البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم
النص بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
الدكتور عبدالرحمن محمد الحمودي
(المراسم الملكية)

مرافقته للملك خالد في زياراته استماع إلى الفقرة

* عام 1395 يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول بعد وفاة الملك فيصل - رحمه الله- وانتقل الحكم للملك خالد -رحمه الله- صارت معرفتي بالملك خالد والتصاقي به في الحفلات الرسمية وفي المناسبات الرسمية في الداخل والخارج؛ داخل المملكة وخارجها. وقد قدَّر الله- بفضله وكرمه- أن أكون بالمعية الكريمة لعدد تسعة عشر رحلة في زياراته الرسمية والمؤتمرات التي حضرها خارج المملكة.

* من المواقف ربما أذكرها هنا: الموقف اللي أذكره- مثلاً- ونحن وجلالة الملك خالد - رحمه الله- في زيارته إلى قطر عام 1396 كانت الاتصالات بيننا وبين المملكة- لابد- من طريق القصر، وكان في تليفون في الصالون المجاور لغرفة الملك خالد رحمه الله، وكان خارج القصر، فاستغليت الوقت لأتحدث مع أولادي، فاتصلت بالرياض في البيت فوجدت والدي، سلَّمت عليه، وقال: والله حنَّا عندنا أمطار غزيرة في الرياض، وحنَّا خرجنا من بيتنا وجينا لبيتك، قلت: الله يحييكم، أثناء هذا صعد الملك وفوجئت بالملك وصل، جاء يدخل جناحه، فاستأذنت من والدي وقلت له: يا أبوي مع السلامة.. الملك..، ووقفت، شافني الملك- رحمه الله- واقف فناداني بالعبارة التالية: حمودي، مطوع وجالسٍ عند التليفزيون! قلت : لا والله- طال عمرك- أكلم الرياض والله جاي عليهم مطر، قال : تعال تعال، وش قلت؟ قلت: والله أبشرك جاهم أمطار- ما شاء الله- اليوم كله، وأخذني يستحثي ويطلب مني المزيد عن المطر... الله يرحمه عن النار.

تواضع الملك خالد استماع إلى الفقرة

* وفي زيارته إلى مصر مصر عام 1395؛ في رجب عام 1395، وبعد صلاة العشاء استدعاني أحد الإخوان، وقال : إن الملك يطلبك، فدخلت عليه في جناحه الخاص في قصر القبة بالقاهرة، وقال: صلِّ صلِّ يا عبدالرحمن، وكان لي الشرف أن تقدمت وصليت به.

مرحه استماع إلى الفقرة

* من المواقف اللطيفة والذكريات الطيبة في زيارات جلالة الملك خالد رحمه الله: كان في زيارته إلى إسبانيا في الفترة ما بين 13- 16شعبان 1401، وخلال زيارته إلى ملك إسبانيا خوان كارلوس تأخر فأدينا صلاة المغرب والعشاء جماعةً في الفندق الذي يسكنه- رحمه الله- في مدريد (ريزدينت هوتيل)، وعندما قَدِم دخل إلى الجناح وسلَّمنا عليه، دخل إلى جناحه يرافقه سيدي سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز فاستدعاني أحد ضباط الحرس الملكي وقال: إن الملك يطلبك، فدخلت عليه في الجناح: أمرك طال عمرك، قال : صلِّ صلِّ يا عبدالرحمن، الشيخ ناصر بيتأخر (والذي يؤمه في صلاته.. في رحلاته: معالي الشيخ الفاضل ناصر بن عبدالعزيز الشثري) فتقدمت وصليت صلاة المغرب، وبعد أنهيت صلاة المغرب وسلَّمت وإذا بالشيخ ناصر خلفي فتأخرت، فأمر للشيخ ناصر أن يكمل صلاة العشاء، وبعد إكمال صلاة العشاء والتسليم قال- رحمه الله، وهو يحب المداعبة، كان لطيفاً مع الصغير والكبير- قال: شيخ ناصر، تراي ما قلت للحمودي يصلي، اللي قايل له الأمير سلطان، والظاهر الأمير سلطان ما عاد يبيك تصلي بنا .

حزنه على وفاة الملك فيصل استماع إلى الفقرة

* كان بعد وفاة الملك فيصل.. عند وفاته- رحمه الله- وبعد أداء الصلاة عليه في الجامع ذهبنا إلى مقبرة العود، وكنت قريباً من الملك خالد وهو على قبر الملك فيصل، وكان الحزن بادياً على صوته وعلى تحركاته، وكان يقول كلمة رددها- رحمه الله-: هذي طاقة الملك فيصل ما أحد يسدها هذي طاقة الملك فيصل ما أحدٍ يسدّها، هذي طاقة الملك فيصل ما كلٍّ يسدها. وكان بكاؤه مستمراً، وكنت أراه والمنديل في يده وهو يعصر دموعه ويمسح دموعه ويمسح أنفه رحمه الله.

برنامج الملك خالد استماع إلى الفقرة

* الملك خالد - رحمه الله- كان يَقْدِم إلى الديوان الملكي يوم الساعة العاشرة صباحاً، ثم يجلس في الصالون للمسلِّمين، وإذا كان عنده مواعيد رسمية، ثم تُعرض عليه الأوراق، وبعد أن يؤدي صلاة الظهر الساعة الواحدة والنصف يذهب إلى قصره، ثم يستقبل الناس في قصره في المساء، ويتناولون الجميع معه طعام العشاء في كل ليلة، إلا في آخر حياته- رحمه الله- فإنه كان يجعل مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع لاستقبال الناس.

بيتي مفتوح للجميع استماع إلى الفقرة

* وأذكر ذات مرة كان وزراء الزراعة في الدول العربية يعقدون مؤتمرهم في الرياض؛ في فندق (إنتركونتيننتال)، فطلبوا أن يتشرفوا بالسلام على جلالة الملك خالد رحمه الله، فأمر أن يحضرون في المساء للعشاء، وكان عددهم يزيد على عشرين وزيراً، فلما قَدِموا ودخلوا وسلَّموا وتشرفوا بالسلام عليه ودخلوا على صالة الطعام: أدباً تحدثتُ مع معالي السيد أحمد عبدالوهاب رئيس المراسم (وكان في جدة) بأنه وزراء الزراعة في الدول العربية الآن مع الملك على العشاء، فقال: أخبِر الدكتور رشاد يبلِّغ الملك على ألا يعلن هذا؛ حتى لا تكون عادةً إذا جاء مؤتمر أن يُقام لهم حفلة؛ لأنه عادةً الحفلات الرسمية لا تُقام إلا للملوك والرؤساء. فأخبرتُ الدكتور، ولما أخبرت الدكتور- وكان يهم بركوب السيارة بعد انتهاء بعد توديعه للضيوف- أخبره بهذا الرأي: أن لا يُعلَن في التليفزيون هذا الحفل، فقال له- رحمه الله، وأنا قريبٌ منه- قال: بيتي مفتوح للجميع في أي وقت وفي أي مناسبة، أعلنوه في التليفزيون.

برنامج الملك خالد في رمضان استماع إلى الفقرة

* أما برنامجه في رمضان: فكان يصوم رمضان في فترة حكمه في الطائف، ويصلي في مسجد العيد في العزيزية، ثم بعد العيد يستقبل المهنئين. وفي عام 1401 في العشر الأخيرة من رمضان توجه إلى مكة، ونزل في قصره (قصر الصفا بمكة، الجديد على جبل أبو قبيس)، وكنتُ معه، مرافقاً معه، كنتُ أفطر في الحرم ثم آتي بعد صلاة المغرب إلى القصر، ولاحظ مرتين أو ثلاث أني آجي متأخر، فقال لي- الله يرحمه- : الحمودي، قلت: سمّ طال عمرك، قال: مفطرٍ في الحرم، قلت: نعم طال عمرك، قال: مكة كلها حرم. فكان لطيفاً مع الصغير والكبير، وله ملاحظاته الدقيقة رحمه الله.

أمنية الملك خالد استماع إلى الفقرة

* وذكر لي معالي المهندس ناصر الرشيد الذي صمم القصر: أنه كان في جدة، فاستدعاه الملك خالد - رحمه الله- وذكرتُ ذلك في كتابي (الدبلوماسية والمراسم السعودية) أنه استُدعي من جدة وكان وجلاً لا يعلم ماهو الخطأ الذي ارتكبه، ظن أن هناك خطأ، فيقول الدكتور ناصر أنه لما صعد إليه في صالونه الذي يجلس فيه مطلَّاً على الحرم ودخلتُ عليه الصالون كنت أظنه سيتكلم عليّ أو أن هناك خطأ ارتكبته، ولكنه بادرني بقوله: جزاك الله خير، جزاك الله خير يا دكتور ناصر (ثلاث مرات)، لقد حققتَ لي أمنية كنت أتمناها: النظر إلى بيت الله.

برنامج الملك خالد في الحج استماع إلى الفقرة

* أما برنامجه في الحج: فإنه يقيم في السادس من ذي الحجة- كما كان سلفه الملك فيصل في السادس من ذي الحجة- حفل عشاء لكبار الوفود الرسمية الذي تصل: من رؤساء بعثات الحج، والسلك الدبلوماسي، وكبار المسؤولين حفل عشاء في مكة، ثم انتقل الحفل إلى منى (قصر منى أخيراً). وإذا كان سيؤدي الحج فإنه يؤدي الحج مع الحجاج في اليوم الموعود، وإذا كان لم يحج في ذاك العام فإنه يأتي يوم عرفة، ويستقبل الناس يوم العيد، وكان مخصِّصاً للسعوديين والمشايخ في الصباح وفي المساء، وبعد الظهر يتناول طعام الغداء. وفي المساء يأتي ثاني يوم يجون كبار الوفود الرسمية من بعثات الحج، وكبار ضيوفه؛ ليؤدوا السلام عليه ثاني يوم العيد، وبعد العصر في المساء يغادر منى- إذا لم يكن حاجاً- إلى جدة

غسل الكعبة استماع إلى الفقرة

* في أول حياته كان في اليوم السابع من ذي الحجة يقوم بغسل الكعبة كما كان يفعل الملك فيصل ررحمه الله، وكنت أشاهد ذلك. في عام 1400 قبل وفاته بعامين -رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الله فسيح جناته - كلف الأمير ماجد - رحمه الله- أمير منطقة مكة بأن يقوم بهذه المراسم وهو غسل الكعبة مرتين في السنة، وأصبحت عادة حتى الآن في عهد الملك خالد من عام 1400 حتى وقتنا الحاضر.

القدس للمسلمين عامة استماع إلى الفقرة

* جلالة الملك الحسن الثاني رئيس لجنة القدس ومعه فخامة الرئيس ياسر عرفات رحمهما الله ورحم أموات المسلمين- تقدموا إلى الملك خالد - رحمه الله، وأنا لست بعيداً -عنه برجل يحمل مجسم الصخرة (صخرة القدس) أو المسجد الأقصى، فقال ياسر عرفات: طال عمرك، نريد أن يرددوا أصحاب الجلالة والفخامة هذا القَسَم (يعني تحرير القدس)، وكنت على يساره والملك فهد - الله يرحمهم جميعاً- كان يلقي كلمة المملكة في صحن الحرم بعيداً عن الملك، والحقيقة: هذه المادة لم تكن في البرنامج، ففوجئتُ بها أنها شي مفاجئ، ولكن الله- سبحانه وتعالى- ألهم الملك خالد - رحمه الله، وكنت واقف على يساره- فأشار بعصاه وقال لهم: اجلسوا القدس ليس لكم وحدكم وإنما للمسلمين عامة. وانتهت الموقف اللي محرج كان: أن يقسموا الرؤساء والملوك أمام الكعبة أن يحرروا، ما كان في البرنامج ولا كان مدروس.

قِبلة الصلاة استماع إلى الفقرة

* إإنه بعد الافتتاح في الحرم توجهوا إلى الطائف اليوم الأول في جلسة المؤتمر في قصر المؤتمرات بالطائف (طريق الهدا) خرج- رحمه الله، وكنت قريباً منه- فقال لي- رحمه الله -: يالله يا عبدالرحمن دوِّر لي محل أصلي فيه.. حسبي الله.. حسبي الله.. تأخرنا عن الصلاة. وكانت تقرب من الساعة الواحدة والنصف.. الثانية ظهراً، فأمرني معالي السيد أحمد عبدالوهاب: عبدالرحمن شوف الصالون اللي قدامك افتحه للملك، فتحت الصالون، وأسرعت وأحضرت كرسي وحطيته على جهة القبلة، فجلس- رحمه الله- وفرَّ الكرسي فرَّة فقلت له- وأنا بجواره-: الله يرحم والديك، القبلة من نا، فقال- الله يرحمه- مداعباً، رحمة الله عليه، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا الله وإياكم به في جنات النعيم، قال: أنا لي ثلاثين سنة في الطائف يا عبدالرحمن، الله يرحم والديك أنا أعرف القبلة. كان دائماً لطيف، ومداعباً يحب المداعبة، الله يرحمه.

كرم الملك خالد استماع إلى الفقرة

* من مكارم أخلاقه ومحبته للعاملين معه: ذكر لي أحد المرافقين للملك فيصل شخصياً قال: بعد وفاة الملك فيصل قَدِمتُ إلى الديوان الملكي في المعذر، وكان معالي الفريق عبدالله البصيلي واقفاً عند جالساً عند مكتب الملك خالد رحمه الله، فقلت له: يا أبو راشد تسمح لي أدخل على الملك؟ قال: والله واحد يركب مع فيصل ما أردّه.. ادخل. فدخلت، وكان عند الملك ولي العهد في ذلك الوقت الملك فهد وسمو الأمير سلطان وبعض الأمراء، يقول: فجلست خلف الملك خالد وهم يتحدثون، يقول: يوم خلَّصوا التفت علي، قال: وش عندك يا محمد؟ محمد قلت: والله يا طويل العمر: المعزب توفي، وعسى الله يطول عمرك. يقول: بدخلة الشيخ محمد معالي الشيخ محمد النويصر لمكتب الملك قال: ابن نويصر، قال: سمّ، قال: سنِّع الأخ محمد، يقول: رحت وجلست في مكتبه عطوني ورقة، أنا لا أقرأ واستحيت من الضباط أنهم يقرؤون الورقة اللي معي، فذهبت إلى البنك (تحويل جابها لي متعب الرويلي ورقة على البنك الأهلي) يقول: ذهبت إلى البطحاء، ولقيت رجل يلبس ثوب إلى نص الساق؛ يعني من المستقيمين هذا، فقلت: يا أخ من فضلك اقرأ لي وش هالورقة، قرأها ولقى فيها خمسمية ألف، قلت: إي ذا ما يعرف يقرأ، خمسمية ألف! أنا ظنيت خمسة آلاف.. عشرة آلاف.. عشرين ألف، يقول: دخلت على البنك، ولما جيت عند الصندوق قال: تبي تفتح حساب ولا تبي تأخذ الفلوس؟ قلت: وش هي؟ عطني بس يا ابن الحلال، قال: لازم تجيب كرتون؛ هذي خمسمية ألف، يقول: قلت له... يقول: والله ما صدقت- يحلف لي بالله العظيم- يقول: والله أني ماخذٍ الأمر من عند أمين الصندوق وإني ذهبت إلى المعذر للشيخ محمد النويصر، وقلت له - بهاللفظ-: عمي أنتم غلطانين، معطيني ورقةٍ ماهيب لي، قال: ليش؟ قال: مكتوب فيها خمسمية ألف، قال: هذي اللي عطاك، رح بس. والله أروح وآخذ الفلوس وأروح لزوجتي، قلت: شيلي خلقانك شيلي هدومك، حطي هالفلوس، ولا تعلّمين أحد. يقول: شي ما يتصور خمسمية ألف يأخذها واحد من الأخوياء؟!.. فهذي من الأمثال الطيبة، وقس عليها الكثير... ما هوب هذي.. كثير... مثلاً- ولله المثل الأعلى-: في جنب بيتي في الطائف مسجد صغير مبني بناه البخاريين في حي النزهة بالطائف، سبعة عشر في أربعة عشر متر من اللبن، والأرض مساحتها المخصصة للمسجد 40 × 60، تصور60 قبلة وأربعين، فاستعنت بالله- سبحانه وتعالى- ثم ذهبت للوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز، وقلت له: يا والد، الحقيقة عندنا أرض لمسجد ودّنا أنه نخاف نروّح الأرض ودّنا نبنيها، فقال: اكتب، كتبت للملك خالد - الله يرحمه عن النار ووالدينا ووالديكم وجميع المسلمين- وصدَّق عليها الوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز : أن ما ذكره الأخخ عبدالرحمن صحيح، ورحت بها لمعالي الشيخ عبدالله بن عمار - الله يرحمهم وجميع أموات المسلمين- وعرضها عليه- الله يرحمه- قال: عطي عبدالرحمن مِيتين ألف، وعطاني مِيتين ألف، ورحت لأبو فهد وعطيته إياه، وبدأنا عاد نجمِّع المبالغ إلين أكمل، جامع كبير جامع حي النزهة، موجود هو للآن، وهو- بفضل الله- أول من بدأها الملك خالد، وكنا قصدنا أن نبني بس مصابير ونحط المنارة ماسورة عليها مكرفون يعني ما تكلف المِيتين، لكن الله- سبحانه وتعالى- سهَّل الباقي، ورفعت للملك فهد - الله يرحمه- وشاف تبرع الملك خالد وعطانا بعد مِيتين، والأمير سلطان عطانا.. وكلٍّ.. المهم إنه كلف المسجد أكثر من ثلاثة ملايين، واللي بناه: مقاول معروف عند الملك خالد اسمه ناصر أبو فارع والمسجد موجود الآن، وأول من بنى لبنته الملك خالد.

مهام ولي العهد استماع إلى الفقرة

* الملك خالد - رحمه الله- يقابل الرؤساء ويتباحث معهم بحضور الأمراء: ولي العهد والأمير سلطان سلطان والأمراء الآخرين والوفد الرسمي، ولكن بعض الأحيان- مثلاً- يتكلم مع الضيف ويقول: نتركك لإنهاء المحادثات مع الأخ فهد لأنه أعطى صلاحية كبيرة للملك فهد، والملك فهد - الله يرحمه- كان ملاصق له، وكان كل صغيرة وكبيرة يعرضها عليه، ولا يسوي شي إلا بأمره، ولكنه- مثل ما حصل في مقابلة ذكرتها في كتابي مع أحمد الجار الله رئيس تحرير جريدة (السياسة) الكويتية، سأله هذا السؤال: أنا أرى أشوف ونسمع أنك أنت معطي صلاحيةٍ كبيرة لولي عهدك. وقال له: إن حكم عمل الدولة.. وهناك أشياء كبيرة من اقتصاد ومن قضايا ومن أشياء نطلع عليها، فتركت المجال للأخ فهد في أعمالٍ أخرى.

حادثة الحرم استماع إلى الفقرة

* في محرم عام 1400 كنت بمعية سيدي ولي العهد في ذاك الوقت الملك فهد- رحمه الله- في مؤتمر القمة في تونس، وجاء الخبر في آخر يوم للمؤتمر، ثاني يوم، كان الفجر، ولما هم الملك فهد - رحمه الله- يبي يذهب إلى المؤتمر ينزل عشان يحضر جلسة مؤتمر القمة وهو يلبس مشلحه العودي (كأني أراه) قال: "البارح أنا ما جاني نوم، ولا عرفت وش السبب، لكن خير إن شاء الله..." ونزل. فأمرني معالي رئيس المراسم السيد أحمد عبدالوهاب أن أذهب إلى معالي الشيخ ناصر الراجحي رئيس ديوان ولي العهد آخذ البرقيات بعد تشفيرها وأؤمن وصولها لمعالي السيد أحمد عبدالوهاب - الله يرضى عليه- وهو في المؤتمر، وكان يتابع الحركات جهيمان خطوة بخطوة. خلَّص المؤتمر ورجعنا للمملكة في الحال، على طول من المؤتمر رأساً، وصلنا إلى جدة: كان الملك خالد والأمير سلطان كلهم والأمراء الثانيين كلهم قائمين بالعمل وتوجيهات الملك خالد، واستمرت فترة ما يقارب أسبوعين، وتطهَّر الحرم، فأمر- رحمه الله- أنه يذهب أول ما يدخل إلى الحرم، فجمعنا الوزراء وكبار المسؤولين اللي بيروحون مع الملك في منزل معالي السيد أحمد عبدالوهاب وأخذناهم بالباص ، والملك خالد طبعاً راح بسيارته إلى الحرم، وجلس عند مقام إبراهيم وصلى فيه. وكان الشيخ الشيخ محمد بن سبيِّل فضيلة الشيخ محمد بن سبيل مبيِّن له القصة كيف حصلت، فقال للملك : "أنا صليت الفجر؛ أمِّيت الناس صلاة الفجر، وقام واحد ومعه عدة أشخاص معهم رشاشات وقال: ترى الكلام ما هوب حكي، ترى في رشاشات، والأبواب مغلقة، والآن بيجي المهدي تبايعونه..."، هذا ما سمعته، ويذكر فضيلة الشيخ محمد بن عبدالله بن سبيل للملك خالد- وأنا موجود عند مقام إبراهيم في الحرم- أنه بعد ذلك شال غترته ومشلحه ورماه، وراح تسلل كأحد الحجاج إلى خلوته، وفي خلوته كان تليفون فأبلغ، هذا مما ذكره الشيخ محمد بن سبيل سمعته وهو يقصه على الملك خالد. كذلك المهندس بكر بن لادن ذكر أنه كيف استطاعوا أنهم يتغلبون على الفئة الضالة- الله يحفظنا وإياكم، ويكفينا شر مَن فيه شر- أنه استطاعوا (عشان الخرائط موجودة عندهم) يثقبون ثقوب في وسط على الخلاوي اللي هم موجودين فيها، ويدخلون عليهم الدخان ومسيل الدموع، وبهذا استطاعوا أنهم يؤثرون عليهم وهم في وسط الخلاوي اللي همَّا مسلحين. أما بالنسبة لضرب المنارات فكان ذكر لي وذكر المهندس بكر وأنا حاضر: أنه كانت الطلقات والضربات تضرب المنارة وتروح يمنةً ويسرة ثم تعود وكأنها ما تأثرت أبداً... سبحان الله العظيم. وهناك طبعاً شاهدت أنا في باب الكعبة ضربة من ضربات البندقيات (هذي الرشاشات) وبفضل الله- سبحانه وتعالى- ثم بتوفيق ولاة الأمر وعلى رأسهم جلالة الملك خالد - رحمه الله- وسمو ولي عهده الملك فهد بن عبدالعزيز والأمير سلطان والأمراء إخوانهم: الله- سبحانه وتعالى- بصلاح نيتهم أن الله- سبحانه وتعالى- تغلَّب؛ انهزموا اندحروا، والحمد الله انتهت الفتنة بخسارتهم ولله الحمد، وانتهت القضية.

إيمانه استماع إلى الفقرة

* إن أحد الأمراء الكبار- رحمة الله على الجميع- جاه ومعه ابنه (وابنه اللي يذكرها) يقول: إن أبوي قال له: يا طويل العمر، الناس تزوجوا إلا أنت ما تزوجت! يقول: قال: يا فلان (ثلاث مرات)، قال: سمّ، قال: والله الذي لا إله إلا هو يا سروالي هذا إنه ما أفكه على زنا. هذا من وراه يقسم اليمين؛ رجل ورع، رجل صالح، يحب الخير للصغير والكبير، لا يردّ أحد عن بابه، لا ينهر أحد. رجل أحلله: ما أقدر أقول لك في صدر الإسلام من الخلفاء من أمثّله مثله؟ لعلي أقرِّبه، ولكنه ما أمثِّل الصحابة- رضي الله عنهم- ولكن أقرِّبه من ورع وحكم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وعن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم- في ورعه، وفي حبه للخير، وفي كرمه، وفي مدافعته عن الشرع، وعدم أنه لا يسمع في شي اسمه الشرع أبداً: لازم الشرع عنده شي مقدس، وكتاب الله وسنة رسوله لازم تُنَفَّذ.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم
النص الفصيح
للمقابلة مع الضيف
الدكتور عبدالرحمن محمد الحمودي
( المراسم الملكية)
مرافقته للملك خالد في زياراته

* في يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول من عام 1395هـ بعد وفاة الملك فيصل- رحمه الله- وانتقال الحُكم إلى الملك خالد- رحمه الله- توثقت معرفتي بالملك خالد والتصاقي به في الحفلات الرسمية وفي المناسبات الرسمية في داخل المملكة وخارجها. وقد قدَّر الله- بفضله وكرمه- أن أكون بالمعيَّة الكريمة في تسع عشرة رحلة من زياراته الرسمية والمؤتمرات التي حضرها خارج المملكة.

من المواقف التي أذكرها- على سبيل المثال-: عندما كنا مع جلالة الملك خالد- رحمه الله- في زيارته إلى قطر عام 1396هـ، وكانت الاتصالات عندئذ بيننا وبين المملكة لابد أن تكون عن طريق القصر، وكان يوجد هاتف في الصالة المجاورة لغرفة الملك خالد رحمه الله، وكان وقتئذ خارج القصر؛ فأردتُ أن أستغل الوقت لأتحدث هاتفياً مع أولادي، فاتصلتُ بالبيت في الرياض، فوجدت والدي في البيت، فسلَّمتُ عليه، وقال:" إن عندنا أمطاراً غزيرةً في الرياض، فخرجنا من بيتنا وجئنا إلى بيتك"، فقلتُ له:" حياكم الله..".. وفي هذه الأثناء فُوجئت بأن الملك وصل ليدخل في الجناح المخصص له، فاستأذنتُ من والدي وقلتُ له على عَجَل:" مع السلامة يا أبي.. إن الملك.." وهببتُ واقفاً، فرآني الملك- رحمه الله- واقفاً، فقال لي:" حمودي، مطوِّع وجالس عند التليفزيون!"، قلت:" لا والله طال عمرك، إنني أكلم الرياض، لقد هطلت عندهم الأمطار"، فقال:" تعال.. تعال.. ماذا قلت؟"، قلتُ:" والله أبشرك.. هطلت عندهم الأمطار طيلة اليوم ما شاء الله".. فأخذني يستحثني ويطلب مني مزيداً من الأخبار عن الأمطار.. رحمه الله وأجاره من عذابه.

تواضعه

وفي زيارته إلى مصر في رجب عام 1395هـ، وبعد صلاة العشاء؛ استدعاني أحد الإخوان قائلاً: إن الملك يطلبك، فدخلت عليه في جناحه الخاص في قصر القبة بالقاهرة، فقال لي: صلِّ صلِّ يا عبدالرحمن. وكان لي الشرف أن تقدمتُ وصليتُ به.

مرحه

من المواقف اللطيفة والذكريات الطيبة في زيارات جلالة الملك خالد رحمه الله: أنه كان في زيارته إلى إسبانيا في الفترة ما بين 13-16 شعبان عام 1401هـ، وخلال زيارته لملك إسبانيا( خوان كارلوس) تأخر فأدَّينا صلاة المغرب والعشاء جماعةً في الفندق الذي يسكنه- رحمه الله- في مدريد واسمه (ريزدينت هوتيل)، وعندما جاء دخل إلى الجناح وسلَّمنا عليه، وكان يرافقه سيدي سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز، فاستدعاني أحد ضباط الحرس الملكي قائلاً: إن الملك يطلبك. فدخلت إليه في الجناح قائلاً:" أمرك طال عمرك"، فقال:" صلِّ صلِّ يا عبدالرحمن، فالشيخ ناصر سيتأخر" (وكان الذي يؤمُّه في صلاته أثناء رحلاته هو معالي الشيخ الفاضل ناصر بن عبدالعزيز الشثري)، فتقدمتُ وصليتُ بهم صلاة المغرب، وبعد أن أنهيتُ الصلاة وسلَّمتُ وإذا بالشيخ ناصر خلفي، فتأخرتُ، فأمر الشيخ ناصراً أن يصلي بهم صلاة العشاء، وبعد إتمام الصلاة والتسليم قال- رحمه الله- ممازحاً:" يا شيخ ناصر، أنا لم أقل للحمودي أن يصلي بنا، الذي قال هو الأمير سلطان، ويبدو أن الأمير سلطان لم يعد يريدك أن تصلي بنا". لقد كان يحب المداعبة، وكان لطيفاً مع الصغير والكبير.

حزنه على وفاة الملك فيصل

عند وفاة الملك فيصل- رحمه الله- وبعد أداء الصلاة عليه في الجامع ذهبنا إلى مقبرة العود، وكنتُ قريباً من الملك خالد وهو قائم على قبر الملك فيصل، وكان الحزن بادياً على صوته وجميع حركاته، وكان- ر حمه الله- يردد عبارةً يقول فيها: "هذه الثغرة التي تركها الملك فيصل لا يسدُّها أحد، هذه الثغرة التي تركها الملك فيصل لا يسدُّها أي أحد". وكان بكاؤه مستمراً، وكنت أراه والمنديل في يده وهو يمسح دموعه وأنفه رحمه الله.

برنامج الملك خالد

كان الملك خالد يَقْدِم إلى الديوان الملكي الساعة العاشرة صباحاً، ثم يجلس في الصالة لاستقبال المسلِّمين عليه، ثم يقضي مواعيده الرسمية إن وُجدت، ثم تُعرض عليه الأوراق، وبعد أن يؤدي صلاة الظهر الساعة الواحدة والنصف يذهب إلى قصره، ثم يستقبل الناس في قصره في المساء، ويتناول الجميع معه طعام العشاء في كل ليلة، إلا في آخر حياته فإنه في تلك الفترة كان يجعل استقبال الناس مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع.

في اليوم السابع من ذي الحجة يقوم بغسل الكعبة كما كان يفعل الملك فيصل وكنت أشاهد ذلك وقبل وفاته بعامين أمر الأمير ماجد يرحمه الله أن يقوم بهذه المهمة مرتين في السنة وأصبحت عادة حتى الآن .

بيتي مفتوح للجميع

وأذكر مرة أن وزراء الزراعة في الدول العربية كانوا يعقدون مؤتمرهم في فندق (إنتركونتيننتال) في الرياض، فطلبوا أن يتشرَّفوا بالسلام على جلالة الملك خالد رحمه الله، فأمر أن يحضروا إليه في المساء للعشاء معه، وكان عددهم يزيد على عشرين وزيراً، فلما قَدِموا ودخلوا وتشرَّفوا بالسلام عليه ودخلوا إلى صالة الطعام؛ تحدثتُ-أدباً-مع معالي السيد أحمد عبدالوهاب رئيس المراسم (وكان في جدة) وأخبرته أن وزراء الزراعة في الدول العربية هم الآن مع الملك على العشاء، فقال: "بلِّغ الدكتور رشاداً أن يطلب من الملك ألا يعلن هذا الخبر، كيلا يصبح هذا الأمر عادةً :أن يُقام حفل لكل مؤتمر"؛ لأن الحفلات الرسمية لا تُقام إلا للملوك والرؤساء. فأخبرتُ الدكتور في الوقت الذي كان يهمُّ فيه الملك بركوب السيارة بعد توديع الضيوف، فلما نقل إليه هذا الرأي (ألا يُعلَن هذا الحفل في وسائل الإعلام) قال-رحمه الله، وكنتُ قريباً منه-: "بيتي مفتوح للجميع في أي وقت وفي أي مناسبة، أَعْلِنوه في التليفزيون".ا.

بعد عقد جلسة افتتاح المؤتمر في الحرم توجهنا إلى الطائف وكنت قريبًا منه فقال لي يا عبدالرحمن أبحث لنا عن مكان نصلي به فقد تأخرنا عن الصلاة وكانت صلاة الظهر فأمرني معالي السيد أحمد عبدالوهاب وقال لي افتح ذلك الصالون ففتحته وأحضرت للملك كرسيًا وأشرت إلى القبلة فقال لي أنا لي ثلاثون عامًا في الطائف أنا أعرف القبلة بروح تغمرها الدعابة واللطف.

برنامج الملك خالد في رمضان

أما برنامجه في رمضان: فقد كان يصوم في الطائف في فترة حكمه، ويصلي في مسجد العيد في العزيزية، ثم يستقبل المهنئين بعد صلاة العيد. وفي عام 1401هـ توجه إلى مكة في العشر الأواخر من رمضان، ونزل في قصره الجديد (قصر الصفا الجديد بمكة، على جبل أبو قبيس)، وكنت معه مرافقاً إياه، وكنت أفطر في الحرم ثم آتي بعد صلاة المغرب إلى القصر، ولاحظ مرتين أو ثلاثاً أني آتي متأخراً، فقال لي-رحمه الله-: "يا الحمودي"، قلت: "سَمّ، طال عمرك"، قال: "أفطرتَ في الحرم؟"، قلت: "نعم، طال عمرك"، فقال: "مكة كلها حرم"؛ فقد كان لطيفاً مع الصغير والكبير، وله ملاحظاته الدقيقة رحمه الله.

أمنية الملك خالد

وذكر لي معالي المهندس ناصر الرشيد الذي صمَّم القصر-وذكرتُ ذلك في كتابي "الدبلوماسية والمراسم الملكية"-أنه كان في جدة، فاستدعاه الملك خالد رحمه الله، فشعر بالوجل فهو لا يعلم الخطأ الذي ارتكبه؛ لأنه ظن أنه يوجد خطأ، فلما صعد إليه في صالته التي يجلس فيها-وهي مطلَّة على الحرم-ودخل الصالة؛ يقول: كنتُ أظن أن الملك سيوبخني على خطأ ارتكبته، ولكنه بادرني بقوله: جزاك الله خيراً، جزاك الله خيراً يا دكتور ناصر (وكررها ثلاث مرات)؛ لقد حققتَ لي أمنية كنتُ أتمناها: النظر إلى بيت الله.

برنامج الملك خالد في الحج

أما برنامجه في الحج: فإنه كان يقيم في السادس من ذي الحجة-كما كان سلفه الملك فيصل يفعل في اليوم نفسه-حفل عشاء في مكة لكبار الوفود الرسمية التي تصل: من رؤساء بعثات الحج، والسلك الدبلوماسي، وكبار المسؤولين، ثم انتقل الحفل إلى منى (قصر منى مؤخراً)، وإذا كان سيؤدي الحج فإنه يؤديه مع الحجاج في اليوم الموعود، وإذا كان لا يحج في ذاك العام فإنه يأتي في يوم عرفة، ويستقبل الناس يوم العيد وكان مخصِّصاً للسعوديين والمشائخ الوقت في الصباح وفي المساء، وبعد الظهر يتناول طعام الغداء. وفي مساء اليوم الثاني تَفِدُ إليه كبار الوفود الرسمية من بعثات الحج، وكبار ضيوفه، ليتشرَّفوا بالسلام عليه وتهنئته، ثم يغادر منى بعد العصر (في المساء) إلى جدة إذا لم يكن حاجاً.

غسيل الكعبة

في الفترة الأولى كان يقوم بغسل الكعبة في اليوم السابع من ذي الحجة كما كان يفعل الملك فيصل رحمه الله، وكنتُ أشاهد ذلك. وفي عام 1400هـ (قبل وفاته بعامين، رحمه الله رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جناته) كلَّف الأمير ماجداً أمير منطقة مكة المكرمة-رحمه الله-بأن يقوم بهذه المراسم وهي غسل الكعبة مرتين في السنة، وأصبحت عادةً منذ عهد الملك خالد (منذ عام 1400هـ) حتى وقتنا الحاضر.

القدس للمسلمين عامة

كان جلالة الملك الحسن الثاني رئيس لجنة القدس ومعه فخامة الرئيس ياسر عرفات-رحمهما الله ورحم أموات المسلمين-قد تقدما إلى الملك خالد رحمه الله (ولم أكن بعيداً عنه) برجل يحمل مجسَّماً يمثل مسجد قبة الصخرة أو المسجد الأقصى، فقال ياسر عرفات: "طال عمرك، نريد أن يردد أصحاب الجلالة والفخامة هذا القَسَم"؛ وهو قسم تحرير القدس. وكنت حينئذٍ على يسار الملك خالد، وكان الملك فهد-رحمهم الله جميعاً-يلقي كلمة المملكة في صحن الحرم بعيداً عن الملك. والحقيقة أن هذا الاقتراح لم يكن ضمن مواد البرنامج، وكان مفاجئاً لنا.. ولكن الله-سبحانه وتعالى-ألهم الملك خالداً رحمه الله (وكنت واقفاً إلى يساره) فأشار بعصاه وقال لهم: "اجلسوا؛ القدس ليست لكم وحدكم، وإنما للمسلمين عامة"، وانتهى ذلك الموقف المحرج (أن يقسم الرؤساء والملوك أمام الكعبة أن يحرِّروا القدس) إذ إن هذا لم يكن مدروساً؛ فهو لم يكن في البرنامج أصلاً.

قِبلة الصلاة

بعد افتتاح المؤتمر في الحرم توجه الجميع إلى الطائف؛ وفي جلسة المؤتمر (في اليوم الأول) في قصر المؤتمرات في طريق الهَدَا بالطائف خرج-رحمه الله، وكنت قريباً منه-فقال لي-رحمه الله-: "هيا يا عبدالرحمن؛ ابحث لي عن موضع أصلي فيه.. حسبي الله.. حسبي الله.. تأخرنا على الصلاة"، وكانت الساعة تقارب الواحدة والنصف أو الثانية ظهراً، فأمرني معالي السيد أحمد عبدالوهاب قائلاً: "يا عبدالرحمن، انظر الصالة التي أمامك؛ افتحها للملك"، ففتحتُ الصالة وأسرعتُ وأحضرتُ كرسياً ووضعتُه باتجاه القبلة (كما ظننتها)، فجلس-رحمه الله-وأعاد توجيه الكرسي، فقلت له-وأنا بجواره-: "رحم الله والديك، القبلة من هنا"، فما كان منه -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا الله وإياكم به في جنات النعيم-إلا أن قال لي مداعباً: "إن لي ثلاثين سنة في الطائف يا عبدالرحمن، رحم الله والديك، أنا أعرف القبلة". لقد كان لطيفاً ويحب المداعبة رحمه الله.

كرم الملك خالد

من المواقف الدالة على مكارم أخلاقه ومحبته للعاملين معه: ذكر لي شخصياً أحد المرافقين للملك فيصل قال: بعد وفاة الملك فيصل قَدِمتُ إلى الديوان الملكي في المعذر، وكان معالي الفريق عبدالله البصيلي جالساً عند مكتب الملك خالد رحمه الله، فقلتُ له:" يا أبا راشد، ألا تسمح لي بأن أدخل إلى الملك؟"، قال: "إن رجلاً كان يركب مع الملك فيصل لا أردُّه عند الدخول؛ ادخل"، فدخلتُ، وكان عند الملك خالد ولي العهد-في ذلك الوقت-الملك فهد وسمو الأمير سلطان وبعض الأمراء، فجلستُ خلف الملك خالد وهم يتحدثون، وعندما انتهوا من حديثهم التَفَتَ الملك إليَّ وقال: "ما عندك يا محمد؟"، قلتُ: "يا طويل العمر؛ لقد توفي صاحب الشأن والضيافة.. وعسى أن يطيل الله في عمرك..."، وإذا بمعالي الشيخ محمد النويصر يدخل إلى مكتب الملك، فقال له الملك: "يا ابن نويصر"، قال: "سَمّ"، فقال الملك: "أكرِم الأخ محمداً واقضِ حاجته". فذهبتُ وجلستُ في مكتبه، فأعطوني ورقة وأنا لا أعرف القراءة، واستحييتُ أن أطلب من الضباط أن يقرؤوها لي، فذهبتُ إلى البنك في البطحاء (وكانت ورقة موجَّهة إلى البنك الأهلي، والذي أحضرها لي متعب الرويلي)، وقبل دخولي البنك لقيت رجلاً يلبس ثوباً قصيراً إلى منتصف الساق؛ إي أنه من المستقيمين، فقلت له: "يا أخي، من فضلك اقرأ لي، ما الذي في هذه الورقة"، فقرأها وأخبرني أن المكتوب فيها مبلغ هو خمسمئة ألف!، فقلتُ في نفسي: يبدو أنه لا يعرف القراءة.. خمسمئة ألف!!، وكنت أظن أنها خمسة آلاف.. عشرة آلاف.. وعلى الأكثر عشرون ألفاً..، فدخلتُ إلى البنك، ولما وصلتُ إلى الصندوق قال الموظف: "هل تود فتح حساب أم تأخذ المبلغ؟"، قلتُ: "وما قيمتها؟ أعطني إياها يا ابن الحلال"، قال: "يلزمك أن تحضر (كرتوناً)؛ إنها خمسمئة ألف". يقول صاحب القصة: "فوالله لم أصدق"، ويحلف لي بالله العظيم قائلاً: فوالله لقد أخذتُ الورقة من أمين الصندوق ورجعتُ إلى المعذر إلى الشيخ محمد النويصر، وقلتُ له-حرفياً-:"عمي، أنتم مخطئون؛ أعطيتموني ورقة ليست لي"، قال: "لماذا؟" قلت: "مكتوب فيها: خمسمئة ألف!"، فقال: "إنه المبلغ الذي أعطاك إياه؛ فاذهب به".. فذهبتُ وأخذتُ المبلغ وذهبتُ إلى زوجتي وقلت لها: "احملي ملابسك وضعي هذه الأموال، ولا تخبري أحداً". يقول: شيء لا يمكن تصوره، خمسمئة ألف يأخذها أحد الأخوياء!! فهذه الحادثة من الأمثلة الطيبة.. وقس عليها كثيراً من الوقائع.. ليس هذه فقط بل كثير مثلها.. فعلى سبيل المثال-ولله المثل الأعلى-: كان يوجد بجانب بيتي في حي النزهة بالطائف مسجد صغير بناه البخاريون من اللَّبِن، وكان طولاه 17 × 14م، والأرض المخصصة للمسجد كانت مساحتها 40 × 60م وهي مساحة ممتازة.. فاستعنت بالله-سبحانه وتعالى-وذهبتُ إلى الوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز، وقلت له: "يا والد، الحقيقة عندنا أرضٌ لمسجد ونخشى من أن نخسر هذه الأرض، فنريد أن نبنيها"، فقال: "اكتب هذا"، فكتبتُ للملك خالد-رحمه الله عن النار، ووالدينا ووالديكم وجميع المسلمين-وصدَّق عليها الوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز: أن ما ذكره الأخ عبدالرحمن صحيح. فذهبت بهذا الطلب لمعالي الشيخ عبدالله بن عمار- رحمهم الله جميعاً وجميع أموات المسلمين-وعرضه على الملك خالد-رحمه الله-فقال: "أعطِ عبدالرحمن مئتي ألف" فأعطاني مئتي ألف، وذهبتُ إلى أبي فهد وأعطيته المبلغ.. وبدأنا نجمع المبالغ إلى أن اكتمل جامع كبير هو جامع حي النزهة، وهو موجود إلى الآن. وكان أول من بدأ في العطاء هو الملك خالد، وكانت غايتنا وقتئذٍ أن نبني فقط الجوانب الأساسية ونضع المنارة بشكل عمود مرتفع وعليه مكبر الصوت، أي لم تكن لتكلف مئتي ألف، لكن الله-سبحانه وتعالى-سهَّل باقي العمل وتكلفته، فقد رفعتُ الطلب للملك فهد- رحمه الله-ورأى تبرُّع الملك خالد وأعطانا مئتي ألف أخرى.. وأعطانا أيضاً الأمير سلطان.. وغيرهم، وقد كانت تكلفة المسجد أكثر من ثلاثة ملايين، والذي نفذ بناءه مقاول معروف عند الملك خالد اسمه ناصر أبو فارع. والمسجد موجود إلى الآن، وأول من بدأ ببنائه الملك خالد.

مهام ولي العهد

كان الملك خالد-رحمه الله- يقابل الرؤساء ويتباحث معهم بحضور الأمراء: ولي العهد والأمير سلطان والأمراء الآخرين والوفد الرسمي، ولكنه في بعض الأحيان كان يقول للضيف: "نتركك لإنهاء المحادثات مع الأخ فهد"؛ لأنه أعطى صلاحيات كبيرة للملك فهد، فقد كان الملك فهد-رحمه الله-ملاصقاً له، وكان يَعرِض كل صغيرة وكبيرة عليه، ولا يفعل شيئاً إلا بأمره. وفي مقابلةٍ (ذكرتها في كتابي) مع أحمد الجار الله رئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية؛ سأله هذا السؤال: "إننا نرى ونسمع أنك تعطي صلاحيات كبيرة لولي عهدك!"، فقال: "إنها طبيعة عمل الدولة؛ ثمة أشياء كبيرة من اقتصاد ومن قضايا كبرى وغيرها لابد أن نطَّلع عليها، فتركتُ المجال للأخ فهد في أعمال أخرى".

حادثة الحرم

في شهر محرم من عام 1400هـ كنت مرافقاً سيدي ولي العهد آنذاك الملك فهد- رحمه الله- في مؤتمر القمة في تونس، وجاء الخبر في فجر اليوم الثاني وهو آخر يوم من المؤتمر. وعندما همَّ الملك فهد-رحمه الله-بالذهاب إلى المؤتمر لحضور جلسة مؤتمر القمة-وهو يلبس مشلحه العودي، كأني أراه-قال: " بالأمس لم أستطع النوم، ولم أعرف ما السبب.. لكنه خير إن شاء الله.." ونزل. فأمرني معالي رئيس المراسم السيد أحمد عبدالوهاب أن أذهب إلى معالي الشيخ ناصر الراجحي رئيس ديوان ولي العهد لآخذ البرقيات (بعد تشفيرها) وأؤمِّن وصولها لمعالي السيد أحمد عبدالوهاب وهو في المؤتمر- الله يرضى عنه-وكان يتابع تحركات جهيمان خطوة بخطوة. وبمجرد انتهاء المؤتمر عدنا إلى المملكة في الحال، ووصلنا إلى جدة، وكان الملك خالد والأمير سلطان والأمراء الآخرون كلهم قائمين بالعمل وفق توجيهات الملك خالد، واستمر هذا الوضع ما يقارب أسبوعين، ثم تم تطهير الحرم، فأمر-رحمه الله-بالتوجه إلى مكة وإلى الحرم مباشرةً، فأبْلَغْنا الوزراء وكبار المسؤولين الذين سيذهبون مع الملك، فاجتمعوا في منزل معالي السيد أحمد عبدالوهاب، وذهبنا وإياهم بالباص، وذهب الملك خالد طبعاً بسيارته إلى الحرم، وجلس عند مقام إبراهيم وصلى عنده. وكان فضيلة الشيخ محمد بن سبيِّل قد بيَّن القصة للملك خالد وبيَّن كيفية حصول الحادثة، فقال للملك: "لقد أممتُ الناس في صلاة الفجر، وبعد الصلاة قام رجل-ومعه عدة أشخاص يحملون الرشاشات-وقال: "إن الأمر ليس مجرد كلام، إن معنا رشاشات، والأبواب مغلقة، والآن سيأتي المهدي كي تبايعوه.."، هذا ما سمعته. ويذكر فضيلة الشيخ محمد بن عبدالله بن سبيِّل للملك خالد-وأنا موجود عند مقام إبراهيم في الحرم-أنه بعد ذلك حمل غترته ومشلحه ورماهما، وذهب متسللاً- كواحد من الحجاج-إلى خلوته، وكان يوجد هاتف في خلوته فأبلغ بالأمر، هذا مما ذكره الشيخ محمد بن سبيِّل وسمعتُه وهو يقصُّه على الملك خالد. كذلك ذكر المهندس بكر بن لادن كيف استطاعوا أن يتغلبوا على الفئة الضالة-حفظنا الله وإياكم، وكفانا شر مَن فيه شر-فذكر أنه بما أن الخرائط موجودة عندهم فقد استطاعوا إيجاد ثقوب في الجوانب التي كان أفراد تلك الفئة موجودين فيها، واستطاعوا أن يدخلوا عليهم بالدخان ومسيِّل الدموع، وبهذا استطاعوا أن يؤثروا فيهم وهم في وسط المناطق التي كانوا متسلِّحين فيها. أما بالنسبة إلى ضرب المنارات فكان قد ذُكر لي-وذكر ذلك أيضاً المهندس بكر وأنا موجود-أن الطلقات والضربات كانت تضرب المنارة فتهتز يمنةً ويسرةً ثم تعود وكأنها لم تتأثر قط.. سبحان الله العظيم. وهناك طبعاً شاهدتُ على باب الكعبة أثر ضربة من ضربات البندقيات (الرشاشات). وبفضل الله-سبحانه وتعالى- وبتوفيق الله لولاة الأمر وعلى رأسهم جلالة الملك خالد-رحمه الله-وسمو ولي عهده-آنذاك- الملك فهد بن عبدالعزيز والأمير سلطان، والأمراء إخوانهم، وبصلاح نياتهم فقد وفقهم الله-سبحانه وتعالى-فتغلبوا على الفئة الضالة فانهزموا واندحروا، وانتهت الفتنة بخسارتهم، وانتهت القضية ولله الحمد.

إيمانه

جاء أحد الأمراء الكبار-رحمة الله على الجميع-ومعه ابنه وهو الذي يذكر هذا؛ يقول: إن أبي قال للملك خالد: "يا طويل العمر؛ تزوَّجَ الناس وأنت لم تتزوج!"، فقال: "يا فلان" ثلاث مرات، قال: "سَمّ"، قال: "والله الذي لا إله إلا هو لا أفك ملابسي على زنا"، وعلى هذا أقسم اليمين. لقد كان رجلاً ورعاً، صالحاً، يحب الخير للصغير والكبير، لا يردُّ أحداً عن بابه، ولا ينهر أحداً. وإذا أردتُ أن أشبِّهه لن أستطيع أن أشبِّهه بالصحابة الخلفاء في صدر الإسلام، لكني أقرِّبه من ورع عمر بن الخطاب وحكمه-رضي الله عنه وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-في ورعه، وفي حبه للخير، وفي كرمه، وفي دفاعه عن الشرع وفي رفضه القاطع أن يسمع شيئاً يمس الشرع؛ فالشرع عنده شيء مقدس، وحُكم كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-واجب التنفيذ.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات