بالأطفال. وبعدما شبَّ أطفاله عن الطوق أضحى متعلقاً بأحفاده، كان محباً جداً لأحفاده.

حادثة الحرم استماع إلى الفقرة

حدثت تلك الواقعة في عام 1400 هـ. كان من عادتي أن أراه الساعة الثامنة والنصف صباحاً. لم يكن يتناول إفطاراً بعد استيقاظه سوى كوب من الحليب وفنجان من القهوة. في ذلك الصباح اتصل بي مأمور الهاتف في القصر طالباً مني الحضور على جناح السرعة. سألته: ما الخطب؟ فأبلغني بالأنباء التي وردت من مكة المكرمة . وكان أحد حراس المسجد قد تمكن من الفرار بعدما أغلق المشاغبون أبواب المسجد بعد صلاة الفجر وتمكن من الاتصال بالملك لإبلاغه. كان الملك بادي الانزعاج. وكان الأمير فهد يحضر اجتماعاً لوزراء الداخلية العرب في تونس ، فطلب الملك من الأمير سلطان الذهاب إلى مكة ، وظل على اتصال للتشاور مع كليهما. دعا الملك خالد مجلس العلماء إلى اجتماع في الديوان الـمَلَكي، وأبلغهم بالتفصيلات. تعامَلَ مع الحادثة بمنتهى الهدوء، ولم يكن هناك فزع، وكما قلتُ فإن لفظة خوف لم تكن واردةً قطُّ في قاموسه. جمع العلماء وطلب منهم القيام بواجبهم وتركهم وحدهم ليقف خارج الغرفة مع بعض أعضاء مجلس الوزراء. كنت أشعر بالقلق على صحته لأنه مريض، ولأنه حساس جداً. بعد انتهاء الاجتماع ذهب إلى مكتبه وصدر بيان بعد ذلك، قرر بمنتهى الشجاعة المحسوبة اتخاذ القرار اللازم لاستعادة السيطرة على الحرم المكي . وعاد الأمير فهد إلى البلاد ليتولى متابعة الأمر. وبعد تطهير الحرم ممن اقتحموه ذهب الملك خالد ليطوف حول الكعبة المشرفة ، وقد رافقتُه.

أعتقد بأنه من الناحية الإسلامية كان أمراً غير عادي وحادثة مؤسفة، إذ إنها المرة الأولى التي يتوقف فيها أداء الصلوات في المسجد الحرام لمدة سبعة أو ثمانية أيام بسبب النشاط العسكري الذي رافقها.

الوضع الصحي الأخير للملك خالد استماع إلى الفقرة

كان الملك خالد مصاباً بارتفاع في ضغط الدم، وكان نوعاً من الارتفاع الشديد الذي لابد من عقاقير عدة للتحكم فيه، وكثيرٌ من تلك الأدوية لها مضاعفات جانبية، لكننا كنا نتلقى مساعدة من زملائنا وأساتذتنا في لندن وأمريكا إلى جانب قدرتي على الحكم على الأمور. بعد الجراحة الأولى التي خضع لها كاد أن يتحول إلى شخصٍ جديد، فقد تحسنت صحته كثيراً، وكان يمشي كأنه ليس مصاباً بأي علَّة. بيد أنه مما يؤسف له أن بعض الأحداث السياسية أثرت فيه تأثيراً سيئاً، خصوصاً الأزمة اللبنانية والهجوم الإسرائيلي على لبنان . لم تنطوِ العملية الأولى على تغيير شرايين، كان علينا أن نزيح قطعة من قلبه لأنها أضحت ميتة، وكانت النتيجة أنَّ قلبه أضحى أصغر حجماً، لكنه تحسَّن كثيراً على الرغم من ذلك. ومع مرور الوقت بدأت تظهر عليه أعراض ضعف أداء عضلة القلب. أحضرنا جميع أعضاء الفريق المعالج من كليفلاند إلى الرياض ، وتم إجراء قسطرة أشارت إلى انسداد أحد شرايين القلب. رأى رئيس الفريق الأمريكي الدكتور ألفريد لوب أنه يمكن أن يتحسن إذا أُخضع لجراحة أخرى مماثلة للأولى. ذهبنا في عام 1979 أو 1980م إلى كليفلاند لإجراء الجراحة الثانية، وقد استغرقت وقتاً أطول، وعادةً ما تكون الجراحة الثانية المماثلة أطول زمناً لأنَّ الجراحة السابقة تمثل تدخلاً في التشريح الداخلي للجسد وليس كما خلقه الله. ومع أن الدكتور لوب نجح في تحسين الدورة الدموية بيد أنَّ عضلة القلب لم تتحسن، ولم تتحسن صحة الملك خالد بالقدر الذي كنا نريده وكما توقعناه بعد الجراحة الأولى.

وفاته رحمه الله استماع إلى الفقرة

كان قد اعتاد على قضاء عطلة نهاية الأسبوع في الثمامة التي تبعد نحو 60– 70 كيلومتراً من الرياض . كانت لديه مزرعة هناك يمارس فيها اهتمامه بالحيوانات. ولذلك كتبتُ في أحد كتبي أن كل شخص وكل شيء يمكن أن يستفيد من سخاء الملك خالد ، سواء أكان طيوراً أو أشجاراً أو بشراً أو حيوانات. وكان يخصص مساحة تصل إلى 100 كيلومتر مربع لحيوانات برية يحرص على زيارتها في كل مرةٍ يذهب فيها إلى المزرعة. وكانت لديه في المزرعة مستودعات للأعلاف وآبار للسقيا. كان يعاونني طبيب من مستشفى الملك فيصل التخصصي يُدعى نزار فتيحي ، و كنتُ أرى الملكَ خالدا صباحاً ليراه الدكتور فتيحي في الصباح التالي، وكنا ندوِّن نتيجة كل معاينة. رأيتُ الملكَ خالدا في نحو الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم، ولم تكن حالته جيدة. استدعيتُ الدكتور فتيحي وأبلغتُه بأنني أشعر بوجود سائل في صدره. كان الملك خالد يريد الذهاب إلى مكتبه، لكنني اعترضتُ لأنه من الناحية الصحية لم يكن في حالٍ تسمح له بالذهاب. جاء الدكتور فتيحي وأعطاه عقاراً لكن هذا الدواء لم يُحدث مفعولاً يُذكر. وكان مقرَّراً أصلاً أن يسافر الملك مساء ذلك اليوم إلى جدة ، اعترضتُ وقلتُ له: لا يمكنك الذهاب لأن ألف شخص سيصطفُّون للسلام عليك. لكنه تمسَّك بالذهاب، وتحت إلحاحه قلتُ له: إن بإمكاننا السفر ولكن إلى الطائف . كانت غرفتي مجاورة لغرفته، فقال لي: لا تبقَ هنا، اذهب إلى المنزل وعد. ذهبتُ وعدتُ سريعاً لكنه لم يسمح لي بمقابلته. في نحو الساعة الرابعة أو الرابعة والنصف بعد الظهر كان يستعد للسفر. قلتُ له: إنني أريد أن أكشف عليك، فلم أكن مرتاحاً لحالته الصحية. طلبتُ منه مرةً أخرى عدم السفر، فقال لي: لماذا تضطرون كل هؤلاء الذين ينتظرونني في جدة إلى الحضور إلى الطائف ؟ وأضاف إن أفراد شعبه يعانون وهم ينتظرون لقاءه. كانت زوجته قد وصلت أصلاً إلى الطائف . اتصلتُ بها وأبلغتُها بأنني لا أريد سفره إلى جدة . قالت لي: تحدَّثْ إلى أخيه. كان الأمير فهد في جدة آنذاك، فاتصلتُ به وقلتُ له – بشكل خاص – : إنَّ ذهاب الملك إلى جدة أشبه بالانتحار. فطلب مني الأمير فهد أن أبحث عن الأمير سلطان ليحل المشكلة، وحين فرغتُ من المحادثة مع الأمير فهد كان الملك وحاشيته قد وصلوا إلى المطار. وكنتُ أعتقد بأن الأمير سلطان كان ينتظر في الطابق الأرضي بانتظار توديع الملك. بعد صعوبةٍ شديدة تمكنتُ من اللحاق بالطائرة ااـمَلَكية وكان عمال الطيران يزيحون سلم الصعود إلى متنها. رآني الملك خالد فقال لي: أنت دائماً كثير الخوف.. انظر إنني في صحة جيدة. والواقع أنه كان فعلياً تحت تأثير تغيُّرات كيمياوية حيوية. وكان ظنِّي أننا عند وصولنا إلى الطائف سأستطيع الاتصال بمدير المستشفى العسكري في الطائف اللواء عبدالرحمن لنجاوي لترتيب دخول الملك المستشفى. لكنه في نحو الرابعة أو الخامسة صباحاً توفي.

كنتُ هناك. لقد رأيتُه، كان واضعاً إصبعه على خدِّه، عيناه كانتا مغلقتَين. كان مبتسماً حقاً. حسبتُه أول الأمر يغطُّ في النوم. دخلنا غرفته أنا والدكتور فتيحي ، وكانت هناك الأميرة موضي . يده كانت باردة. كان من عادته أن يجعل غرفة نومه باردة جداً، وكانت لديه بطانيتان لأنه يُبقي الغرفة باردة جداً. أعتقد بأنه كان قد توفي قبل ساعة أو ساعة ونصف.

من الذكريات عن الملك خالد استماع إلى الفقرة

هناك شاعر فارسي لديه قصيدة تقول:

أُخبرك عن ملامح الرجل المؤمن

حين يأتي الموت

ترتسم ابتسامةٌ على وجهه

ذلك هو عين ما رأيتُه. لقد كان عطوفاً على وطنه، وكان يهتم بالآخرين. وكان عامل توحيد ورمزاً أبوياً للبلاد بأكملها. أعتقد أن الناس يفتقدونه حقاً. ما أذكره جيداً لقائي الأول معه حين طُلب مني الانضمام للعمل لديه، فرأيتُ رجلاً تُداني قامته ستة أقدام وأَسَرَني بابتسامته وخرج من مكانه ليقتادني للجلوس بالقرب منه، وهو تشريفٌ في هذه الثقافة. ما أذهلني حقاً رقَّته وتهذيبه. وبعد لقائي معه في منزل نجله أرسلَ لي بعد يومين شخصاً قال لي إنه يطلب منك إذا لم يكن لديك ارتباط يوم الخميس أو في الليل أن تحضر للقائه. وهو شيءٌ من غير المعتاد أن تسمعه من شخصٍ يشغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء. يجب أن أقول إنني أحببتُ ذلك الرجل في تلك اللحظة بسبب إنسانيته وتقديره للآخرين.

الشيء الآخر أننا اعتدنا مرافقته إلى الصحراء للقنص حين كان أميراً، وقد صادف أن ذهبتُ معه لذلك الغرض إلى صحارى السعودية ومرتين إلى إيران ، ومرة إلى باكستان حيث كان يقضي كل وقته في الصحراء. كان همُّه أن يضمن أنني مرتاح، وأنَّ لديَّ ماءً ساخناً وقطعة صابون ومنشفة وأنَّ هناك شخصاً يأتيني بالشاي، وأنَّ الوضع في تلك الظروف مريحٌ بالنسبة إليَّ بقدر الإمكان.

بعد جراحته الأولى اقترحتُ عليه أن نذهب إلى سان فرانسيسكو ، إذ كان الوقت شتاءً في كليفلاند وكانت السماء تُثلج، ولم يكن هناك مكان مناسب لممارسة رياضة المشي. ذهبنا إلى سان فرانسيسكو حيث مكثنا شهراً كان يتمشى خلاله على الساحل. وهناك عقد العزم على شراء منزل متنقل، فقلتُ له: إنَّ بوسعه أن يقوم بشحنه إلى السعودية ليستخدمه في رحلاته في الصحراء. وبعد وصول الشحنة إلى المملكة نُصب المنزل المتنقل ودخل فيه الملك خالد لكنه خرج منه وقال لي: أنتَ تستقر داخله أما أنا فذاهبٌ إلى خيمتي. إنها ملامح من إنسانيته، إذ كان يحرص على أنَّ جميع من معه في أحسن حال، ويحصلون على كفايتهم مما يحتاجون. أثناء شهر رمضان الذي كان يقضيه في الطائف كان يحرص على أن يضمن أنَّ كل صنفٍ من أصناف الطعام على مائدته موجودٌ أيضاً على مائدة الحراس وجميع المرافقين العاملين، حتى قبل أن يتم تجهيز مائدته. تلك أشياء عظيمة في ذلك الرجل أقدِّرها فيه بشدَّة.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات