البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
نشأة الملك خالد وشخصيته
الجوانب الشخصية من حياة ...
الملك خالد (نسبه)
مولد ونشأة الملك خالد:
المزيد ....
الملك خالد صفاته ومناقبه
أبرز صفات الملك خالد:
كرم الملك خالد
الشجاعة والإقدام: (من صفات ...
المزيد ....
الملك خالد مع رعيته ولقاءاته بأبنائه المواطنين
الملك خالد مع رعيته
اهتمامه بشؤون المسلمين بالداخل: ...
كان الملك خالد قدوة ...
المزيد ....
تولي الملك خالد الحكم وسياسته الداخلية
الدروس والفوائد التي يمكن ...
اختيار الملك فيصل بن ...
الأعمال التي قام بها ...
المزيد ....
دور الملك خالد في دعم التضامن العربي والإسلامي
آخر نداء عربي وإسلامي ...
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
خطط التنمية ومجالاتها في عهد الملك خالد
شهد عهد الملك خالد ...
دراسة عهد الملك خالد ...
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
المزيد ....
الحالة الصحية للملك خالد
تطور الحالة الصحية للملك ...
فرحة العودة قصيدة شعبية ...
جلالة الملك المفدى إنني ...
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم
النص بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
معالي الدكتور محمد عبده يماني
(وزير الإعلام في عهد الملك خالد )

صفات الملك خالد استماع إلى الفقرة

* الحقيقة أن الملك خالد كان رجل من الرجال الصالحين، وكان رجل زاهد في الدنيا مقبل على الآخرة، وكان ورعاً، وكان يخشى الله عز وجل، وكثير الصلاة والاتصال بالقرآن كلما إلى ذلك سبيلاً، هذا قبل حتى أن يتولى الحكم، ولكن من زهده كره أن يقبل الحكم، ولولا ضغط إخوانه- وبالذات الملك فهد والملك عبدالله الآن وسمو الأمير سلطان ومجموعة- لما قَبِل لأنه كان يخشى من المسؤولية ويتهيب المسؤولية، ويقول: "أنا معكم، ولكن لا أريد أن أتحمل مسؤولية عظيمة كهذه"، فالرجل قَبِل المسؤولية ولكن بخوف عظيم: مسؤولية أمام الله وليس أمام الناس. ثم أنه كان رقيق القلب، كثير البكاء، قليل من الناس أنه تعرف الملك خالد كان دائماً يُقبل على الصلاة ويؤكد للناس أهمية الالتزام بالقرآن والسنة، حتى مع العلماء أنفسهم عندما يجلس إليهم يوصيهم بأن يوصوا الناس بالمحافظة على الكتاب والسنة، ويقول: "دعوا عنكم كثرة الكلام، ركِّزوا على كتاب الله وسنة رسوله".

ورع الرجل، تقواه، زهده، إعراضه عن الدنيا، حرصه على إعطاء كل ذي حقٍّ حقه: هذي من المميزات التي تميَّز بها الملك خالد رحمة الله عليه.

وأنا من الناس الذين كنت على مقربة من الرجل في حياته عندما كنت قد اتصلت بالعمل الحكومي، ولاحظت في مراحله الأخيرة عندما قَدِم من الرياض في الرحلة الأخيرة له كان من المفروض أن يصل إلى جدة فخرجنا مع سمو الأمير ماجد - رحمة الله عليه- ننتظره، وفجأة أخبرونا بأنه يصل إلى الطائف ، فذهبنا إلى الطائف واستقبلناه وكان في غاية الورع يعتذر للأمير ماجد ويعتذر لي: "أتعبناكم.. جبناكم من جدة .. ترى الدكاترة- الله يهداهم- قالوا ما يصير إلا أنزل بالطائف ..." في أدبٍ جمّ وفي خلقٍ جمّ، وفي نفس الليلة توفِّي، فالجماعة اللي حواليه قالوا:"يا دكتور، ظل طول الليل إلى الفجر وهو يقرأ القرآن ويسبِّح، وغير متهيب، حتى عندما قالوا له إنه قلبك تعبان، غير متهيب، يقول: أنا مشتاق للقاء ربي". فهذي الروح الإنسانية العالية والإيمان العميق بالله كانت من مميزات هذا الرجل الإنسان.

شخصيته استماع إلى الفقرة

* الملك خالد - الحقيقة-: أنا في رأيي الشخصي أنه مفتاح شخصيته تقوى الله عز وجل، وإقباله على الله عز وجل، ثم قلة من الناس يعرفون محبة هذا الملك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرجل مفتاح شخصيته هذه الأمور التي أقبل بها على الله، ولذلك الحديث يقول: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله .

الملك خالد في حياته نقاط مهمة لكن مفتاح هذه الأمور جميعاً هو قضية تقوى الله عز وجل، في كل قرار يُعرَض عليه يتحسَّب لهذا الأمر، حتى في أسرته: كان الملك خالد بالنسبة لأبنائه وبناته نفس كريمة لكل الناس الذين حوله، فإذا أتى المواطنون كان بروح عالية وباستقبال كريم، ومفتاح شخصيته- في رأيي الشخصي- هي تقوى الله ومحبته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم التواضع الذي تميَّز به، وقدرته على الحوار، وجرأته على إبداء الرأي؛ هذه كانت من مميزات ومفتاح شخصية هذا الرجل.

تولي الحكم استماع إلى الفقرة

* أولاً دعني أقول لك بكل صراحة: أن الرجل قبل أن يتولى الحكم ماكان له نشاط سياسي، وكان يحاول أن يبتعد عن الصورة السياسية، وكان يكتفي بحياته الخاصة وباتصالاته، ولم يتدخل في الحكم بأي شكل من الأشكال في حياة الملك فيصل ، رغم ما كان الملك فيصل يوليه من مهام ومن صلات ومن إصلاح بين الناس ومن كذا.. ولكنه كان يتعفف عن ذلك ويحاول أن يبتعد، إنما عندما تولى تستغرب تلك الشخصية كيف بدأت تتحمل مسؤولية عظيمة تجاه العالم الإسلامي، لدرجة أن الذين يأتونه من الزعماء: المفروض ونحن بجواره أنا وإخواني الوزراء أن نتحدث في القضايا السياسية مع رؤساء الدول؛ أول ما يوصيهم به: "خذوا نصيحة هالشايب: اتقوا الله، والتزموا بكتاب الله وسنة رسوله، والله كل همومكم تروح، ترى والله ما عندنا غير كتاب الله وسنة رسوله وإذا تعاونَّا فيها ما يخلِّينا الله عز وجل"، فتجد بعضهم من الناس الذين تفهموا هذا الأمر كان منهم الملك الحسن في المغرب ويرتاح لهذا الكلام، الملك حسين ملك الأردن ، الشيخ زايد بن سلطان ، أمير البحرين الشيخ خليفة رحمة الله عليه، والبعض ينظر للمسألة كيف أن هذا الملك في هذه المناسبة أنا جاي أكلمه بقضية سياسية ويبدأ بوعظ.. يعني مسألة... ولكن عنده جرأة، جرأة عظيمة، حتى إنه مر بنا موقف من أصعب المواقف التي مرت بنا: في نفس المؤتمر ونحن نُعِدّ لمؤتمر لأول مرة داخل الحرم المكي الشريف، ورؤساء الدول والملوك، وبدأنا والكعبة أمامنا، وأولادنا المصورين لأول مرة والمخرجين.. وإذا فجأة نجد أن الملك ألقى كلمته وكانت كلمة رائعة قرأها، ثم بعد ذلك أُعطي الكلمة للأمير فهد (كان ولي عهد) فألقاها.. وهكذا انتهى الحفل ونحن تحت المكبرية والشباب في المكبرية، وفجأة ونحن جلوس وإذا بنا نرى الرئيس ياسر عرفات - رحمة الله عليه- قام من مجلسه وأخذ بيد الملك الحسن وقَدِموا لنا، فالأمير فهد يؤشِّر يقول لي: " محمد ما هذا حدث؟" قلت له: "والله ما أعرف، هذا ليس في البرنامج وليس في ترتيب البرنامج"، ولكنه قَدِم وجاء أمام الملك، قال له: "يا ملك خالد ، أنا أقول لك طلب: إننا إحنا نأخذ الملوك والرؤساء ونقف أمام البيت الحرام ونتعاهد ونُقسم أمام البيت الحرام على كذا، وهذا الملك الحسن معي".

ما تصدِّق كمية الحرج التي لقيتني أنا: كيف أخرِّج الأمة دي؟ كيف أخرِّج الكاميرات؟ ما إحنا مستعدين ولا عندنا تكنولوجيا اللي تسمح لنا نخرج إلى الطواف؛ يعني يبغى لها إعداد حتى أنت كرجل إعلامي تقول أبغى أنقل ضيف من مكان لمكان بدك تستعد، فالإرباك هذا كله... وإذا بنا نُفاجأ ب الملك خالد قال له: "يا ياسر ، يا ياسر (والله) العتب مو عليك ياسر ، العتب على الملك الحسن اللي جاء معاك، ولاَّ أنا عارفك أنت كيف تنظر للأمور، الحين تبي تكذبون عند بيت الله بعد؟ عند بيت الله هذا فيه كلام يا ياسر ؟ خلوا الكلام اللي تسووه مع بعضكم.. أما بيت الله ترى عند الله شي عظيم، والله إنه يمحقنا الله إن واحد فيكم كَذِب وإحنا أيَّدناه في كذبه، عودوا لمكانكم الله يرضى عليكم، عودوا جزاكم الله خير". والله فرَّج علينا الرجل، ولكن حقيقةً في خلاصة الأمر: في نقطة مخافة من الله: كيف نخرج إلى الكعبة ونُقسم أمامها ونحن في غير صدق؟ وكل زعيم له رأيه وكل زعيم...؟ قال: "تكذبون أمام بيت الله؟ تُقسمون أمام بيت الله؟"، والله أنها هزت الناس اللي جالسين والملوك والرؤساء وكلهم مؤيد أنه ما كان يجب أن نخرج، يكفي أنه بيت الله، ويكفي أن نسأل الله، والله- سبحانه وتعالى- حاشاه أن يرد أحد، لكن شوف موقف الرجل: ما خشى أحد، قال له: "العتب مو عليك، العتب على الحسن اللي جاي معاك، وإلا أنا خابرك خفيف وتقول كلام بسرعة وكذا.. لكن هذا الرجل لا". أنا الحين أبي أقول لك: هنا تبيِّن تقوى الله عز وجل، خشية خالد من أن يقف هؤلاء بإذنه أمام الكعبة ثم لا يحلفون اليمين صادقاً، والعرب كانت تخشى قبل الإسلام أن تأتي عند بيت الله- عز وجل- فتقول كلام غير صحيح، حتى العرب قبل الإسلام، فإذاً خالد في هذه المواقف ما تتصور إنه كل ما لقي إنسان.... قلت لك: رئيس الدولة يجي بدل ما يتكلم معه في السياسة يبدأ يوعظه، يبدأ يقول له: "والله ترى ما لنا إلا كتاب الله وسنة رسوله".

الخير في عهده استماع إلى الفقرة

* وزراؤه إذا جوه يؤكد عليهم: "يا جماعة ترى اتقوا الله في الناس، أنا أبرأ ذمتي، والله إبراء ذمتي جعلتها في أعناقكم، لا ينظلم مواطن، اتقوا الله"، ولهذا: المنصف الذي يكتب عن الملك خالد - رحمة الله عليه- يقول: هي السنوات الخضراء في تاريخ المملكة العربية السعودية ؛ لأنه رجل أكرمه الله وفتح له الخيرات، وأكرم المواطنين به، ولذلك لم يبقَ إنسان ما وصله خير، وارتفعت أسعار البترول دون أن يكون لنا اجتهاد في عملية.... نعمة من نعم الله- عز وجل- جرت على يد هذا الرجل، فكانت سنوات خضراء وسنوات جميلة... هذه من الأسرار التي تُذكر للملك خالد .

تشجيعه لكلمة الحق استماع إلى الفقرة

* في وقت من الأوقات جاءنا شخصية كبيرة والملك- رحمة الله عليه- قال: خذوه.. وطلب أن يطوف.. طاف وكذا.. وبعدين لسببٍ ما فجأة وهو بعد ما خلَّص طواف وقف على الصفا - وكان معه وزير من الوزراء المحترمين- فقام قال ...أعلن عن بلده ورفع صوته وتكلم عن كتاب ألَّفه وتكلم... (في وسط الحرم هذا الكلام)، فالرجل الوزير ارتبك، وطبعاً في حالة ما تتصور: بين رئيس دولة ماذا يقول له؟ وكيف يتصل بالملك ويبلغه؟ وكيف يصير كذا؟ فلا تتصور أنه: رجل بسيط من أغوات الحرم (الأغوات اللي- تعرف- يخدموا الحرم) لما سمع هذا قال له: "اسكتي" فسكت، فالملك بيقول: "حنَّا ما قدرنا نسكِّته أغا من الأغوات سكَّتوه؟!"؛ لأن الأغا قدَّر- وهو بسيط رجل- أنه هذا المكان يجب ألا يعلو صوت فوق صوت، يجب ألا يكذب الإنسان فيه، تلك حرمات الله، اللي يدركها يُدرك، حتى الإنسان العاقل الآن لما يروح الحرم أو يبغى يطوف يجب أن يعرف أنه إذا دخل على الله- عز وجل- في هذا المكان يجب أن يكون صادق، في كل مكان.. فما بالك وهو يقف: (اللهم إني واقفٌ تحت بابك، ملتزمٌ بأعتابك، متذللٌ بين يديك، أرجو رحمتك وأخشى عذابك )... ما يمكن يكون هذا الكلام.. إلا أننا.. خالد علَّم الزعماء وعلَّمنا درس، تعلمناه من قبل لكنه هنا أمام زعماء، لم يتردد لحظة في أن يقول لهم: "ليس هذا مكان ارتجال، وليس هذا مكان الكلام العام، هنا بيت الله". فالكل أيده.

أثر تربيته في تعامله مع القضايا استماع إلى الفقرة

يشهد الله أن الرجل كان ذو قلب كبير، وكان لسانه عفيف، ولكنه كان يمتاز بالرزانة، وحضور البديهة، العفاف.. المروءة.. فعندما يناقش الناس كان يناقشهم بموضوعية شديدة، تصوَّر: عندما جاء الإخوة في فلسطين واختلفوا.. حصل أن اختلفوا مع الملك حسين في الأردن ، وهم خالفوا الاتفاقيات لأنهم قفلوا الشوارع في الأردن وأصبح الأردني يطلب الإذن ليمر وهذي من أخطائهم، فتدخل الملك- رحمة الله عليه- حاولوا.. وبعث الدكتور رشاد فرعون وحاولوا بكل جهدهم أن يهدِّئوا هذه المسائل، لكنه كان عايش يقول: "القضية الفلسطينية لا تضيع بالخلافات هذي، الخلاف يكون بيننا وبين عدونا ما هو بيننا وبين بعض، ما يجوز هذا الكلام"، لو كان عايش الآن وشاف الفلسطينيين إيش بيسووا إيش يقول المسكين؟ كان بكى... فالحدث.. الموضوع تطور فجاؤوا له بعد مدة وإذا بالأردنيين تغيروا وقسوا على الفلسطينيين وأوقفوهم عند حدهم، منها حاصروا الرئيس ياسر عرفات ، فلما حاصروه صار في موقف.. في أزمة شديدة، فأرسل له الملك- رحمة الله عليه- طائرة خاصة مع الدكتور رشاد فرعون - وكان مستشاره- وأحضروه إلى المملكة، عندما جاء (شوف موقفه كيف) لما جاء داخل الديوان: الرئيس ياسر عرفات من ألمه إيش قال؟ من تعبه إيش قال؟ قال: "واإسلاماه، واإسلاماه"، في الديوان، والديوان كله وقف وهو يصيح: "واإسلاماه، أين الإسلام؟ سُحقنا.. واإسلاماه"، فاللي حصل: الإخوان في المراسم- وعلى رأسهم رئيس المراسم ورئيس الديوان والإخوان-: "يا فخامة الرئيس الآن ستقابل الجماعة، ما فيش داعي لربكة الديوان". قال: "لا سُحقنا".. فقام الملك فهد (كان ولي عهد في ذلك الوقت) فقال له الأمير فهد : "يا أخ ياسر إحنا وضعنا قرار 142.. وضعنا قرار كذا.. وضعنا.. وضغطنا على الأمريكان عشان يساعدوا.. إنتوا ما إنتو عارفين إيش تبغوا.. كل يوم إنتو في قرار.. إنتو في كذا.. ما يصير، لازم إنتو تعرفوا ماذا تريدون عشان نقدر نساعدكم إحنا.. أما..."، وظلينا حوالي ساعة ونص، بعد ساعة ونص أخبرونا أن الملك خالد جاء أسفل (كان مكتبه تحت مكتب.. في الديوان القديم)، فنزلنا، فقال الملك فهد : "يادكتور يماني نزِّلوه مع رئيس المراسم عند الملك خالد "، لما دخلنا فتحوا باب الملك خالد ودخل الرئيس ياسر عرفات ، فيوم وقف عند الباب.. واقف..: "واإسلاماه واإسلاماه..." عند الباب.. والله وقف.. قال له: "أقول يا ياسر ، ياسر خلي الخُراط حقك والكذب، والله لو تعرف (واإسلاماه) ما صار لكم اللي صار فيكم، إنتوا تبون ربنا وقت ما تبونه؟! يوم ربنا يدعوكم للحق ما تبون؟! تتذكر يوم أقول لك في مكة أعلنوها تقول ما أقدر.. ما أقدر؟ الآن واإسلاماه؟! يا أخ ياسر يجب أن تعرف أن الله- سبحانه وتعالى- لا يقبل إلا المسلم الصادق، ومن يتقِ الله يجعل له... تفهم؟ اجلس تقهوى بس". إحنا شفنا قعد صار يضحك، ياسر عرفات يقول: "لا أنا بس قصدي سُحقنا"، قال: "طبعاً تُسحقوا؛ لأنه إنتو يجب أن تكونوا مع الله.. مدوا أيديكم صادقة". هذا ماهو بالسهل، واحد يقول له تاريخه وسجله هو.. لكن الملك خالد - رحمة الله عليه- كان عنده صراحة، وكان عنده صدق في التعامل، وكان عنده...

أنت تعرف لما شبت القضايا بين مصر وبين سوريا واشتدت الأمور بين مصر وبين سوريا ، وبعدين صارت مشكلة وتوفي الملك فيصل - رحمة الله عليه- وتولى الملك خالد ، وجاؤوا في العزاء، ومن ضمن مَن جاؤوا جاء الرئيس أنور السادات عشان يعزي وجاء الأسد .. الرئيس الأسد ، فلما دخلوا بعد ما عزوه وجلسوا قام مسك يد الأسد ويد أنور السادات ودخلهم في غرفة، وقال لهم: "هيا اجلسوا هنا حلُّوا مشاكلكم، وإنتوا أعرَف ببعض، وأعرَف إيش تسووا... العالم الإسلامي ما يحتاج مشاكل، يا أخ أنور ما يحتاج مشاكل، يا رئيس الأسد ما يحتاج مشاكل، حلُّوا مشاكلهم فيما بينكم... يا سيد أحمد (شوف السيد عايش ) صُكّ الباب لا يخرجوا إلا قد خلصوا قضيتهم". دخلوا.. قال لهم: "لا يدخل عليهم حتى قهوجي لا يدخل، ادخل أنت وإذا طلبوا قهوجي أنت ودِّيلهم هي". جلسوا وتناقشوا وصفُّوا الأمور.. في الليل وإحنا جالسين وإذا بهم خرجوا ماسكين يد بعض فقام قال الرئيس السادات جهة الملك: "يا جلالة الملك خالد ، أبشرك، أبشرك، اتفقنا"، قال: "يا خوفي إنكم اتفقتوا علينا.. حسبي الله.. لا تكونوا اتفقتوا علينا؟"، رحمة الله عليه.. لكن يُستقبل كلامه ببساطة، يُستقبل كلامه بصدق.. بموضوعية؛ لأنه أنا أعتقد أن الرجل أثر فيه البيئة النظيفة اللي عاشها: جو الصحراء اللي بيعيشه.. النقاء اللي عاشه، وتجده صادق في تعبيره لايهاب أحد، ولكنه لا يتعدى على حدود أحد، إنما في خلاصة الأمر: تحس أنك أمام رجل كله صدق، كله موضوعية ، عفة؛ ولذلك عندما يأمر أحد أو يضرب على يد أحد ما أحد يقدر يقول له كلمة؛ لأنه يعرف أنه هو عفيف في الدرجة الأولى. أولاد خالد ما استفادوا.. بنات خالد ما استفادوا بأشياء أيام ما هو عايش إلا في الحدود اللي يرضاها الشرع، فلذلك لما يقول لإنسان: أنت غلطان.. ما حيقدر يقول له لأ؛ لأنه هو كان قدوة وكان أسوة بالنسبة لهذه الحاجات .

تدينه والتزامه ونقاؤه استماع إلى الفقرة

* هذه هي التي ميزت الملك خالد وتجده يردد بين وقت وآخر عندما كان عندنا المشايخ يقولوا له: "عسى الله- سبحانه وتعالى- يختم لكم إن شاء الله بخاتمة الخير..".. وكذا.. قال: "والله أنا- إن شاء الله- مشتاق للقاء ربي، والله ماني متهيب، إني مشتاق للقاء ربي". ولما أكون معه أنا في بعض الأحيان والدكتور غازي والإخوان.. معنا الشيخ ناصر الشثري (الآن موجود هو عند جلالة الملك وعند سمو ولي العهد، الشيخ ناصر الشثري من العلماء المرنين واللي بيكونون...) دائماً يقول: "أنا أقول لكم سبب من أسباب- إن شاء الله- حياتي: إن هذا الثوب ما رفعته على حرام في حياتي قط"، العفة، النقاء، الإنسانية، تقوى الله... هذه هي مفاتيح حياته.

غضبه استماع إلى الفقرة

من اللحظات اللي يكون يغضب فيها: إذا سمع عن أحد يعتدي على الشرع أو يعتدي على إنسان تجد الملك خالد في غاية الغضب، وفي غاية الشعور بأن هذا أمر لا يصحّ أن يستمر، ولا يصح أن يُفعل بهذا الشكل. وجدناه في أكثر من مرة أنه قضية الشرع هي القضية الأساسية التي تغضبه إذا حصل التعدي عليها، والحقيقة هذي مو في الملك خالد بس، حتى الملك عبدالعزيز في حياته كان عنده مسألة الشرع قمة أساسية بالنسبة له، الملك فيصل كان إذا واحد خطأ بس.... جي مرة (كنت حاضر معاه ومجموعة) وواحد جاي يشتكي له قام قال له: أنا ماني قابل حكم الشرع (هو يقصد حكم القاضي اللي حكم)، الملك فيصل عطاه كف، الرجل طاح في الأرض، قال: "ما تقبل حكم الشرع؟! وش عندنا غير الشرع؟!" .. خالد أيضاً كان مسألة الشرع- رحمة الله عليه- شديدة ويغضب لها، وما لاحظته أنا في غضبه إلا لهذه الأمور، خصوصاً إذا بلغه أن جهات تعدَّت على حدود ناس أو تعدَّت على أراضي ناس وأخذت حقوق باسم الدولة أو باسمه تجده يغضب غضب شديد رحمة الله عليه.

الملك خالد أيضاً يميزه أنه هو كان يغضب إذا إنسان تصدى للفتوى وبدأ يفتي للناس فتاوى خاطئة وتجده يغضب غضب شديد، ورأيته مرات يقول له: "والله إن ما تسكت والله ما عندي غير السجن"، يقول له... يقول: "لأ روح تعلَّم أول مرة بعدين أفتِ الناس.. لا تظلم الناس". أنت ما تتصور إنه مو بالسهولة هذي.... جاء واحد ونحن جلوس مع الشيخ عبدالوهاب عبدالواسع - رحمة الله عليه- بعدين جاء الأستاذ عبدالوهاب قال: والله في رجل في الحرم تصدى العملية ومنع التزام البيت (باب الكعبة) منع أنه أحد يحط يده عليه، وحط عسكر ومنع كذا.. ومنع كذا.. فلما بلَّغوا الملك خالد قال: "وش هو؟ "، قال: "لا.. يقول الشيخ: هذا النوع من الأشياء هذي يجب ألا تتم"، قال: "نادوه نادوه"، وأمامنا قال له: "أقول لك: اسمع كلامي، والله إن سوِّيتها مرة ثانية إن تشوف عقوبة ما شفتها.. بيت الله ما أحد يمنع الناس عنه، الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: (هنا تُسكب العبرات) اتقوا الله، هنا وقفنا مع أبونا عبدالعزيز ، هنا علماءنا، هنا مشايخنا، اسمع كلامي ابعد عن هذا، لا تؤذوا المسلمين في مشاعرهم". أنا عندما أتذكر هذا الموقف أتذكر كيف غضب الملك هذا الغضب الشديد لأن رجل تجرأ ومنع الناس عن بيت الله عز وجل.

مواقف حزمه استماع إلى الفقرة

* جاء رجل من الديوان وقدَّم له ورقة أن هناك مقال نُشر من رجل اجتهد ويقول هذا الرجل: أنا أقول: أخرجوا قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المسجد، أخرجوا القبة من المسجد، أخرجوا قبر رسول الله من المسجد؛ لأن ما تجوز الصلاة في المسجد النبوي ما دام فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأزيلوا القبة واهدموها. وإذا به يغضب غضب شديد، والله حتى أن أحد الجلوس وقف قال له (اللي جاب الأوراق) قال: يا أخي أرجوك هذا الأمر يُعرض على هيئة كبار العلماء ما تعرضه هنا. وإذا الملك يقف قال: "وش هو؟ مين يعرضه؟ ولا هيئة كبار العلماء.. والله أنا المسؤول هنا، والله إن ما يسكت هذا والله لأقص لسانه أمام الناس، عاد ما بقي إلا بيت الله وقبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتعدون عليه؟ "، غضبة شديدة، لكن- حقيقة- أسكت فتن.. الفتنة نائمة.

مرة أخرى غضب غضب شديد لأن ضابط أو مجموعة كانوا بيمشوا وكان في سيدة ماشية في الصحراء، وبعدين حصل إن الشيطان أوعز ليهم واعتدوا على السيدة هذي وبناتها وكذا.. ما تتصور: الليلة الأولى ما نام، الليلة الثانية ما نام وهو يزهم على سمو الأمير سلمان ، إلى أن قال له: "وجدنا فلان وفلان"، قال له: "هذول؟ "، قال له: "نعم، ضباط استخدموا سيارة كذا كذا". قال: "والله ما أقوم من مكاني الآن إذا ما نُفِّذ فيهم الحد" الملك خالد .. يعني صحيح هذولا حصل منهم خطأ لكن يُحالوا للشرع.. قال: "أقول.. أنا بأقول نفذوا الحكم فيهم، هؤلاء ولا تقبلوا كلام فيهم". فأرسلوا مجموعة من العلماء- وأنا جالس- دخلوا عليه قالوا- جهة الملك خالد -: "إنتو طول عمركم تحكِّموا الشرع وإنتو أهل الشرع وإنتوا... حوِّلوها للمحكمة الشرعية عشان يصدر..."، قال: "أقول هين، أنا بأقول هؤلاء يُعاقبوا ويُذبحوا، اللي يُحال للشرع الزنا والزاني، هذا ما هو زنا، هذا استخدم سيارات الدولة وسلاح الدولة وهجم على مرأة وبناتها واعتدى عليهم، لا تقول لي، هذا فساد في الأرض. تقهويتوا يا مشايخ؟ مع السلامة". ولا خرج إلا بعد ما نُفِّذ الحكم.. في غاية الغضب؛ لأنها غضب لله عز وجل، وهذا الرجل ما كُتب عنه كل ما يجب أن يُكتب عنه؛ لأنه على بساطته كان تجد فيه أنه في لحظات يشعر بأنه القضية الأساسية هي مسؤولية أمام الله عز وجل وأمام هذا اليمين الذي أقسمه.

القضاء استماع إلى الفقرة

* كنا نروح معاه في الطائف عشان الواحد بيته.. يروح معاه.. لهذا.. فوصلنا الطائف أول أسبوع: أول يوم.. ثاني يوم.. أسبوع.. عشر أيام.. كل معظم القضاة بالطائف بيجوا يسلموا عليه في الصبح ويجلسوا عنده إلين الظهر وكذا، فجأة ما شفنا واحد يوم إلا نادى على الأخ منصور الخريجي (كان هو نائب رئيس المراسم) قال له: "يا منصور ، خرِّجوا الناس وخلوا المشايخ معاي... القضاة خلوهم معاي"، قال: "يا قضاة، الآن الله يجزيكم بالخير، إذا صار كل يوم أنتم عندي هنا وش أسوي بكم أنا؟ الناس عندها قضايا يا ناس.. روحوا أنصفوا بين الناس، أنا ما أحتاجكم، السلام يكفي إني سلَّمتوا عليَّ بالمطار، وإذا تبي تجلسون العشاء الله يحييكم بالليل، يا مشايخ تفضلوا بس.. ترى أنا زعلان من حضوركم، روحوا للناس الوَلايا واقفين.. وناس مقيدين بالسلاسل تحكموا بينهم.. تفضلوا". فتحوا الباب وإذا به لم يقبل.. ما بغى أحد.

المشورة استماع إلى الفقرة

* ميزة من ميزات الملك خالد أنه كان يستمع للملك فهد ، رغم أنه كان هو كان ولي عهد وهو ملك، لكن أوكل إليه كثير من أمور، ويستمع إليه، ويحترم رأيه، والأمير عبدالله بن عبدالعزيز وكان نائب ثاني، الأمير سلطان ، الأمراء.. الكل يقدِّرهم ويوصيهم بتقوى الله- عز وجل- وأنا أتمنى إن واحد زي الأمير نايف بن عبدالعزيز أن يكون يوم من الأيام يتحلل من بعض وقته ويكتب ما مر به من قضايا؛ سواء مع الملك خالد أو مع من قبله ومن بعده؛ لأنه في حالة تدلّك على أن هؤلاء الناس الحرمات عندهم بالدرجة الأولى، وحرمات الله، وحرمات الناس قبل حرماتهم هم وقبل حقوقهم هم.

لقب (الملك الصالح) استماع إلى الفقرة

* في الحقيقة أنه التعبير (الملك الصالح) جاء مزامن لوصف فترة حكمه بالسنوات الخضراء وبالأعوام الخضراء.. وكذا، ولكن ما يستطيع أي مؤرخ أن يقول هذا الوصف وصفه فلان من الكُتَّاب أو وصفه فلان من العلماء أو وصفه فلان.. لأ، لكن شاع بين الناس حتى أن المرأة في بيتها تقول عنه إنه رجل صالح، حتى أن التلميذ في مدرسته يقول عنه إنه ملك صالح، الرجال اللي بيعملوا معاه يروا أن هو رجل صالح، فالله- سبحانه وتعالى- إذا أحب عبد حبَّب فيه خلقه، فكان هو رجل مُقبل على الله- عز وجل- فالله- سبحانه وتعالى- يسَّر له كل شيء، وأصبح لذلك يقول الوصف الحقيقي للملك خالد أنه كان رجل يقترب من الله أكثر من اقترابه من الناس، ويحرص على هذا بأمور أساسية: تقوى الله، الورع، العفاف، تحقيق العدل، البعد عن المظالم، الضرب على يد أي إنسان.. حتى ولو كانت سيدة اشتكت في محكمة وكذا تجده يأخذ موقف صارم في العملية.. فاشتُهر بين الناس أنه صالح.

لكن أهم ما يميزه إنه في قضايا حصلت في حياته مهمة؛ من هذه القضايا: إنه ما وضع يده على أي أراضي بدون وجه حق، ما نهب حق ناس، حرص على إنه ما يأخذ إلا الحق، حتى (هنا النقطة) إنه له أرض في المنطقة الشرقية (حضرتها أنا) يملكها من أيام الملك- الله يرحمه- عبدالعزيز أعطوه هي هناك وبقيت، فلما رحنا هناك قالوا له: يا طويل العمر، ترى جاءت الأرض هذه فيها فلان وفلان (من تجار المنطقة الشرقية) يرغبوا في إنهم يشتروها، عشان بيسووا فيها مشروع، قال: طيب. أعطونا مبلغ طيب، ذاك المبلغ.. لسه ما كنا في سنوات البلايين وكذا.. فأعطوا مائتين وخمسين مليون، ففرح قال: طيب نبيعهم هيَّ، فلما جاء الترتيب بعد أسبوع قال: فين الجماعة؟ قالوا: والله الجماعة هونوا. ليه؟.. قالوا: والله الأرض نصها فيها جماعة حاطين عشاش وحاطين كذا.. وآخذينها ومسوِّين فيها.. قال: وراه ما هي أرضنا؟ قالوا: إلاَّ أرضك يا طويل العمر، لكن هذولا حطوا فيها. قال: روحوا لهم، قل لهم: كيف حطيتوا؟ قالوا: والله إحنا محتاجين الأرض حطينا، قال: أقول: تفاوضوا معاهم: خلهم يأخذوا ثلث الأرض ينقلوا فيها ويعطونا الثلثين، وخلاص يأخذوها ونعطيهم صكوك فيها. قالوا: طيب. راحوا للناس الناس فرحوا أدُّوهم صكوك فيها. جاء الرجل اللي اشترى الأرض قال: لا يا أخوي شكراً.. أنا ما أبغى.. أنا آخذها لأنها على أربع شوارع، ما دام ادِّيتوهم الثلث ما أبغى. يا أبوي أنت قد دفعت للملك مائتين وخمسين مليون... وشي زي كذا.. قال: لا. تركناه وقال: الله يعوض، وراح، جينا بعدها بسنتين في زيارة وإذا بها نفس الأرض عُرض علينا فيها أربعمائة وثمانين مليون ريال، نفس الأرض اللي تركوها هم ورفضوها، فثق تماماً إن الله- سبحانه وتعالى- لصلاح الرجل ما أراد أن يطرد هؤلاء الناس، ما أراد أن يقسو عليهم، قال: بالعكس أعطوهم، حقهم يعني.

وترى هذي من الصفات اللي في خالد ورثوها برضه من أبوهم الملك عبدالعزيز عندما دخل المملكة.. قليل من الناس... ما كُتب تاريخ الملك عبدالعزيز كما يجب، لأنه فيه جوانب.. خاصة مثلاً لما دخل الملك عبدالعزيز ما في بترول وما في شي ولا في دخل غير الحجاج.. اللي يجيب، وبعض الجمارك وبعض الحاجات كذا، حتى المشايخ كانوا شديدين ما يقبلوا جمارك على الدخان وما يقبلوا الدخان، فالدخل محدود كان، فشدَّت سنوات الحرب صار مسارها صعبة جداً، فجاؤوا- الله يرحمه- الشيخ عبدالله السليمان والشيخ مدحت شيخ الأرض ومجموعة منهم دخلوا.. وكان العم عبدالله كامل - رحمة الله عليه- موظف صغير يقول سمعتهم بنفسي قالوا له: يا جلالة الملك، الآن الظروف- كما ترى- أصبحت كذا... فنبغى نصرف نص الموظفين ونخلي نص الموظفين؛ عشان نقدر ندبر رواتبهم، يعني منطقي إنه ما عندنا فلوس نصرف لكل الموظفين، فنصرف نصهم ونخلي نصهم. فجاءهم وهم جالسين قال: أنتم الاثنين أفصل منكم واحد. طبعاً قعدوا يطالعوا في بعض، موقف محرج، ما كانوا يحسبوا حساب، فقال: "يا إخوان بلا هذا الكلام، تفصلوهم فين يأكلوا؟ فين يشربوا؟ حطوا الرواتب للنص: أبو مِيَّة عطوه خمسين، أبو خمسين عطوه عشرين، خلي نعيش كلنا لغاية ما ربنا يفرجها، بدل ما تفصلوهم أعطوهم نص الرواتب اللي كانوا يأخذوها ونعيش كلنا". بعدها بسنة جاء البترول، فهذول أخذوا عن أبوهم مروءات وحرص على الناس وحرص على إنه هذا... فهذي من المميزات اللي كانت.

اهتماماته استماع إلى الفقرة

* أهم الأمور هي- الحقيقة- حرصه على الحرمين الشريفين، وحرصه على استمرار صيانة الحرمين الشريفين، وحرصه على اختيار الأئمة الذين اشتهروا بالورع وبالصوت الجميل.. وكذا، وهو عيَّن مجموعة من العلماء، بنفسه اختارهم وعيَّنهم. الناحية الثانية رعايته للقرى والهجر، وحرصه على أنه المسألة لا تكون في المدن أن تكون في كل مكان.

سعة صدره لقضايا الناس اللي تأتي وتُطرح. صرامته مع رؤساء الدول عندما يأتوا إليه. هذه بالإضافة إلى قضية جوهرية: وهي أنه كان دائماً يجتمع برؤساء الدول الإسلامية ويحثهم على جمع الكلمة، وكما ذكرتها في مقابلتي: يخبرهم أن تقوى الله هي الأساس في كل شيء. الرجل أحسن إلى الفقير، أحسن إلى الضعيف، اللي ما يعرف فلوس شاف فلوس، اللي ما اتبنى له بيت بنى له بيت، ما كان همه نفسه، كان أهم ما فيها أنه أدخل السعادة والأمن والترحيب، وحال دون الظلم؛ ولهذا كان العدل أساس كل شيء، وكان كل قاضي في مكتبه يحسب حساب أنه إذا بلغ خالد بن عبدالعزيز أنه تلاعب أنه لن يرحمه، فلذلك هذه ناحية مهمة: العدل أساس المُلك، وهذا من الأشياء اللي هو نفذها.

الناحية الثانية- اللي أنا تخصني كوزير إعلام- حرصه على تطوير إذاعة القرآن، فقفزنا بها إلى أربعة وعشرين ساعة، وراحت إلى أفريقيا وإلى آسيا وإلى... ما هي مسألة سهلة. فالملك خالد - رحمه الله عليه- كان يهمه إشاعة العدل، يهمه صلاح القضاء، ورعه هو، ثانياً: الرجل كان يلقى الناس بابتسامة، ويأخذ الأمور بجدِّية... يعني ما عنده... قليل ناس يعرفوا كيف كانت صرامة هذا الرجل وجدِّيته.

علاقته بالرعية استماع إلى الفقرة

* يعني أنت ما تتصور: إحنا جالسين كلنا مع الوزراء في جلسة الاستقبال فجاؤوا الناس يسلِّموا على الملك (يورِّيك إيش تميز العملية) فبعد ما سلَّموا: العادة المراسم والاستقبال إذا سلَّم الناس على الملك خلاص يجلسوا، وبعدين يقول لهم: تفضلوا على العشاء، كل واحد يسلِّم: اللي عريضة عنده أو عنده شي يبغاه. لما قدَّموا الناس كل حاجاتهم بعد ما خلَّصوا وجلسنا فجأة قام رجل شيبة على عصاته قال: خالد عندي كلمة رأس أبغى أقلك هيَّ. طبعاً قاموا المراسم: يا أخي خلاص.. قلنا لك.. ما قاموا الناس ساعتها قوم معاهم، الملك الآن خلاص...، قال: أقول عندي...، قال الملك: "اتركوه يا إخوان، يا إخوان اتركوه، شايب احترموه حتى لو شيبة، خلُّوه، وش عندك؟" قال: "يا طويل العمر أنا ما عندي شي، عندنا أمير في منطقتنا طوَّل عندنا، وكنُّه صاحب خير نبي هالخير يعمّ عالمملكة، وإن كان غير ذلك اللي جانا كفانا"، تبسم الملك خالد وفي نفس الليلة بدَّل أمير المنطقة، هذا يدل على إنه هو رجل كان يحرص على أنه... صحيح كرَّم حتى الأمير السابق كرَّمه ما أساء إلُه، لكن جاب رجل آخر تقديراً لشكوى بَلَغَتْهُ.. ترى هذي سنوات خضراء لأنه الضعيف اللي ما أكل أكل.. اللي ما بنى بنى.. التسهيلات.. التيسيرات.

التعليم استماع إلى الفقرة

* تعليم.. جامعات اللي حرص على دعمها.. جامعة أم القرى حرص هو بنفسه أن يعلنها وأُنشئت جامعة أم القرى ، وأنا كان لي شرف إعلان إنه الملك خالد يعلن إنشاء جامعة أم القرى .

علاقته بالإعلام استماع إلى الفقرة

* أولاً هو رجل ما هو إعلامي، الملك خالد كان ما يحب الإعلام ولا يحب الدعاية، وإذا جو له: نبغى نسوي مقابلات يقول: "خلكم عندكم، خلوا نذكر الله، إنتوا ما عندكم إذاعتكم وتليفزيون؟ وش تبون مني أنا؟.. يا طويل العمر عشان في تصريح في كذا.. ضروري كلمة منك في كذا..، أقل القليل اللي يعطيك هوَّ، رجل: الإعلام مو هو شغله الشاغل، كان يهمه عملية البناء.. عملية التنمية بالدرجة الأولى مع الناس، عملية العدل زي ما قلت لك، لكن لم يكن رجل إعلامي ولم يكن يهتم بالإعلام، لكن إذا جاء رجال إعلام تُفاجأ بأنه هو يلقنهم دروس: "ترى إنتو تحملوا كلمة الله، والله اللي تكتبونه في صحفكم يقروه الناس إنكم مسؤولين أمام الله عنه، والله إن ما تتقون الله إنتو إذا بلغ شي صار ذنب.. أنتم مسؤولين عنه"، الإعلام عنده مختلف مفهومه، ما هو رجل يتصدر الإعلام ليُعلِم عنه أنو يروِّج له، كان زاهد مو بس في الإعلام: زاهد في الدنيا، زاهد في الحياة، هذي مميزاته، متواضع كما ذكرت لك.

علاقته بالوزراء استماع إلى الفقرة

* لكن الوزراء كان- بصورة خاصة- يهتم بأنه يتصل بهم، ويسأل عنهم، إذا جاء منهم أن قدَّم قضية وجد فيه صعوبة يوصي وزير المالية ويشدد عليه بأن يدعمه، يعني يمكن تقول: يألف ويُؤلف، بسهولة مع الوزراء. لكن كان عنده خصوصية، يعني كان في كم وزير يحبهم ويحب أن يكونوا عنده خاصةً في العشاء يناديهم (غير عشاء الناس؛ العشاء الخاص) لما يكون عنده جلسة في البَر يأخذهم، ويمكن كنت محظوظ- أنا والأخ غازي القصيبي وبعض الإخوان إذا كان يأتون معنا- أنه كان يرعانا رعاية خاصة، وكان إذا خرجنا معه للمقناص وكذا يفرح بنا، الدكتور عبدالعزيز الخويطر .. الدكتور سليمان السليم . فلما تلاحظ حياته معانا حياة طبيعية وبسيطة، لكنه لا يجامل أي وزير إذا بلغه أنه أخطأ في شي، ويكون صريح معاه يقول له: "أنت بتمثلني وأنت تحمل مسؤولية أمام الله عز وجل"، لكن كل الوزراء الذين عملوا معه يذكرونه بكل خير؛ لأنه كان تقي نقي يخشى الله- عز وجل- في كل قراراته .

طرائفه استماع إلى الفقرة

* دعاباته: رئيس المراسم الملكية السيد أحمد عبدالوهاب كان واقف وجاء رجل من آل الشيخ ؛ من كبار آل الشيخ، وجاب معاه وثيقة مهمة من وثائق الإمام محمد بن عبدالوهاب ومن جدهم على أساس أنها وثيقة منها للملك عبدالعزيز - رحمة الله عليه- ومنها يقول فيها: الله الله أوصيكم بآل بيت رسول الله، ترى لهم الفزَّة [يعني الاحترام] ولهم.. وأعطوهم.. وحقهم في كذا..، فالملك فرح بهذه الرسالة فبيقول كذا كذا، فعطاها اللي جنبه قال له: خذوها عشان تحفظوها وكذا، فالسيد أحمد يبدو لما شافها كان يحب يطلَّع عليها وإذا قدر يأخذ صورة منها لكن.. طبعاً أنه هو كمان من آل البيت.. ما استطاع لأنه بسرعة طلبها الملك وهو قام الرجل تكلم، فهنا يبيِّن لك تواضع الملك: وهو بيتكلم عنه قام الملك خالد - رحمة الله عليه- بيقول له: كذا كذا.. قام هذا الرجل وقال له: وآل البيت لهم الفزَّة، قام تنحنح السيد أحمد وقال: أح أح، قال له: ترى ياسيد كلهم إلا أنت.

فهو يتباسط مع الوزراء.. يتباسط مع هذا.. يأخذهم معاه في المقناص، كنا لما نجي نقنص ما نعرف إحنا، فطبعاً المقناص فن وهدوء فنحن فنقعد نحكي وطير راح.. وطير.. يعني جبنا للملك الربشة والدوشة، ففي الأخير اقترح ابن عمار - رحمة الله عليه- أن يعطونا كم صقر ويعلِّمونا القنص برَّا ونروح..، فَرُحْنا، أخذونا الأخويا، الأخويا زعلانين أنهم تركوا الملك ولا لهم نفس يروحوا معانا، فأخذوا الطيور بعد نص ساعة: هذا الطير ضاع.. هذا.. في خلال ساعتين ضيعوا الطيور كلها، قالوا: إنتوا وجهكم.. إيش هذا؟ ما هو وجهكم وجه صيد، الطيور هربت منا وراحت، يا بوي الطير الواحد يساوي أربعمائة.. خمسمائة ألف ريال كيف نقابل الملك؟ قالوا: والله ما ندري إحنا. فالدكتور عبدالعزيز الخويطر - جزاه الله خير- اقترح قال: ما دام في طائرة(سي ون ثيرتي) خل ناخذها ونرجع الرياض بس بلاش نقابل الملك ونقول له ضيعنا لك. فَرُحْنا، ففي المطار الدكتور غازي كتب له:


أبا بندرٍ لسنا علـى الصيــد نقــدرُ      وفينـــا يمانيٌّ وفينـا خويـطرُ
وفينــــا سليمـــانُ السليـمُ إذا      مــا أقبـــل الطـيرُ ينفــرُ
مضى طيرنا في الجوِّ خلفَ حبـــارة      فراح اليماني من السرور يصـفِّرُ

وقال:


أبشروا بالقـنصِ والقـنصُ جــاءكم      .................................

وراح أرسلنا له القصيدة ورحنا للرياض ، في الليل زهم عليَّ قال: "يضحك عليكم البدو؟! " قال لي: "بعد ما رحتوا راحوا لمُّوا الصقور وجابوها قالوا لي: صرفنا لك الوزراء". فطبعاً كان يأنس ويُؤنس ويفرح به الناس.

أبويته استماع إلى الفقرة

* موقف بذاته أغضب الملك خالد ؛ لأنه رجل كان ممن يكتم غضبه، ولكن حتى لو غضب ما تحس بالغضبة لأنها أبوية؛ يعني توجيه.. تلميح.. أشياء.. فمثلاً من الأمور اللي مرت بنا إنه الملك خالد يسأل عن كل إنسان: إيش حصل؟ فين راح؟ فين..؟ فلما أنا كنت في المؤتمر.. بعد المؤتمر الذي عُقد في مكة المكرمة حسِّيت بتعب فَرُحْت لـ (كليفلاند) وأجريت عملية قلب وظليت هناك فترة وبعدين جيت، وبعد ما انتهيت من فترة النقاهة على طول رجعت للعمل، فلما قابلته لقيته زعلان، قال لي:"إذا أنت ما تهمك نفسك أنت تهمنا إحنا، اتقِ الله في نفسك، يا أخي العمل يمشي.. بأي واحد يمشي.. ما لك حق ولا كذا.. تبي أولادك يقولون إنا نحن بنكلف عليك.. وإحنا كذا.. وما يدرون إنك أنت غالي علينا، كل واحد فيكم غالي عليَّ"، الرجل أبوي أكثر من إنه يعاملنا كملك، يعاملنا بأبوة وهذي من طبائع الملك خالد .

بساطته استماع إلى الفقرة

* الظريفة اللي مثلاً: وصل لنا الملك حسين في حياته- رحمة الله عليه- لمطار الرياض ، ولما رحنا استقبلناه كنت أنا الوزير المُرافق وأنا وزير إعلام في ذاك الوقت، وبعدين لما جينا دخلنا ما في أحد: الملك كان عنده رسالة خاصة فما في أحد في الجلسة غير الملك خالد والأمير فهد ( الأمير عبدالله حتى كان مسافر) طبعاً أنا موجود، لما جينا برَّا عشان يدخل المصورين المصور سعيد ( ما أعرف إذا إنه موجود) قال لي: يا دكتور أنا في وضع حرج جداً. خير يا ولدي؟ قال لي: والله ما أقدر، بطني تعبانة جداً وأنا ما أقدر أدخل أصوِّر. يا ولدي موقف محرج.. الملك حسين .. كذا..، قال: لا، أبغى أدِّي الولد حقي حق النور هذا علَّمته أنا يصوِّر، يحط النور في كتفه ويصوِّر كِذا. ما أمامنا إلا أن نتصرف: خلِّيه يدخل.. تفضل، فدخل، فالمصور- مسكين- دخل عمره ما صوَّر كان دايماً يشيل النور، فصوَّر، المصوِّر لما دخل أخذ لقطة للملك حسين وبعدين عالملك خالد وبعدين على الأمير فهد وراح مركِّز عليَّ أنا، ثاني مرة راح وجاء ركَّز عليَّ أنا. فلسببٍ ما شفت الملك حسين (رجل عجيب حصيف كان) قام طالَع كذا التفت فيَّ وفي المصور، فقام الملك خالد قال له: "لا تستغرب.. ترى عندنا هنا نظام الإعلام أول مرة يصوروا وزير إعلام بعدين إحنا يصورونا". يا طويل العمر والله ما أقصد..، لما نظرت برَّا مسكت له قلت له: يا ملقوف أنت ده حين أحرجتني، قال لي: يا عمي أنا عمري ما صورت ملوك، أنا قلت أركز على عمي ما هيزعل مني لكن لو ركزت على الملك وزعل مني أنا وش لي؟.

دعم القضية الفلسطينية استماع إلى الفقرة

* سرَّني كثير إنه دايماً كان يقول للإخوان الفلسطينيين أنه: تجميع السلاح والحصول على أسلحة ليس هو الوسيلة لإرجاع فلسطين ، ولكن تربية أولادكم على تقوى الله- عز وجل- وعلى الجهاد في سبيل الله، وأنها من أجل الله وليس من أجل الأرض (لا تخلطوا بين هذي وذاك) إنما إنتوا خلوها في سبيل الله والله سيرد لكم أرضكم ويرد لكم كل شيء. ثم صار يُشيع في المملكة وبين الناس أنه من الواجب دعمهم، وحرص على أنه أوكل لجان منها لجان برئاسة الأمير سلمان بن عبدالعزيز ومجموعة أنهم يجمعوا لهم ليتأكد من المبالغ اللي تروح لهم. ثم كوَّن لجنة: عليهم كان الأمير نايف بن عبدالعزيز ، وكان الجميع يلقون توجيهاته بأن الجماعة هؤلاء يحتاجون إلى الدعم المعنوي وليس إلى الدعم المادي، والدعم المعنوي أن يستشعروا مسؤوليتهم أمام الله عز وجل، وألا تبدأ بينهم الخلافات وتبدأ.. لأنه العدو سيشمت فيهم، وأعجبني كلام قاله لهم: إنه العدو ترى سيخترق صفوفكم، وسيبقى معكم وبينكم رجال هم مع العدو أكثر مما هم معكم، اجمعوا الكلمة، كونوا جميعاً. فتجد إن الرجل هذا كان صادق، وهم يستقبلون النصيحة بروح عالية، ورجل فيه أبوَّة فما يرفضوها.

صراحته استماع إلى الفقرة

* اجتمعت مرة مع مندوب أمريكي جاء من الرئيس الأمريكي وبيطرح له قضية فلسطين وحرصهم وكذا وكذا، قال له: "شوف أنا بأقول لكم شي واحد: ترى لا تظنونا إحنا أعراب غافلين ما ندري عن موقفكم مع فلسطين ، نحنا نعرف إنكم تحبوا إسرائيل وإنه إسرائيل جزء منكم وإنه... ما أحد يخفى عليه هذا.. ولا أحد يلومكم.. هذا بُسركم، لكن أبي أقول لكم كلام صحيح: ترى هؤلاء الفلسطينيين يستحقون الدعم والمساعدة لأنهم ظُلموا، وإحنا نؤمن في ديننا بأن الظلم عواقبه وخيمة، وأقول لكم شي: قول لرئيسك: والله إن ما أنصفتوهم ربما يوم من الأيام هالاسرائيليين يكونوا ضدكم ما يكونوا معاكم، لكن لا عدلتوا.. ادعموا إسرائيل لكن لا تظلموا الفلسطينيين، سحقتوهم، أخذتوا أراضيهم.. أخذتوا.." فتجد إنه الرجل كان صريح معاهم بأنه هذه المسألة ما تكون بهذا الشكل. أيضاً لما جاء الاتفاقية حقة الرئيس أنور السادات مع إسرائيل وتوقيعها... كنا في الحج في أيامها، الملك خالد كان في غاية الغضب، ولا رضي قَبِل يستقبل أحد ولا الرئيس السادات والرئيس محمد حسني مبارك كان نائب رئيس.. رفض، والمراسم وقعت في حرج، ولولا توسُّط وحكمة الأمير فهد - رحمة الله عليه- وسمو الأمير سلطان إنهم يقرِّبوا .. ولاَّ قال: ما أحط يدي في يد واحد راح يحط يده في يد إسرائيل ، فرجل عنده قيم، عنده مبادئ، الرجل البادية علمته الصدق، علمته الإخلاص، علمته الحياة النقاء اللي فيها، تربى في حياة كلها مبنية على المروءات والصدق والإخلاص، فهذا هو السبب.

حادثة الحرم استماع إلى الفقرة

* حادثة الحرم بالذات: الملك خالد عندما بلغته كان في غاية الألم، ولأول مرة أشاهد الدموع في عينه ويقول: "أَوَتجرؤوا على بيت الله؟! بيت الله؟! بيت الله؟! [متأثر] والله لن تنام لي عين حتى نطهر بيت الله عز وجل". ثم اجتمع بالأسرة (كبار الأسرة ككل) وبرجال القوات المسلحة وبالأمن وكذا.. وعلى رأسهم كان في ذاك الوقت الأمير سلطان ( والأمير فهد كان خارج المملكة في ذاك الوقت) وركز على أنه: "في عملكم هذا احرصوا على ألا يصيب البيت شيء؛ لأن هؤلاء لايهمهم ما يحدث في البيت، إحنا يهمنا إنه يبقى البيت العتيق هذا مُصان..".. وكذا. إنه عندما اشتدت الأمور وبلغت ذروتها: الملك خالد كان ليلاً ونهاراً يتابع بدقة كل حركة تتم في هذه المسألة، فلما أراد الله انتهت الفتنة.. وكذا.. وتوسط رجال كثير إنه هؤلاء جماعة اجتهدوا وعملوا وما يستحقوا قتل ولا إعدام ولا كذا.. وذهبوا إليه، قال: "هين والله، والله إن ما ذبحتوهم لأذبحهم بيدي هذي، هذا بيت الله واللي يدنس بيت الله والله ماله إلا هذا السيف.. هين بس خلاص".

شجاعته وبعد نظره استماع إلى الفقرة

* لما جاءت معارك زي معارك السِّبَلة أبوه عبدالعزيز - رحمة الله عليه- ما كان يبغاه يشارك لأنه كان صغير، وأصر- خلي الناس يعرفوا- أصر.. ركب الفرس وراح، فالملك عبدالعزيز بيشوفه وهو ماشي في اتجاه.. رفع يده يدعي ليه إنه الله يحفظه. هو فيه شجاعة. فدخول الحرم لاشك أنه أحاط نفسه بالأمراء الملك فهد (كان ولي عهد) الأمير عبدالله ( الأمير فهد كان خارج المملكة كان على اتصال به دائماً) الأمير سلطان ، الأمير نايف (والداخلية تحملوا مسؤولية عظيمة في هذا الوقت)، أمير منطقة مكة في ذاك الوقت الأمير فواز ... الكل كان يتصل بهم ليل نهار، إلى أن تم جلاء الفتنة. وأعجبني بعد هذا- رغم أنه رفض أن يتوسط أحد في تخفيف العقوبة- إلا أنه بعد ما اجتمع بالعلماء قال: "يا جماعة أنا بأقول كم شي مهم: هؤلاء الشباب غُرِّر بهم، والله يعلم أنهم لوحدهم ولاَّ وراهم آلاف، انتبهوا لأولادنا، ولا تخلوا الإخوان في المساجد يُطلقوا كلمة الجهاد بدون ما يحددوها، اتقوا الله وقولوا لأولادنا معنى الجهاد، وليس الجهاد تخريب، وليس الجهاد..." تكلم كلام والعلماء ردُّوا وتناقشوا معاه وأخبرهم قال لهم: "خذوا من الرسول- صلى الله عليه وسلم- كيف كان، شوفوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- كيف ما اعتدى على أحد.." وقعد يروي أشياء في السيرة عجيبة، قال لهم: "شوفوا لما كان يروح يوصيهم: لا تقلعوا شجر، لا تقتلوا طفل، لا تعتدوا على عجوز.."، المشايخ صاروا ينظروا إلى رجل يتكلم عن علم، ولكن من قلب مخلص، فهذي كانت من أهم معالجاته لهذه القضية.

رفضه للتدخل الخارجي استماع إلى الفقرة

* اتصل عدد من رؤساء الدول وبعض ملوك أصدقاء قالوا: "يا جلالة الملك إحنا يهمنا نجي.." ..وكذا..، قال: "لا.. هين، جزاكم الله خير، خلوكم في مكانكم، وإحنا- إن شاء الله- نبي ننهي هذه الفتنة، وإن شاء ربنا بيعيننا عليها، ولا خلصنا يكون لكل حادث حديث". ولم يقبل أن أحد يدخل أو يتدخل في العملية، وحرص على متابعتها للنهاية جزاه الله خير.

وفاة الملك فيصل استماع إلى الفقرة

لابد أن يدرك الناس أنه الملك خالد كان على مقربة من الملك فيصل ، وكان الملك فيصل - وهو يحب كل إخوانه- لكن يحب الملك خالد بصورة خاصة؛ لأنه يحس بنقائه وبتقواه وبصدقه. ولذلك عندما توفي الملك فيصل كان في غاية الغضب، وقليل يعرفوا أنه جاء إلى الديوان وهو حامل سلاحه؛ يعني حسَّب حس إنه صار في هجوم عالديوان، دخل وكان شاب من الشباب الموجودين في الديوان (وهو حي الآن؛ الأخ سعود دهلوي ) رآه في السيارة فرآه قال لي: رأيته بكامل سلاحه. فين؟ قال له: والله يا طويل العمر-نقلوه المستشفى وراح. الرجل كان يتكلم بعقل ومسؤولية ويقول لهم: "سلامة فيصل أول شي، سلامة فيصل أول شي"؛ لأنه كان ضربة الملك فيصل بعض الأطباء ظنوا إنه قد يسلَم منها مع إنها كان ضربات.. أكثر من ضربة، فلما بلغوا العملية ما تتصور هذا الرجل القوي جلس على الكرسي وظل يبكي يتألم ويدعو لفيصل رحمة الله عليه، ولكنه بمجرد ما تسلَّم الأمانة بدأ يتحول إلى رجل يحمل المسؤولية، رجل فيه شجاعة، رجل فيه صرامة، رجل يحسن اختيار الرجال ويعهد إليهم بالمسؤوليات، يتراحم، يألف الناس ويألفونه، يحترم الحوار، كما قلت لك: يحترم العلماء ويحترم..

هذه الميزات هيأت له في المراحل الأولى قاعدة جعلت الناس يحترموه؛ لأنه ما يقف على بابه واحد ويرجع خائب: إذا استطاع أن يساعده، أو إذا استطاع- على الأقل- أن ينصفه.

عطفه وأبويته استماع إلى الفقرة

* كما ذكروا الإخوان: لما قرروا إنه يحطوا أتوبيسات للنقل وكذا.. وجاء.. وقَّفوا كل الأتوبيسات الصغيرة التعبانة وكذا، فلما خرج في الصباح وجد بيته مقفول: "إيش في هذا؟"، قالوا: والله هذه الأتوبيسات. "إيش أتوبيسات؟"، قالوا: الأتوبيسات الصغيرة وقَّفوهم، قال: "طيب جيبوا لي واحد منهم"، قال: ما نقدر نجيب واحد.. كلهم واقفين برَّا، قال: دخِّلوهم. لما دخلوا: وش هو ذا يا طويل العمر؟ هذي سياراتنا، قال: ليه وقَّفوها؟ قال: يقولوا خربانة. قال: "طيب روحوا أنا أصلِّح لكم هيَّ، واللي خربان مرة أشتري له بداله، وروحوا ما أحد يمنعكم، اشتغلوا، بس المهم تكون السيارات صالحة". ودفع فلوس من عنده وجبر خاطرهم؛ فلذلك تشعر إنه هذا فيه نوع من الوفاء.. من الأبوة.. رحمة الله عليه.

تقواه، ومرحه استماع إلى الفقرة

* كان الملك خالد -في مجمله- إنسان تقوى الله هاجسه الأساسي، صلته بالقرآن طيبة، كان يحب يقرأ القرآن، كان يحب أن يذكر الله- عز وجل-دائماً في مجالسه الخاصة.

وكان يهوى الجلسات البسيطة في البَر المقناص لكن في البيت يهوى الحاجات والجلسات، وكنا من الأشياء اللي نجلس معاه فيها في الليل كان له بيت في الهَدَا جميل كنا نجلس معاه رحمة الله عليه، وإحنا جالسين في الليل (ما يجي أحد خلاص في الليل بعد العشاء الكل يروح، نروح لبيت الهَدَا نجلس شويَّة) فكان معانا شريف اسمه الشريف هزاع والشيخ ناصر الشثري والمستشار وواحد من الإخوان من الحوبان اسمه.. الأخوياء.. فوجئت وإحنا جالسين إن إحنا قام هذا الشريف وشوش الملك بكلمة وإذا الملك بس يضحك بس يضحك، فما فهمنا إحنا إيش اللي صار، إحنا كنا أربع أنفار، فَرُحْت له قلت له: يا طويل العمر، عسى ما في شي؟ قال: "لا، لو تدري إيش يقول لي الشريف"، قلت له: إيش قال لك؟ قال: " يتكلم عنك أنت يا محمد عبده "، قلت: إيش في؟ قال: " قال لي: يا طويل العمر، الناس راحوا الآن ما في أحد خلاص ولا في شي، وحنَّا عالمشرف على هذا، والهوا جميل، فأنا عندي عود بالسيارة عطُه لمحمد عبده خلي يغني لنا.. قال: يامهبول هذا ماهو محمد عبده المغني؛ هذا أستاذ جيولوجيا ما يعرف يغني.." يتباسط ويضحك وانبسطنا، يعني يستقبل الأمور بروح عالية.

إنشاء رابطة العالم الإسلامي استماع إلى الفقرة

* في عهد الملك فيصل ، وبعدين هي كانت السبب في جمع أفريقيا حولنا، ومن ذكاء الملك فيصل إنه سافر وزار الدول الأفريقية وربطهم بالرابطة معانا في وقت كان عبدالناصر بيدعو إلى الاشتراكية رحمة الله عليهم جميعاً، وكانت بدايات الشيوعية بدأت تنتشر في العالم العربي، وللأسف كانت العملية غزو كبير لدرجة إنك إذا دخلت المساجد نادراً ما تجد شباب بيصلوا في المساجد. فالملك فيصل أرادها- رحمة الله عليه- عكسية، فذهب وجمع الأفارقة وأنشأ الرابطة، وكان معه طبعاً الملك خالد كَوَليّ عهد لكن الملك فيصل قاد هذه المعركة بذكاء، وجمع مجموعة من العلماء حوله. وفي كل زيارات الملك فيصل ربط هؤلاء بالإسلام، وأشعرهم أن المخرج هو الإسلام، ومَن عنده مشكلة حل له هيَّ، رغم أن المملكة ما كانت في أوج دخلها وثرائها لكن كان ما يبخل عليهم. فرابطة العالم الإسلامي ذات تاريخ عميق، وأتمنى من رجال الرابطة إنه يُنشر حقيقة ما جرى، ومتى تكونت الرابطة، وأول أمين عام لها الشيخ محمد سعود الصبار رحمة الله عليه، وكيف توالى الأمناء، ولكن كيف استخدم الملك فيصل هذه الرابطة لربط العالم الإسلامي ببعضه وبالمملكة وجعل المملكة رمز ومركز العملية، وقاوم به الميول الشيوعية والميول الاشتراكية اللي كانت موجودة؛ فلذلك هذا الرجل كان من ميزاته ( الملك فيصل رحمة الله عليه) إنشاء رابطة العالم الإسلامي.

اهتمامه بالأقليات الإسلامية استماع إلى الفقرة

* هذي من القضايا التي لم تُغطى بصورة عملية في حياة الملك خالد ؛ لأن الملك خالد كان يهتم بالأقليات، وكان عندما يأتي في الحج يطلب في حفل الحج أن يأتوه برؤساء الدول اللي جايين أو مندوبيهم، يسألهم عن التعليم عندهم، عن المشاكل التي عندهم، ويطلب توفير مبالغ خاصة لسد هذا العجز، يجمع السفراء، ورأيته مرة يغضب يقول: "بعض سفرائنا- الله هداهم- يجلس هناك اللي يجيني يقول لي: أنا قنصت، واللي يقول لي: أنا شفت، واللي.. يا أخي أنا أبيك تجيب لي أخبار المسلمين وش صاروا في هذه المناطق، هذول جماعة المسلمين في كل البلد يحتاجوا دعمنا، دولتهم لا عرفت إن إحنا مهتمين بهم تبغى تهتم بهم..".

أيضاً كان يعطف على الإخوان الذين هاجروا من الاتحاد السوفييتي واستوطنوا مكة المكرمة بصورة خاصة من الإخوان البخارية والتركمانستيين، واللي أقاموا في الطائف ، وكان دائماً يكرِّمهم ويدعو جماعتهم يقابلوه. فكان الأقليات الإسلامية هاجس خاص عنده، ولكن بكل أسف الأقليات الإسلامية ما كان عندها مفتاح للعمل، بمعنى: كلاً مشتت، وكان مما يُعاب عليهم إنه عدم جمع كلمتهم في نفس الدولة تجد في أقلية كل واحد لمذهب: هذا يبغى يتبع المذهب الحنبلي وهذا مالكي وهذا... يا سيدي ما في مانع؛ المذاهب كلها تتبع رسول الله، لكن اجمعوا كلمتكم عشان تكون كلمة واحدة، فتجد نصائح الملك خالد - رحمة الله عليه-: "يا إخوان كونوا مع بعض"، وجاب وزير التعليم- الله يرحمه ويتغمده برحمته- الشيخ حسن عشة وقال إنه: "يا جماعة أعطوا فرصة لهؤلاء الشباب بالدرجة الأولى، أعطوا فرصة للشباب من الأقليات المسلمة يدرسوا في المملكة"، وبالتالي جامعة المدينة المنورة عندما أنشؤوها كانت تستخدم هذا الهدف، لكن قال: "أعطوهم حتى في الطب، أعطوهم حتى في الهندسة، خلهم يتعلموا ويعودوا لبلادهم"، يعني الحقيقة كان عنده اهتمام.

والحقيقة هذي من الميزات اللي فعلاً تميَّز بها عهد الملك خالد : عطفه على الأقليات المسلمة إلى درجة كبيرة، وعَطَف على جماعة أُخرجوا من بلادهم وقست عليهم الظروف (البوذيين) وهم: البرماويين، البرماويين عانوا معاناة شديدة الملك خالد قال: "يبقوا في بلدهم في مكة ، ويُعطَوا مساعدة"، لكن الظروف اختلفت ودخلوا ناس كثير، والآن- الحمد لله- بدأت أوضاعهم تتصلح، لكن هؤلاء من الجماعة الذين أنصفهم الملك خالد وعطف عليهم .

بيانات مجلس الوزراء استماع إلى الفقرة

* كان لي الفخر إني أنا أول ما وضعت رؤساء التحرير مع الملك، كان لي الفخر إني أنا.... مجلس الوزراء ما كان تُذاع بياناته.. أول مجلس أُذيع بياناته كان في عهد الملك خالد ، عندما رَأَس هو- رحمة الله عليه- رَأَس المجلس، وكانت أول جلسة، فبعد ما ناقش الأمور وانتهت قال... أول إحنا قبل أن ندخل أقسمنا اليمين أمامه، وبعد ما انتهت الجلسة حوالي ساعتين خرجنا، الكل خرجوا إلا أنا ما خرجت، وهذا رويتها برضه في بعض المرات، فأنا سألني مدير عام الأمانة: يا دكتور إيش بك ما مشيت؟ قلت له: أنا كنت بشوف متى تسووا محضر. قال: يا دكتور ما في محضر، المحضر بعدين يروح الملك وكذا. فقلت له: طيب، ورحت خرجت برَّا ولقيت الصحفيين- الله يهديهم-واقفين عالباب، سألوني: إيش صار في المجلس؟، هنا تجلت مشكلتي كوزير إعلام وكمدير جامعة وأستاذ جامعة: آثرت ألا أقول إلا بدقة كل شي وما أستطيع أن أقول غير الصدق، فذكرت كل اللي حصل في المجلس، طبعاً كوزير إعلام هذا ما ينفع؛ لأنه لازم تكون إيه.... تعلمنا بعدين نكذِّب وتعلمنا ننفي وتعلمنا كذا.. لكن في الأول ما.. فطبعاً قلتها كلها، رحت البيت وجدت الدنيا مقلوبة: اتصل بي الأمانة العامة وقالوا: يا دكتور ما يصير هذا الكلام: أخبار مجلس الوزراء في الإذاعة..، فقلت: والله في الإذاعة طلعت، في التليفزيون في الليل إن شاء الله. قالوا: دكتور ما يجوز، هذا من حيث المبدأ: أخبار المجلس يجب أن تُسجَّل ثم تُعرَض على خادم الحرمين ثم..، قلت: يا جماعة ما كان الملك موجود وهو الذي أقر هالأمور؟ قالوا: لا ما يصير ولا لك حق. طبعاً أدركتني نوع من الرهبة لأني أنا تصرفت وأنا مدير جامعة، وتهيبت من الموقف، لكن على أي حال قلت خلاص حصلت المسألة. في اليوم التالي لما رحت للملك أُفاجأ بأنه استقبلني بترحاب وشكرني على إذاعة مجلس الوزراء، وأيدني، وجعلها في كل جلسة، إلى اليوم كل الملوك والرؤساء اللي جوا بعده وكل وزراء الإعلام يذيعوا الخبر، وقليل يعرفوا أنها بدأت في عهد الملك خالد والملك خالد هو الذي أيد هذه العملية. كذلك اصطحاب رؤساء تحرير الصحف إلى خارج المملكة أيدنا وقال: "جيبهم عندي، مرحباً بهم".

تواضعه استماع إلى الفقرة

* الرجل كان متواضع، وكان يحترم كل من يعمل معه كوزير إعلام أو حتى كخفير. كنا في السحور وماشين معاه وبعد ما خلصنا قام مشي، فجأة وهو ماشي في القصر حصَّل جندي عند الباب واقف (باقي على الصبح يمكن ساعة ولاَّ كذا) فالملك خالد فوجئنا بأنه راح للجندي وترك الناس كلهم وراح له، قال له: "يا ولدي أنت تسحرت؟"، قال له: لا والله يا طويل العمر ما تسحرت، أنا ما أقدر أترك هذا المكان ما دام ما جاء زميلي (يعني منطقة حراسة)، قال: " لا.. هين، يبي يحرسني الله، روح قول لهم بأمر الملك، روح بس روح تسحر"، وخلاه يروح. الرجل يهمه أبسط الناس، عطفه مو على أمير ولاَّ على وزير.. عطفه على الجميع وشعوره أنه أبو الجميع كان، رحمة الله عليه.

الصحوة الإسلامية استماع إلى الفقرة

* يشعر بأنه الصحوة الإسلامية كانت صحوة إعلامية أكثر من إنها صحوة تقوية؛ ولذلك الناس تتكلم عن الصحوة كلام عام وإعلام لكن حقيقةً ما في ممارسة؛ لأنه الصحوة الإسلامية تبدأ من التعليم، وما لم يَصلُح التعليم في العالم الإسلامي لم تكن هناك صحوة؛ لأن الصحوة- في النهاية- هي أن تُخرِج يد قوية تساهم في البناء والتنمية وتساهم في العالَم (يكون لنا دور)، ما دام تعليمك ضعيف.. تعليمك مرتجل.. ما حتحقق. تعليم في العالم الإسلامي ضعيف إلى درجة مخجلة، إلى درجة إن مساهماتنا في البحوث شي نخشى أن نقوله، فكان كل حديث إعلامي أكثر منه عملي.. أكثر منه فعلي.. ومن هذه المنطقة كان الضعف أن الصحوة الإسلامية لم تكن في الاتجاه الصحيح؛ لأن بدايتها كانت من التعليم أول شي، إذا أردت الصحوة الإسلامية فعليك أن تُصلح التعليم، هذا أول شي. إذا أردتها أن تتطور فعليك أن تعطي مساحة من الحرية، لازم تعطي الناس فرصة أن يقولوا رأيهم؛ أن تعود الناس على احترام.. الحرية ما هي أن تعتدي على الآخر، ولكن الحرية أن تتعلم أنك أنت تستطيع أن تعبِّر دون أن يقسو عليك أحد، دون أن يدهمك أحد، هذي كمان ناحية مهمة وناحية أساسية. الصحوة الإسلامية أن يكون ارتباط بين العالَم الإسلامي، الارتباط بين العالَم الإسلام ضعيف، إلى درجة اليوم بضائع تأتينا من الجزائر تأتي ومن المغرب إلى باريس تُغلَّف في باريس وتُرسَل إلينا، تُشترى بثمن بخس من الجزائر وتُباع علينا.. أين التعاون الاقتصادي؟ أين التعاون الاجتماعي؟ أين التعاون الثقافي؟ كُتُب عندنا تَصدُر لم يقرأها رجل في المغرب العربي ، كُتُب في المغرب العربي ... عالِم يأتينا في الحج لا نعرف من هو ولا..، مع إنه واجبنا، وهذي نقطة من نقاط الملك خالد - رحمة الله عليه- كان يركز عليها، قال: "يا جماعة يجوا في الحج علماء غير هالرؤساء اللي يجوا يسلِّمون عليَّ، هالعلماء خذوهم في الجامعات إنتو احتضنوهم، شوفوهم اسألوا عنهم.

التعبير في الحوار استماع إلى الفقرة

* عنده أدب في التخاطب، ولكن عنده جرأة في التعبير. مثلاً كان يختلف مع بعض رؤساء الدول في التعبيرات، واختلف مع الرئيس القذافي في الكتاب اللي أصدره عنه إنه يختصر بعض أجزاء من القرآن وكذا، ولكن لما جلس معاه قال له: " ترى هذا أمر خطير يا أخ معمر ؛ القرآن ما أحد يلمسه ولا أحد يقترب منه؛ هذا كتاب الله ويجب.."، قال: أنا قصدت إني أنا يعني أجتهد فيه. قال له: "هذا ما فيه اجتهاد؛ الله حفظه من فوق سبع سماوات"، فكان صريح معاه، لكن ترى القذافي كان يحترم الملك خالد كثير، لما رحنا له هناك وإحنا جالسين وإحنا على الغداء معاه كان الأخ غازي كان حاضر والجماعة، فوجدنا نائب الرئيس القذافي وإحنا جالسين وهو يدور علينا بالماء، طبعاً ممكن يقوم خادم أو يقوم الطباخ أو يقوم سفرجي، إلا هو بنفسه يجيب لنا الماء ويجيب لنا العصيرات، فقال له: "يا أخ معمر ، هذا ليه ما يجلس معانا؟" (كان نائبه هو)، قال له: والله يهمه خدمتكم. فالرجل نطق وقال: يا طويل العمر، إحنا يسعدنا، نعرف الرئيس القذافي قد إيش يحترمكم.. وكذا. قال له: "إيوه لكن كذا خدمتك لنا تصير خادم القوم سيدهم"، قال له: أتريدنا أن نضيع المروءات مع كل جانب؟، فمعناه إنه يشعر إنه هذا الرجل بيتكلم معاه بأبوة وبصدق وبإخلاص. وكثير في الأحيان صارح رؤساء دول بأن المظالم عندكم خطيرة وإنه كذا وإنه كذا.. هذي من الميزات اللي ربنا طرح له البركة فيها في أنه كان يعبِّر بصدق عن الأمور، ولا يخشى إلا الله في التعبير.

توكله على الله عز وجل استماع إلى الفقرة

* أُصيب في فخذه مرة، وحاولوا الأطباء يعالجوه، وبعدين جانا واحد من البادية قال له: يا ملك خالد ، ترى علاجك عندنا. قال له: "إيش علاجي؟"، قال له: ترى لو كويناك كَوْيَتِين.. وكذا، فقام الدكتور حقه ( فضل الرحمن ): يا جلالة الملك أنت رجل مسوي عملية قلب، إنت رجل.. وكذا.. ما يحتاج. قال: "لا، جيبوه"، قال: ما يصير، قال: "أقول: توكلنا على الله، واللي يصير يصير"، وقف ماسك الباب وظل الرجل يكويه دون أن يرتجف وهو ماسك، ولا تردد، قال: "توكلنا على الله ومشينا".

ضيافته استماع إلى الفقرة

* الرجل مضياف؛ تصور لما راح للعلاج برَّا كان معاه الإخوان منهم وزراء محمد عمر توفيق ومنهم.. مجموعة من الإخوان، بعدين لما كنا هناك كان رئيس المراسم السيد أحمد عبدالوهاب ، فقالوا له ( محمد عمر توفيق كان ساطي عليه ويتكلم) قال: يا طويل العمر، من يوم ما جينا وإحنا هنا معاك وإحنا ما في إلا جريش وكبسة وجريش.. هلكتونا إحنا ما عارفين...، فقال له: "أجل وش تبي يا عمر؟"، قال: نبغى ملوخية.. نبغى بامية.. نبغى شي.. نبغى مرق.. نبغى غموس.. نبغى.... . زهم السيد أحمد قال له: "يا سيد، الإخوان بيشتكوا كذا"، السيد قال له: من فين أجيب ده حين أنا في وسط جنيف من فين أجيب طباخ يطبخ ملوخية ويطبخ بامية؟، صادف إنه قائم بالأعمال هناك أو قنصل رجل من أهالي مكة وزوجته معاه، فقالت لهم: جيبوا المواد. جابوا المواد بدؤوا يطبخوا، انبسطوا ظلينا طول الشهر مبسوطين، لما خلصوا.. فالملك خالد قال: "هاه انبسطتوا؟"، قال: إي. قال: "أقول يا سيد أحمد : إذا جينا ماشين خذوا الطباخ معانا في الطيارة شيلوه"، قال له: يا طويل العمر هذي مرت القنصل كيف نشيلها في العملية؟.. لكن كان رجل يحب يكرم الناس ويحب يكرم... وفي الوقت نفسه يستقبل الأمور بروح مرحة، رحمة الله عليه، اللهم تغمده برحمتك.

مشاركته في المعارك استماع إلى الفقرة

* والله هو شارك ترى في معارك وهو شاب، أولاً الملك خالد كان من الناس اللي يهوى الرماية ويحسن الرماية وركوب الخيل، وشارك في معركتين: في الرغامة والسِّبَلة، وكان الملك عبدالعزيز يعجبه شجاعته ولكن كان يشفق عليه كشاب صغير لكنه كان مُصِر ّ، فرفع يده ( الملك عبدالعزيز ) وقعد يدعو له: "اللهم احفظه..."، شاب صغير زي الورد منطلق في هذا، فهذي من ميزاته إنه هذي من المعارك اللي اشترك فيها.

وفي الحقيقة إنه يتميز خالد - رحمة الله عليه- بصفات فيها من الشجاعة: الشجاعة في المعارك لكن الشجاعة في التعبير، لا يتردد أن يقول رأيه كمان حتى في.. بالإضافة إنه المعارك اللي اشترك فيها أثبتت إنه شجاعته وبروزه وحفظت تاريخ إِلُه في هذا.

برنامجه استماع إلى الفقرة

* هو كان عنده برنامج عجيب: في الصباح يصحو الملك رحمة الله عليه، وبعدين يأخذ الفطار، بعد الفطار (حوالي الساعة تسعة.. تسعة وربع) يروح للديوان، كان دائماً يصاحبه الأمير سلطان والدكتور رشاد والسيد أحمد عبدالوهاب يذهبوا معاه في الديوان، وكان هذا برنامجه اللي هو المستمر: يبقى في الديوان، وبعدين يعود من الديوان في الساعة وحدة تقريباً، وبعض الأحيان يرجع للديوان مرة أخرى، بعض الأحيان يستغل أوقات المساء ليقابل كثير من الناس اللي عندهم شكاوى وخصوصاً إذا كانوا من النساء ومن الناس اللي عندهم شكاوى في القضاء وكذا. دائماً يزور إخوانه.

تربى الملك خالد على أخلاق والده في إطفاء الفتن، واستقرار البلاد، وحرصه على كيان هذه الأمة .




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم
النص الفصيح
للمقابلة مع الضيف
معالي الدكتور محمد عبده يماني
(وزير الإعلام في عهد الملك خالد)
صفات الملك خالد

* الحقيقة أن الملك خالداً كان رجلاً من الرجال الصالحين، ورجلاً زاهداً في الدنيا مقبلاً على الآخرة، وكان ورعاً ويخشى الله عز وجل، وكثير الصلاة وقراءة القرآن كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وكانت هذه صفاته حتى قبل أن يتولى الحكم، ومن زهده كره أن يقبل الحكم، ولولا ضغط إخوانه-وتحديداً الملك فهد والملك عبدالله وسمو الأمير سلطان وآخرين-لَمَا قَبِل تولي الحكم؛ لأنه كان يخشى من المسؤولية ويتهيَّبها خوفاً من الله، ويقول: "أنا معكم.. ولكن لا أريد أن أتحمل مسؤولية عظيمة كهذه". وقد قَبِل هذه المسؤولية ولكن بخوف عظيم، وكان خوفه من المسؤولية أمام الله وليس أمام الناس. ثم إنه كان رقيق القلب، كثير البكاء، وقليل من الناس يعرفون الملك خالداً بشكل جيد؛ فقد كان دائماً يُقبل على الصلاة، ويؤكد للناس أهمية الالتزام بالقرآن والسنة، حتى مع العلماء والدعاة أنفسهم، فعندما يجلس إليهم يوصيهم بأن يحضوا الناس على المحافظة على تعاليم الكتاب والسُّنَّة، ويقول لهم: "دعوا عنكم كثرة الكلام، ركزوا على كتاب الله وسنة رسوله". إن ورع هذا الرجل، وتقواه، وزهده، وإعراضه عن الدنيا، وحرصه على إعطاء كل ذي حق حقه: كلها من المميزات التي تميز بها الملك خالد رحمة الله عليه. وأنا من الناس الذين كانوا على مقربة منه في مسيرة حياته، وذلك عندما كنت قد اتصلت بالعمل الحكومي. وفي المراحل الأخيرة من حياته عندما قَدِم من الرياض في الرحلة الأخيرة له كان يُفتَرَض أن يصل جدة، فخرجنا مع سمو الأمير ماجد-رحمة الله عليه-ننتظره، وفجأةً أخبرونا بأنه سيذهب إلى الطائف، فذهبنا إلى الطائف واستقبلناه هناك، وكان في غاية الورع يعتذر للأمير ماجد ولي قائلاً: "لقد أتعبتكما إذ جئتما من جدة إلى هنا.. الأطباء-هداهم الله-قالوا إنني يجب أن أنزل في الطائف.."، وكان يقول هذه العبارات في أدب وخُلُق عظيمَين. وفي الليلة نفسها تُوفِّي، والجماعة الذين كانوا حوله في تلك الليلة قالوا لي: يا دكتور، لقد بقي طيلة الليل إلى الفجر وهو يقرأ القرآن ويسبِّح. وهو لم يكن متهيباً من الموت، وحتى عندما أخبره الأطباء بتفاقم حالة قلبه الصحية لم يكن متهيباً؛ بل كان يقول: "أنا مشتاق للقاء ربي". إن هذه الروح الإنسانية العالية والإيمان العميق بالله كانت من المميزات الأصيلة عند هذا الرجل الإنساني.

شخصيته

* إن مفتاح شخصية الملك خالد-في رأيي الشخصي-هو: تقوى الله عز وجل. ثم إن قلة من الناس أولئك الذين يعرفون مدى محبة هذا الملك لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-ودفاعه عنه، إن مفتاح شخصيته هي هذه الأمور التي أقبل بها على الله، وبهذا المعنى ورد في الحديث: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله .

إن في حياة الملك خالد نقاطاً مهمة، لكن مفتاح هذه الجوانب كلها هو قضية تقوى الله عز وجل، فقد كان يستحضر هذا الجانب في كل قرار يُعرَض عليه، وحتى في أسرته: كان الملك خالد في نظر أبنائه وبناته نفساً كريمةً، وكذلك هو بالنسبة إلى جميع الناس الذين حوله، فإذا جاءه المواطنون استقبلهم استقبالاً كريماً وبروح عالية. ففي رأيي الشخصي كان مفتاح شخصيته هو تقوى الله ومحبته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم التواضع الذي تميز به، وقدرته على الحوار، وجرأته على إبداء الرأي.. وهذه هي مميزات هذا الرجل ومفاتيح شخصيته.

تولي الحكم

* أولاً أقول بكل صراحة: لم يكن لهذا الرجل قبل أن يتولى الحكم أي نشاط سياسي، وكان يحاول أن يبتعد عن معترك السياسة، ويكتفي بحياته الخاصة واتصالاته، ولم يتدخل في الحكم بأي شكل من الأشكال في حياة الملك فيصل؛ على الرغم من أن الملك فيصلاً كان يكلفه بمهمات واتصالات وإصلاحات بين الناس وغير ذلك، إلا أنه كان يتعفف عن ذلك ويحاول أن ينأى بنفسه عن هذه الأجواء.. ولكنه عندما تولى الحكم أثار الدهشة.. كيف أن هذه الشخصية نفسها أخذت تتحمل أعظم المسؤوليات تجاه العالم الإسلامي برُمَّته، إلى درجة أن الزعماء عندما يقْدِمون عليه ويُفتَرَض أنهم يتحدثون معه في القضايا السياسية (ونكون بجواره أنا وإخواني الوزراء) كان أول ما يوصيهم به قوله: "خذو بنصيحة هذا الرجل المسن [ويقصد نفسه]:اتقوا الله، والتزموا بكتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعندئذٍ- واللهِ-ستنزاح كل همومكم، وإننا- واللهِ-لا نملك إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا تعاونَّا على تعاليمهما فإن الله- عز وجل- لن يتخلى عنا". وعندما يقول هذا الكلام تجد بعض الناس يتفهمونه، ومنهم الملك الحسن ملك المغرب (وكان يرتاح لهذا الكلام)، والملك حسين ملك الأردن، والشيخ زايد بن سلطان، والشيخ خليفة أمير البحرين رحمة الله عليهم. في حين أن بعضهم الآخر ينظر إلى المسألة من منظوره هو: أي أنه قَدِم إلى الملك ليكلمه بقضية سياسية فيبدأ الملك بوعظه في هذه المناسبة، ويجد أن هذا أمر غريب، ولكن الملك خالداً كان يمتلك جرأة عظيمة، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

ومن المواقف الدالة على جرأته ذاك الموقف الذي كان من أصعب المواقف التي مرت بنا، وكان ذلك في مؤتمر نُعِدُّه لأول مرة داخل الحرم المكي الشريف، وحضره رؤساء الدول والملوك، وبدأنا أعمال هذا المؤتمر والكعبة أمامنا، وكان أبناؤنا المصورون والمخرجون يمارسون أعمالهم لتغطية الحدث (وبعضهم يمارسها لأول مرة بهذه الطريقة)، وقد ألقى الملك كلمته وكانت كلمة رائعة، ثم ألقى الأمير فهد كلمة (وكان ولي عهد آنذاك).. وهكذا انتهى الحفل ونحن تحت (المكبِّرية) والشباب في (المكبِّرية). وفجأةً- ونحن جلوس- وإذا بنا نرى الرئيس ياسر عرفات-رحمة الله عليه-قام من مجلسه وأخذ بيد الملك الحسن وقَدِما إلينا، وقد أشار إليَّ الأمير فهد قائلاً: يا محمد، ما هذا الحدث؟ فقلتُ: واللهِ لا أدري، هذا ليس في البرنامج وليس من بنوده!. وقَدِما حتى وقفا أمام الملك وقال له الرئيس ياسر عرفات: "أيها الملك، إنني أطلب منك طلباً؛ وهو أن نأخذ الملوك والرؤساء ونقف أمام البيت الحرام ونُقسِم أمام البيت الحرام على كذا، وهذا الملك الحسن معي".

ولك أن تتخيل مقدار الحرج الذي شعرتُ به: كيف يمكن أن أُخرج هذا الجمع الغفير؟ وكيف يمكن إخراج الكاميرات للتصوير؟ لم نكن حينها مستعدين ولم تكن عندنا التقنية التي تسمح لنا بالخروج إلى موضع الطواف؛ لأن هذا بحاجة إلى إعداد مسبق، فوقعنا في ارتباك كبير.. وإذا بنا نُفاجأ بالملك خالد يقول له: "يا ياسر.. إنني لا أعتب عليك يا ياسر.. ولكني أعتب على الملك الحسن الذي جاء معك؛ لأني أعرفك وأعرف كيف تنظر إلى الأمور.. هل وصل الأمر إلى أنكم تكذبون عند بيت الله؟ عند بيت الله؟ هل هذا موضع كلام من هذا النوع يا ياسر؟ قولوا الكلام الذي تشاؤون عند بعضكم.. أما بيت الله فهو مقام عظيم عند الله، و واللهِ سيمحقنا الله إن كذب أحدكم في هذا الموضع ونحن أيَّدناه في كذبه.. عودوا إلى أماكنكم الله يرضى عنكم، عودوا جزاكم الله خيراً"، فواللهِ لقد فرَّجَ عنا ما نحن فيه بمقالته تلك. وقد كان محور موقفه هذا هو: مخافة الله تعالى:إذ كيف نخرج إلى الكعبة ونُقسم أمامها ونحن غير صادقين؟ فقد كان لكل زعيم رأيه وتوجهه و... فقال مستنكراً: "تكذبون أمام بيت الله؟! تُقسمون أمام بيت الله؟!"، وواللهِ لقد هزَّت كلماته الملوك والرؤساء وجميع الحاضرين، وجميعهم أيَّده في أنهم ما كان يجب أن يخرجوا: يكفي أنه بيت الله ويكفي أن نسأل الله، وحاشا الله-سبحانه وتعالى-أن يرد أحداً.

لكن تأمل في موقف هذا الرجل: لم يخشَ أحداً، فقد قال له: "إني لا أعتب عليك، بل أعتب على الملك الحسن الذي جاء معك.. وإلا فأنا أعرفك تقول كلاماً حماسياً دون تحسُّب، وأما الرجل الذي معك فلا".

في مثل هذه المواقف تظهر تقوى الله عز وجل، وتجلت في خشية الملك خالد من أن يقف هؤلاء بإذنه أمام الكعبة ثم لا يحلفون اليمين صادقاً؛ لأنه حتى العرب قبل الإسلام كانوا يخشون أن يأتوا عند بيت الله- عز وجل- فيقولون كلاماً غير صحيح. إن شخصية الملك خالد تظهر في مثل هذه المواقف، وقد كان رئيس الدولة-كما سبق أن ذكرتُ- يأتي ليتكلم معه في السياسة فيبدأ الملك بوعظه ويقول: "واللهِ ليس لنا إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

الخير في عهده

* كان إذا جاءه وزراؤه يؤكد عليهم: "يا جماعة، اتقوا الله في الناس، أنا أبرئ ذمتي، واللهِ إني جعلتُ إبراء ذمتي في أعناقكم: لا يُظلَم مواطن، اتقوا الله". ولهذا فإن المنصف الذي يكتب عن الملك خالد-رحمة الله عليه-لابد أن يقول: إن فترة حكمه كانت هي السنوات الخضراء في تاريخ المملكة العربية السعودية؛ لأنه رجل أكرمه الله، وفتح له الخيرات، وأكرم المواطنين به، ولهذا لم يبقَ أحد إلا وصلته الخيرات، وقد ارتفعت أسعار النفط دون أن يكون لنا دور في هذا.. إنها نِعَم الله-عز وجل-جرت على يد هذا الرجل.. لقد كانت سنوات خضراء جميلة.. وهذه من الحقائق التي تُذكَر عن الملك خالد.

تشجيعه لكلمة الحق

* جاءنا في إحدى المرات أحد الشخصيات الكبيرة، وقد طلب أن يطوف، فأمر الملك-رحمة الله عليه-بأخذه إلى الطواف وكان معه وزير من الوزراء المحترمين، وبعد انتهى من الطواف إذا به فجأةً-لسبب ما- يقف على الصفا ويرفع صوته ويعلن عن بلده وأخذ يتكلم عن كتاب أَّلفه ويتكلم.... حدث هذا الأمر في الحرم، فارتبك الوزير الذي كان يرافقه ووقع في حيرة: ماذا يقول لهذا الرجل وهو رئيس دولة؟ وكيف يتصل بالملك ويُبلغه؟ وكيف يتصرف؟ .

ومن غرائب الأمور أن رجلاً بسيطاً من أغوات الحرم (وهم الذين يخدمون الحرم) عندما سمع هذا قال له-بلهجته-:"اسكتي"، فسكت.

وقد علَّق الملك على هذا بقوله: نحن لم نستطع إسكاته وأغا من الأغوات أسكته؟!. وقد قدَّر الأغا-وهو رجل بسيط-أنه يجب ألا يعلو صوت فوق صوت في هذا المكان، ويجب ألا يكذب الإنسان فيه، تلك حرمات الله يجب أن تُعرَف، والإنسان العاقل عندما يذهب إلى الحرم أو يريد الطواف فعليه إذا دخل إلى بيت الله-عز وجل- أن يكون صادقاً في هذا المكان، وهذا واجب في كل مكان فما بالُكَ وهو يقف يدعو: (اللهم إني واقفٌ ببابك، ملتزمٌ بأعتابك، متذللٌ بين يديك، أرجو رحمتك وأخشى عذابك)؟!. لقد علَّمَنا الملك خالد درساً كنا قد تعلمناه من قبل ولكنه علَّمنا إياه أمام الزعماء، وعلَّم الزعماء، لم يتردد في أن يقول لهم: "هذا ليس مكان ارتجال، وليس مكان الكلام العام، هنا بيت الله.."، والكل أيده في موقفه.

أثر تربيته في تعامله مع القضايا

* يشهد الله أن هذا الرجل كان ذا قلب كبير، ولسانه عفيف، ويمتاز بالرزانة، وحضور البديهة، والعفاف، والمروءة، وعندما يناقش الناس كان يناقشهم بموضوعية شديدة... تصور: عندما اختلف الفلسطينيون مع الملك حسين في الأردن؛ وخالفوا الاتفاقيات عندما أقفلوا الشوارع في الأردن، وأصبح الأردني يطلب الإذن ليستطيع المرور (وقد كانت هذه من أخطائهم)؛ تدخَّل الملك-رحمة الله عليه-وأرسل الدكتور رشاد فرعون، وحاولا بكل جهدهما أن يهدئا الأوضاع، فقد كان الملك طيلة حياته يقول: "القضية الفلسطينية يجب ألا تضيع بهذه الخلافات، الخلاف يجب أن يكون بيننا وبين عدونا وليس بيننا وبين بعضنا.. هذا لا يجوز"، (لو كان حياً الآن ورأى ما يفعل الفلسطينيون ماذا سيقول؟ لَكَان بكى بكاءً مراً)..

وقد تطور الموضوع، فتغير الأردنيون وقسوا على الفلسطينيين وأوقفوهم عند حدهم، ثم حاصروا الرئيس ياسر عرفات فأصبح في موقف عصيب وأزمة شديدة، فأرسل إليه الملك- رحمة الله عليه- طائرة خاصة مع الدكتور رشاد فرعون (وكان مستشار الملك) وأحضره إلى المملكة، وعندما جاء (ولاحِظْ موقفه) ودخل الديوان قال-من ألمه وتعبه-: "واإسلاماه، واإسلاماه".. وكان هذا في الديوان!، فوقف كل مَن في الديوان، والرئيس عرفات يصيح: "وا إسلاماه، أين الإسلام؟ لقد سُحقنا.. واإسلاماه.."، فما كان من الإخوة الذين في المراسم-وعلى رأسهم رئيس المراسم ورئيس الديوان وبقية الإخوة-إلا أن قالوا له: "يا فخامة الرئيس، الآن ستقابل الجماعة، لا داعي لإرباك الديوان"، فقال: "لا.. لقد سُحقنا.."، فقام الملك فهد (وكان ولي عهد في ذلك الوقت) فقال له: " يا أخ ياسر، نحن وضعنا القرار 142.. ووضعنا القرار كذا.. ووضعنا..... وضغطنا على الأمريكيين ليساعدوا.. وأنتم لا تعرفون ماذا تريدون.. وكل يوم وأنتم في قرار.. هذا لا يجوز.. يجب أن تعرفوا ماذا تريدون لكي نستطيع مساعدتكم.."، وبقينا هكذا مدة ساعة ونصف تقريباً، وبعدها أخبرونا أن الملك جاء وهو الآن تحت (في الديوان القديم)، فنزلنا، وقال الملك فهد: "يا دكتور يماني، خذه مع رئيس المراسم إلى الملك خالد"، ولما وصلنا وفتحوا باب مكتب الملك خالد وقف الرئيس عرفات عند الباب وهو يصيح: "واإسلاماه.. واإسلاماه.." عند الباب.. فوقف الملك خالد وقال له: "ياسر.. دع عنك هذا الكذب، والله لو عرفتَ (واإسلاماه) ما حصل هذا الذي حصل فيكم، أنتم تريدون ربنا في الوقت الذي تريدونه؟! عندما يدعوكم ربنا للحق ما تريدون؟! هل تذكر عندما قلت لك في مكة "أعلنوها" وقلت: "ما أقدر.. ما أقدر".. الآن واإسلاماه؟!.. يجب أن تعرف أن الله-سبحانه وتعالى- لا يقبل إلا المسلم الصادق: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً}.. أتفهم؟...اجلس واشرب قهوتك..".

وإذا بنا نجد الملك جلس وصار يتبسَّم، وياسر عرفات يقول: "لا.. أنا قصدي.. سُحقنا.."، فقال: "طبعاً تُسحقون؛ لأنكم يجب أن تكونوا مع الله.. مدوا له أيديكم صادقة"، هذا ليس سهلاً: أن تقول للشخص تاريخه وسجله، لكن الملك خالداً- رحمة الله عليه- كان يتصف بالمصارحة والصدق في التعامل.

-وعندما شب الخلاف والمشكلات وساءت العلاقات بين مصر وسوريا توفي الملك فيصل-رحمة الله عليه-وتولى الملك خالد الحكم، وجاء الناس للعزاء، وكان ممن جاء للعزاء الرئيس أنور السادات والرئيس الأسد، وعندما دخلوا وقاموا بالتعزية قام الملك خالد وأمسك بيد الرئيس الأسد ويد الرئيس أنور السادات وأدخلهما في غرفة وقال: "هيا، اجلسا هنا وحُلاَّ مشكلاتكما، وأنتما أدرى ببعضكما.. وأدرى بما يجب أن تفعلا.. العالم الإسلامي لا تنقصه المشكلات، حُلاَّ مشكلاتكما فيما بينكما.. يا سيد أحمد [والسيد حي يُرزَق] أَغْلِق الباب.. لا يخرجا إلا وقد أنهيا قضاياهما، ولا يدخلنَّ عليهم أحد.. حتى صَبَّاب القهوة لا يدخل، ادخل أنت.. وحتى إذا طلبا قهوة خذها أنت إليهما".. وجلسا، وتناقشا، وقاما بتصفية القضايا العالقة، وفي الليل كنا جالسين وإذا بهما خرجا ممسكَين يدَي بعضهما، وقال الرئيس السادات للملك: "يا جلالة الملك خالد، أُبشِّرك، أُبشِّرك: اتفقنا"، فقال مازحاً: "أخشى أنكما اتفقتما علينا.. حسبي الله.. لعلكما اتفقتما علينا..".. رحمة الله عليه، لقد كان كلامه ببساطة، بصدق، بموضوعية.. وأعتقد أن هذا الرجل قد أثرت فيه البيئة النظيفة التي عاشها: جو الصحراء الذي عاشه.. النقاء الذي عاشه، فتجده صادقاً في تعبيره لا يهاب أحداً، لكنه لا يتعدى على حدود أحد.. إنك لَتَجِدُ أنك أمام رجل كله صدق، كله موضوعية، عفة، ولذلك فهو عندما يأمر أحداً أو يضرب على يد أحد لا يستطيع أحد أن يقول له كلمة؛ لأنه يعرف عفته ونزاهته هو بالدرجة الأولى؛ فأولاده لم ينتفعوا من حكمه، وبناته لم ينتفعن؛ إلا في الحدود التي يرضاها الشرع، ولهذا فهو عندما يحاسب شخصاً ويقول له: أنت مخطئ.. لن يستطيع أن يقول له (لا) أو يرد حكمه؛ لأنه هو كان قدوة وأسوة للجميع.

تديُّنه والتزامه ونقاؤه

هذه الصفات هي التي ميزت الملك خالداً، وكانت لديه عبارة يرددها بين وقت وآخر، فعندما كان يأتي المشائخ ويقولون له: عسى أن الله-سبحانه وتعالى-يختم لكم إن شاء الله بخاتمة الخير.."؛ كان يقول: "واللهِ إني-إن شاء الله- لمشتاقٌ إلى لقاء ربي، واللهِ لست متهيباً.. إني مشتاقٌ إلى لقاء ربي".

وعندما أكون معه في بعض الأحيان، وكذلك الدكتور غازي والإخوان، ومعنا الشيخ ناصر الشثري (وهو الآن عند جلالة الملك وعند سمو ولي العهد، وهو من العلماء الذين يتصفون بالمرونة والاتِّزان)؛ عندما نكون عند الملك خالد كان دائماً يقول: "سبب من أسباب توفيق الله لي في حياتي-إن شاء الله-أني لم أرفع هذا الثوب على حرام في حياتي قط"؛ العفة، النقاء، الإنسانية، تقوى الله.. هذه هي مفاتيح حياته.

غضبه

* من المواقف التي يغضب فيها: إذا سمع أن أحداً تعدى إحدى قواعد الشرع، أو اعتدى على شخص آخر، وتجد الملك خالداً عندئذٍ في غاية الغضب، وفي ذروة الشعور بأن هذا أمر يجب أن يُقطَع به ويُبتَر ويتوقف في الحال. لقد وجدنا في كثير من المواقف أن التعدي على قواعد الشرع هوالقضية الأساسية التي تُغضبه. والحقيقة أن هذه الصفة لم تكن في الملك خالد فحسب، بل إن الملك عبدالعزيز أيضاً كانت مسألة الشرع والحفاظ على حدوده أولوية عليا بالنسبة إليه طيلة حياته، وكذلك الملك فيصل: وقد كنت حاضراً في موقف له ومعنا مجموعة من الحاضرين، إذ جاء رجل يشتكي له وقال أثناء كلامه: "أنا لا أقبل حكم الشرع" (وهو يقصد حُكْم القاضي الذي حَكَمَ في هذه القضية)، فقام الملك فيصل وصفعه حتى إن الرجل سقط على الأرض، وقال له: " لا تقبلُ حُكْم الشرع؟! وهل عندنا غير الشرع؟!".

والملك خالد أيضاً-رحمة الله عليه-كانت مسألة الشرع بالنسبة إليه مسألة شديدة الأهمية والحساسية ويغضب لأجلها أشد الغضب، ولم ألاحظ أنه غضب إلا لأمور الشرع؛ ولا سيما إذا بلغه أن جهةً ما اعتدت على حقوق أناس أو تعدت على أراضيهم وأخذت حقوقاً باسم الدولة أو باسمه، فإنه عندئذٍ يغضب أشد الغضب رحمة الله عليه. ومما يميز الملك خالداً أيضاً أنه كان يغضب إذا تصدى أحد للفتوى وهو ليس أهلاً لها وبدأ يفتي الناس فتاوى خاطئة، فتجده عندها يغضب غضباً شديداً، ورأيته مرات يقول لمثل هؤلاء: "واللهِ إن لم تسكت فما عندي لك إلا السجن"، ولم يكن يقبل لأحدهم عذراً بل يقول له: "اذهب وتعلم أولاً ثم أفتِ الناس؛ كيلا تظلم الناس".

وقد كنا جلوساً عند الشيخ عبدالوهاب عبدالواسع-رحمة الله عليه-وإذا بالأستاذ عبدالوهاب جاء وهو يقول: "إن رجلاً في الحرم منع التزام البيت الحرام (عند الملتزم تحت باب الكعبة) ومنع أن يضع أحد يده عليه، ووضع العسكر لأجل ذلك، ومنع كذا.. ومنع كذا"، فلما أبلغوا الملك خالداً قال: "ماذا؟!"، قالوا: "إن هذا الشيخ يقول إن هذا النوع من الأفعال يجب أن تتوقف"، قال: "نادوه نادوه"، فلما حضر قال له (ونحن حاضرون): "أقول لك: اسمع كلامي جيداً، واللهِ إن فعلتَ هذا ثانيةً فستجد عقوبة ما رأيتَها من قبل.. لا أحد يمنع الناس عن بيت الله، الرسول-صلى الله عليه وسلم-يقول: (هنا تُسكب العبرات)، اتقوا الله، هنا وقفنا مع أبينا عبدالعزيز، وهنا وقف علماؤنا ومشائخنا، اسمع كلامي: ابتعد عن مثل هذا، لا تؤذوا المسلمين في مشاعرهم". إنني عندما أتذكر هذا الموقف أتذكر كيف غضب الملك هذا الغضب الشديد لأن الرجل تجرأ ومنع الناس عن بيت الله عز وجل.

مواقف حزمه

* جاء رجل من الديوان وقَدَّم له ورقة تتضمن أن رجلاً نشر مقالاً فيه اجتهادات له؛ يقول هذا الرجل في المقال: "أخرجوا قبر رسول - الله صلى الله عليه وسلم- من المسجد؛ لأن الصلاة لا تجوز في المسجد النبوي ما دام فيه القبر، وأزيلوا القبة واهدموها..."، وإذا بالملك يغضب غضباً شديداً، حتى إن أحد الجالسين وقف وقال للرجل الذي أحضر الورقة: "يا أخي أرجوك، هذا الأمر يُعرَض على هيئة كبار العلماء، ما كان يجب أن تعرضه هنا"، وإذا بالملك يقف ويقول: "ماذا؟! واللهِ أنا المسؤول هنا؛ واللهِ إن لم يسكت هذا لأقطعنَّ لسانه أمام الناس، ألم يبقَ إلا بيت الله وقبر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يتعدَّون عليهما؟!"، وكانت غضبة شديدة، لكنه بهذا منع فتناً نائمة من أن يوقظها أحد.

موقف آخر غضب فيه غضباً شديداً: مجموعة من الضباط كانوا سائرين في الصحراء وإذا هم بسيدة تمشي، فوسوس لهم الشيطان واعتدوا على هذه السيدة وبناتها، ولك أن تتصور ردة فعل الملك، في الليلة الأولى لم ينم، وفي الليلة الثانية لم ينم وهو يتصل بسمو الأمير سلمان إلى أن قال له سمو الأمير: "لقد وجدناهم، وهم فلان وفلان.."، قال له: "هم من فعل هذا؟!"، قال: "نعم، استخدَموا سيارة.. وكذا وكذا.."، قال: "واللهِ لا أقوم من مكاني هذا حتى يُنَفَّذ فيهم الحد"، صحيح أن هؤلاء ارتكبوا خطأً شنيعاً لكن كان المتوقَّع أن يُحالوا إلى الشرع، لكنه قال: "أقول: نفِّذوا الحكم فيهم، ولا تقبلوا فيهم أي كلام"، وأُرسِل في شأنهم مجموعة من العلماء (وكنت جالساً) فدخلوا على الملك خالد وقالوا له: "أنتم أهل الشرع.. ودائماً تحكمون بالشرع.. حوِّلوا هذه القضية إلى المحكمة الشرعية ليصدر فيها حُكْم.."، فقال: "أنا أقول: هؤلاء يُعاقَبون ويُقْتَصُّ منهم وتُضرَب أعناقهم، الذي يُحال إلى الشرع هو الزاني.. في حالة الزنا.. لكن هذا ليس زنا.. هذا استخدام سيارات الدولة وسلاح الدولة وهجوم على امرأة وبناتها واعتداء عليهن، لا تكلِّموني في هذا؛ هذا فساد في الأرض.. شربتم قهوتكم يا مشايخ؟ مع السلامة". ولم يخرج إلا بعد أن نُفِّذ الحكم، وقد كان في غاية الغضب؛ لأنه غضب لله عز وجل.. هذا الرجل لم يُكتب عنه كل ما يجب أن يُكتَب عنه؛ لأنه-على بساطته-كنت تجد دائماً أنه يشعر أن القضية الأساسية التي يلتزم بها هي مسؤوليته أمام الله-عز وجل-وأمام هذا اليمين الذي أقسمه.

القضاء

* كنا نذهب إلى الطائف، وبعضنا لديه بيته هناك فيذهب معه..، فوصلنا الطائف وإذا بمعظم القضاة في الطائف يأتون ليسلِّموا عليه في الصباح ويجلسون عنده حتى الظهر.. وهكذا، واستمرت هذه الحال يوماً.. يومين.. أسبوعاً.. عشرة أيام.. وفجأةً وإذا بالملك ينادي منصوراً الخريجي (وكان هو نائب رئيس المراسم) ويقول له: " يا منصور، أخرجوا الناس واتركوا المشائخ القضاة عندي"، وبعد أن تم هذا توجَّهَ إليهم بالحديث وقال: "يا قضاة.. الآن جزاكم الله خيراً، إذا كنتم في كل يوم عندي هنا ماذا أنتفع منكم أنا؟ الناس عندهم قضايا يا ناس.. اذهبوا وأنصفوا بين الناس، أنا لا أحتاج إليكم.. السلام يكفي.. سلَّمتم علي في المطار، وإذا جئتم ليلاً لنجلس على العشاء معاً فأهلاً بكم.. يا مشائخ تفضلوا إلى أعمالكم؛ أنا لست راضياً بحضوركم هكذا، اذهبوا إلى الناس، الأمهات والزوجات واقفات ينتظرن أحكامكم.. وثمة أناس مقيدون بالسلاسل ينتظرون حكمكم بينهم.. تفضلوا.." وفتحوا الباب وخرجوا، ولم يَقبَل بغير هذا.

المشورة

* ميزة مهمة من ميزات الملك خالد أنه كان يستمع للملك فهد (على الرغم من أنه ملك والأمير فهد ولي عهد حينئذٍ) ولكنه أوكل إليه كثيراً من الأمور، فكان يستمع إليه ويحترم رأيه، وكذلك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز (كان نائباً ثانياً) والأمير سلطان والأمراء؛ فقد كان يحترم الجميع ويوصيهم بتقوى الله عز وجل.

وكم أتمنى أن رجلاً مثل الأمير نايف بن عبدالعزيز يتحلل في يوم من الأيام من بعض وقته ويكتب ما مر به من مواقف وقضايا؛ سواء مع الملك خالد أو مع مَن قبله أو مَن بعده؛ لأن واقع الحال يدلل على أن هؤلاء الناس كانت عندهم الحُرُمات في الدرجة الأولى: حُرُمات الله، وحُرُمات الناس قبل حُرُماتهم هم وقبل حقوقهم.

لقب (الملك الصالح)

* لقد جاء تعبير (الملك الصالح) مزامناً لوصف فترةُ حكمه بالسنوات الخضراء وبالأعوام الخضراء، ولكن لا يستطيع أي مؤرخ أن يقول إن هذا الوصف أطلقه أحد الكُتَّاب أو أحد العلماء، وإنما شاع بين الناس؛ حتى إن المرأة في بيتها تقول عنه إنه رجل صالح، وحتى التلميذ في مدرسته يقول عنه إنه مَلِك صالح، والذين عملوا معه يرون أنه رجل صالح، فالله-سبحانه وتعالى-إذا أَحَبَّ عبداً حَبَّبَ فيه خلقه، وبما أنه رجل مُقبل على الله-عز وجل-فإن الله-سبحانه وتعالى-يسَّر له كل شيء.

إن الوصف الحقيقي للملك خالد أنه كان رجلاً يتقرب إلى الله أكثر من تقربه إلى الناس، ويحرص على هذا بأمور أساسية: تقوى الله، الورع، العفاف، تحقيق العدل، البُعد عن الظلم، الضرب على يد أي إنسان مسيء، حتى لو أن سيدةً تقدمت بشكوى في محكمة تجده يتخذ موقفاً صارماً.. فاشتُهر بين الناس بأنه صالح.

ومن أهم ما يميزه أن ثمة جوانب مهمة كانت في حياته، من هذه الجوانب: أنه لم يضع يده على أي أراضٍ دون وجه حق، لم ينهب حق أحد؛ حرصاً منه على ألا يأخذ إلا الحق.. لقد كان يمتلك أرضاً في المنطقة الشرقية (وهنا موضع الشاهد، وكنتُ حاضراً لهذه الحادثة) وذلك منذ أيام الملك عبدالعزيز رحمه الله، أُعطيتْ له هناك وبقيتْ، وعندما ذهبنا إلى هناك قالوا له: "يا طويل العمر، لقد جاء فلان وفلان (من تجار المنطقة الشرقية) لأجل هذه الأرض راغبين في شرائها ليقيموا عليها مشروعاً"، فقال: "حسناً"، وقد قدَّموا مبلغاً جيداً هو مئتان وخمسون مليوناً (ولم نكن في ذاك الوقت في عهد البلايين!)، ففرح وقال: "حسناً، نبيعهم إياها"، وعندما حان وقت البيع بعد أسبوع قال: "أين الجماعة؟"، قالوا: "لقد تراجعوا عن الشراء"، قال: "لماذا؟!"، قالوا: "يقولون إن أناساً قد وضعوا بيوتاً وعششاً على مساحة جيدة من الأرض.. وكأنما قد أخذوها لهم!"، قال: "وكيف هذا؟! أليست أرضنا؟!" قالوا: "بلى؛ هي أرضك يا طويل العمر، ولكنهم هكذا فعلوا!"، فقال: "اذهبوا إليهم واسألوهم: كيف فعلتم هذا؟"، ولما سُئِلوا قالوا: "فعلنا هذا بدافع الحاجة إلى الأرض التي نسكن عليها"، ولما أُبلغ بهذا قال: "تفاوضوا معهم: دعوهم يأخذوا ثلث الأرض وينتقلوا إليها ويتركوا لنا الثلثين، ونعطيهم بذلك صكوك مُلْكية"، وعندما أُبلغ هؤلاء الناس بذلك تملَّكَهم الفرح فقد أُعطوا صكوكاً بمُلْكية ثلث الأرض.

وجاء الرجل الذي أراد شراء الأرض فقال: "أنا لم أعد أريد شراءها، لقد كنت راغباً فيها لأنها مُطِلَّة على أربعة شوارع، وما دمتم قد أعطيتموهم الثلث فقد تراجعتُ عن الشراء"، فتركناه، وقال الملك: "الله يعوِّضنا".

وجئنا في زيارة بعد سنتين، وإذا بالأرض نفسها يُعرَض فيها أربعمئة وثمانون مليون ريال.. الأرض نفسها التي هم رفضوها.. فثق تماماً أن الله-سبحانه وتعالى-عوَّضَه لصلاحه؛ لأنه ما أراد أن يطرد هؤلاء الناس، ما أراد أن يقسو عليهم، وبالعكس: قال: "أعطوهم؛ هذا حقهم".

هذه من الصفات التي كانت في الملك خالد والتي وَرِثَها مع إخوانه من أبيهم الملك عبدالعزيز، إن تاريخ الملك عبدالعزيز لم يُكتَب كما يجب، وقليل من الناس أولئك الذين يعرفون مثل هذه المواقف: ففي بداية عهد الملك عبدالعزيز لم يكن النفط قد ظهر ولم يكن للمملكة دخلٌ يُذكَر.. لم يكن يوجد دخل غير الواردات من الحجاج وبعض الجمارك و بعض الأشياء الأخرى.. حتى إن المشائخ كانوا شديدين في قضية قبول التبغ أو الجمارك عليه..، فالدخل كان محدوداً، وجاءت سنوات الحرب وصار مسارها صعباً جداً، وفي هذه الأثناء جاء الشيخ عبدالله السليمان والشيخ مدحت شيخ الأرض-رحمهما الله-ومعهما مجموعة..ودخلوا على الملك عبدالعزيز (وكان العم عبدالله كامل-رحمة الله عليه-موظفاً بسيطاً، وقد قال إنه حضر هذا الموقف بنفسه)، فقالوا: "يا جلالة الملك، الآن صارت الظروف كما ترى، وإننا ننوي صرف نصف الموظفين ونحتفظ بالنصف الآخر؛ كي نستطيع تأمين مرتَّباتهم، وهذا منطقي؛ فإنه لا توجد مَبَالِغ لجميع الموظفين، فسنضطر إلى أن نصرف نصفهم ونحتفظ بنصفهم"، فجاءهما وهما جالسان فقال لهما: "أنتما الاثنان، سأصرف واحداً منكما"، وبالطبع أخذا ينظران إلى بعضهما؛ فقد كان موقفاً محرجاً جداً لهما ولم يحسبا له حساباً، وعندئذٍ قال الملك عبدالعزيز:"يا إخوان، دعوا عنكم هذا الكلام.. تفصلونهم؟ من أين سيأكلون؟ من أين سيشربون؟ يمكنكم بدلاً من ذلك تخفيض المرتَّبات إلى النصف، فالذي مرتَّبه مئة أعطوه خمسين، والذي مرتَّبه خمسون أعطوه عشرين.. وهكذا نعيش جميعاً إلى أن يأتي الفَرَج من ربنا.. بدلاً من أن تصرفوهم أعطوهم نصف المرتَّبات التي كانوا يتقاضونها ونعيش جميعاً".. وبعدها بسنة واحدة ظهر النفط. فالملك خالد وإخوانه أخذوا عن أبيهم المروءات والحرص على الناس، وكانت هذه الصفات من المميزات التي ميزتهم.

اهتماماته

* أهم الأمور بالنسبة إليه هي-في الحقيقة-حرصه على الحرمين الشريفين وعلى استمرار صيانتهما، وعلى اختيار الأئمة الذين اشتُهروا بالورع وبالصوت الجميل للإمامة فيهما، وقد عيَّنَ للحرمين مجموعة من العلماء اختارهم بنفسه. والناحية الثانية رعايته للقرى والهجر، وحرصه على ألا يكون التطور والاهتمام بالمدن فقط بل في كل مكان.

لقد اتصف بسعة صدره لقضايا الناس التي تُطرَح عنده، وبصرامته مع رؤساء الدول عندما يأتون إليه (إذا لزم الأمر). بالإضافة إلى قضية جوهرية: وهي أنه كان دائماً يجتمع برؤساء الدول الإسلامية ويحثُّهم على جمع الكلمة، وكما سبق أن ذكرتُ: كان يذكِّرهم بأن تقوى الله هي الأساس في كل شيء.

هذا الرجل أحسَنَ إلى الفقير، أحسَنَ إلى الضعيف، الذي لم يعرف المال أُعطي المال، والذي لا يمتلك بيتاً بنى له بيتاً، لم يكن همُّه نفسَه، كان من أهم أهدافه في الحياة أن يُدخِل السعادة إلى قلوب الناس، وأن يحافظ على أمنهم، ويرحِّب بهم، وقد حال دون الظلم، وكان العدل أساس كل شيء، حتى إن كل قاضٍ في مكتبه كان يتحسَّب له: أنه إذا بلغ خالد بن عبدالعزيز أنه تلاعب فإنه لن يرحمه؛ وهذه ناحية مهمة جداً: (العدل أساس المُلْك) وهذه من الجوانب التي طبَّقَها عملياً.

وثمة ناحية مهمة-تخصُّني بوصفي وزير الإعلام في عهده-وهي: حرصه على تطوير إذاعة القرآن الكريم، فقد قفزنا في زمن بثِّها إلى أربع وعشرين ساعة، ووصل بثُّها إلى إفريقية وآسيا وغيرهما.. ولم يكن هذا سهلاً.

فالملك خالد كان يهمه إشاعة العدل، يهمه صلاح القضاء، ويهمه ورعه هو.. وقد كان يلقى الناس بابتسامة ويأخذ الأمور بجدِّية في آن واحد، قليل من الناس أولئك الذين يعرفون صرامة هذا الرجل وجدِّيته.

علاقته بالرعية

* إنك لا تتصور هذا الموقف: كنا جالسين جميعاً مع الوزراء في جلسة الاستقبال، فجاء الناس يسلِّمون على الملك، وفي العادة تكون مراسم الاستقبال أنه إذا سلَّم الناس على الملك جلسوا، ثم يقول لهم: "تفضلوا إلى العشاء"، ثم يسلِّمه مَن عنده (عريضة) أو طلب يريده عريضته أو طلبه.

وبعد أن قدَّم الناس كلهم حاجاتهم وانصرفوا وجلسنا، وإذا برجلٍ مسنٍّ يتوكأ على عصاه يقول: "خالد، لديَّ كلمة أود أن أقولها بيني وبينك"، وعندئذٍ-بالطبع-قام المسؤولون عن المراسم وقالوا له: "يا أخي، مادام الناس قد قاموا فعليك أن تقوم معهم، الملك الآن انتهى من الاستقبال"، فقال: "أقول... عندي..."، فقال الملك: "اتركوه يا إخوان، يا إخوان اتركوه، احترموه فهو رجل مسن، دعوه، ما عندك؟"، قال: "يا طويل العمر، ليس عندي شيء يخصُّني، لكن عندنا أمير في منطقتنا، ومضت فترة طويلة وهو عندنا، فإن كان صاحب خير فإننا نريد هذا الخير أن يعم المملكة، وإن كان غير ذلك فالذي جاءنا كفانا"، فتبسم الملك خالد، وفي الليلة نفسها قام بتبديل أمير المنطقة، وقد كرَّم هذا الأمير ولم يُسئ إليه، لكنه قام بتبديله وجاء برجل آخر إلى تلك المنطقة؛ تقديراً لشكوى بَلَغَتْهُ.

إنهاسنوات خضراء؛ لأن الضعيف الذي ليس عنده ما يكفيه توفرت احتياجاته، والذي لم يبن بنى، والتسهيلات، والتيسيرات..

التعليم

* لقد حَرِصَ على التعليم، وعلى دعم الجامعات، وأُنشئت جامعة أم القرى في عهده، وحَرِصَ على أن يُعلن إنشاءها، وقد كان لي شرف إعلان أن الملك خالداً يُعلن إنشاء جامعة أم القرى.

علاقته بالإعلام

* لم يكن الملك خالد رجلاً إعلامياً، فهو لم يكن يحب الإعلام ولا الدعاية، وإذا جاء إليه من يريد إجراء مقابلات معه قال لهم: "ابقوا عندكم، فلْنذكرِ الله، أليست عندكم إذاعتكم و(التليفزيون)؟ ماذا تريدون مني؟"، فيقولون: "يا طويل العمر، يوجد تصريح فيه كذا.. ومن الضروري كلمة منك في كذا"، فكان لا يتكلم في هذا المجال إلا أقل القليل. لم يكن شغله الشاغل رجل الإعلام، بل كانت تهمه عملية البناء.. مسيرة التنمية مع الناس بالدرجة الأولى.. تحقُّق العدل.

وكما قلتُ: إنه لم يكن رجلاً إعلامياً، ولم يكن يهتم بالإعلام، ولكن إذا جاءه رجال إعلام فإنك تُفاجَأ أنه يلقِّنهم دروساً: "إنكم تحملون كلمة الله، واللهِ إن الذي تكتبونه في صحفكم ويقرؤه الناس إنكم مسؤولون عنه أمام الله، واللهِ إن لم تتقوا الله فحصل شيء أو صار ذنب نتيجة عملكم فإنكم مسؤولون عنه".

إن مفهوم الإعلام عنده مختلف، فهو ليس رجلاً يتصدر الإعلام ليُظهر نفسه أو يروِّج لنفسه، لقد كان زاهداً.. ليس في الإعلام فقط.. بل هو زاهد في الحياة عامةً، وهذه مميزاته؛ بالإضافة إلى صفة التواضع كما ذكرت.

علاقته بالوزراء

لقد كان يهتم بالوزراء بصورة خاصة، فيتصل بهم، ويسأل عنهم، وإذا جاء أحدهم وقدَّم قضية أو مشروعاً وجد فيه صعوبة فإن الملك يوصي وزير المالية ويشدد عليه أن يدعمه، ويمكن أن تقول: إنه يألف ويُؤلَف بسهولة من قِبَل الوزراء.

ولكن عنده خصوصية؛ إذ لديه بعض الوزراء الذين يحبهم بشكل خاص ويحب أن يكونوا عنده، وخاصةً عند العشاء فهو يدعوهم إليه (وهو العشاء الخاص وليس عشاء الناس)، وعندما تكون لديه جلسة في البَر يأخذهم، وربما كنت محظوظاً بذلك، أنا والأخ غازي القصيبي وبعض الإخوان الذين كانوا يأتون معنا، لقد كان يرعانا رعاية خاصة، ويفرح بنا إذا خرجنا معه في رحلات الصيد وغيرها، وكذلك الدكتور عبدالعزيز الخويطر، والدكتور سليمان السليم، فتلاحظ أن حياته معنا حياة طبيعة وبسيطة.

وعلى الرغم من هذا فإنه لا يجامل أي وزير إذا بَلَغَهُ أنه أخطأ، ويكون صريحاً معه ويقول له: "أنت تمثِّلني، وأنت تحمل المسؤولية أمام الله عز وجل"، ولكن جميع الوزراء الذين عملوا معه يذكُرُونه بكل خير؛ لأنه تقي نقي يخشى الله- عز وجل-في كل قراراته.

طرائفه

* من دعاباته: أن رئيس المراسم الملكية السيد أحمد عبدالوهاب كان واقفاً وجاءه رجل من كبار آل الشيخ، وأحضر معه وثيقة مهمة من وثائق الإمام محمد بن عبدالوهاب ومرسَلة من جَدِّهم إلى الملك عبدالعزيز-رحمة الله عليه-يقول فيها: "اللهَ اللهَ أوصيكم بآل بيت رسول الله، إن لهم الفَزَّة [يعني الاحترام]، ولهم.. وأعطوهم.. وحقهم في كذا..."، ففرح الملك بهذه الرسالة، وأعطاها للذي بجانبه، فأَحَبَّ السيد أحمد أن يطَّلع عليها وأن يأخذ صورة عنها إن استطاع، وبما أنه من آل البيت أيضاً، لكنه لم يستطع لأن الملك طلبها بسرعة وقام ذاك الرجل يتكلم (وهنا يظهر تواضع الملك)، فتكلم الرجل حتى قال: "وآل البيت لهم الفَزَّة" فتنحنح السيد أحمد (إح إح)، فقال له الملك ممازحاً: "يا سيد، كلهم إلا أنت".

وهو يتباسط مع الوزراء، ويأخذهم معه في رحلات الصيد، وكنا لا نعرف الصيد، فالقنص فن وهدوء، فنجلس ونتكلم: طير راح.. وطير..، فسبَّبْنا للملك ارتباكاً وضجة، فاقترح ابن عمار-رحمة الله عليه-أن يُعطوناً صقوراً ويعلِّمونا الصيد ونذهب للصيد بعيداً، فأخَذَنَا الأخوياء وذهبنا، وكانوا حزينين لأنهم تركوا الملك ولم يكونوا راغبين في الذهاب معنا، فأخذوا الطيور معهم وبعد نصف ساعة إذا بهم يقولون: "هذا الطير ضاع.. وهذا ضاع..."، وخلال ساعتين كانوا قد أضاعوا الطيور كلها، وقالوا لنا: "ماهذا؟ إنكم لا تصلحون للصيد، لقد هربت الطيور منا وراحت.. يا للمصيبة.. إن قيمة الطير الواحد أربعمئة أو خمسمئة ألف ريال.. كيف نقابل الملك؟"، فقلنا: "واللهِ لا ندري!"، فاقترح الدكتور عبدالعزيز الخويطر-جزاه الله خيراً-اقتراحاً، قال: "ما دامت الطائرة موجودة دعونا نستقلها ونعود إلى الرياض، المهم ألا نقابل الملك ونقول له: أضعنا طيورك"، وهكذا كان؛ ذهبنا إلى المطار، وكتب الدكتور غازي للملك:


أبا بندرٍ لسنا علـى الصيــد نقــدرُ      وفينـــا يمانيٌّ وفينـا خويـطرُ
وفينــــا سليمـــانُ السليـمُ إذا      مــا أقبـــل الطـيرُ ينفــرُ
مضى طيرنا في الجوِّ خلفَ حبـــارة      فراح اليماني من السرور يصـفِّرُ
وقال:


أبشروا بالقـنصِ والقـنصُ جــاءكم      .................................

وأرسل القصيدة إلى الملك واتجهنا إلى الرياض، وفي الليل اتصل الملك بي وهو يقول: "البدو خدعوكم؟ بعد أن ذهبتم جمعوا الصقور وأحضروها وقال لي: صرفنا لك الوزراء!". لقد كان يأنس ويؤنس ويفرح به الناس.

واذا حدث أن هناك نقصاً في التصوير أو أن أحداً لم يقم بالواجب تماماً لا يغضب بل يجعل الأمر يمر بكل أريحية وسلاسة لأنه يعلم أن البشر هم بشر والكمال دائماً لله رب العالمين.

أبويته

* هذا الموقف-تحديداً-أَغْضَبَ الملك؛ لأنه رجل كان ممن يكتم غضبه، وحتى إذا غضب فإنك لا تشعر بالغضبة لأنها أبوية؛ فهي توجيه وتلميح.. من المواقف التي مرت بنا: أن الملك كان يسأل عن كل واحد: ماذا حصل له؟ أين ذهب؟ أين..؟، فبعد المؤتمر الذي عُقد في مكة المكرمة-وكنت حاضراً-أحسستُ بتعب، فسافرتُ إلى (كليفلاند) وأجريتُ عملية في القلب، وبقيتُ هناك فترة ثم عدتُ. وبعد أن انتهت فترة النقاهة عدتُ إلى العمل على الفور، فلما قابلته وجدته منزعجاً، وقال لي: "إذا لم تكن تهمك نفسك فأنت تهمنا نحن، اتقِ الله في نفسك، يا أخي العمل يُؤدَّى.. يمكن أن يؤديه غيرك.. أنت مخطئ في إتعاب نفسك.. هل تريد أن يقول أولادك إننا نتعبك، ولا يدرون أنك غالٍ عندنا، كل واحد فيكم غالٍ..". لقد كان أبوياً أكثر من كونه يعاملنا بوصفه ملكاً، وهذه من طبائع الملك خالد.

بساطته

* من المواقف الظريفة: أن الملك حسيناً-رحمة الله عليه-وصل إلينا في مطار الرياض، وعندما ذهبنا لاستقباله كنتُ أنا الوزير المرافق وأنا وزير الإعلام في ذاك الوقت، وعندما دخلنا لم يكن يوجد أحد غير الملك خالد (كانت عنده رسالة خاصة) والأمير فهد (وكان الأمير عبدالله مسافراً)، وطبعاً كنتُ موجوداً، وعندما خرجتُ لأُدخِل المصورين قال لي المصور سعيد (لست أدري هل هو موجود الآن): "يا دكتور، أنا في وضع حرج جداً"، فقلت: "خير يا بني؟"، قال: "والله لا أستطيع.. بطني تؤلمني جداً.. ولا أستطيع أن أدخل لأُصوِّر"، قلتُ: "يا بني.. هذا موقف محرج.. الملك حسين.."، فقال: "لا.. لقد أعطيت العامل المسؤول عن حمل الإضاءة عند التصوير: أعطيته (الكاميرا) وعلَّمته كيف يصوِّر؛ يضع الإضاءة على كتفه ويصوِّر"، ولم يكن أمامنا إلا أن نَقْبَل فقلت: "دعه يدخل" فدخل، ولم يكن هذا المسكين قد صوَّر فقد كان دائماً يحمل الإضاءة، فبدأ بالتصوير وأخذ لقطة للملك حسين ثم اتجه إلى الملك خالد ثم إلى الأمير فهد ثم ركز عليَّ أنا، وفي المرة الثانية صوَّرهم وعاد إلى التركيز عليَّ، وإذا بالملك حسين (وكان رجلاً حصيفاً) ينظر إليَّ وإلى المصور، فقال له الملك خالد مازحاً: "يا جلالة الملك لا تستغرب، إن نظام الإعلام عندنا هنا أن يصوروا وزير الإعلام أولاً، ثم يصورونا نحن!"، فقال المصور: " يا طويل العمر.. والله ما أقصد..."، وعندما خرجتُ قلتُ له: "يا فضولي.. أنت الآن أحرجتني"، فقال لي: "يا عمي، أنا لم أصوِّر ملوكاً في حياتي، فقلتُ في نفسي: أركز على عمي لن يغضب مني، لكن إذا ركزتُ على الملك وغضب مني ماذا أفعل؟!!".

دعم القضية الفلسطينية

* سرَّني كثيراً أنه كان دائماً يقول للإخوة الفلسطينيين إن الحصول على أسلحة وتجميعها ليس هو الوسيلة إلى إرجاع فلسطين، بل الوسيلة هي تربية أولادكم على تقوى الله-عز وجل-وعلى الجهاد في سبيل الله؛ وأنه جهاد في سبيل الله وليس من أجل الأرض (لا تخلطوا بين هذا وذاك)، وإنما اجعلوا جهادكم في سبيل الله والله سيردُّ لكم أرضكم وكل ما فقدتموه. وقد أشاع في المملكة وبين الناس أن من الواجب دعمهم، وحَرِصَ على تشكيل لجان (منها لجان برئاسة الأمير سلمان بن عبدالعزيز) ومجموعة مهمتها أن يجمعوا الدعم لهم، ويتأكد من المبالغ التي تُرسَل إليهم، ثم شَكَّلَ لجنة برئاسة الأمير نايف بن عبدالعزيز. وكان الجميع يتلقون توجيهاته بأن الإخوة الفلسطينيين يحتاجون إلى الدعم المعنوي وليس إلى الدعم المادي فقط، والدعم المعنوي أن يستشعروا مسؤوليتهم أمام الله- عز وجل- وألا تَدِبَّ بينهم الخلافات لأن العدو سيشمت بهم. وأعجبني كلام قاله لهم: "إن العدو سيخترق صفوفكم، وسيبقى معكم وبينكم رجال هم إلى العدو أقرب مما هم إليكم.. اجمعوا الكلمة.. كونوا جميعاً". فتجد أن هذا الرجل كان صادقاً معهم، وهم يستقبلون النصيحة بروح عالية، فهو رجل فيه أُبوَّة فلا يرفضون نصيحته.

صراحته

* اجتمع الملك مرةً بمندوب أمريكي جاء من قِبَل الرئيس الأمريكي ليتباحث معه في قضية فلسطين وحرصهم على كذا وكذا، وكنتُ حاضراً، فقال له الملك: "انتبه، سأقول لكم شيئاً واحداً: لا تظنوا أننا أعراب غافلون لا ندري عن موقفكم من فلسطين، نحن نعرف أنكم تحبون إسرائيل وأن إسرائيل جزء منكم.. ولا أحد يخفى عليه هذا، ولا أحد يلومكم فهذا خياركم، ولكني أريد أن أقول لكم قولاً صحيحاً: هؤلاء الفلسطينيون يستحقون الدعم والمساعدة لأنهم ظُلِموا، ونحن نؤمن في ديننا بأن الظلم عواقبه وخيمة، وأقول لكم شيئاً: قل لرئيسك: واللهِ إن لم تنصفوهم فلربما في يوم الأيام سيكون هؤلاء الإسرائيليون ضدكم وليسوا معكم، فإذا دعمتم إسرائيل لا تظلموا الفلسطينيين.. لقد سحقتموهم.. أخذتم أراضيهم.. وأخذتم حقوقهم.."، لقد كان صريحاً معهم بأن المسألة لا تكون بهذا الشكل. أيضاً عندما تم توقيع اتفاقية الرئيس أنور السادات مع إسرائيل (وكنا في الحج في أيامها) كان الملك خالد في غاية الغضب، ولم يقبل أن يستقبل أحداً، لا الرئيس السادات ولا الرئيس محمد حسني مبارك (وكان نائب الرئيس)، رفض ذلك ووقع المسؤولون عن المراسم في حرج، ولولا توسُّط الأمير فهد-رحمة الله عليه-وسمو الأمير سلطان وحكمتهما في أن يقرِّبوا.. وإلا فقد قال: "لا أضع يدي في يد رجل وضع يده في يد إسرائيل". إنه رجل ذو قيم، وذو مبادئ، علمته البادية الصدق، علمته الإخلاص، علَّمَتْه حياته النقاء، فقد تربى في بيئة مبنية على المروءات والصدق والإخلاص، وكان لكل هذا أثره في شخصية الملك خالد.

حادثة الحرم

* حادثة الحرم تحديداً عندما بَلَغَتْ الملك خالداً كان في غاية الألم، ولأول مرة أشاهد الدموع في عينيه وهو يقول: "أ وَتجرَّؤوا على بيت الله؟! بيت الله؟! بيت الله؟! واللهِ لن تنام لي عين حتى نطهِّر بيت الله عز وجل"، وكان متأثراً جداً. ثم اجتمع بكبار الأسرة عامةً، وبرجال القوات المسلحة والأمن وعلى رأسهم في ذلك الوقت الأمير سلطان، وقد كان الأمير فهد خارج المملكة حينها. وركز على قوله: "في عملكم هذا احرصوا على ألا يصيب البيت شيء؛ لأن هؤلاء لا يهمهم ما يحدث للبيت، أما نحن فيهمنا أن يبقى هذا البيت العتيق مصاناً". وعندما اشتدت الأمور وبلغت ذروتها كان الملك خالد ليلاً ونهاراً يتابع بدقة كل حركة تتم في هذه القضية، فلما أراد الله وانتهت الفتنة توسَّطَ رجال كثيرون في أمر هؤلاء على أنهم جماعة اجتهدوا وأخطؤوا وعملوا باجتهادهم.. ولا يستحقون القتل والإعدام..، فلما ذهبوا إليه في هذا الأمر قال: "واللهِ، واللهِ إن لم تقتلوهم لأقتلنَّهم بيدي هذه، هذا بيت الله، والذي يدنس بيت الله واللهِ ليس له إلا هذا السيف.. وكفى كلاماً".

شجاعته وبُعد نظره

* عندما حصلت معارك (مثل معركة السِّبَلة) كان والده الملك عبدالعزيز-رحمة الله عليه-لا يريده أن يشارك لأنه كان صغيراً حينئذٍ، وأصرَّ وركب الفرس وذهب للقتال، ورآه الملك عبدالعزيز وهو متجه إلى موضع المعركة فرفع يده يدعو له بأن يحفظه الله. لقد كانت الشجاعة من صفاته الأساسية. وفي حادثة الحرم لا شك في أنه أحاط نفسه بالأمراء أو كان على اتصال بهم: الأمير فهد وكان ولياً للعهد وكان خارج المملكة لكنه على اتصال دائم به، والأمير عبدالله، والأمير سلطان، والأمير نايف (وقد تحمَّلتْ وزارة الداخلية مسؤولية عظيمة في تلك الفترة)، وأمير منطقة مكة المكرمة في ذاك الوقت الأمير فواز.. فالملك خالد يتصل بهم جميعاً ليلاً نهاراً إلى أن تم جلاء الفتنة. وعلى الرغم من رفضه أن يتوسَّطَ أحد في تخفيف العقوبة على هؤلاء؛ إلا أنه بعد أن اجتمع بالعلماء أعجبني جداً قوله، فقد قال لهم: "يا جماعة، سأقول لكم شيئاً مهماً: هؤلاء الشباب غُرِّر بهم، واللهُ وحده يعلم إن كانوا وحدهم أو وراءهم آلاف، انتبهوا إلى أولادنا، ولا تَدَعوا إخوانكم في المساجد يُطلقوا كلمة الجهاد دون أن يحددوها، اتقوا الله وقولوا لأولادنا معنى الجهاد؛ ليس الجهاد تخريباً"، تكلم بهذا وتكلم العلماء وتحاوروا جميعاً في هذا المفهوم، وقال لهم: "خذوا من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-كيف كان، لم يعتدِ على أحد..." وأخذ يروي أحداث مهمة من السيرة النبوية، قال لهم: "انظروا إليه عندما كان يذهب للجهاد يوصي أصحابه: لا تقلعوا شجراً، ولا تقتلوا طفلاً، ولا تعتدوا على عجوز.."، وإذا بالمشائخ ينظرون إلى رجل يتكلم عن علم، ولكن من قلب مخلص، فهذه كانت من أهم معالجاته لهذه القضية.

رفضه للتدخل الأجنبي

* خلال حادثة الحرم اتصل عدد من الأصدقاء من رؤساء الدول والملوك وقالوا: "يا جلالة الملك، نحن يهمنا أن نَحضُرَ إليكم.."، فقال: "لا، لا داعي، جزاكم الله خيراً، ابقوا في أماكنكم ونحن-إن شاء الله-سننهي هذه الفتنة، وإن شاء الله ربنا سيعيننا عليها، فإذا انتهينا منها يكون لكل حادث حديث"، ولم يَقْبَل أن يتدخل أحد في هذه القضية، وحَرِصَ على متابعتها إلى النهاية، جزاه الله خيراً.

وفاة الملك فيصل

* لقد كان الملك خالد على مقربة من الملك فيصل، وعلى الرغم من أن الملك فيصلاً كان يحب كل إخوانه إلا أنه يحب الملك خالداً بصورة خاصة؛ لأنه يشعر بنقائه وتقواه وصدقه. ولذلك عندما توفي الملك فيصل كان في غاية الغضب، وقليل من الناس مَن يعرف أنه جاء إلى الديوان وهو حاملٌ سلاحه، فقد ظن أنه يوجد هجوم على الديوان، فدخل وكان يوجد شاب من الشباب الموجودين في الديوان (وهو حي الآن، هو الأخ سعود دهلوي) رأى الملك خالداً في السيارة، وقد قال لي هذا الشاب فيما بعد: رأيته بكامل سلاحه وسألني: "أين هو؟" فقلت: "والله-يا طويل العمر-نقلوه إلى المستشفى"، فذهب إلى هناك. وكان يتكلم بعقل ومسؤولية ويقول: "سلامة فيصل أهم شيء، سلامة فيصل أهم شيء"؛ لأن بعض الأطباء ظنوا أن الملك فيصلاً قد ينجو من آثار هذه الضربة، إلا أنها كانت ضربات ولم تكن ضربة واحدة. ولما بلغوا مرحلة إجراء العملية لا يمكن أن تتصور أن هذا الرجل القوي جلس على الكرسي وظل يبكي ويتألم ويدعو للملك فيصل رحمة الله عليه، ولكنه ما إن تَسَلَّمَ الأمانة حتى تحوَّل إلى رجل يحمل المسؤولية، رجل فيه شجاعة، فيه صرامة، رجل يُحسن اختيار الرجال ويعهد إليهم بالمسؤوليات، يتراحم، يألف الناس ويألفونه، يحترم الحوار، وكما ذكرتُ: يحترم العلماء..، وهذه الميزات هيأت له في المراحل الأولى قاعدة جعلت الناس يحترمونه؛ لأنه لا يقف ببابه طالب حاجة ويرجع خائباً إذا استطاع أن يساعده، أو إذا استطاع-على الأقل-أن يُنصفه.

عطفه وأبويته

* ذكر لي بعض الإخوة أنه عندما صدر قرار وَضْع حافلات للنقل تم إيقاف جميع الحافلات الصغيرة المنهكة القديمة عن العمل، فلما خرج الملك في الصباح وجد ازدحاماً أمام باب بيته، فقال: "ما هذا؟"، فقالوا: "هؤلاء أصحاب الحافلات"، فقال: "أي حافلات؟"، قالوا: "لقد تم إيقاف الحافلات الصغيرة عن العمل"، فقال: "أرسلوا إلي واحداً منهم"، قالوا: "لن نستطيع إحضار واحد، جميعهم واقفون في الخارج"، فقال: "أدخلوهم". ولما دخلوا قالوا: "ماهذا يا طويل العمر؟ هذه سياراتنا..."، قال: "لماذا أوقفوها؟"، قالوا: "يقولون إنها قديمة وتتعطل"، قال: "حسناً، أنا أصلحها لكم، وما كان منها قديماً جداً ومعطلاً سأشتري لصاحبها بدلاً منها، اذهبوا.. لا أحد يمنعكم.. اعملوا.. المهم أن تكون السيارات صالحة"، ودفع المال من عنده وجَبَرَ خاطرهم؛ إنك لتشعر أنه مفعم بالوفاء والأبوة، رحمة الله عليه.

تقواه، ومرحه

* الملك خالد-في مجمل شخصيته-إنسان تُشَكِّل تقوى الله هاجسه الأساسي، صلته بالقرآن دائمة، فكان يحب قراءة القرآن، ويجب أن يذكر الله-عز وجل-دائماً في مجالسه الخاصة. وكان يهوى الجلسات البسيطة في البَر في رحلات الصيد، وكذلك في البيت. ومن الجلسات التي كنا نجلس معه فيها: جلسات في بيت جميل له في الهَدَا، والعادة أنه في الليل لا يأتي أحد، فبعد العشاء يذهب الجميع، فنذهب عندئذ إلى بيت الهَدَا ونجلس هناك لفترة قصيرة. وفي إحدى هذه الجلسات كان معنا شريف اسمه الشريف هزاع، والشيخ ناصر الشثري، والمستشار (أحد الإخوة من الحوبان)، وفوجئنا أن هذا الشريف قام وأَسَرَّ للملك بكلمات وإذا بالملك يضحك طويلاً.. فلم نفهم نحن ما الأمر (وكنا أربعة أشخاص)، فذهب إليه وقلت له: "يا طويل العمر، هل من شيء؟!"، فقال: "لا، لو تعلم ماذا يقول لي الشريف"، قلت: "وماذا قال؟"، قال: "يتكلم عنك أنت يا محمد عبده"، فقلت:"ما الأمر؟"، قال: "يقول لي: لقد ذهب الناس الآن ولا يوجد أحد، ولا من أمر مهم، ونحن على هذه الشرفة، والهواء عليل، وأنا عندي عود في السيارة أعطه لمحمد عبده ودعه يغنِّ لنا..، فقلت له: يا مجنون هذا ليس محمد عبده المغني، هذا أستاذ جيولوجيا لا يعرف أن يغني"، وضحك وضحكنا نحن. لقد كان يتباسط مع الجميع ويستقبل الأمور بروح عالية.

إنشاء رابطة العالم الإسلامي

* تم إنشاؤها في عهد الملك فيصل، ثم كانت هي السبب في جمع إفريقية حولنا، ومن ذكاء الملك فيصل أنه سافر وزار الدول الإفريقية وربطهم بالرابطة معنا، في وقتٍ كان فيه عبدالناصر يدعو إلى الاشتراكية، رحمة الله عليهم جميعاً. وكانت الشيوعية حينئذٍ قد بدأت تنتشر في العالم العربي، وللأسف كانت هذه العملية غزواً كبيراً إلى درجة أنك إذا دخلتَ المساجد نادراً ما تجد شباباً يصلُّون فيها. فأراد الملك فيصل-رحمة الله عليه-اتجاهاً عكسياً، فذهب وجمع الأفارقة وأنشأ الرابطة، وكان معه الملك خالد بالطبع بوصفه ولياً للعهد، وقد قاد الملك فيصل هذه المعركة بنجاح، وجمع مجموعة من العلماء حوله. وفي كل زيارات الملك فيصل كان يربط من يلتقيهم بالإسلام، ويبث فيهم الشعور بأن المَخْرَج هو الإسلام، ومَن عنده مشكلة كان يحلها له، على الرغم من أن المملكة لم تكن في أوج دخلها وثرائها، لكنه لم يكن يبخل عليهم. فرابطة العالم الإسلامي ذات تاريخ مهم، وأتمنى من القائمين على الرابطة أن ينشروا حقيقة ما جرى ومتى تكونت الرابطة (وأول أمين عام لها الشيخ محمد سعود الصبار رحمة الله عليه)، وكيف تولى الأمناء، وكيف استخدم الملك فيصل هذه الرابطة لربط العالم الإسلامي ببعضه وبالمملكة، وجعل المملكة رمزاً ومركزاً لهذه العملية، قاوم به الميول الشيوعية والاشتراكية التي كانت موجودة، فمن إنجازات الملك فيصل-رحمة الله عليه-وميزاته إنشاء رابطة العالم الإسلامي.

اهتمامه بالأقليات الإسلامية

* من الجوانب التي لم تُغَطَّ بشكلٍ كافٍ من حياة الملك خالد اهتمامه بالأقليات، فكان عندما يأتي للحج يطلب رؤساء الدول الحاضرين للحج أو مندوبيهم، ويسألهم عن التعليم عندهم، وعن المشكلات التي عندهم، ويطلب توفير مبالغ خاصة لسد هذا العجز. وكان يجمع السفراء، ورأيته مرةً غاضباً يقول: "بعض سفرائنا-هداهم الله-يذهب إلى تلك البلدان.. فهذا يأتيني ويقول لي: أنا قنصت.. وذاك يقول لي: أنا رأيت.. وآخر...، يا أخي أريد منك أخبار المسلمين في تلك المناطق، المسلمون في البلاد يحتاجون إلى دعمنا، ودولهم إذا عَرَفَتْ أننا مهتمون بهم ستهتم بهم". وأيضاً كان يعطف على الإخوة الذين هاجروا من الاتحاد السوفييتي واستوطنوا مكة المكرمة بصورة خاصة من الإخوة البخاريين والتركمانستانيين، والذين أقاموا في الطائف، وكان دائماً يكرمهم ويدعوهم لمقابلته. لقد كان موضوع الأقليات هاجساً عنده، ولكن-بكل أسف-لم يكن لدى الأقليات الإسلامية مفتاح للعمل؛ بمعنى أنهم مشتتون، فَمِمَّا يُعاب عليهم عدم جمع كلمتهم في الدولة نفسها، فتجد أقلية لكل مذهب: هذا يريد اتباع المذهب الحنبلي، وهذا يريد المالكي.. ولا مانع فالمذاهب كلها تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اجمعوا كلمتكم لتكون كلمة واحدة، فتجد نصائح الملك خالد-رحمة الله عليه-تنصبُّ على قوله: "يا إخوان، كونوا معاً ولا تتفرقوا"، وقد قال لوزير التعليم الشيخ حسن عشة-رحمه الله-:" أعطوا فرصة لهؤلاء الشباب بالدرجة الأولى.. أعطوا فرصة للشباب من الأقليات المسلمة أن يدرسوا في المملكة"، وعندما أُنشئت جامعة المدينة المنورة كانت تسعى إلى هذا الهدف، وقد قال: "أعطوهم الفرصة حتى في الطب، حتى في الهندسة، دعوهم يتعلموا ويعودوا إلى بلادهم". وهذه من الميزات التي تميز بها عهد الملك خالد: عطفه على الأقليات المسلمة إلى درجة كبيرة. كما شمل عطفه جماعةً أُخرجوا من بلادهم وقست عليهم الظروف وقسا عليهم البوذيون، وهم: البرماويون، فقد عانوا معاناة شديدة، وقد أمر الملك خالد بإبقائهم في مكة المكرمة، وبإعطائهم المساعدات، والآن-الحمد لله-بدأت أوضاعهم تتحسن، وكان هؤلاء ممن أنصفهم الملك خالد وعطف عليهم.

بيانات مجلس الوزراء

* كان لي الفخر أني أول مَن وَضَعَ رؤساء التحرير برفقة الملك عند سفره إلى الخارج. ولم تكن بيانات مجلس الوزراء تُذاع، وأول مجلس أُذيعت بياناته كان في عهد الملك خالد؛ وذلك عندما رَأَسَ هو-رحمة الله عليه-المجلس، وكانت تلك هي الجلسة الأولى، وكنا قد أقسمنا اليمين قبل أن ندخل، وبعد أن ناقش الأمور المطروحة وانتهت الجلسة خرج الجميع (وكانت مدة الجلسة ساعتين تقريباً)، وأما أنا فلم أخرج، فسألني مدير عام الأمانة: "يا دكتور، لماذا لم تذهب"، قلت: "أنا انتظر أن يهيِّئُوا المحضر"، فقال: "يا دكتور لا يوجد محضر الآن، المحضر يُرسَل إلى الملك فيما بعد"، فخرجتُ ووجدتُ الصحفيين-هداهم الله-فسألوني عما دار في المجلس، وهنا تجلت مشكلتي بوصفي وزير الإعلام ومدير جامعة وأستاذاً في الجامعة: آثرتُ أن أقول كل شيء، ولا أقوله إلا بدقة، ولم أستطع أن أقول غير الصدق، فذكرتُ كل الذي دار في المجلس، وطبعاً بوصفي وزير إعلام فهذا لا يجوز، وقد تعلَّمْنَا فيما بعد أن نكذب وأن ننفي وأن...، لكن في البداية لم يكن هذا موجوداً. وعندما ذهبتُ إلى البيت وإذا بالأمور قد تأزَّمَتْ: اتصل بي المسؤولون عن الأمانة العامة وقالوا: "يا دكتور.. هذا لا يجوز.. أخبار مجلس الوزراء في الإذاعة!"، فقلت: "أما في الإذاعة فقد أُذيعت، وأما في التليفزيون ففي الليل إن شاء الله"، قالوا: "يا دكتور هذا لا يجوز، من حيث المبدأ: أخبار المجلس يجب أن تُسَجَّل ثم تُعرَض على جلالة الملك"، فقلت: "يا جماعة، لقد كان الملك موجوداً وهو الذي أقرَّ هذه الأمور"، قالوا: "هذا خطأ لا يجوز". وبالطبع أدركني نوع من الرهبة؛ لأني تصرفتُ من تلقاء نفسي وأنا مدير جامعة، وتهيبتُ من الموقف، لكني قلتُ في نفسي: إن الأمر قد حدث وانتهى. وفي اليوم التالي عندما ذهبتُ إلى الملك فوجئتُ بأنه استقبلني بترحاب وشكرني على إذاعة بيانات مجلس الوزراء وأيَّدني، وجعلها عادة في كل جلسة، وإلى اليوم جميع الملوك والرؤساء الذين جاؤوا بعده وجميع وزراء الإعلام يذيعون أخبار مجلس الوزراء، وقليل هم الذين يعرفون أن هذا الإجراء بدأ في عهد الملك خالد وهو الذي أيَّد هذا. وكذلك أيَّدَنَا في اصطحاب رؤساء تحرير الصحف معه إلى خارج المملكة، وقال: "أحضروهم.. مرحباً بهم".

تواضعه

* هو رجل متواضع، يحترم كل مَن يعمل معه وزيراً كان أو خفيراً. كنا معه مرةً على السحور، وبعد أن انتهينا قام ليمشي ومشينا معه وإذا به فجأةً-وهو يمشي في القصر-يرى جندياً واقفاً عند الباب، وقد بقيت ساعة أو نحوها حتى أذان الفجر، وفوجئنا بأنه ترك الناس الذين معه كلهم وذهب إلى الجندي وقال له: "يا ولدي هل تسحرت؟"، قال: "لا والله يا طويل العمر، ما تسحرت، فأنا لا أستطيع أن أترك هذا المكان ما لم يأتِ زميلي"، فهو في منطقة حراسة، فقال له: "لا عليك.. الله يحرسني، اذهب وقل لهم: بأمر الملك، اذهب وتسحر" وجعله يذهب. لقد كان يهمه أبسط الناس، فلم يكن عطفه على أمير أو وزير فحسب.. بل شمل عطفه الجميع، وكان شعوره أنه هو أبو الجميع رحمة الله عليه.

الصحوة الإسلامية

* لقد كان يشعر بأن الصحوة الإسلامية هي صحوة إعلامية أكثر من كونها صحوة تقوية؛ ولذلك كان الناس يتكلمون عن الصحوة كلاماً عاماً وإعلامياً، ولكن في الحقيقة لا توجد ممارسة؛ لأن الصحوة الإسلامية يجب أن تبدأ من التعليم، ومالم يصلح التعليم في العالم الإسلامي فلن توجد صحوة؛ لأن الصحوة-في النهاية-هي أن تُخرِج يداً قوية تُسهم في البناء والتنمية وتُسهم في الحضارة العالمية، ويكون لها دور. وما دام التعليم ضعيفاً ومرتجلاً فلن نحقق إنجازاً ذا قيمة. والتعليم في العالم الإسلامي ضعيف إلى درجة مخجلة، إلى درجة أن إسهاماتنا في البحوث شيء نخشى أن نتحدث به!. فكان كل حديث عن الصحوة حديثاً إعلامياً أكثر مما هو عملي وفعلي، ومن هذه النقطة كان الضعف: أن الصحوة الإسلامية لم تكن في الاتجاه الصحيح؛ لأن انطلاقتها يجب أن تبدأ من التعليم، فإذا أردتَ الصحوة الإسلامية عليك أن تصلح التعليم قبل أي شيء. وإذا أردتَ للصحوة أن تتطور فعليك أن تعطي مساحة من الحرية، ويجب أن تعطي الناس فرصة أن يقولوا رأيهم؛ وأن تجعل الناس يعتادون احترام الحرية، فالحرية ليست أن تعتدي على الآخر، ولكن الحرية أن تتعلم أنك تستطيع أن تعبِّر دون أن يقسو عليك أحد، دون أن يدهمك أحد، وهذه أيضاً ناحية مهمة وأساسية. الصحوة الإسلامية أن يوجد ارتباط بين أجزاء العالم الإسلامي، ولكن هذا الارتباط ضعيف في الواقع، إلى درجة أن بضائع تذهب من الجزائر ومن المغرب الآن إلى باريس وتُغلَّف فيها وتُرسَل إلينا، تُشترى بثمن بخس من الجزائر وتُباع لنا! أين التعاون الاقتصادي؟ أين التعاون الاجتماعي؟ أين التعاون الثقافي؟! إن كتباً تصدر عندنا لا يقرؤها من هو في المغرب العربي، وكتب تصدر في المغرب العربي لا يقرؤها مَن هو عندنا.. وعلماء يأتون في الحج لا نعرف مَن هم ولا ما هي إسهاماتهم.. على الرغم من أن هذا واجبنا. هذه نقطة من النقاط التي كان الملك خالد-رحمة الله عليه-يركز عليها، وكان يقول: "يا جماعة، يأتي علماء للحج (غير هؤلاء الرؤساء الذين يأتون للسلام عليَّ) خذوا هؤلاء العلماء في الجامعات، احتضنوهم، تابعوا شؤونهم، اسألوا عنهم".

التعبير في الحوار

* لديه أدب في التخاطب، ولكن لديه أيضاً جرأة في التعبير، وكان يختلف مع بعض رؤساء الدول في الرأي ويعبِّر عن رأيه بكل صراحة وجرأة، فمثلاً اختلف مع الرئيس القذافي في الكتاب الذي أصدره وفيه أنه يختصر بعض أجزاء من القرآن الكريم! لكنه لما جلس معه قال له: "إن هذا أمر خطير يا أخ معمر، القرآن لا أحد يقترب من خط قدسيته وعصمته وحرمته، إنه كتاب الله"، فقال: "إنما قصدت أن أجتهد فيه"، فقال له: "هذا ليس فيه اجتهاد، الله حفظه من فوق سبع سماوات"، فكان صريحاً معه. والقذافي يحترم الملك خالداً جداً، فعندما ذهبنا إليه هناك في ليبيا وكنا جالسين على مائدة الغداء (وكان الأخ غازي حاضراً وغيره من الإخوة) وإذا بنائب الرئيس القذافي يدور علينا بالماء، وطبعاً كان من الممكن أن يقوم خادم أو طباخ أو (سفرجي) بهذا ولكن أبى إلا أن يُحضر لنا الماء والعصيرات بنفسه، فقال الملك: "يا أخ معمر، لماذا لا يجلس هذا الأخ معنا؟!"، فقال: "والله تهمه خدمتكم"، فقال ذلك النائب: "يا طويل العمر، هذا يسعدنا، إننا نعرف كم يحتركم الرئيس القذافي"، فقال له ممازحاً: "ولكن بخدمتك لنا تطبِّق القول بأن خادم القوم سيدهم"، فقال: "أتريدون أن نضيع المروءات مع كل جانب؟". فالرئيس القذافي كان يشعر أن الملك خالداً إنما يتكلم معه بأبوَّة وبصدق وبإخلاص.

وفي كثير من الأحيان صارح رؤساء دول بأن المظالم عندكم خطيرة وأنه كذا وأنه كذا..، وهذه من الميزات التي طرح الله-عز وجل-له البركة فيها: أن يعبِّر بصدق عن الأمور ولا يخشى إلا الله في التعبير عن رأيه.

توكله على الله عز وجل

* أُصيب مرةً في فخذه، وحاول الأطباء أن يعالجوه، ثم جاءه رجل من البادية وقال له: "أيها الملك خالد، إن علاجك عندنا"، فقال: "وما علاجي؟"، قال: "أن نكويك كَيَّتَين"، فقال طبيبه الدكتور فضل الرحمن: "يا جلالة الملك، لقد أُجْرِيَتْ لك عملية في القلب.. ولا يمكن هذا"، قال: "لا، أحضروه"، قال: "هذا لا يمكن..."، قال: "أقول: توكلنا على الله، ولا يحدث إلا ما كتبه الله". وقد وقف وأمسك الباب وظل الرجل يكويه دون أن يرتجف، ولم يتردد في هذا، ولم يكن منه إلا أن قال: "توكلنا على الله ومضينا".

ضيافته

* الملك خالد رجل مضياف، حتى إنه عندما ذهب للعلاج في الخارج كان معه بعض الإخوة ومنهم وزراء مثل محمد عمر توفيق ومجموعة من الإخوة، وقد كان رئيس المراسم أحمد عبدالوهاب موجوداً هناك أيضاً، وقد كان محمد عمر توفيق ممن يتكلم مع الملك بأريحية وانطلاق، فقال له مداعباً: "يا طويل العمر، منذ أن أتينا إلى هنا معك ونحن ولا نأكل إلا جريشاً وكبسةً.. وجريشاً.. لقد تعبنا من هذا الطعام.."، فقال: "فماذا تريد إذاً يا عمر؟"، قال: "نريد ملوخية.. نريد بامية.. نريد مرقاً.. نريد إداماً.. نريد.."، فطلب الملك السيد أحمد وقال له: "يا سيد، الإخوان يشتكون من كذا وكذا"، فقال السيد: "ومن أين يمكن لي أن أُحضر هذا، نحن الآن في وسط جنيف، من أين آتي بطباخ يطبخ ملوخية ويطبخ بامية؟!". وقد كان هناك قائم بالأعمال (أو قنصل) وهو من أهل مكة وزوجته معه، فقالت لزوجها:"أَحْضِر المواد وأنا أطبخ لهم"، وأُحضرت المواد وطُبخت، وأكلوا من ذاك الطبخ وسَعِدوا به (وبقينا طيلة الشهر سعيدين بذلك الطعام)، وعندما انتهوا من الطعام قال لهم الملك خالد: "هاه؟ هل ارتحتم الآن؟"، قالوا: "نعم والله"، فقال-وهو لا يعرف مَن الذي طبخ-:"أقول يا سيد أحمد، إذا حان موعد سفرنا من هنا خذوا الطباخ الذي طبخ الطعام معنا في الطيارة"، فقال: "يا طويل العمر، التي طبخت هي زوجة القنصل.. كيف نأخذها؟!" وكان موقفاً طريفاً... كان رجلاً يحب أن يكرم الناس، وفي الوقت نفسه يستقبل الأمور بروح مرحة رحمة الله عليه، اللهم تغمده برحمتك.

وعندما نشرت تلك التصريحات استغرب كثير من الوزراء عن نشر تلك الحقائق في الصحف والإذاعة، وأحمد الله أن الملك خالد كان أول المهنئين لي بهذا العمل، ومن ذلك الحين وما يدور في مجلس الوزراء يصدر مباشرة بعد الاجتماع عن طريق وزير الإعلام.

مشاركته في المعارك

* لقد شارك في معارك عندما كان شاباً، فهو من الناس الذين يهوون ويُحسنون الرماية وركوب الخيل، وقد شارك في معركتين: الرغامة والسِّبَلة، وكانت شجاعته تُعجب الملك عبدالعزيز، ولكنه يشفق عليه لأنه شاب صغير، لكنه كان يصر على المشاركة في القتال، فيرفع الملك عبدالعزيز يديه ويدعو له: "اللهم احفظه"، لقد كان منطلقاً وهذه من ميزاته، فقد تميز-رحمة الله عليه-بصفات منها الشجاعة: الشجاعة في المعارك، وأهم منها الشجاعة في التعبير، فلم يكن يتردد في أن يقول رأيه، وبالإضافة إلى المعارك التي اشترك فيها أثبت شجاعته وبروزه في هذا الجانب، وحفظ له التاريخ هذا.

برنامجه

* كان لديه برنامج عجيب: في الصباح يصحو رحمة الله عليه، ثم يتناول إفطاره، وبعد الإفطار(في الساعة التاسعة.. أو التاسعة والربع تقريباً) يذهب إلى الديوان، ودائماً يصاحبه الأمير سلطان والدكتور رشاد والسيد أحمد عبدالوهاب ويذهبون معه إلى الديوان، ويبقى في الديوان إلى أن يعود في الساعة الواحدة تقريباً، وفي بعض الأحيان يرجع إلى الديوان مرة أخرى، وأحياناً يستغل أوقات المساء ليقابل كثيراً من الناس ممن عندهم شكاوى- وبخاصة إذا كانوا نساءً- أو مَن عنده شكاوى في القضاء وغيره. وهو يزور إخوانه دائماً. لقد تربَّى الملك خالد على أخلاق والده في إطفاء الفتن، والحفاظ على استقرار البلاد، وحرصه على كيان هذه الأمة.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات