البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
دور الملك خالد في دعم التضامن العربي والإسلامي
آخر نداء عربي وإسلامي ...
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
أمن الحرمين
قضاء الملك خالد على ...
حادثة الحرم المكي
الحادث الأليم والطامة الكبرى ...
المزيد ....
الحرس الوطني والقوات المسلحة
دعم القوات المسلحة دفاعا ...
مساهمة القوات المسلحة السعودية ...
وفي عهد الملك خالد ...
المزيد ....
الدفاع الجوي
بدأ الطيران الحربي في ...
تطور الشؤون العسكرية والطيران ...
الدفاع والطيران: ( في ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول العربية والإسلامية
سياسة الملك خالد الخارجية
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
المزيد ....
دعم المملكة للقضية الفلسطينية
دعم القضية الفلسطينية
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول الغربية
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
وضع البيان أسس للسياسة ...
دور المملكة بين دول ...
المزيد ....
الاتفاقيات والعلاقات الدولية
السياسة الخارجية في عهد ...
بتطوير وتنظيم علاقات المملكة ...
وزارة الخارجية (تنظيمها)
المزيد ....
أحداث عالمية
منظمة المؤتمر الإسلامي تطالب ...
11 دولة عربية تؤيد ...
انتخاب أمين عام للمؤتمر ...
المزيد ....
سياسة المملكة في التعامل مع الثروة النفطية
التأكيد على استمرار المملكة ...
زادت أسعار النفط خلال ...
اكتشاف البترول في المملكة
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصُّ المترجَم
للمقابلة مع الضيف
البروفيسور ويليام كوانت
(مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق)

الدور السياسي والاقتصادي للنفط استماع إلى الفقرة

كُتبت مقالات في مطلع السبعينيات، أشهرها مقال بعنوان "الذئب على عتبة الباب" حذَّر من أن سعر النفط ماضٍ إلى ارتفاعٍ شديد، وأن السعودية ستكون حيوية بشكل مطلق في التعامل مع هذه القضية. وبشكلٍ عام لم يكن ذلك الأمر مثار قلقٍ عاجل حتى عام 1973م، فقد أوضحت حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل في عام 1973م الدور الحاسم الذي تؤدِّيه السعودية فيما يتعلق بالطاقة الدولية والموارد، وعلى وجه الخصوص النفط، وهو الدور الذي قفز إلى صدارة اهتمامات أمريكا . وفي غضون أشهر ارتفع سعر النفط أربعة أضعاف، وأضحت السعودية فجأةً مهمة بدرجة غير عادية للاقتصاد العالمي وللدبلوماسية الأمريكية. وتمت المرحلة الأولى من مفاوضات السلام العربية– الإسرائيلية عقب الحرب بين العرب وإسرائيل تحت ظل الحظر النفطي؛ أي رفض بيع النفط للولايات المتحدة ، والأكثر أهمية هو خفض الإنتاج الذي دفع الأسعار إلى الارتفاع.

نتائج زيادة أسعار النفط استماع إلى الفقرة

لا يمكنني التحدث باسم السعوديين بأيِّ قدرٍ من التفويض، بيد أن انطباعي يتمثل في أن السعوديين حققوا مكاسب كبيرة بعد عام 1973م، إذ حققوا فائدة كبيرة اقتصادياً من زيادة أسعار النفط، لكنهم تبيَّنوا أيضاً أنه لن يمكنهم الاستمرار في الدفع بأسعار النفط إلى أعلى من دون مخاطر محدَّدة، فمن شأن ذلك أن يقود العالَم إلى كساد أو أزمة مالية مؤكدة، كما أن من شأن الطلب على النفط أن ينخفض إذا غدت الأسعار مرتفعة جداً، وسيكون هناك سعي شديد للبحث عن بدائل للنفط، أو للعثور على نفط في مناطق أخرى.

هكذا كان هناك نوعٌ من الجدل وسط السعوديين: ما هو التوازن الحقيقي؟ من الواضح أنك لا تريد لأسعار النفط أن تنخفض إلى حدٍّ متدنٍّ، ولكن دفعها إلى الأعلى له مخاطره. وهكذا خلال السبعينيات (الفترة من عام 1975م أو نحو ذلك؛ حين جاء الملك خالد إلى الحكم) انخفضت أسعار النفط فعلياً إلى نحو 10 أو 12 دولاراً، وبقيت على تلك الحال حتى اندلاع الثورة الإيرانية، بل الواقع أنها انخفضت إلى ما دون ذلك. إنها فترة شهدت استقرار الأسعار إلى حين حدوث أزمة جيو– إستراتيجية كبيرة جديدة تمثلت في انخفاض إنتاج النفط الإيراني، عندئذٍ بدأت أسعار النفط بالارتفاع مجدداً. لذلك أعتقد بأن مصالح السعوديين ظلت على الدوام مختلطة؛ كانوا يريدون أسعاراً مرتفعة لأن لديهم مساعي إنمائية طموحة، لكنهم كانوا أيضاً جزءاً من الاقتصاد العالمي؛ لم يكونوا يريدون دفع الولايات المتحدة والقوى الغربية إلى مرحلة اليأس، بل ربما كان هناك شيء من القلق من أن الأمريكيين قد يُقدمون على رد فعل غير عاقل إذا انصرف فَهْمُهُم إلى أن السعوديين ومنتجي النفط الآخرين يحاولون حقاً التلاعب بهم.

تحدِّيات القفزة الاقتصادية والاجتماعية استماع إلى الفقرة

بعد عام 1973م كان هناك رأي لدى بعض الدوائر أنها ستواجه ما يُسمى بمشكلات إعادة تدوير "البترودولار"، فقد كانت هناك مبالغ ضخمة من الدولارات المتراكمة لدى الدول الغنية بالنفط – خصوصاً المملكة العربية السعودية – التي لن يكون باستطاعتها أن تنفقها، وذلك سيؤدي – بشكلٍ أو بآخر – إلى الإخلال بتوازن الاقتصاد العالمي. اتضح لاحقاً أن ذلك ليس حقيقياً؛ فقد تأقلم السعوديون مع ضرورات الإنفاق المالي؛ لأن الناس يميلون إلى نسيان أن السعودية في مطلع السبعينيات لم تكن دولة مكتملة النمو؛ لذلك فإن لديها مشروعات بنية أساسية ومشروعات اتصالات ومدن وجامعات لابد من بنائها، وهكذا تَبَيَّنَ لهم سريعاً أن السعوديين كانوا مستعدين لإنفاق مبالغ ضخمة، وأن الأموال تمت إعادة تدويرها إلى الاقتصاديات الغربية بسرعة شديدة وبمعدَّلات ضخمة.

لكن كانت هناك فترة قصيرة شهدت مخاوف حقيقية، كما أنه كان هناك شيء من القلق من أن هذا المجتمع تقليدي جداً وقد لا يكون قادراً على التحكم في تبعات السرعة الكبيرة التي يقتضيها التحديث والتوسع في التعليم والاتصالات وغير ذلك. وأعتقد أن ما فات على كثيرين أن عدد سكان السعودية لم يكن كبيراً، وأن الموارد كانت وفيرة، وكانت هناك صمامات أمان. وعندما كان يحدث انكماش وقتي في الاقتصاد لم يكن السعوديون هم الخاسرون، بل هم العمال الأجانب الذين قد يتم تسريحهم. وأعتقد – بشكلٍ عام – أن السعوديين عالجوا عملية التحديث أفضل مما كان مُتَوَقَّعاً، ولكن في أي مجتمع هناك بعض الإفرازات؛ فعندما تبدأ الانتقال إلى عصر جديد تجد أن هناك بعض الأشخاص المحافظين أكثر من غيرهم والذين يرون أنَّ القيم مهدَّدة، وينظرون إلى جميع التغيُّرات التي يأتي بها التحديث– بما في ذلك العلاقات بين الجنسين– بوصفها جوانب علمانية. وأعتقد بأننا رأينا شيئاً من ذلك الإفراز في أنحاء الشرق الأوسط، تَمَثَّل في ظهور ميول إسلامية أشد محافظةً اندلعت في السعودية في عام 1979م متمثلة في الهجوم المتطرف الذي تعرَّضَ له السعوديون بدعوى أنهم أوغلوا بعيداً في عملية التحديث، وهو شيءٌ لم يكن بوسعنا التكهُّن به بدقة، لكن من شأنه أن يثير القلق. أي مجتمع يمر بتحوُّل سريع للغاية لابد من أن يكون فيه بعض الناس الذين يشعرون بأنهم معزولون، ويشعرون بأنهم يفقدون ثقلهم، فيحدث رد فعل عكسي، وقد رأينا شيئاً من ذلك.

لقد كان هنالك بعض المتشائمين حيال مستقبل السعودية بعد الثورة الإيرانية، إذ كانوا يعتقدون بأن نظام الشاه الذي كان يُنظر إليه على أنه قويٌّ جداً انهار وهذا الانهيار يُعزى جزئياً إلى ذلك التحول السريع بدرجة مفرطة، وبسبب التغيُّر الاجتماعي... وغير ذلك، وكانوا يعتقدون بأن المملكة العربية السعودية ستكون التالية. لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إليّ، وكنتُ أرى أن ثمة أسباباً للنظر إلى الحالتين على أنهما مختلفتان تماماً،فقد كان حكم الشاه فردياً تماماً، وكنا مررنا في عام 1975م باغتيال الملك فيصل ، وبدا أن النظام السعودي كان قادراً على التعامُل مع ذلك النوع من الصدمات، ولم يكن نظاماً فردياً، الواقع أنه كان شبكة عائلية كثيفة وواسعة تبسط سيطرتها على المملكة، وهو ما أتاح لها نوعاً مختلفاً من التحديات. لا يعني ذلك أنه لم تكن هناك مشكلات، ولكنه يعني أنه كان هناك قدر أكبر من استقرار القيادة.

مسيرة التحديث الشامل استماع إلى الفقرة

كانت السبعينيات فترة تغيير مثير. ربما كانت أول زيارة قمتُ بها إلى جدة في عام 1969م أو 1970م. أذكر أن الطائرة وصلت إلى ذلك المطار الصغير وعبرتُ الشارع إلى الفندق الوحيد الذي يقيم فيه الأجانب، ذلك كان كل شيء: تنزل من الطائرة وتعبر الطريق لتصل إلى الفندق. لقد ذهبتُ منذ فترة إلى جدة ولم أستطع أن أتعرف إلى أي جانب من الجوانب القديمة للمدينة. وذلك النوع من الإقبال على البناء الذي حدث في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات لا يزال مستمراً حتى اليوم وبشكلٍ مثير. وواكب ذلك توسُّع في التعليم وبناء الجامعات ومشروعات اتصالات ومصانع بتروكيماويات وعدد كبير من الأنشطة التي حولت المملكة العربية السعودية إلى دولة حديثة نسبياً، وهو أمرٌ لا نستطيع القول بأنها بَلَغَتْهُ في الخمسينيات والستينيات بالمعنى نفسه.

سأذكر حادثة أخرى ذات صلة بالفترة التي عملتُ فيها تحت قيادة هنري كيسنجر : لقد زار المملكة بالطبع في عددٍ من المناسبات وكان ذلك شيئاً جديداً لأنه يهودي، وكان من غير المعتاد في تلك الأيام السماح لليهود بدخول المملكة، لكنه كان أيضاً وزير الخارجية وكان بالطبع محل ترحيب. خرج كيسنجر بانطباعٍ جيد عن نوعية القيادة السعودية الموجودة في ذلك الوقت؛ وهي فترة حُكم الملك فيصل . كان كيسنجر يعتقد بأن الملكَ فيصلاً مفكرٌ كبير من الناحية الإستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالقلق من أنه يمثل نوعاً من السياسة التقليدية للغاية التي قد لا تكون قادرة على تحمُّل أعباء التغيير. لذلك بدا كيسنجر مُعرِضاً عن تقديم كثيرٍ من الطلبات للسعوديين، كما أنه لم يكن يريد الاعتماد كثيراً عليهم. وكان كيسنجر قد استحدث في وقتٍ سابق ما سُمِّي بـ"السياسة الثنائية الدعامة" التي كان علينا بموجبها أن نعتمد على إيران والمملكة العربية السعودية . لكنها لم تكن علاقة متساوية قط بالنسبة إلى عقل كيسنجر ؛ فقد كان يأخذ إيران على محمل الجد بوصفها القوة الكبيرة التي يمكن الاعتماد عليها، ومن المُفارَقات أن إيران كانت هي الدولة التي اندلعت فيها الثورة، أما المملكة العربية السعودية فقد كان يرى أنها دولة غنية لكنها ضعيفة، ولا يمكنك الاعتماد كثيراً عليها. ولعله من المثير أنَّ تلك النظرة كانت توجد على نطاقٍ واسعٍ داخل الحكومة الأمريكية.

العلاقات الأمريكية السعودية بعد عام 1975م استماع إلى الفقرة

أعتقد أننا تجاوزنا بحلول عام 1975م رد الفعل المبدئي على الحظر النفطي الذي خلَّف مشاعر قاسية؛ فقد رفع السعوديون الحظر واستأنفوا الإنتاج النفطي مع التوصُّل إلى اتفاق فضِّ الاشتباك بين إسرائيل وسورية في ربيع عام 1974م، ومنذ ذلك الوقت كانت توجد علاقات حسنة بين أمريكا والسعودية . انخفضت أسعار النفط ولم يعد هناك ما يثير قلقنا بدرجة كبيرة حيال ذلك. كانت هناك قضايا لابد من معالجتها، وهو ما تم عبر القنوات الدبلوماسية العادية.

وبحلول عام 1975م كان لدينا بالطبع على الجانب الأمريكي رئيسٌ جديد هو الرئيس فورد ، وأعتقد أنه كان يرغب في النظر إلى العلاقة مع السعودية بطريقة إيجابية، مثلما فعل الرئيس نيكسون في اعتقادي. كان عام 1975م عاماً صعباً بالنسبة إلى الرئيس فورد ، إذ كان يحاول التفاوض على الاتفاق الثاني مما سُمِّي اتفاقات فضِّ الاشتباك بين مصر وإسرائيل، وأعتقد أن السعوديين كانوا غير مرتاحين لِمَا يمكن أن يقود إليه ذلك؛ لأن السادات كان يغرِّد خارج سرب الأطياف العربية الأخرى، ويُبرم اتفاقات بدا أنها ستشقُّ التضامن العربي. وكان الموقف السعودي آنذاك يدعو – بشكلٍ عام – إلى ضمان التوصُّل إلى إجماع عربي قبل الانطلاق إلى الأمام، وكان السادات دوماً يتحدى ذلك، وأدى ذلك إلى التسبُّب في قدرٍ من التوتر.

خلال تلك الفترة طلب السعوديون من فورد أن يدرس بضع صفقات كبيرة لبيع أسلحة . لم أكن مسؤولاً في الحكومة آنذاك، لكن سجلات الرصد الخاصة بي أتاحت لي معرفة ذلك. وتم تجميد بعض تلك الطلبات لأننا دخلنا في عام 1976م وهي سنة انتخابات أمريكية، فالمرشَّحون الأمريكيون يتجنبون القيام بأي شيء مثير للجدل في سنوات الانتخابات، ومع أن السعوديين يدفعون نقداً إلا أن بيع أسلحة لهم يثير قضايا أكبر مما يريد المرشحون، وهكذا تسلَّموا الطلب السعودي ولم يرفضوه صراحةً، لكنهم وضعوه جانباً مع التوضيح بأنهم بعد تجاوُزهم الانتخابات سيعودون إلى بحث تلك القضايا.

بالطبع لم تتم إعادة انتخاب فورد ، وآلَ الأمر إلى جيمي كارتر ، الذي تلقَّى تلك الالتزامات بدراسة طلبات الأسلحة السعودية. كان كارتر يريد معالجة ذلك في سياقٍ جديدٍ تماماً، إذ كان يريد مقابلة جميع زعماء الشرق الأوسط– بمن فيهم السعوديون– في سياق سعيه إلى تطوير إطار عملي أكثر شمولاً لإحلال السلام العربي– الإسرائيلي. وهكذا بحلول عام 1977م حين عدتُ إلى الحكومة كانت المملكة العربية السعودية أحد اللاعبين الأساسيين الذين وضعناهم في حُسباننا، وهم السادات ومصر والسوريون والإسرائيليون والسعوديون الذين كانوا الشركاء الأساسيين، وذلك فيما يخص القضايا الفلسطينية، لكننا لم نكن آنذاك نتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية، بل كنا نتعامل مع بلدانٍ نحاول حملها على مساعدتنا في التوصُّل إلى ذلك الإطار العملي الدبلوماسي الجديد. وهكذا كانت السعودية في صدارة قائمة الدول التي يتعيَّن علينا التعامل معها. كانت مهمة لأسبابٍ نفطية وإستراتيجية، وكنا نعرف في مرحلةٍ ما أننا يجب أن نتعامل مع طلبات الأسلحة، لكننا كنا نريد وضع إطار العمل الدبلوماسي موضع التنفيذ قبل الفراغ من ذلك. وفي ذلك السياق وجَّهنا دعوة إلى ولي العهد الأمير فهد لزيارة واشنطن في ربيع عام 1977م. أعتقد أنها كانت أول زيارة سعودية على مستوى رفيع في غضون عام أو نحو ذلك، وكانت إيذاناً باستئناف الاتصالات على مستوى عالٍ بين الرئيس الجديد وولي العهد السعودي وليس الملك.

دوافع الرئيس كارتر لتحقيق السلام العربي– الإسرائيلي استماع إلى الفقرة

أعتقد بأن ثمة جانبين لالتزام كارتر ، كلاهما على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية: أحدهما يتمثل في الرأي الجيو– إستراتيجي الأساسي بأننا جميعاً لا يمكننا بعد خروجنا من أزمة عام 1973م أن نتحمل انفجاراً آخر في الشرق الأوسط؛ لكل ما لازمَ الأزمة الأولى من أزمة نفطية وحربٍ كانت غايةً في الخطورة، وفي نهاية المطاف هدد السوفييتُ بالتدخل ورددنا عليهم بتهديدٍ مضاد, وكانت تلك المرة الأولى التي اقتربنا فيها من مواجهة سوفييتية– أمريكية منذ أزمة الصواريخ الكوبية، وهي مواجَهة كانت الولايات المتحدة – بوصفها قوة نووية– تريد تفاديها، خصوصاً أنها أزمة في منطقة ثانوية, لكنها تملك مقومات التحول إلى مواجهة نووية كبيرة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة . كما أننا اقتربنا أكثر مما كنا نريد في عام 1973م؛ ولذلك كنا نريد ضمان إخماد إمكانات تفاقُم النزاع في الشرق الأوسط، ولم نكن نريد مزيداً من الحظر النفطي. توصَّلَ كارتر من ذلك إلى خلاصةٍ مفادها أننا بحاجة إلى إستراتيجية أكثر فاعلية تتزعمها أمريكا لحل النزاع العربي– الإسرائيلي على أوسع نطاق يمكن أن يتأتَّى لنا. كان كيسنجر كثير الحركة على الأطراف، إذ كان لديه ما يسمى بـ"سياسة الخطوة–خطوة"، وتَمَكَّنَ من إحراز تقدم. بيد أن كارتر كان يريد على الدوام حل النزاع كله من جذوره، وأعتقد بأن ذلك كان يقوده النوع نفسه من التحليل الجيو– إستراتيجي الذي كان يملكه كثيرون منا.

وكان حقيقياً أيضاً بشأن كارتر – وليس بشأن بقيَّتنا– أنه كان يملك دافعاً شخصياً بل دينياً أيضاً في اهتمامه بالشرق الأوسط؛ فقد كان مسيحياً ملتزماً، وكانت الأرض المقدَّسة تعني شيئاً له؛ ولذلك حين فكر في إمكان الإسهام في إحلال السلام في الأرض المقدسة كان الأمر أكثر من مجرد جيو– إستراتيجية، كان نوعاً من القيام بشيءٍ تاريخي يعني شيئاً، كالصلح بين اليهود والمسلمين وغير ذلك. قد يبدو ذلك ناعماً وعاطفياً، لكنني أعتقد بأنه حقيقي فيما يتعلق به؛ أعني أنه شعر بأن ثمة نداءً وُجِّه إليه بوصفه مؤمناً ليساعد اليهود والمسلمين على التصالح. وحين يقول الآخرون: إن ذلك لن يحدث وإن الناس هناك ظلوا يتقاتلون منذ سنواتٍ وسنوات فإن إجابته كانت مباشرة للغاية، إذ قال: "ذلك ما كان الناس يقولونه حول التمييز العنصري في الجنوب الأمريكي، فقد بقي هناك منذ أمدٍ بعيد، ولم يكن بوسعك عمل أي شيء حياله، لكن ذلك تغيَّر أثناء حياتي؛ لذلك لا تقولوا لي إنه لا يمكن القيام به. بوسعكم أن تخبروني بأنه عمل شاق، سأقبل ذلك، لكنني لن أقبل القول إنه مستحيل". كان لديه ذلك الدافع الأشبه بالتبشيري، وكان يقول: "تحديداً لأنه عمل مهم وشاق فإنني راغبٌ في القيام به". هكذا كان هناك جانب شخصي جداً لتلك المسألة، وبإمكانك أن ترى أنه لا يزال يؤلف كتباً عن القضية العربية– الإسرائيلية وكيف يمكن حلها. إنه في العقد الثامن من عمره ولم يتخلَّ عن ذلك.

مقدمات زيارة الرئيس السادات للقدس استماع إلى الفقرة

أعتقد أن الأسباب التي حالت دون تنفيذ الخطة الأصلية للسلام الشامل ومؤتمر جنيف في عام 1977م أن الإسرائيليين – في المقام الأول – كانت لديهم انتخابات، وبدلاً من إعادة انتخاب حكومة يتزعَّمها حزب العمل انتخبوا للمرة الأولى حكومة يقودها حزب الليكود. كان ذلك مفاجأة بالنسبة إلينا، إذ كنا نعتقد بأننا سنتعامل مع حكومة إسرائيلية قَبِلت العرض الأساسي بمقايضة الأرض بالسلام على كلِّ جانبٍ من حدودها. مناحيم بيغن لم يقبل ذلك، ولم يكن مستعداً للتنازل عن الضفة الغربية للأردن أو للفلسطينيين أو لأي جهة. فجأةً أدى ذلك إلى إصابة فكرة السلام الشامل في مقتل، وهو لم يكن رجلاً يسهل حمله على تغيير آرائه.

لذلك بشكلٍ أو بآخر كان علينا البدء في التفكير في كيفية ممارسة ضغوط على بيغن ، ولم يكن سهلاً علينا أن نفترض أننا نتعامل مع حكومة إسرائيلية مستعدة للجلوس مع الأردن للتفاوض– أو مع الأردن والفلسطينيين– بالطريقة نفسها التي تفاوضت بها مع مصر والسعودية . لقد تغيَّر ذلك في وقتٍ سابق. وأعتقد بأنَّ أكثر ما أذهلنا– بل ربما أكثر ما أصابنا بخيبة أمل– أنك حتى حين تنظر إلى الجانب المتعلق بالدول كسورية ومصر ونزاعاتهما مع إسرائيل فستجد أنه حقاً ليس هناك رأي مشترك بدرجة كبيرة في شأن كيفية مقاربة ذلك. كان السادات والأسد هذه المرة ملتزمَين بنهجَين مختلفَين؛ الأسد لم يكن يريد نهج السلام الشامل، وانتقلنا إلى حلقة مفرغة، وهو أمرٌ مفهوم؛ إذ إن سورية هي البلد الأضعف، وكانت تريد إبقاء ثقل مصر في المعادلة لتعزيز إستراتيجيتها التفاوضية. ما كان السادات يمقُتُه أنه اعتقد بأنَّ حافظ الأسد كان يحاول تقييده حتى لا يتوصل إلى اتفاقية ثالثة بشأن سيناء أو أي شيء يحقق مصالح مصر . وكان السادات يرى نفسه أكبر زعيم للعالَم العربي، وأن بلاده هي الأكبر؛ ولذلك كان بحاجة لحرية المناورة حتى يتمكن من ضبط الخُطى والتصرف بشكلٍ مستقل.

بحلول عام 1977م لم تكن العلاقات بين هذين البلدين على وجه الخصوص جيدة. الواقع أن السعوديين ظلوا يحاولون الحيلولة دون تردِّيها، ولكن في سبتمبر أو أكتوبر كنا نحاول الفرار من التفصيلات الأخيرة، وأعتقد أن السادات – ببساطة – نفد صبره، فقد رأى أن الأمر آخِذٌ في التسويف، وأننا أخذنا ننحدر إلى مجادلات بشأن من يحق له الجلوس على الطاولة وكيف يتم تمثيل الفلسطينيين، وأن الزمن يمضي وأنه لم يعد يطيق صبراً. وفي لحظةٍ حاسمة اتصل بنا في البيت الأبيض ليبلغنا بأن لديه فكرة، وبأنه سيكسر طوق الجمود ويتخذ مبادرة. واقترح علينا شيئاً كان مثيراً للغاية: أن يُعقد مؤتمر يَعتقد بأنه يجب أن يُقام في القدس – كان يريدنا أن نقترحه، لكنها فكرته– على أن يشمل المؤتمر جميع قادة الدول الأعضاء في مجلس الأمن وياسر عرفات والأسد والسعوديين والسادات والإسرائيليين، الجميع يلتقون في القدس للمشاركة في مؤتمر سلام لا لالتقاط الصور. ما أذكره من ذلك أنه كان يريد للمؤتمر أن يُعقد في القدس ، وكان يفكر في ذلك أصلاً. قال كارتر : "انظروا.. لن تنجح هذه الفكرة، فهي طَموحة إلى درجةٍ لا تصلح أن تكون بداية. وربما لو نجحت قد تجمع كل الأطراف ليقرُّوها، ولكن يجب علينا العثور على طريقةٍ أكثر عمليةً للبدء في تنفيذ الفكرة". أعتقد بأن السادات تخلى عن الفكرة في تلك المرحلة، وذلك هو الوقت الذي قرَّر فيه الذهاب وحده إلى القدس . لم يُخطرنا مسبقاً. أعلنها في خطابٍ ألقاه أمام مجلس الشعب المصري في نوفمبر عام 1977م، وفي نهاية الكلمة زجَّ بالفكرة قائلاً إنني مستعد للذهاب إلى أي مكان– بما في ذلك القدس – من أجل السلام. وكان يعني ذلك. وكانت تلك هي طريقته ليعلن أنه ليس مستعداً للتمسك بإستراتيجية السلام الشامل لأنها استغرقت وقتاً طويلاً، وإذا عُقد مؤتمر جنيف فستعيقه النقاشات حول المسائل الإجرائية. أريد أن أقوم بشيءٍ مثير، وإذا كان الزعماء العرب الآخرون يريدون السير على طريقي فذلك حَسَن، وإذا كانوا لا يريدون فذلك أيضاً حَسَن. لقد اتخذ قراراً كبيراً. لم يكن القرار الذي توقعناه ولا الذي أردناه، ولكن فورَ اتخاذه له لم يعد ثمة مجال للعودة إلى الوراء.

أثر زيارة الرئيس السادات للقدس في مسيرة الصراع العربي – الإسرائيلي استماع إلى الفقرة

أعتقد بأنَّ فكرة التوصل إلى سلام ثنائي بين إسرائيل ومصر كانت مثيرة للجدل في العالم العربي تحديداً لأنها كانت جذابة بالنسبة إلى الإسرائيليين. أثناء سير المفاوضات انتحى بي وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان جانباً ذات مرة وقال: "هل تعتقد بأن مصر جاهزة حقاً للتوصل إلى سلام بشكل ثنائي فقط إذا لم يتم حل القضايا الأخرى؟ أم أنها ستتوقف عند حل بعض جوانب المشكلة الفلسطينية أو السلام الشامل وغير ذلك؟" قلت له: "لا أعرف. ما هو حكمك؟" ردَّ بالقول: "كل ما بوسعي أن أخبرك به أننا إذا استطعنا الحصول على سلامٍ مع مصر فإن ذلك من الناحية الإستراتيجية مكسب ضخم لإسرائيل؛ لأنه أشبه بانتزاع إحدى عجلات السيارة، إذ لا يمكن قيادتها في تلك الحال". ما قصده أن العرب لن يستطيعوا الذهاب إلى حربٍ مع إسرائيل من دون مصر ، وهكذا سنكون قد حللنا مشكلة الحرب، وليس النزاع أو التمرد أو هجمات حرب العصابات أو الإرهاب، سنكون قد حللنا مشكلة الحرب، وهو بالطبع أمرٌ حقيقي. والواقع أنه لم تندلع حرب تقليدية منذ توصلت مصر إلى السلام. ولذلك فإنَّ ذلك يعني أيضاً من الجانب العربي أن ذلك الخيار أضحى فجأةً خارج الطاولة، فمهما استمروا في النزاع مع إسرائيل فإن وزن مصر – سواء بوصفها حليفاً دبلوماسياً أو رصيداً عسكرياً– سيكون خارج الإطار. وذلك باعتقادي هو ما ميَّز التوتر بين سورية ومصر ، إذ إنه كان بوجهٍ عام يُعزى إلى ذلك الفهم. تعرفون أن وزن مصر يكتسب ثقله ما دامت تعمل مع الآخرين، ولكن من الجانب المصري كان الأمر يعني أيضاً أنهم مقيَّدون.

العلاقات السعودية – المصرية استماع إلى الفقرة

بوجهٍ خاص أضحت العلاقة بين مصر والمملكة العربية السعودية بعد مجيء السادات رئيساً خلفاً لعبدالناصر سنة 1970م جيدة جداً بشكلٍ عام. لم يحاول السادات – على النقيض من عبدالناصر – تقويض الأنظمة العربية الـمُحافِظة. كانت له علاقات شخصية مع السعوديين اتسمت بأنها طيبة وظلت كذلك طوال الحقبة الأولى من السبعينيات، وكانت علاقات جيدة. ساعد السعوديون في التوسط من أجل العلاقة الجديدة بين الولايات المتحدة ومصر . كان السعوديون مناهضين للسوفييت، وقاموا بدور كبير في حمل السادات على التخلي عن السوفييت، وهي ميزة جيو– إستراتيجية كبيرة. في عام 1972م طلب السادات من المستشارين السوفييت في مصر مغادرتها، ويُعزى ذلك في جانبٍ منه إلى أن السعوديين قالوا له إنك لن تُقنع الأمريكيين بإقامة علاقة جادة معهم ما دمتَ تستضيف كل هذه القوات الروسية في بلادك، إنك تعتمد على الروس بدرجة كبيرة. أدى ذلك إلى تحوُّل مصري كامل نحو الولايات المتحدة ، نحو الإستراتيجية الجديدة، وقد تم ذلك بتعاون وثيق مع السعوديين. في عام 1973م أظهر الحظر النفطي كيف كان البَلَدان يعملان معاً بشكلٍ وثيق، وكان ذلك جزءاً من إستراتيجية مُتَّفَقَ عليها بين البلدين. أعتقد بأن السادات والقيادة السعودية ظلا على علاقة طيبة بشكلٍ عام حتى الفترة 1977– 1978م عندما بدأ السادات يفكر في طريقه الخاص به، وكان السعوديون حتى ذلك الوقت في غاية السخاء مع مصر من حيث العون الاقتصادي. لا أتذكر أرقاماً محددة، ولكن مثلاً حين كان المصريون يخططون لشراء معدَّات عسكرية أمريكية (وهو ما بدأنا القيام به على مستوى صغير قبل دخولهم في السلام) كان السعوديون هم المستعدون أساساً لدفع التكلفة. وهكذا تبيَّن للسادات أنه يخاطر بالدعم السعودي وأن خطوته تعني أيضاً أن مصر ستكون معزولة عن العالَم العربي لسنواتٍ عدة.

دافع الرئيس السادات من اتفاق السلام استماع إلى الفقرة

حين توصَّلَ السادات إلى اتفاق سلام مع إسرائيل لم يكن ذلك لأنه يعطف كثيراً على إسرائيل، كان يرى أن الاتحاد السوفييتي كان في طريقه إلى الانهيار، وهو أمرٌ استشرفه قبل أن يراه كثيرون منَّا، وأن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في العالَم التي تعني شيئاً، وأنها الوحيدة التي لديها علاقات مع إسرائيل، كان يريد الانضمام إلى هذا الفريق، وكان يريد علاقة مع الولايات المتحدة مماثلة لعلاقتها مع إسرائيل، بما تنطوي عليه من عون عسكري واقتصادي وسند دبلوماسي؛ يريد علاقة خاصة. ذلك هو سبب توصُّله إلى سلام مع إسرائيل؛ لأنه لم يكن بمستطاعه الحصول على تلك العلاقة ما لم يتوصل إلى سلام مع إسرائيل. إنه لم يكن يكترث بإسرائيل بحدِّ ذاتها، لكنه كان حريصاً للغاية على إعادة اصطفاف مصر مع الولايات المتحدة .

أهمية زيارة الرئيس السادات للقدس استماع إلى الفقرة

قد يكون من الصعب على من لم يشهدوا زيارة السادات للقدس أن يتضح لهم أي قدرٍ من المحرَّمات كسرته هذه الزيارة. إننا نعرف أنه كانت هناك اتصالات خافتة بين العرب والإسرائيليين منذ اللحظة التي أُعلنت فيها إسرائيل دولة مستقلة، خصوصاً مع الأردن . لكن لم يكن هناك أي نوع علني من الإرادة من الجانب العربي للجلوس والتفاوض مع إسرائيل والتعامل معها بوصفها دولة مقبولة ومشروعة. كانت هناك محرَّمات كثيرة: لن نفعل ذلك مع إسرائيل إلى أن يعيدوا الحقوق الفلسطينية، ويسمحوا للاَّجئين بالعودة... وهكذا دواليك. لذلك كانت تلك الزيارة أشبه بالاكتفاء بتجاهل تلك المنظومة الرمزية المقدَّسة من القيم.

لم يكن الإسرائيليون على بيِّنة مؤكدة حين أقلعت طائرة السادات صوب القدس من أنها لا تعدو أن تكون حيلة. نحن نعرف الآن أن الإسرائيليين نشروا قنَّاصة على سطح المطار كانوا يصوِّبون بنادقهم على باب الطائرة حين خرج منه السادات ؛ لأنهم حسبوا أنه قد يكون هناك كوماندوس مصريون على متن الطائرة سيهبطون منها لقتل جميع أعضاء مجلس الوزراء الإسرائيلي الذين احتشدوا أمام الطائرة. بالطبع لم يكن ذلك صحيحاً؛ لأن السادات خرج وقام بتحية مستقبليه، والواقع أنه قبَّل غولدا مائير على خدها، وعانق آرئيل شارون . كان مشهداً يصعب تصديقه، أذكر أنني تابعتُ مشاهدته. كنا نعرف أن السادات شخص غير عادي، كان نوعاً من الممثلين الذين يحبون البقاء على المسرح، ذلك من واقع الطريقة التي التأمَ بها مع أولئك الأعداء الذين كان لتوِّه يخوض حرباً ضدهم. لم يكن مقدَّراً أن يصبح هو وآرئيل شارون صديقَين عزيزَين، لكنهما فجأةً جلسا يتبادلان الضحكات كأنهما صديقان لم يلتقيا منذ زمنٍ بعيد. كان مشهداً خيالياً حقاً، أشبه بالذهاب إلى الشِّقِّ الآخر من القمر ومشاهدته للمرة الأولى، سيتضح لك عندئذٍ أنك تشاهد شيئاً لم يره أحدٌ من ذي قبل. لذلك استغرق الأمر وقتاً طويلاً ليتأقلم الآخرون مع ذلك. تعرف أن العالَم العربي اعتاد على أن الناس يلتزمون قواعد محدَّدة، لكن السادات كان يقذف بعيداً بتلك القواعد. كان يحب ذلك؛ لأنه كان يوفر له نوعاً من المكانة التاريخية، وأن أي شخص سيقول: " يا إلهي ماذا يفعل هذا الشخص؟ لقد فقد عقله. إنه مجنون"... وهكذا.

أطلق ذلك علاقة سلبية جداً بين السادات والزعماء العرب لأنه لم يكن يحب التعرض للانتقاد. وبدأ يتحدث عنهم قائلاً :" أوه... جميع هؤلاء العرب ليس لديهم قدرة على التخيُّل، إنهم صُمّ، بدو، ولا يمكنك أن تتوقع أي شيء منهم". وكان – في الواقع– قاسياً جداً بطريقته الخاصة في الرد على الانتقادات التي وُجِّهت إليه، لكنه اصطدم سريعاً بحقيقة الإسرائيليين. كان يعتقد بأنه ستتم مبادلة رحلته للقدس ، حيث قال: إنني سعيدٌ بالمجيء الآن، دعونا نتحدث عن تلك التفصيلات الدقيقة. أدى ذلك إلى ابتعاد السادات بعيداً، إذ إنه لم يَقْوَ على تحمُّل ما سمَّاه "عقلية صاحب الحانوت" في إشارةٍ إلى التجار الذين يفاصلون على بيع السجاد والسلع الأخرى. كان يتمنى أن يبادله بيغن بأن يقول له: لقد جئتَ لتعرض السلام، وفي المقابل أعرضُ عليك إعادة جميع الأراضي التي أخذناها في عام 1967م. كان سيكون بمستطاع السادات أن يقول للعرب عندئذٍ : ألا ترون؟ حصلتُ على شيء من أجلكم. غير أنه بالطبع لم يحصل مطلقاً على ذلك.

قرار الرئيس كارتر بعقد قمة ثلاثية استماع إلى الفقرة

أمضينا وقتاً طويلاً بعد ذهاب السادات للقدس في نوفمبر 1977م نحاول بناء شيء من الزخم باتجاه إجراء مفاوضات سلام على مستوى وزراء الخارجية. عُقدت اجتماعاتٌ عدة، وعُقد اجتماعٌ آخر مع السادات ، لكننا عقدنا في وقت متأخر خلال الربيع أو مطلع الصيف في ليدز كاسل في إنجلترا اجتماعاً على مستوى وزراء الخارجية. كان اجتماعاً مثيراً بشكلٍ أو بآخر؛ لأننا تحدثنا عن كثيرٍ من القضايا التي لم تُناقَش كثيراً، غير أن وزراء الخارجية لا يستطيعون اتخاذ قرارات، إنهم يقولون دوماً في اللحظة الحاسمة: يجب علينا أن نُحيل ذلك إلى السادات أو بيغن . كان كارتر يتطلع إلى الساعة. كنا قد بدأنا العام الثاني وأنفقنا وقتاً طويلاً، وأخذ صبره ينفد نوعاً ما، وخَلُصَ إلى أن السادات هو صانع القرار في الجانب المصري وليس وزير خارجيته، وهي حقيقة. وعلى الجانب الإسرائيلي بيغن هو الشخص الذي يحمل الأوراق. كان بإمكان كارتر إجراء محادثات مثيرة للاهتمام مع ديان ، لكن الأخير لا يمكنه اتخاذ قرارات. لذلك آمن كارتر بأنه في مرحلةٍ ما يتمثل السبيل الوحيد للوصول إلى قرارات بجمع الزعماء على صعيدٍ واحد. بدأ يفكر في ذلك، وما لبث أن اقترحه. وفي أواسط الصيف قمنا برحلة إلى الشرق الأوسط مع وزير الخارجية فانس لتوجيه الدعوات. كان السادات سعيداً للغاية، إذ رأى في ذلك نوعاً من الدمج بمبادرته، وأن الأمور ستمضي إلى نتيجة، وأنه سيواجه بيغن بشأن المستوطنات. كان سعيداً جداً بذلك. أما بيغن فلم يرَ شيئاً يُذكر في الرحلة، وقال: سأحضر. لكنه كان مرتاباً في أن السادات وكارتر ربما قاما بطبخ الأمور من وراء ظهره، وأنهما سيواجهانه بمواقف لا تُريحه. والواقع أنَّ ثمة قدراً من الحقيقة في ذلك، إذ إن كارتر والسادات تقاربا أكثر مما كان التقارب بين بيغن وكارتر . لكن القرار اتُّخذ على أي حال، ووُجِّهت الدعوات في أغسطس. كنا ندرك أن ذلك الدور كبير، وأن كارتر كان ملتزماً، وكان يريد التوصل إلى اتفاق. كان كثيرٌ من مستشاريه المحليين يخشون من احتمالات فشل ذلك أو أن يبدو الأمر بمظهرٍ غير جيد. أضف إلى ذلك التوترَ الناجمَ عن قضايا أخرى، وإذا دخلتَ في السنة الثالثة فسيكون ذلك فشلاً. عدد كبير من القضايا كان مثيراً للجدل. وكان الأشخاص الحذرون يفضِّلون التأكد من أن تلك القمة مدروسة مقدَّماً، لكن الأمر لم يكن كذلك، إذ لم يكن لدينا أي ضمانٍ أنها ستؤتي أُكلها. ورأى مسؤولو السياسة الخارجية أنها تمثل الدور الكبير الذي سيحقق نتائج. وكان معظمنا على أملٍ بأن تسفر تلك القمة عن شيءٍ يتيح لنا إحراز تقدم إلى الأمام، لكننا لم نكن نعرف ما يجب أن نتوقعه، وما إذا كنا سنحصل على اتفاق جزئي أم مبادئ عامة أم ربما لا شيء مطلقاً. قرر كارتر أننا يجب أن نتطلع إلى أعلى هدف: أن نستهدف التوصل إلى اتفاق كامل وليس جزئياً. كان يعتقد بأنَّ معظمنا – نحن الذين نقدم له المشورة– نتَّسم بأكبر قدرٍ من الحذر في تقويمنا. كان يريد الذهاب إلى الاتفاق الكامل، وقد فعل.

وقائع القمة الثلاثية وجهود الرئيس كارتر استماع إلى الفقرة

بضعة أشياء قفزت إلى ذهني. خلال اليومَين الأوَّلَين كان كارتر يأمل في أن هذا النوع من اللحظات التاريخية والترتيبات وغير ذلك سيحمل السادات وبيغن على الارتقاء إلى مستوى المناسبة، وعلى أن يكون كلٌّ منهما سخيَّاً في معاملة الآخر. كان يعتقد بأنهم سيجلسون جميعاً وبأنه سيشجعهم على اتخاذ الإجراء الصحيح. يجب أن أقول إنني لم أعتقد قط بأن الأمر كان سيحقق نتيجة، بل كنتُ أرى الأمر أقرب إلى علاج جماعي منه إلى دبلوماسية؛ إذ إن هؤلاء الأشخاص زعماء سياسيون ذوو مواقف صلبة. لم يؤدِّ الأمر إلى نتيجة – في الواقع– خلال الاجتماعات الأولى بين السادات وبيغن ، بل حدثت كارثة، إذ انتهى بهم الأمر إلى رفع صوت كلٍّ منهما على الآخر، والتهديد بكل أنواع الفظائع. بصراحة في اليوم الثاني أو الثالث خَلُصَ كارتر إلى أنه يتعيَّن إبقاؤهما كلٌّ بمفرده، فكلما اجتمعا كانت النتيجة كارثية. بعد اليوم الثالث وحتى مراسم التوقيع النهائي في البيت الأبيض بدأنا نتعامل بشكل منفصل مع كل وفد. على الأقل على المستوى الأعلى لم تكن بينهما لقاءات واقتصرت الاجتماعات على أشخاص أدنى مستوى. وهو ما يمثِّل تذكيراً بأنه لا توجد كيمياء بين بيغن والسادات ، إذ إن شخصية كلٍّ منهما مختلفة، حتى كارتر لم يستطع بكل قوة شخصيته أن يجمعهما على صعيدٍ واحد.

وفيما تواصلت الاجتماعات أضحى كارتر يتولى صياغة الاتفاق المصري– الإسرائيلي، فقد بدأ كتابته بخطِّ يده، واقترح شيئاً غير عادي فقد قال: أريد أحد موظفي بيغن ليأتي للعمل معي في الصياغة وأريد شيئاً مماثلاً من السادات . وهكذا انتهى به المطاف إلى أن يعمل مع مسؤولين من مستوى متدنٍّ في صياغة المعاهدة بين مصر وإسرائيل. ذلك كان مشروعه الخاص. قمنا نحن البقية بتغليف ما أمكن إدخاله في الاتفاق. كنا نحاول الحصول على شيء يمكن للفلسطينيين أن ينظروا إليه على أنه يمثل معالجة لـِمَا يهمهم، إذا لم يكن تحديداً ما يريدون فعلى الأقل يكون فيه شيء من أجلهم، وهو ما يسمى قضية الربط، السادات كان يريدها ونحن كنا نريدها، لكن بيغن ليس كذلك، وذلك هو ما كان يدور حوله كثيرٌ من التفاوض.

في نحو اليوم التاسع أو العاشر ذهب عزرا وايزمان – الذي كانت لديه علاقات جيدة بالمصريين وكان شخصًا منفتحاً– ذهب إلى الوفد المصري وقال لهم: تدركون أن ديان في الجانب الإسرائيلي شخص مهم حقاً، وهو يشعر بأنكم لا تحترمونه ولم يتحدث إليه أحدٌ منكم، وأعتقد أن من شأن عقد اجتماع بين ديان والسادات أن يساعد على دفع المفاوضات كثيراً، ستفهمون وجهة نظرنا بشكل أفضل وسنفهم وجهة نظركم، إن ذلك سيجعل الأمور أفضل. وهكذا ذهب ديان لمقابلة السادات وأبلغه من دون مواربة بأننا لن نعيد شرم الشيخ وأننا لن نفعل هذا وذاك، واتضح أن الاجتماع كان كارثياً. كان السادات رجلاً فخوراً بنفسه، فشعر بأنه أُهين وأنَّ ثمة من قدَّم له محاضرة وأنه لم يُعامَل معاملة كريمة. غضب حقاً ورأى أنه إذا كان حقاً ذلك هو الموقف الإسرائيلي فلا أمل فيه. وعلى ذلك أبلغ مجموعته بأن يبدؤوا حزم أمتعتهم. لم يقولوا أي شيء، لكننا بدأنا نرى كل ذلك النشاط في الأجنحة المخصَّصة للمصريين. وفجأةً بدأت الحقائب المصرية تصل إلى المنصة الأمامية، وفجأة اتضح لنا أن شيئاً ما يحدث. عند ذلك تم إخطار كارتر ، فقال: دعونا نذهب لنرى. لم يرَ السادات حاجةً لذكر ذلك في مذكراته. كان كارتر يحب السادات ، وأعتقد أنه بلا شك كان معجباً به أكثر من بيغن ، لكن ما قاله للسادات في ذلك الاجتماع ما كان بمستطاعه قط أن يقوله لبيغن ، قال له: إذا غادرتَ فلن تكون هذه نهاية علاقتنا الشخصية فحسب، بل ستكون نهاية العلاقة بين بلدَينا. وأضاف: لا أفهم ولن يكون بمستطاعي أن أشرح للجمهور الأمريكي لماذا قررتَ الانسحاب في هذه المرحلة... هذه ستكون النهاية لذلك عليك أن تدرس ما ستختاره. نظر إليه السادات وقال: في هذه الحالة ليس أمامي خيار، أليس كذلك؟ قال له كارتر : لا، ليس لديك خيار. لا يمكنك أن تغادر. فردَّ السادات : حسناً. سأبقى لكنني لن أتحدث إلى ذلك الرجل. أنت ستتفاوض نيابةً عني. إنك تعرف ما أريد؛ أريد كذا وكذا وكذا... إذا تمكنتَ من الحصول على هذه المطالب فهذا جيد، لكنني لن أتحدث إليه. لا يمكنني التعامل مع بيغن وفريقه.

نجح كارتر في حمله على البقاء بهذا الوعد بأن يحصل له على أفضل صفقة يمكنه الحصول عليها. لكن الأمر مثيرٌ للاهتمام: هل يمكن للمرء أن يتخيَّل أن يوجِّه رئيس أمريكي الحديث نفسه مع رئيس وزراء إسرائيل؟ الإجابة: لا. يمكنه أن يقول له إن ذلك سيضر بطبيعة علاقتنا الشخصية، لكنه لا يستطيع أن يقول إن ذلك سيضع حداً للعلاقة بين بلدَينا، لكن يمكنه أن يقول ذلك للرئيس المصري؛ لأن المصريين ليس لديهم مؤيِّدون في الولايات المتحدة ، أما بيغن فسيقول: لديَّ الكونجرس، علاقتنا الشخصية يمكن أن تُصاب بالضرر، بيد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أعمق بكثير من العلاقة بيننا نحن الاثنين. مع مصر لم يكن الأمر كذلك، إذ كانت علاقة هشة للغاية، كان ممكناً وضع حد لها في تلك المرحلة. هكذا بقي السادات .

التوصُّل إلى اتفاق مصري إسرائيلي استماع إلى الفقرة

كنا في كامب ديفيد، في نحو اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، كنا غارقين حقاً في التفصيلات. وكانت هناك قضية أو اثنتان كان لا يزال يتعيَّن حلهما. عقد الرئيس كارتر اجتماعاً مع بيغن حضره شخصان أو ثلاثة أشخاص فقط. لم أكن حاضراً. في ذلك الاجتماع تم إقناع الإسرائيليين بالموافقة على إزالة المستوطنات من سيناء ، وهو أمر مهم بالنسبة إلى السادات ، وتوصلوا إلى اتفاق بشأن تفصيلات أخرى لم تكن قد حُلَّت. هناك قضية أخرى يريدها السادات وكارتر ؛ وهي أننا نريد من الإسرائيليين أن يوافقوا على وقف المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، ليكون ذلك بمنزلة مؤشر إلى أنَّ ثمة شيئاً للفلسطينيين، على الأقل سيظل الوضع على الأرض على ما هو عليه ولن ينحدر إلى أسوأ، كما أنه ستكون للفلسطينيين فرصة لتتم دعوتهم إلى المفاوضات على نوعٍ من الأرضية المستوية التي لا تتغير تحت أقدامهم. كان ذلك مهماً جداً؛ ولذلك قال كارتر : إننا نريد ذلك في الإطار العملي العريض في الاتفاق؛ أي أن يكون هناك تجميد للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي أثناء هذه الفترة من المفاوضات المستمرة. قال بيغن : لا، لن نفعل ذلك، لا تطلبوا مني القيام بذلك، هذه المناطق جزء من إسرائيل. حدث ذلك في نحو الساعة الثانية صباحاً وكان الجميع متعبين. وفهمتُ– إذ لم أكن هناك– أن كارتر بدا منزعجاً للغاية. أخيراً قال بيغن : سأعطيك إجابتي غداً. يبدو أن كارتر فهم مما قاله بيغن ما معناه سأعطيك الإجابة التي تريدها غداً، وظنَّ على الأثر أنه سيحصل على الاتفاق. خرج وزير الخارجية فانس لإبلاغنا على الفور وقال: أعتقد بأننا حصلنا على الاتفاق ولكن لا تزال هناك قضية واحدة، إذ يبدو أن بيغن موافق على تجميد الاستيطان لبعض الوقت الذي لسنا متأكدين من مداه، وسنحصل غداً على شيء خطي. هذه هي القضية الأخيرة، وبالطبع فهي من وجهة نظري أكثر النقاط أهمية؛ لأنها الردُّ على الذين يقولون إن هذا الاتفاق منفصل تماماً، لكنها تعالج – على الأقل – القضية الجادة. تذكر أنه كان هناك فقط 10– 15 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة ، ويصل عددهم الآن إلى 300 ألف. إذا كنتَ جمَّدتَ ذلك الوضع آنذاك كان الأمر سيكون أكثر سهولة للانقياد بعد ذلك.

في اليوم التالي كنا جاهزين لتسوية كل الأمور، فقد كُتب النص ووافق عليه الجميع. جاء الإسرائيليون برسالتهم الموعودة. أذكر أنني كنت أطالعها وأقول إن ذلك لا يمكن أن يكون مُتَّفَقاً عليه، إنه لا شيء. تقول الرسالة إننا نوافق على تجميد المستوطنات لمدة ثلاثة أشهر. إنه أمرٌ مثيرٌ للسخرية ولا يساوي شيئاً. حملنا الرسالة وذهبنا بها إلى كارتر ، فقال إنه لابد من أنَّ ثمة سوء فهم؛ فذلك ليس مُتَّفَقاً عليه، أعيدوها إليهم واحصلوا منهم على الرسالة المطلوبة. في غضون ذلك كان الجميع يتحركون حول المكان متوقِّعين أن يتم التوصل إلى تسوية نهائية. تمسَّكَ الإسرائيليون بأنهم لن يستخدموا كلمة "الفلسطينيون" وبأن النص يجب أن يتحدث عن العرب في إسرائيل. كان يتعيَّن معالجة كل فكرة مجنونة يمكن تخيُّلها في الوثيقة الرسمية التي سيوقِّعون عليها. لم نحصل قط على الرسالة التي أعدناها إليهم لمراجعتها، حدثت أشياء كثيرة لكن تلك الرسالة لم تأتِ. في أثناء ذلك أبلغ كارتر السادات بأنه حصل على التزام من بيغن بتجميد الاستيطان في الضفة الغربية وغزة لفترة مطوَّلة. نحن لا نعرف إلى أي مدى طولها. على أساس ذلك قال السادات : حسناً، لقد حصلنا على أفضل ما أمكننا القيام به. ووافق الطرفان على التوقيع. وأذكر أن كارتر دخل علينا لإبلاغنا بنتيجة آخر اجتماعٍ عقده، في نحو الساعة السادسة بعد ظهر اليوم الذي وقَّعا فيه، ولم يكن يبدو سعيداً، بل بدا قلقاً بشأن ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق أم لا، وقال: أعتقد ذلك، أعتقد بأن بيغن سيوقِّع، إنه ليس سعيداً بذلك لكنه سيوقِّع. وهكذا فجأة تولى الأمرَ الأشخاصُ المسؤولون عن العلاقات العامة، وهم الأشخاص الذين يتعاملون مع الإعلام، وقالوا: ستكون هناك مراسم توقيع في البيت الأبيض، وسيتم ذلك في الزمن القياسي للمُشاهد في الساعة التاسعة، ويتعيَّن أن يكون الجميع مستعدين، يجب أن تعودوا، ستأتي المروحيات وما إلى ذلك. فجأةً تحوَّل الأمر إلى أزمة، إذ إنها ستكون المرة الأولى التي سيعرف فيها العالَم ما كان يحدث في المفاوضات، لم يكن أحد يعرف ما إذا كانت المفاوضات قد انهارت، لم يكن هناك أي اتصال بالصحافة على مدى 13 يوماً، عملياً لا أحد يعرف ماذا كان يحدث. وفي تلك اللحظة على وجه التحديد هبَّت عاصفة رعدية عاتية، وكأن السماء انفتحت برقاً ومطراً. يا إلهي، ذلك شيء تاريخي ويبدو أن السماء لم تكن راضية جداً عما كان يدور في المفاوضات. وهكذا تعذَّرَ مجيء المروحيات. وما لبثنا أن حصلنا على الضوء الأخضر للتحرك، فهرعنا إلى البيت الأبيض، عقدنا – بريجنسكي وأنا– مؤتمراً صحافياً قبل ساعة من التوقيع حتى يعرف رجال الإعلام ماذا في ثنايا الاتفاق. تحدَّثنا عن ذلك بالتفصيل، وقال سائل: ماذا عن المستوطنات في الضفة الغربية وغزة ؟ قلنا: إن لدينا تفاهماً مع الإسرائيليين. وكرَّرنا ما أبلغَنَا به كارتر لكننا لم نكن نملك أي دليل خطي، وذلك هو الشيء الوحيد الذي لم نحصل عليه، وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبناه، إذ إننا لم نعتمد على تعهُّد خطي، وإنما على اعتقاد الرئيس المشوب بالتمنِّي بأنه حصل على تنازلٍ لم يحصل عليه حقاً. وكان لذلك الخطأ كُلفته؛ لأن بيغن قال في الحال إنه لم يوافق قط على شيء من ذلك القبيل. وفي اليوم التالي بعد التوقيع سُئل عن التعهُّد الذي قدَّمه بشأن تجميد الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة فلم يتردد في نفي ذلك. وفكَّرنا في جميع السُّبُل للضغط عليه، لكننا في نهاية المطاف اضطُررنا لتقبُّل ذلك. وهكذا كسب جولة في ذلك الوقت.

إيجابيات اتفاق (كامب ديفيد) وسلبياته استماع إلى الفقرة

أعتقد بشكلٍ قاطع من منظور المصلحة الوطنية الأمريكية بأن اتفاق كامب ديفيد كان إنجازاً كبيراً. كنتُ أتمنى أن أرى السلام الشامل وتجميد المستوطنات وصفقة أفضل، لكن ذلك هو الاتفاق الذي استطعنا الحصول عليه. وأعتقد بأن تأمين العلاقة الأمريكية– المصرية اتضحت أهميته بالنسبة إلى الولايات المتحدة . وقد رأينا فائدته في عام 1990م حين غزا صدَّام حسين الكويت ، فقد تمكنَّا من العمل مع المصريين لنقل قوات أمريكية إلى الخليج، ونقل قوات مصرية إلى جانب قوات سورية للمساعدة في الوقوف في وجه صدَّام حسين . ما كان لذلك أن يحدث لولا معاهدة السلام المصرية– الإسرائيلية والسنوات العشر التالية التي بنينا خلالها العلاقات مع المصريين.

هناك على الدوام جوانب غير مرغوبة في أي تطور من ذلك النوع، كانت هناك منافع تحققت للولايات المتحدة ، وأعتقد أن من بين النتائج غير المرغوبة من تلك المعاهدة أنها قادت الإسرائيليين إلى الشعور بأن بإمكانهم القيام بما يريدون في الساحات الأخرى، مثل لبنان ؛ ولذلك فإن حرب 1982م التي كانت حرباً فظيعةً بالنسبة إلى لبنان لم تكن ضرورية. وأعتقد بأن كارتر ما كان ليقف مكتوف الأيدي ويتركها تنشب، بيد أن ريغن تركها تندلع. في ذلك السياق لم يكن لدى الإسرائيليين ما يخشونه من ردِّ فعلٍ عربي؛ لأن مصر تم تحييدها، كما أن مصر لم تكن لتضع مستقبلها على المحك بسبب لبنان . أعتقد بأن ذلك هو الجانب غير المرغوب فيه الذي أشار إليه المنتقدون العرب لاتفاق كامب ديفيد الذين كانوا يرون أنه لولاه لَمَا اندلعت حربٌ في لبنان في عام 1982م . قد يكون ذلك الأمر حقيقياً على الأرجح، إذ طالما شعرتُ بالأسف تجاهه ولا أعتقد بأنه كان أمراً حتمياً. وأحسب أن الرئيس كارتر – معزَّزاً بإعادة انتخابه لولاية ثانية– كان سيعطي للإسرائيليين الإشارات التي كان ينبغي أن تعطيها لهم إدارة ريغن . لا شك في أنه كان سيعارض ذلك ولن يشجِّعه. بيد أن ذلك حدث. أعتقد بأن المرء يجب أن يحاول أن يضع نفسه في الصورة الذهنية لِمَا كان يمكن إنجازه آنذاك: هل كنا نفضِّل سلاماً شاملاً كما كان العرب يريدونه؟ نعم. هل كان ممكناً تحقيقه؟ لا؛ منذ اللحظة التي أضحى فيها بيغن رئيساً للوزراء.

الموقف السعودي من الثورة الإيرانية استماع إلى الفقرةاستماع إلى الفقرة

أعتقد بأن الحقيقة المتمثلة في أن الثورة الإيرانية تزامنت مع إجراء مفاوضات كامب ديفيد كانت أمراً مستَغْرَباً كان لدينا مسار دبلوماسي يفضي إلى سلام بين مصر وإسرائيل، وفي الوقت نفسه كان شريكنا الرئيس الآخر في الشرق الأوسط يوشك على مواجهة ثورة، وانتهى الأمر بالإطاحة بالشاه . وقع هذان الحدثان في وقتٍ متزامنٍ تماماً، وكان ذلك الإحساس عجيباً. ظن كثيرون أنه لا يمكن أن تكون الولايات المتحدة بذلك العجز حتى تسمح ببساطة بالإطاحة بالشاه ، وعلى يد مَن؟ آية الله الخميني ؟ إنه رجلٌ يعتمر عمامة بالية، وكان خارج بلاده، ولم يكن في الغرب ثمة من ينظر إليه بوصفه زعيماً ثورياً عظيماً. حتى الشاه خلال الفترة البسيطة التي عاشها بعد الإطاحة به كان متأكداً من أن الأمريكيين كانوا يريدون المجيء بهذه الظاهرة الخمينية الجديدة إلى السلطة في إيران لأسبابٍ غريبة. السبب الذي أقنع نفسه به أنه على الرغم من أن الخميني كان يتحدث بانتقاداتٍ خشنة للولايات المتحدة إلا أنه أيضاً مناهضٌ للشيوعية، وأن إيران ستبقى حاجزاً منيعاً ضد الاتحاد السوفييتي لأنها مناهضة للشيوعية، ولأنها ستنقل المد المعادي للشيوعية إلى بقية أرجاء العالَم العربي. هذا كله هراء. لكنني أخشى القول إن بعض الناس– بمن فيهم السعوديون– اعتقدوا بأنه ربما كانت هناك خطة تمنع الولايات المتحدة من السماح بالإطاحة بالشاه ما لم تكن هي تريد سقوطه. ولكن ما هي الخطة الجديدة؟ هل تتمثل في الرهان على أن إيران الإسلامية ستكون مناهضة للسوفييت وستتعاون بشكلٍ أو بآخر مع الولايات المتحدة للهيمنة على منطقة الخليج؟ لا أعتقد بأن ذلك دام طويلاً؛ خصوصاً في أعقاب أزمة الرهائن، فقد شهد الناس أنه لم يكن هناك تفاهم بين الولايات المتحدة والخميني ، ولكن كان هناك قدر كبير من المخاوف، ولم يكن الآخرون متأكدين مما سينجم عن الثورة الإيرانية؛ فقد أضحى الخميني يدعو فجأةً للإطاحة بعدد من الأنظمة الـمَلَكية في الخليج.

في العام التالي هاجم صدَّام حسين إيران واندلعت حرب شاملة بين البلدين. أعتقد بأن جميع دول الخليج شعرت بالتهديد أولاً من الثورة الإيرانية، وثانياً من إمكان اتساع نطاق الحرب بين إيران والعراق ؛ لذلك فقد كانت الثمانينيات فترة مشوبة بالتوتر، وبالطبع فإن السياسة الأمريكية كانت تتسم آنذاك بنوعٍ من عدم الوضوح. وجاءت فترةٌ عمدنا فيها إلى تحسين علاقتنا مع صدَّام حسين وهو ما كان – على وجه العموم– ما يريده حلفاؤنا الخليجيون؛ لأن العراق كان حاجزاً لصد تمدُّد النفوذ الإيراني، وهي جزئية كانوا يحبونها. وفي منتصف الثمانينيات انعكست الأوضاع، واتضح أننا نرسل أسلحة إلى إيران ، وهو أمرٌ عزَّز ذلك الخوف القديم. كانت هناك صفقة. بشكلٍ أو بآخر راهن الأمريكيون على الإيرانيين، وأدى ذلك إلى عودة تلك المخاوف لتطفو على السطح من أن هناك شيئاً ما، ومن أن الأمريكيين بدؤوا يتحولون إلى مركز المذهب الشيعي في الخليج. بالطبع تعززت تلك المخاوف مرةً أخرى إثر الإطاحة بنظام صدَّام حسين وتمكين حكومة شيعية من بسط سيطرتها على العراق . إنها مخاوف ليس بوسعك أن تهرب منها. كان السعوديون مرتابين على الدوام في أن الولايات المتحدة ستراهن على جهةٍ أخرى، وأن إيران هي القوة الناهضة الجديدة، وأن ذلك سيحدث على حسابهم. غير أنني أعتقد – للمرة الثانية – بأن الأمر مبالَغٌ فيه. لا أعتقد بأن ذلك من قبيل الحقيقة، وإن كنتُ أعتقد بأننا سنمر بفترةٍ ستحاول الولايات المتحدة خلالها معالجة علاقاتها المتردية جداً مع إيران ، وهو – باعتقادي– أمرٌ يجب أن يحدث، لكنه يسبب قلقاً. وإذا كان ذلك مثار قلق الآن؛ فإنه سبَّب قلقاً حقيقياً في عام 1979م، لكن السعوديين تحمَّلوه ولم يكن ببعيدٍ من وقوع الثورة الإيرانية أن واجهوا ثورةً عليهم في مكة .

حادثة الحرم استماع إلى الفقرة

الواقع أنني غادرتُ الحكومة الأمريكية في صيف عام 1979م، ولكن بعد ذلك بقليل (في نوفمبر عام 1979م) كنتُ في رحلةٍ إلى الشرق الأوسط، وكنتُ في السعودية حين تم الاستيلاء على المسجد الحرام في مكة . أعتقد بأنني كنتُ في جدة . كأن ذلك كان يحدث بعيداً جداً، إذ مضى الناس في شؤون حياتهم المعتادة. كانوا يتحدثون عما وقع، لكنهم كانوا يفترضون أن الأمور ستعود إلى نطاق السيطرة سريعاً جداً. وأعتقد بأنه حين استمر الأمر بدأ الناس يشعرون بالقلق. لكنني لم أرَ شيئاً يدل على أن البلاد كانت على حافة ثورة أو فزع أو نحو ذلك. وكان ذلك غريباً لأن الناس تحدثوا عما جرى، وكانوا يعرفون عموماً أن ذلك كان يحدث، لكنهم حسبوا أنه سيتم احتواؤه ومعالجته، وهو بالطبع ما حدث فعلياً. لا أعتقد بأنه تبيَّن لهم أنه كان من الصعب إخراج أولئك الناس من الأنفاق وغيرها من الأمكنة. ما أذكره الآن عن تلك الدراما ومعظم خبراتي في السعودية خلال ذلك الأسبوع يشير إلى أن الشعب كان مسترخياً جداً حيال ذلك.

الدعم السعودي– الأمريكي لأفغانستان ضد الغزو السوفييتي استماع إلى الفقرة

من الواضح أن الغزو السوفييتي لأفغانستان كان نوعاً ما مزيجاً من عددٍ من الصدمات. كان عام 1979م عاماً فريداً، خصوصاً بالنسبة إلى بلادٍ كالسعودية ؛ ففيه توصلت مصر إلى سلام مع إسرائيل، واندلعت فيه ثورة في إيران ، وتم فيه احتلال الحرم المكي، وفي نهايته اقتحمت جحافل الاتحاد السوفييتي أفغانستان . هكذا كان عاماً صعباً.

كان بعضهم قد بدأ يرى قبل ذلك نسبياً إنْ كانت أفغانستان ستتحول إلى فيتنام أخرى للسوفييت، فقد احتلوا شيئاً لن يسهُل عليهم النجاح في حل مشكلته من خلال القوة العسكرية، والسبيل إلى جعل الأمور صعبة بالنسبة إليهم على جهة الخصوص يتمثل في تسليح المقاومة الأفغانية التي كانت على استعدادٍ للقتال ضد الغزاة وتدريبها ومساعدتها، وكان مقاتلوها يتدفقون على باكستان التي كانت تربطها بهم علاقات.

ما حدث بحلول عامَي 1981– 1982م أو نحو ذلك أن السعوديين والأمريكيين والباكستانيين أخذوا يبنون حركة مقاومة أفغانية استطاعت في نهاية المطاف أن تبدأ اكتساب قدرة لجعل الأمور صعبة أمام السوفييت في الريف. وبمرور الوقت أضحى مقاتلو المقاومة أفضل تدريباً ومعدَّات، وبدؤوا يحصلون على صواريخ مضادة للطائرات تُحمل على الأيدي، وبدؤوا يُحْدِثون خسائر في صفوف السوفييت هناك، وبدأ يدور نقاش داخلي في أوساط السوفييت بشأن ما إذا كان احتلال أفغانستان يستحق تلك التضحيات أم يتعيَّن عليهم الانسحاب. لقد خاضوا حرباً وحشيةً للغاية، واضطر عددٌ كبيرٌ من الأفغان إلى النزوح من بلادهم، وقُتل منهم عددٌ كبير.

بالطبع كانت لحظة غير عادية وجدتْ فيها الولايات المتحدة والدول الإسلامية نفسها تقاتل جنباً إلى جنب في صفٍّ واحد. والواقع أننا نعرف الآن أن أسامة بن لادن ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانا على درجة متساوية من الخطر من أجل مساندة ذلك الشعب نفسه. وقد دأبتُ على أن أقول لطلابي إن ذلك الأمر غريبٌ جداً، وهم يجدون الآن صعوبةً في تصديق أننا كنا في ذلك الوقت نصطف على الجانب نفسه من هذه القضية. واتضح بالطبع أن الأمر حقق نجاحاً كبيراً، إذ ساعد في التعجيل بانهيار الاتحاد السوفييتي . لكنه لم ينطوِ على نجاحٍ يُذكر بالنسبة إلى أفغانستان التي دُمِّرت، فما إن انسحب منها السوفييت حتى أدار لها الغرب ظهره، تاركاً ذلك الفراغ الذي ملأته – بكل أسف– حركة طالبان وتنظيم القاعدة. هكذا كان الأمر سيئاً. ولكن من حيث الظروف الجيو– إستراتيجية العريضة كان الأمريكيون والسعوديون شركاء في هذه الفترة التي شهدت أغزر فترات التعاون السري بين الولايات المتحدة والسعودية ، وكانت أفغانستان جزءاً مهماً من ذلك. توصلنا إلى تفاهُم مع السعوديين خلال تلك الفترة بأننا سنساند المقاومة بشكلٍ مشترك بمبالغ متساوية. إذا أسهموا ببليون دولار فعلينا أن نسهم بمبلغ مماثل.

شهدت هذه الفترة في الثمانينيات تعميقاً حقيقياً للعلاقات الأمريكية– السعودية فيما يتعلق بأفغانستان ، ومثَّلت بشكلٍ حقيقي أعلى فترات المد للعلاقات السرِّية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في مساندة المقاومة الأفغانية، وكانت ناجحةً في ذلك.

الموقف السعودي من الحرب العراقية الإيرانية استماع إلى الفقرة

كان السعوديون حين اندلعت الحرب بين إيران والعراق في عام 1980م يعيشون في ما يمكن عدُّه نوعاً من الورطة المعقَّدة، فهم لم يكونوا يرتاحون ولا يثقون – على وجه الخصوص – بأيٍّ من النظامَيْن، كما كانوا يعلمون أنها حربُ عِصِيٍّ كبيرة؛ فإذا هُزم الإيرانيون فإنَّ توازن القوى سيتحول باتجاه العراق ، وهو أمرٌ يمثل مشكلة بالنسبة إلى السعودية ، ومن الناحية الأخرى إذا تعرَّض العراق للهزيمة فإن الإيرانيين سيقفون على عتبة الباب السعودي، وسيكونون – بلا منازع – سادة الخليج. وهكذا فإن النتيجة المثالية بالنسبة إليهم تتمثل في ألا يتسع نطاق الحرب، ولكنها نتيجةٌ يصعب التيقُّن من حدوثها على وجه التأكيد. تتمثل المخاطر في أن أحد الطرفين سيكسب الحرب, ومهما كان شأن النتيجة فستضع السعوديين في ورطة؛ فإذا أصبح الإيرانيون أقوياء جداً فإنَّ لذلك تبعاته على السعوديين. ولكن من الواضح أنه حين يكسب صدَّام الحرب بطريقة مثيرة فهو ليس جاراً سهلاً يمكن التعايش معه؛ إذ إنه علماني وبعثي ولا مبالٍ، كما أنه مدجَّج بالسلاح. لذلك أعتقد بأن السعوديين راهنوا على أنهم بحاجة إلى مساندة صدَّام ؛ لأنَّ انهيار العراق سيمثل الحصيلة الأسوأ، غير أنهم لم يكونوا سعداء بفكرة مساعدة نظامٍ قد يقلب لهم ظَهْرَ المِجَنّ ولديه طموحاته الخاصة بالهيمنة. لم يكن سهلاً أن يجد المرء نفسه في موقف المملكة العربية السعودية ؛ فهي أضعف من الناحية الديموغرافية من الدول المحيطة بها، سواء مصر أو العراق أو إيران , كما أنها تملك من النفط أكثر من أيٍّ من تلك الدول؛ ما يعني أنها جميعاً تتمنى السيطرة عليها. وعلى الرغم من أنها بَنَتْ قوتها العسكرية على مدى سنوات إلا أنها لا تستطيع حقاً أن تخوض معركة مع أيٍّ من تلك القوى الإقليمية الكبيرة من دون مخاطر جمَّة. وهكذا ففي تلك الفترة كان أفضل شيء تتمناه السعودية ألا تسفر الحرب عن تغيُّرٍ مثيرٍ في توازن القوى، وألا يتسع نطاقها إلى منطقة الخليج المجاورة، بما في ذلك الأراضي السعودية.

كانت النتيجة جيدة بشكل مدهش؛ ويُعزى ذلك في جانبٍ منه إلى أنَّ السعوديين حصلوا لأنفسهم على وثيقة تأمين: فقد ضَمِنوا أن الولايات المتحدة تقاسمت معهم المعلومات الاستخبارية. كانت تلك هي الفترة التي تم فيها بيع طائرات (أواكس)، وهكذا كنا نحصل على المعلومات الاستخبارية ونتقاسمها. والواقع أن إدارة ريغن كرست وقتاً كبيراً واهتماماً بالعلاقة مع السعودية ، وعلى الرغم من الاستثناء المتمثل في قضية إيران – كونترا التي كانت سياسةً تتسم بالغباء؛ إلا أننا عَبَرْنا إجمالاً خلال الثمانينيات بالعلاقة الأمريكية– السعودية وهي في أفضل حالات تماسكها.

وبالطبع كان مجيء إدارة بوش (الأب) لحظة أخرى جيدة للعلاقة السعودية– الأمريكية؛ فقد كان السعوديون مسرورين بأنَّ الولايات المتحدة ردَّت بقوة بعد قيام صدَّام بغزو الكويت في عام 1990م، وساعدت أساساً في الدفاع عن الخليج العربي من طموح صدَّام التوسعي. هكذا كان ذلك – فيما أعتقد– أفضل ما يمكنهم الحصول عليه. وربما إذا تطلع السعوديون إلى الوراء لمعرفة أفضل اللحظات في العلاقة الأمريكية– السعودية فسيقولون – على الأرجح – إنها تتمثل في نهاية عهد ريغن وخلال إدارة بوش (الأب).

النجاح السعودي في الحصول على أسلحة جوية متطورة استماع إلى الفقرةاستماع إلى الفقرة

أعتقد بأن الطلبات السعودية لاقتناء أسلحة حديثة في أواخر السبعينيات وما تلاها كانت جزءاً من اتجاهٍ لدى السعوديين لبناء قوتهم العسكرية، إذ طالما كانوا مرتابين في أن جميع الأطراف في المنطقة تفعل الشيء نفسه؛ فقد كان العراقيون يتسلحون، ودجَّجت إيران نفسها بأسلحة ثقيلة وقامت فيها ثورة؛ لذلك خطَّط السعوديون للِّحاق بذلك بشكلٍ أو بآخر. وشعروا – بوصفهم قوة ضعيفة نسبياً – بأنهم بحاجة إلى تقنية متقدمة لتعويض ضعفهم الديموغرافي. أذكر أنني سألتُ مسؤولاً سعودياً كبيراً في نهاية السبعينيات عن تقويمه الأمين لتقدير حجم السكان السعوديين الأصليين: كم عدد السعوديين الذين يمكن الاعتماد عليهم لتعزيز الحرس الوطني والجيش؟ فقال: إن عددهم يراوح بين 5 و6 ملايين نسمة. ربما كان ذلك تقديراً منه ضمن الحدِّ الأدنى، ولكن لم يقل أحد إن العدد يصل إلى 20 أو 30 مليوناً. لم يكن لديهم إحصاء للتعداد السكاني. وهكذا فإنهم بتقديراتهم تلك كانوا يواجهون إيران التي يبلغ تعداد سكانها 70 مليوناً، والعراق 20 مليوناً، ومصر 70 مليوناً، وإسرائيل التي تملك أسلحة نووية. شعروا بأنهم إذا أرادوا فرصةً للبقاء والاعتماد على أنفسهم فإنهم على الأقل بحاجة إلى تقنية متقدمة. والتقنية المتقدمة تأتي بثمن، إذ يتعيَّن تدريب العاملين عليها لأنه ليس سهلاً على الدوام استيعابها. لكنهم خلُصوا إلى أن سلاح الجو سيحظى بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام, وهو لا يتطلب قدرة بشرية ضخمة مثلما هي حال القوات البرية، وإذا كان لديك سلاح جوي متطور للغاية فقد تكون قادراً على تعويض ضعفك الديموغرافي.

بالطبع من وجهة نظر السعوديين فإن لديهم تهديدات من كل صوب، من الشرق ومن الغرب والجنوب؛ ولذلك فإن سلاح الجو يمكن أن ينتقل سريعاً إلى حيث يكون التهديد. وهكذا كان لدينا نوعٌ من التفهُّم للمنطق القائل بتحويل قوة سلاح الجو إلى قوة جوية أكثر تطوراً وأفضل قدرةً على جمع المعلومات وذلك فيما يتعلق بطائرات (أواكس). أما بالنسبة إلى طائرات (إف 15) فهي – كما قدَّرنا – ستكون أساساً مقاتلة اعتراضية لإبقاء الطائرات الأخرى غير قادرة على دخول مجالها الجوي. لم نَبِعْ لهم طرازاً يمكن أساساً استخدامه بوصفه قاذفة قنابل، وإن يكُن مزدوج القدرات.

مهما يكن؛ فإنَّ إدارة كارتر ورثت ذلك الطلب. وكانت إدارة فورد قد أبلغت السعوديين بأن صفقة البيع ستمضي مبدئياً إلى الأمام، لكن توقيتها غير مؤكد. وهكذا حاولنا تأخير الرد على الطلب السعودي في عام 1977م؛ لأننا كنا نسعى إلى وضع تلك الدبلوماسية المعقَّدة. وفي كل مرةٍ تذهب إلى مبنى الكابيتول الذي يتعيَّن عليك الذهاب إليه مع كل صفقة مبيعات أسلحة فإنَّ اللوبي الموالي لإسرائيل سيمزقها إرباً إرباً. إنها لعبة مراهَنات خطيرة. لم نكن نريد مواجهة شيء من ذلك في وقتٍ كنا نحاول فيه دفع محادثات السلام؛ لذلك أبلغنا السعوديين في عام 1977م بأن يتحلوا بالصبر لأننا سنهتم بها.

بعد ذهاب السادات إلى القدس في نوفمبر في عام 1977م أخذ القلق يساور السعوديين، إذ لم يروا أي مؤشر يدل على أننا حساسون تجاه مصلحتهم. وقالوا: حسناً؛ إذا لم تعطونا رداً قريباً جداً فسنذهب إلى مكانٍ آخر بحثاً عن الأسلحة. لذلك كان يتعيَّن على كارتر أن يتخذ قراراً، فقال: "أبلِغوا السعوديين بأن الإجابة نعم، ولكننا يجب أن نقوم بذلك بطريقةٍ تنطوي على فرصة لتمرير الصفقة في الكونجرس. إذا اكتفينا بإرسال صفقة الأسلحة السعودية فقط إلى مبنى الكابيتول فستتم عرقلتها؛ لذلك واصِلوا التحدث إلى كل عضو في الكونجرس يريد أن يقف على الجانب السليم من جماعات الضغط. والسبيل الوحيد لتمرير تلك الصفقة أن نضع صفقة شاملة لثلاث صفقات منفصلة للتسلح: إحداها للسعودية ، والأخرى لمصر ، والثالثة لإسرائيل، ونُبلغ الكونجرس بأن الصفقة الثلاثية يجب أن تمضي في آنٍ معاً, إما أن تصوِّتوا لها معاً وإلاَّ فلا؛ لأننا سنسحبها".

كنا ندرك أن ذلك ربما لم يكن قانونياً من الناحية الدستورية؛ لأن الكونجرس يملك فعلياً الحق في الفصل بين تلك الصفقات والتصويت لها بشكل جزئي منفصل, غير أننا أبلغنا أعضاء الكونجرس بأنهم إذا فعلوا ذلك فإننا – من الناحية السياسية – سنسحب الصفقة كلياً. ونجحت الخطة وأظهرت أنه حين يستخدم الرؤساء عضلاتهم السياسية فسيكون بمستطاعهم الحصول على قدرٍ كبيرٍ مما يريدون. والواقع أن الصفقة في نهاية المطاف فُصِلَ بين أجزائها وصوَّت أعضاء الكونجرس على كل جزءٍ من أجزائها, ولكن كل الأجزاء مُرِّرَت. ما كان ذلك ليحدث لولا تدخُّل كارتر بشدة لتمريرها. وقد شعرتُ بأنَّ من المشكلات أننا نتيجةً لمساعي تمرير تلك الصفقة حشدنا اللوبي الإسرائيلي واتضح لاحقاً أنها كانت معركة شديدة البأس.

وعلى الرغم من أنني عملتُ في إدارة الشرق الأوسط؛ إلاَّ أنني كنتُ حقاً الشخص الذي عرض الحجج لمصلحة الصفقة في العلن. كان لدينا إلى جانب ذلك أشخاصٌ في وزارتَي الخارجية والدفاع وجهد جيد جداً في مجال الضغط استأجره السعوديون. أعتقد بأنها المرة الأولى التي دخلوا فيها لعبة جماعات الضغط في واشنطن. وجاء الأمير بندر وقدَّم نفسه بوصفه ذلك الطيار الذي لا يريد سوى قيادة الطائرات، وكان مؤثراً بطريقةٍ رَبَطَتْهُ بعددٍ كبيرٍ من شخصيات مبنى الكابيتول. شرح حيثيات حاجتهم إلى تلك الطائرات, وتولى فريد دالتون جهود اللوبي وقدَّم مبرِّرات جديدة لصالح أمن السعودية نجحت في تمرير الصفقة. لكنها مرت بثمن؛ فقد أنفقنا وقتاً طويلاً فيها، وكانت هناك مشاعر جمَّة بالخدوش, كما أعتقد بأنها اعترضت سبيلنا الهادف إلى مواصلة الدفع بدبلوماسية النزاع العربي– الإسرائيلي إلى الأمام. ولكن من ناحية إستراتيجية كان – على الأرجح – يتعيَّن القيام بها، إذا لم يكن في ذلك الوقت تحديداً ففي وقتٍ آخر. كان السعوديون مصمِّمين جداً على أنهم إذا لم يحصلوا على طائرات (إف 15) فإنهم سيذهبون للحصول على مقاتلات فرنسية، أو على الأرجح طائرات (تورنادو) البريطانية، أو من مكانٍ آخر.

أما بالنسبة إلى بيع طائرات (أواكس) فقد كان يتعيَّن مجدَّداً على إدارة ريغن أن تواجه الشيء نفسه. فقد اتخذت القرار مبدئياً بالمضي قُدُماً في البيع، فاستشاطت جماعات الضغط غضباً, وكان للصفقة مرةً أخرى بُعدٌ داخلي حقيقي, ودافع عنها ريغن . ولو نظرنا بأثر رجعي فإن الأمر يبدو كأنه قضية سهلة، ليس عليك غير أن تقول إن هناك مشكلة أمنية حقيقية في منطقة الخليج، وإن إيران والعراق مدجَّجتان بالأسلحة، وإنَّ إحداهما تحارب الأخرى، وإن الجائزة الكبرى في المنطقة هي حقول النفط السعودية، وإن امتلاك معلومات استخبارية أفضل يعني شيئاً. كانت حججاً معقولة جداً قدَّمها رئيسٌ موالٍ لإسرائيل، إذ لا يمكن اتهام ريغن بأنه مناهض لإسرائيل. كما أظهر ريغن أن الزعامة الرئاسية يمكن أن تؤدي إلى تمرير الصفقة في الكونجرس. وساعد على البيع أن السعوديين عرضوا دفع الثمن كاملاً, والواقع أنهم دفعوه نقداً، ولم يكن الأمر كأنْ تطلب من دافعي الضرائب الأمريكيين دعم الصفقة. وفى الحقيقة جنينا أموالاً من تلك الصفقة. وفي المقابل كل المبيعات لإسرائيل يدفع ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون. لذلك كان الأمر في بعض مستوياته قضيةً يصعب على الكونجرس عدم المضي فيها. لكنها على الرغم من ذلك استغرقت وقتاً وجهداً كبيرَين في كلتا الحالتَين. ومن المثير أن بعض أعضاء الكونجرس من الجمهوريين والديموقراطيين تجاوبوا بشكلٍ مماثل، لأنهم رَأَوا في ذلك قضيةً تتعلق بالأمن القومي.

إنشاء مجلس التعاون الخليجي وأهميته استماع إلى الفقرة

أذكر – فيما يحضُرني – أن الاهتمام بإنشاء مجلس التعاون الخليجي جاء عشيةَ أو في نحو الوقت الذي اتخذ فيه البريطانيون قراراً بسحب وجودهم العسكري في شرق السويس . كان ثمَّةَ قلق – وبخاصةٍ في الدول الخليجية الصغيرة – من أنَّ ذلك سيؤدي إلى حدوث نوعٍ من الفراغ الأمني؛ لأن البريطانيين قاموا – بطريقة غير مرئية بشكلٍ ظاهر – بدور مهم في أمكنةٍ مثل الإمارات والكويت وقطر وعمان ، في كلا الجانبين الأمني والاستخباري. مَن كان سيحل محلهم؟ مَن كان سيلطِّف العلاقات المتوترة بين السعودية مثلاً وأبو ظبي بشأن الأراضي؟ كان هناك قلق حيال عدم وجود هيكل يمكنه أن يتولى الدور الوظيفي الذي قام به البريطانيون بوصفهم وسطاء وغير ذلك. قد يحدث نوعٌ من الفراغ الذي قد يقفز أيٌّ من العراق أو إيران لملئه. حدث هذا في وقتٍ ما خلال تلك الفترة، وربما كانت ذاكرتي ضعيفة بقدرٍ ضئيل.. لكننا نتحدث – كما أعتقد– عن منتصف السبعينيات، حين برزت فكرة هيكل يجمع فقط دول الخليج التي تتقاسم الحقيقة المتمثلة في أنها أنظمة مَلَكية– باستثناء العراق واليمن من المجموعة– لتكوين ذلك النوع من المجلس التعاوني، كما أن عليها أن تقتسم المعلومات والاستخبارات، وربما التخطيط العسكري ونحو ذلك.

أذكر ذلك الوقت الذي ربما كان في الفترة 1972– 1973م عندما بدأ الناس يتحدثون عن ذلك المجلس، كانت الولايات المتحدة في عهد نيكسون الذي أرسل ريتشارد هلمز سفيراً إلى إيران وكان قبل ذلك مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. كانت له اتصالات في أرجاء منطقة الخليج, وكان جزءاً من عمله بوصفه سفيراً في إيران أن يرى ما إذا كان بوسعه المساعدة في تطوير فكرةٍ تتمثل في كيفية تنظيم الشق الآخر من الخليج. في ذلك الوقت لم يكن للولايات المتحدة وجود دبلوماسي في المنطقة, أعتقد بأنه كان لدينا وجود في الكويت ولكن ليس في البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة , ولستُ متأكداً ولكن ربما كان لنا وجود في ذلك الوقت في سلطنة عمان . كنا قد تخلَّينا عن الوجود الغربي في الخليج لبريطانيا ، وكان البريطانيون يحزمون أمتعتهم ويغادرون. هذه هي الفترة التي بَنَت فيها الولايات المتحدة وجودها الدبلوماسي وشجعت على إنشاء مجلس التعاون الخليجي. اتضح لاحقاً أنه ليس كل شيء حلم به الآخرون، فلا تزال هناك خلافات بين دوله، وهي لم تتكامل بعد، كما أن هناك مشكلات بين مختلف الأعضاء لأسبابٍ مختلفة, لكن بشكلٍ عام بدا أنه حقق الهدف المنشود منه. وبالطبع فقد وقف المجلس شامخاً وقت الهجوم العراقي على الكويت ، إذ قامت دول مجلس التعاون الخليجي بالحشد والتعبئة، وساعدت في دفع كلفة الحرب، كما قدمت مساعدة لوجستية كبيرة، وآتى جانبٌ من التخطيط الذي تم القيام به أُكُله – في اعتقادي – في تلك الفترة.

دور المملكة في عهد الملك خالد في المجال العربي استماع إلى الفقرة

انطباعي عن الدور السعودي خلال الفترة التي عملتُ فيها في الحكومة الأمريكية (من نحو عام 1972 إلى1979م) أن السعوديين ظلوا يسعون بلا كلل للإبقاء على العلاقات بين العرب على قَدَم المساواة . ولذلك توسطوا بين سورية ومصر وحاولوا الإبقاء على تماسُك العلاقات. أعتقد بأن ثمة أسباباً واضحة لذلك؛ فكلما اشتد انقسام العالَم العربي تعرَّضَ السعوديون لضغوط للوقوف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، وهم كانوا مهتمين بالقيام بدور تصالحي وببناء الإجماع.

أعتقد بأن الملك خالد شخصياً كان يرى أنه ينبغي معالجة القضية الفلسطينية، وكان يشعر بالقلق من أن الولايات المتحدة تتجاهل ذلك. خلال تلك الفترة التي كنتُ أعمل خلالها في الحكومة تلقَّينا إشارات قوية من السعوديين الذين كانوا يعتقدون بأنه على الرغم من أنَّ ياسر عرفات ليس زعيمهم المفضَّل على الإطلاق، وأنه يحمل أفكاراً لا تتفق على الدوام مع أفكارهم؛ إلا أنهم مع ذلك كانوا مؤيدين لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها تعبيراً سياسياً عن تطلعات الفلسطينيين لقيام دولتهم. وأذكر في إحدى المراحل أن السعوديين أبلغونا بأننا يجب أن نوافق على فكرة قيام دولة فلسطينية, وجرى نقاشٌ حول كيفية تحقيق ذلك ومَن يكون رئيساً لها وما إلى ذلك. وأذكر أن ولي العهد الأمير فهد هو– باعتقادي– مَن قال ذلك. يُفترض أن ذلك ينمُّ عن آراء الحكومة في ذلك الوقت. وقال: إنه حتى لو تَطَلَّبَ الأمر أن تكون للفلسطينيين دولتهم لمدة يومٍ واحد فمن المهم أن يحصلوا عليها. قد يقررون أن من الأجدى أن يدخلوا في كونفدرالية مع الأردن ، أو يكونوا جزءاً من تجمُّع عربي أكبر؛ لأنه قد تكون هناك عراقيل أمام ما يمكنهم إنجازه في دولتهم الصغيرة، ولأنَّ الوحدة العربية قد تكون مُجدية بالنسبة إليهم. إنهم بحاجة إلى تأكيد هويتهم الوطنية ولو للحظة. هكذا كان مثيراً للاهتمام أن تلك القيادة السعودية ذات الخلفية الأيديولوجية المختلفة تماماً عن ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت مع ذلك تتفهَّم تلك الحاجة والرغبة التي تراود الفلسطينيين في قيام دولة خاصة بهم. وكانت تلك القيادة السعودية راغبةً جداً في السعي إلى مدِّ جسورٍ بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية. لم يتحقق شيءٌ من ذلك في نهاية المطاف. دَنَونا قريباً جداً في عام 1977م من التوصُّل إلى تفاهُم كان من شأنه أن يفضي إلى قبول منظمة التحرير الفلسطينية قرار الأمم المتحدة رقم 242، وكنا من ثَمَّ سنبدأ التحدث إليهم, وهو أمرٌ حَدَثَ بدلاً من ذلك في عام 1988م بعد وقتٍ طويلٍ ضائع. كنا قريبين جداً من التوصل إلى ذلك الاتفاق في عام 1977م، أعتقد بأنه فشل في عام 1977م بشكلٍ عام لأن السوريين أرادوا له ألا يحدث. كانوا يريدون التحكم بالورقة الفلسطينية (وكانت هناك فكرة في السياسة العربية بأنَّ من يتحكم بالورقة الفلسطينية يحصل على قدر إضافي من المزايا) وكانوا يريدون لعرفات أن يعمل وفقاً لشروطهم. حين أبلَغَنا بأنه لن يستطيع أن يقبل شروطنا قال لنا: سأفعل ما يمكنني أن أفعله، لكنني في لبنان وهناك 40 ألف جندي سوري في لبنان لا أستطيع الاختلاف معهم ما لم تضمنوا لي – وهذا ما قاله لنا– أيها الأمريكيون مقدَّماً (ثمناً لقبول القرار 242) أنه ستكون لديَّ دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، وأنني سأكون رئيسها. إنه سَبْق صحافي، إذ لم أقل هذه القصة من قبل.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات