البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
موضوعات مرتبطة
 
نشأة الملك خالد وشخصيته
الجوانب الشخصية من حياة ...
الملك خالد (نسبه)
مولد ونشأة الملك خالد:
المزيد ....
الملك خالد صفاته ومناقبه
أبرز صفات الملك خالد:
كرم الملك خالد
الشجاعة والإقدام: (من صفات ...
المزيد ....
القصص والمواقف الجميلة في حياة الملك خالد
الملك خالد يرفض دراستين ...
الملك خالد بن عبدالعزيز، ...
أعجوبة ملكية فريدة؟ (الملك ...
المزيد ....
الجهود الدعوية للملك خالد ومنهجه في الدعوة
الملك خالد بن عبدالعزيز ...
عهد الملك خالد من ...
الأسباب التي دعت الباحث ...
المزيد ....
تولي الملك خالد الحكم وسياسته الداخلية
الدروس والفوائد التي يمكن ...
اختيار الملك فيصل بن ...
الأعمال التي قام بها ...
المزيد ....
دور الملك خالد في دعم التضامن العربي والإسلامي
آخر نداء عربي وإسلامي ...
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
خطط التنمية ومجالاتها في عهد الملك خالد
شهد عهد الملك خالد ...
دراسة عهد الملك خالد ...
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
المزيد ....
وفاة الملك خالد ومراثيه
وفاة الملك خالد
لحظاته الأخيرة قبل وفاته: ...
نبأ وفاة الملك خالد ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول العربية والإسلامية
سياسة الملك خالد الخارجية
النواحي السياسية والاقتصادية، (في ...
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
المزيد ....
دعم المملكة للقضية الفلسطينية
دعم القضية الفلسطينية
آخر رسالة وجهها الملك ...
دور الأمير خالد بن ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول الإفريقية
طبيعة السياسة الخارجية للمملكة:
السياسة الخارجية للمملكة العربية ...
دور المملكة في تطوير ...
المزيد ....
سياسة المملكة مع الدول الغربية
رحلات القاهرة ولندن وأمريكا: ...
وضع البيان أسس للسياسة ...
دور المملكة بين دول ...
المزيد ....
 
 
المسار

الصورة المرفقةاستماع إلى المادةمشاهدة المادة


 النص بالفصحى

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصّ بلهجة الضيف
مقابلة مع الضيف
الدكتور غازي القصيبي رحمه الله
(وزير الصناعة والكهرباء في عهد الملك خالد)

سمات شخصية الملك خالد استماع إلى الفقرة

* أعتقد عندما نتكلم عن شخصية مثل شخصية الملك خالد – رحمه الله – يجب أن نتكلم عنها بشيءٍ من المنهجية؛ حتى لا يصبح الحديث استطرادًا وسردًا، وما أنوي عمله في وقتي المخصَّص لهذا اللقاء (بطبيعته وقتٌ ضيق) أن أبدأ بالتحدُّث عن شخصيته؛ شخصية الرجل – سواء كان ملكًا أو شخصًا عاديًا – هي المفتاح لكثير من قراراته وكثير من تصرُّفاته؛ إن لم تعرف الرجل لن تعرف القرارات، إذا عرفتَ الرجل سيساعدك هذا على فهم قراراته. بعد ذلك سوف أتحدث عن انعكاس شخصيته على مجال السياسة الدولية، ثم أتحدث عن انعكاس هذه الشخصية في مجال السياسة الداخلية ، وأمور التنمية بشكلٍ عام.

ربما نستطيع خلال هذا الحديث أن نصحِّح بعض المفاهيم عن الملك خالد رحمه الله؛ لأنه – في تصوُّري – لم يحظَ – لسببٍ أو لآخر – ببحوثٍ مفصَّلةٍ أو ببحوث معمَّقة، فقد تنتشر صور ذهنية عنه – في الواقع – لا تتطابق مع ما كان عليه بالفعل.

أنا وجدتُ نفسي – بحكم قدر الله سبحانه وتعالى وقضائه – قريبًا منه فترة امتدَّت إلى قرابة ثمان سنوات ، أو تسع سنوات من قبل أن يتولى العرش بسنتين إلى أن توفي – رحمه الله – بعد تولِّي العرش بقرابة ثماني سنوات، كنتُ قريبًا منه جدًا، قريبًا بمعنى القرب الفعلي يعني كنت أراه في الأسبوع مرتين أو ثلاث مرات في معظم الأمور ، وأقضي معه وقتًا كبيرًا، فأُتيح لي – ربما بحكم هذه المصادفة – ما لم يُتَح لغيري من التعرُّف على شخصيته.

أحيانًا يأخذ الناس البعيدون انطباعًا سريعًا ؛ لأن الانطباعات عن بُعد لا تعطيك الصورة الحقيقية، إنما أنا أُتيح لي بحكم العمل (تجارب العمل؛ الاحتكاك الأسبوعي الدائم) أن أعرف جوانب كثيرة من شخصيته.

يكاد يجمع المحلِّلون ، والذين عرفوا الملك خالد أن شخصيته تتميز بأشياء ثلاثة: أولًا بالبساطة؛ ثانيًا بالتواضع؛ وثالثًا بالصَّراحة، ولكلٍّ من هذه الصفات أبعاد ودلالات.

البساطة والتواضع استماع إلى الفقرة

* نحن نرى في أمورنا العادية عندما يُرَقَّى إنسان ، فيصبح مدير جوازات أو مدير مرور ربما تأتي السلطة تزيل أو تغيِّر من توازنه ، فيصبح غير الشخص الذي عرفتَهُ طيلة حياتك، بالتأكيد في بعض الحالات ، عندما يأتي للإنسان منصب وزاري – خصوصًا عندما لم يكن يتوقعه – تجد أن هذا المنصب أزال توازنه لم يعد الرجل الذي تعرفه، ربما كان زميلك في المدرسة ، أو زميلك فترة طويلة عندما أصبح وزيرًا أصبح شخصًا آخر؛ في حركاته.. في تصرفاته.. في الأشخاص الذين تعوَّد أن يتبعوه.. في أشياء كثيرة جدًا. الملك خالد أنا عرفته وهو ولي عهد ، وعرفتُه بعد أن أصبح ملكًا، أستطيع أن أقول إن هذه من الحالات النادرة – في التاريخ ربما – التي لم يؤثر فيها منصب الـمُلك على شخصيته الأصلية، يكاد يكون هذا الشيء نادرًا بين جميع رؤساء الدول؛ لابد عندما يصبح الرجل الشخص الأول ، بعد أن كان الشخص الثاني؛ مهما كانت أهمية المركز الثاني.. المركز الأول له خصوصية فريدة لا يمكن مقارنتها بأي وضعٍ آخر؛ لابد أن ينعكس هذا على نوع من السلوك: تغيير في الحركات، تغيير في السَّمت، تغيير حتى – في بعض الحالات – في الكلام.. في النطق.. في الحركة، حتى أن بعض الحالات يقف الناس مذهولين: هل هذا الرجل الذي عرفناه قبل أن يصل إلى السلطة؟!.. السلطة قد تكون رئاسة جمهورية ، أو رئاسة دولة إنما المهم هي الجهة الأرفع في الدولة.

أنا لم ألحظ أي نوع من أنواع التغيُّر على الملك خالد – رحمه الله – بعد أن أصبح ملكًا، بالعكس أصبح بنفس الأسلوب، بنفس البساطة، لم يُدخل على أسلوب حياته أي شي من التغيير المرتبط بالـمُلك ، وبجاه الـمُلك وبأُبَّهة الـمُلك؛ ظل هو نفس الرجل ببساطته، بطبيعته الفطرية، بانطلاقه العفوي المعهود، فهذا – بالتأكيد – شيءٌ يُسَجَّل له ؛ لأنه أمرٌ نادر.. نادر بين جميع البشر.

يرتبط بصفة البساطة أنه كان بسيطًا في كل أموره، كان بسيطًا في لباسه، كان بسيطًا في مأكله، كان بسيطًا في مسكنه، كان بسيطًا في تعامُله مع الناس، لم يلجأ إلى ما يلجأ إليه – أحيانًا – رؤساء الدول من وضع حالة مفتَعلة بينك وبين المواطنين الثانيين، أو النظر إليهم من علِ، أو اعتبارهم الآن ينتمون إلى عالَم آخر ، هو عالَم العامة وهو ينتمي إلى عالَم...، بالعكس ظلت الأشياء..، وكثير من الحوارات بينه وبين المواطنين كانت تعكس هذه..، يعني كان اللقاء كان في البداية يوميًا ثم أصبح مرتين في الأسبوع ، الذي يجمعه بين المواطنين وأصحاب الحاجة، كان اللقاء ممتعًا ؛ لأنه يتحدث مع أناس بلغتهم ، ويتحمل أحيانًا – كما يُقال: صاحب الحاجة أرعن – فيردُّ عليهم بمنتهى البساطة ، ويتحدث بمنتهى البساطة، حتى أتذكر مرة كان أحد المراجعين متحمسًا ، فكان يتحدث إليه وهو يسحب المشلح بحركة عصبية، فقال له: يا أخي أنت مشكلتك معاي مهوب مع مشلحي، ما فيه داعي تقطِّع المشلح. فهذي العفوية التي تسمح للمواطن أن يقترب من الملك ، وأن يسحب مشلحه يندر أن تراها ، إلا في شخصية فذَّة مثل شخصية الملك خالد ؛ لأن تعامُله مع الأشخاص الذين لا يتوقع أحد اهتمامًا بهم، وهذي ناحية مهمة، أنا عندما يأتيه زوَّار دائمًا يهتم: ماذا تمَّ بخصوص السائقين؟ ماذا تمَّ بخصوص المرافقين؟ هل جلسوا في المحل.. هل أتاهم أحد بالطعام؟ وهذي – سبحان الله – خصيصة يشترك معاها خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبدالعزيز : يهتم اهتمامًا كبيرًا بالأشخاص الذين لا يهتم بهم أحد، وهذا يمكن جانب مشترك، وفيه جوانب مشتركة كثيرة بين ملوك المملكة بطبيعة الحال ؛ لأنهم نشؤوا في نفس المدرسة وفي نفس البيت وعلى يد نفس المعلِّم.

في التعامُل مع الأطفال – أنا ذكرت هذي القصة عدة مرات ، ولكني أذكرها في سياق.. ليس في سياق الطرفة ، ولكن في سياق كيفية تعامُله مع الأطفال – : ذهبتُ مرة مع ابني سهيل (كان في الثامنة يمكن، وكان هنا في جدة، وكان يوم عيد فطر) وعلى أساس نهنِّيه، وكان في مجلس صغير لم يكن هناك معه جلساء كثيرون؛ يعني أقل من عشرة، وقدمتُ له سهيل، هو بطبيعته لاحظ أن الطفل مرتبك فأهمله قليلًا أو تجاهله ؛ لأن يعرف لو كلَّمه يمكن كان سوف يؤدي إلى إرباكه.. في حضرة ملك، فتركه بضع دقائق، بعدين بدلًا من الأسئلة التقليدية: أنت في أي صف وكم عمرك و..؟ اللي تحرج الأطفال أحيانًا؛ سأله ببساطة: شتبغى تشرب؟ ما أدري ماذا خطر ببال سهيل ، قال: أريد بيبسي. والملك بببساطة قال له.. أنا نظرت له نظرة شزرًا..، .. هو قال: أبغى بيبسي. طلب الملك إنه يُحضَر بيبسي ، تبيَّن أن في القصر جميع أنواع المشروبات الغازية ما عدا البيبسي: تبغى سفن أب؟ - لأ. – تبغى ميرندا؟ - لأ. – تبغى أورانج؟ - لأ. ما يبغى إلا بيبسي. وأنا كل ما أنظر له ما في فايدة، فأخيرًا قال له الملك: إيش رأيك أشرب أنا وأنت شاهي؟ قال: لأ، أبغى بيبسي. الملك نادى السائق ، وقال: شوف الصندقة.. روحوا للصندقة اللي هناك جيب لضيفنا بيبسي. أعتقد راح الصندقة، فوجئت.. سيارة من القصر الملكي تأتي ، وتشتري منه زجاجة بيبسي أو صندوق.. المهم إنه في الأخير جاء البيبسي ، و سهيل سُرّ وشرب البيبسي، عندما شرب البيبسي قال له: خلاص انبسطت؟ بعدين عاد يتحدث معه.

فهذا التعامل مع طفل صغير في وجود مجلس فيه رجال وفيه...، وتحقيق طلب من طلباته.. هو نظر له إنه هذا ضيف، وحتى لو كان طفلًا صغيرًا ، كان ضيفه فكان لابد أن يعطي لضيفه ما أراده الضيف. فهذي اللمحات ، أو اللمسات الإنسانية تعطي فكرة واضحة عن هذه الشخصية التي نستطيع أن نقول إنها فريدة، فريدة بين الملوك وفريدة أيضًا بين الناس العاديين.

الصراحة استماع إلى الفقرة

* مرتبط بهذا كله (بالبساطة وبالتواضع) موضوع الصراحة؛ لأنه هو كان شديد الثقة بالنفس، لم تكن هناك لديه سياسة داخلية وسياسة خارجية، لم يكن لديه موقف منك حقيقي وموقف منك ظاهر، لم يكن لديه موقف من أي موقف: واحد لنفسه وواحد للناس وواحد للرأي العام، فكانت مواقفه من الأمور كلها ، ومن الأشخاص كلها مواقف واحدة.

إذا – لسببٍ من الأسباب – أَحَبَّ إنسانًا فهذا الحب ظاهر في كل تصرفاته، أنا أتكلم عن حب: قد يكون حب زعيم، قد يكون حب صديق، قد يكون..، ولكن بنفس الوقت إذا وجد أن هناك مآخذ على هذا الشخص ، يبدو عدم الرضا على تصرُّفاته واضحًا ، بحيث لا يستطيع أن يجامله، حتى لو كان الشخص رئيس دولة، أحيانًا بعض رؤساء الدول يتَّخذون مواقف هو لا يستسيغها من منطلق إسلامي أو من منطلق عربي، فعندما يكون لقاء بينهما تشعر واضح ، أنه هناك لا يوجد أدنى محاولة لتغيير موقفه الحقيقي.. لم يكن يريد أن يخفي موقفه الحقيقي، وهناك قصص كثيرة (يمكن بعضها عُرف ، وبعضها لم يُعرَف) من حوارات صارحة وصادقة بينه وبين عدد من المسؤولين سواء العرب أو الأجانب، وكانوا يمكن في حالة ذهول من الصراحة المطلقة التي كان يتحدث بها.

اهتمُّوا بالضعفاء استماع إلى الفقرة

* أنا أحب أن أختم هذا الجزء عن شخصية الملك خالد بقصة واقعية: عندما استُشهد الملك فيصل – رحمه الله – وتولى الملك خالد الحُكم ، وتولى سمو خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله – ولاية العهد؛ كان هناك حرصًا على تشكيل مجلس وزراء جديد بعد أن استمرَّ مجلس الوزراء بتشكيلاته فترةً طويلة، وكان هناك حرص أن يكون هذا المجلس في معظمه من الشباب ، ومن المثقَّفين ومن الشباب.. وذيك الأيام – أنت ما تذكر – إنه سُمِّيت الحكومة حكومة الدكاترة؛ كان عدد حاملي الشهادات العليا في مجلس الوزراء ، أكثر من أي مجلس وزراء في العالم، وكان سن أعضاء مجلس الوزراء أصغر من سن أي مجلس وزراء في العالَم، طبعًا ما كان هذا ليتم ، لولا أن هذا كان يتم بموافقة من الملك وبمباركة منه، فالجلسة الأولى لمجلس الوزراء (كان عادةً لا يحضر ، إلا جلسات نادرة ؛ لأنه كان أوكل موضوع رئاسة الجلسات وإدارة الشؤون اليومية لولي عهده الأمير فهد ) إنما هذي باعتبارها الجلسة الأولى حضرها هو، وأنا أذكر – ولا أنسى حتى أموت، ما أظن إني سأنسى – أول كلمة بدأها عندما تحدث إلينا لمجلس الوزراء ، في تشكيلته الجديدة (كان معظمنا من الوزراء الجدد، كان فيه بعض الوزراء من الوزارة السابقة ، لكن الغالبية من الوزراء الجدد) قال: أنا أحب أن أترككم بوصية واحدة: اهتمُّوا بالضعفاء، أما الأقوياء فهم ليسوا بحاجة إليكم ولا إلى اهتمامكم. والله هذي ظلت بمثابة – مثل ما تقول – نبراس لنا، بالفعل كلما يتأمل الإنسان يجد أن الأقوياء يستطيعوا الاهتمام (أقوياء بكل المعاني: ماديًا، اجتماعيًا، معنويًا..) يستطيعون الاهتمام بمصالحهم، ما يحتاجون لوزراء ولا لغير وزراء، الذين يحتاجون إلى خدمات الوزراء ، والدولة عمومًا والحكومة عمومًا ، هو الجانب الأضعف (ضعوف كما يسمِّيهم). كان يرى أن الدولة والمسؤولين يجب أن يكون همُّهم الاهتمام بحالة (الضعوف).. الضعيف اقتصاديًا.. المهمَّش اجتماعيًا؛ ولذلك كان يقف تقريبًا كل يوم عند النساء الواقفات عند باب قصره ، ويأخذ المعاريض منهنّ، وفي كثير من الحالات يقابلهنّ، يقول لك: هذي ما لها أحد إلا الله في السما وبعد الله إذا ما اهتمِّيت فيها أنا مين حيهتم فيها؟. وكان دائمًا يوصينا بهذا.

بعدين أنا أعتبرها هذي الكلمة الجملة الواحدة ، يمكن المفتاح السحري لشخصية هذا الرجل، لم يكن يهتم كثيرًا بالأقوياء، كان همه الضعفاء، الضعفاء هم الذين يحتاجون إلى من يمنحهم العدل، إلى من يمنحهم الأمن، إلى من يمنحهم الاطمئنان، وسوف أعود إلى هذه النقطة ، عندما أتحدث عنه في مجال السياسة الداخلية.

صانع القرار في السياسة الخارجية استماع إلى الفقرة

* أودُّ أن أنتقل الآن إلى المحور الثاني ، وهو دور الملك خالد كصانع قرارات على مجال السياسة الخارجية .

أولًا يمكن هذا قد يكون الموضع المناسب لأُزيل فكرة يمكن مترسِّبة في بعض الأذهان – خصوصًا من الذين لم يعملوا معه ، أو لم يقتربوا منه – وهو أنه كان يملك ولا يحكم.. أنه كان الحُكم كله مفوَّضًا إلى ولي عهده، هذا القول ليس صحيحًا على إطلاقه أبدًا، هو كان بطبيعته وبفطرته يميل إلى التفويض، لا يودّ أن يدخل في التفاصيل اليومية، وهناك أمور فنية يعرف أن تدخُّله فيها سوف يعقِّد المسألة، يعني هو كان يعرف نواحي القوة ، ويعرف نواحي الضعف، يعرف أنه ليس فنيًا، فكان دائمًا حريصًا على أنَّ المواضيع التي يوليها اهتمامه هو يهتم فيها، كل المواضيع التي يهتم فيها ، كان يعرف عنها ويعرف تفاصيلها، كان يهتم بالشؤون الخارجية، كان يهتم بمسائل العدالة والعدل، كان يهتم بمسائل التنمية، كل هذه الأمور كان يهتم بها كثيرًا. عندما يتعلق الأمر بإنشاء سد ولاَّ باتفاقية فنية ثنائية بين المملكة ودولة أخرى ، يقول: هذا ليس عملي، هذا عمل الوزراء. فهو إذًا في الواقع كان لا يُتَّخَذ أي قرار رئيسي.. لم يُتَّخذَ أي قرار رئيسي في عهده – سواءً على المجال الداخلي ، أو المجال الخارجي – إلا بعلمه، وكان يوافق على معظم القرارات التي تُعرَض عليه، ولكن الحالات التي كان يعترض عليها لم يكن القرار ينفَّذ.

طبعًا الناس لا يعرفون هذا؛ لأنهم يعرفون القرارات التي نُفِّذت، ولكن لا يعرفون أن هناك قرارات – لأنه لم يوافق عليها – لم تنفَّذ.

ثوابت السياسة السعودية الخارجية استماع إلى الفقرة

* أولًا يجب أن نعرف أن هناك إرث متراكم من أيام الملك عبدالعزيز ، الملك المؤسِّس جلالة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وضع ثوابت للسياسة السعودية، إلى حدٍّ كبير ثوابت لم يخرج عنها لا الملك عبدالعزيز ، ولا الملك سعود رحمه الله، ولا الملك فيصل رحمه الله، ولا الملك خالد رحمه الله، ولا الملك فهد رحمه الله، والآن لا يخرج عنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز . هذه الثوابت يمكن يعرفها كل مواطن سعودي: إن هذه الدولة ذات أساس إسلامي صلب، قائمة على تحكيم شرع الله، لم تتأسَّس إلا لأنها تبنَّت الدعوة إلى الشريعة الإسلامية، هذا الجزء لا يقبل النقاش ، ولا يقبل المساومة ولا يقبل الأخذ والردّ. أيضًا أن المملكة جزء من العالم الإسلامي، جزء من العالَم الإسلامي بهمومه، هموم العالَم هموم المملكة والعكس. والجزء الثالث طبعًا هو الجزء العروبي ، أيضًا هذا من الثوابت، هناك مقولة مشهورة لـمَّا كان أمين الريحاني يتكلم مع الملك عبدالعزيز في العَقد الأول ، أو الثاني من القرن العشرين (حتى قبل تكوين المملكة العربية السعودية ) فكان أمين الريحاني يتكلم على العرب كذا وعن العرب..، فالملك عبدالعزيز قاطعه قال له: مَن العرب؟ حنَّا العرب. يعني هي قصة العروبة بالنسبة للملك عبدالعزيز قصة عفوية: إحنا العرب؛ يعني لا يوجد داعي للتنظير لكي نثبت إننا عرب: نحن العرب، فبقدر ما كانت (إحنا المسلمين) (إحنا عرب) كانت تجي في نفس المرتبة، وأي محاولة تصدر بين وقت وآخر ، للفصل بين العروبة وبين الإسلام محاولة مفتَعَلة، وكانت مفتَعَلة في نظر الملك عبدالعزيز ، وفي نظر الملوك من بعده ، وفي نظر الملك خالد . ولا ننسى – يمكن أحيانًا ينسوا الناس – بعدين ظهرت كلمة (العربية) أصبحت شائعة في أسماء الدول: الجمهورية العربية المتحدة، مثل الجمهورية...، المملكة أول دولة سمَّت نفسها (المملكة العربية)، لا توجد دولة، ومن عام 32 (المملكة العربية) وضعت اسم (العربية) كصفة أساسية.

اهتمام الملك خالد بقضايا العالَم الإسلامي استماع إلى الفقرة

* فإذًا كان الملك خالد – رحمه الله – ينطلق في سياسته الخارجية من هذه الثوابت التي أصبحت جزءًا من الثقافة السياسية السعودية، يعني كان الاهتمام بالعالَم الإسلامي محور أساسي من تفكيره واهتمامه، عندما تحدُث كارثة في العالَم الإسلامي تجده – بدون مبالغة – عينيه مغرورقتين بالدموع ، كما لو كان الحادث حدث في المملكة ، عندما يحصل انتصار للمسلمين في مكان تجده من أسعد الناس بهذا، في كثير من الحالات هو في ذهنه: السعوديين والمسلمين هم مترادفات، يعني يقول: إحنا الحين في شغل المسلمين (يقصد في شغل السعوديين) يا أخي هذا شَغَلنا عن عمل المسلمين (يقصد عمل السعوديين)؛ لأنه في ذهنه مترادفين: السعوديين مسلمون، والمسلمون بمثابة السعوديين.

فإذًا تستطيع أن تفهم كثير من قراراته في ضوء هذا التوجُّه: المؤتمرات العديدة التي حضرها، مؤتمر القمة الإسلامية في البيت الحرام ، دعمه للدول الإسلامية، المعونات.. كل هذا ينطلق من منطَلَقات إسلامية ، كما انطلق مَن قبله ، وكما أيضًا انطلق من نفس المنطلقات.

العروبة محورٌ أساسٌ لدى الملك خالد استماع إلى الفقرة

* الجناح الآخر هو العروبة، وأيضًا بالنسبة للملك خالد رحمه الله – كما كانت بالنسبة للملك عبدالعزيز – كان هذا جزءًا من التكوين، يعني هناك فرق بين العروبة والقومية، يمكن القومية تحتاج إلى تنظير ، وتحتاج إلى أن تقرأ كتب تقنعك إنك عربي ، ويقولوا لك إن العروبة هي وحدة اللسان ووحدة التاريخ و...، هالأشياء بالنسبة للملك خالد – كما هي بالنسبة لأسلافه ، والذين جاؤوا من بعده – قضية محسومة واضحة، قضية إن إحنا عرب هذي موضوع أوضح من الشمس لا يناقش فيه أحد، لا يجادل فيه أحد، ولا يقبل فيه المزايدة من أحد.

وبالفعل عندما حاول أحيانًا مسؤول – لن أذكر اسمه – أن يعطيه ما تَصَوَّرَه درسًا في العروبة؛ قال له: يا أخي، ترى إحنا العرب لا نحتاج لدروس في العروبة، إحنا العرب قبل أن تكتشفوا أنتم معنى الكلمة، وإحنا العرب من رأسنا لـ..، فأرجوك تكلَّمْ ، ولكن دون أن تخبرني واجبي العربي ؛ لأني أنا أعرف واجبي العربي أكثر مما تعرفه أنت ويعرفه..؛ لأن هذا جزء من كياني.

من هذا المنطلق نجد الجهود الحثيثة في إنشاء تصالُحات عربية، والمصالحة الشهيرة في الرياض بين الرئيس المصري ، والرئيس السوري، تدخُّله المستمر في محاولة الإصلاح بين سورية و العراق في حالات توتُّر الأمور بينهم، دعمه المستمر لمؤتمرات القمة ، وحرصه على حضورها...؛ يعني منطلقات عربية كثيرة جدًا تفسِّر سياسة المملكة العربية في عهده.

القضايا العربية والإسلامية مقياس السياسة الخارجية استماع إلى الفقرة

* المحور الثالث من السياسة الخارجية ، كان يتعلق بسياسة علاقة المملكة الدولية. أيضًا في ذلك الوقت – يمكن الآن جدَّ على هذا الجناح بعض التغيُّرات أو على هذا الجانب – في ذلك الوقت كانت المملكة سياستها أولًا قائمة على الصداقة مع الجميع، بعدين قائمة على اتخاذ موقف من الاتحاد السوفييتي ، مبني على موقف الاتحاد السوفييتي من الدِّين، يعني كان الفكرة إنه كيف تستطيع أن تقيم علاقات طبيعية مع دولة تُجاهر بعدائها للدِّين؟! ليس الدِّين الإسلامي فقط.. كل دين، كان هناك تناقُض أساسي؛ لأنَّ كان الدِّين في رأي الملك خالد موضوع أساسي، ما يمكن أن نعترف بدولة ، وهي لا تعترف بأي موقف من الدِّين سوى موقف الإلحاد وموقف..، فإذًا كان موقفه من الاتحاد السوفييتي حاسمًا وواضحًا، هو كان يرى أنَّ تقدُّم للاتحاد السوفييتي في ظل هذه الظروف ، كان تقدُّمًا يسيء إلى قضايا الإسلام كما حصل بالنسبة لقضية أفغانستان .

فكان الموقف من الولايات المتحدة ، ومن الغرب كان موقف صداقة تقليدية، لم يكن هناك تناقُض في المصالح؛ المملكة العربية السعودية لم تحتلها بريطانيا ولم تحتلها أمريكا ، العُقَد التي خلَّفها الاستعمار في كثيرٍ من الدول.. بقيت آثار الاستعمار ، حتى بعد أن ذهب الاستعمار أصبح الناس لا يتكلمون ، إلا عن الاستعمار وعملاء الاستعمار ، وأذناب الاستعمار وذيول الاستعمار، في المملكة هذي لم تكن موجودة، لم يكن لدينا استعمار ، وبالتالي لم يكن عندنا ذيول استعمار ولا أذناب استعمار، فكان بالإمكان أن تكون العلاقة مع أمريكا ، ومع الغرب قائمة على أساس من الندِّية وبدون أن ينظر أحد إلى أنه طرف قوي وطرف..، وكانت هذه العلاقة دائمًا – منذ أيام الملك عبدالعزيز إلى الآن – تعكِّرها قصة واحدة ، وهي موقف الولايات المتحدة من الدولة الصهيونية، ومن عدوانات الصهيونية.. الاعتداءات الصهيونية المتكررة، هذا الموضوع كان دائمًا موضوع خلاف، أيام الملك فيصل – رحمه الله – وصل إلى حد قطع البترول، في أيام الملك خالد وصل إلى توتُّرات كثيرة جدًا، ولكن كان هناك إيمان أن مصلحة المملكة الاستراتيجية تبقى مع الغرب في مواجهة كتلة ملحدة توسُّعية، فإذًا تتطلَّب منا مصالحنا الاستراتيجية أن نكون على علاقة حسنة ، مع جميع دول العالَم وتحديدًا مع دول المعسكر الغربي ( الولايات المتحدة و أوروبا الغربية )، ولكن هذا كله لا ينبغي أن يمنعنا عن الكلام عن اختلافنا الأساسي ، والرئيس مع الولايات المتحدة ومع الغرب عمومًا فيما يتعلق بالموقف من فلسطين ، و– سبحان الله – هذه قضية ثابتة في السياسة السعودية، الملك عبدالعزيز عندما اجتمع مع روزفلت لم يحدِّثه بكلمة واحدة عن أي طلب يريده للمملكة ، لم يطلب (حتى المملكة في ذيك الأيام لم يكن البترول تدفَّق ، ويمكن كان روزفلت يتوقع أن الملك عبدالعزيز يطلب منه طلبات مساعدات أو إعانات) لم يطلب شيئًا، كان حديثه كله على فلسطين وعلى..، يُقال – طبعًا هذي من الأشياء التي لا يستطيع أحد أن يعرفها – أنه لو عاش روزفلت عند إنشاء إسرائيل ، أو كان هو الموجود بدلًا من ترومان لربما كان الموقف الأمريكي أكثر اعتدالًا أو أقل انحيازًا، أما هذه من الأشياء التي لا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى، ولكن المباحثات الرسمية تشير إلى أنه كان 90% من الكلام كان على فلسطين . لم يتغير الوضع في أيام الملك سعود رحمه الله؛ أتذكر أن الملك سعود قطع البترول أيام العدوان الثلاثي على مصر ، ولم يتغير في أيام الملك فيصل ؛ لأن هذي قاعدة أساسية من قواعد المملكة العربية السعودية : التضامن مع القضية الفلسطينية ومع قضايا العرب، واستمرَّ في عهد الملك خالد . الملك خالد كادت علاقته مع ا لولايات المتحدة أن تصل إلى حد القطيعة ، عندما حصل الهجوم على لبنان مثلًا (الغزو الإسرائيلي)، يمكن حتى كان هذا أدى (كان مريضًا) يمكن أدى إلى مضاعفات في مرضه لكثرة انفعاله، فهو لم يكن يسمح بأي مصالح استراتيجية للمملكة ، أن تحول دون الدعم المستمر والدائم للقضية الفلسطينية .

فيما عدا ذلك كانت سياسة المملكة مبنية على التعاون مع الجميع، أيضًا هذا إرث من أيام الملك عبدالعزيز ، المملكة لا تسعى لمعاداة أحد، هي تفتح الذراع للجميع ، وتود أن يصبح الجميع متعاونين معها، وبالفعل في عهده لم تكن لدى المملكة عداوات، أحيانًا تجي أشياء عابرة لم تكن من طرف المملكة ، ولكن عمومًا كانت المملكة مستعدة – كما هي الآن – لفتح صفحة جديدة، وآخر مَثَل عندنا لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله ، عندما ذهبنا إلى قمة الكويت وكان العالَم بأسره يتوقع منه تفجيرًا للصراعات ، وقلبًا للمقاعد والأوراق، طبعًا هو فاجأ الجميع وقال: أنا أتيتُ لأعلن نهاية الخلافات ولأعلن..

نفس هذه النظرة في العلاقات العربية كانت تحكم علاقة الملك خالد بالقضايا العربية . كان يحب السادات كثيرًا؛ لأنه يعتقد أن السادات رجل وطني وحرَّر جزءًا كبيرًا ، وحاول تحرير جزء من بلاده، إنما عندما ذهب للزيارة المنفردة للقدس تغيَّر موقفه منه تمامًا، رأى أن هذه الزيارة أولًا أهانت مشاعر المسلمين في يوم عيد الحج، بعدين لم يكن لها مبرر ؛ لأنَّ كانت هناك مباحثات في سبيل جمع وفد عربي موحَّد ، يفاوض إسرائيل في جنيف برعاية أمريكية، وكان الملك خالد – بطبيعة الحال – يعرف ذلك.

أنا لا أريد أن أستطرد في موضوع مبادرة السادات ؛ لأنَّ أنا واثق أنَّ له منطلقاته ، وله – يمكن – أسبابه وناس كثير رأوا فيها عملًا شجاعًا، بالنسبة للملك خالد لم يكن رأيه فيها رأيًا حسنًا؛ بسبب أنه كان يقول: إحنا ما عندنا مشكلة مع السلام، الأمير فهد تقدَّم بمشروع للسلام يكاد يكون مطابقًا للمبادرة العربية للسلام (وطبعًا الملك خالد أقرَّه ، وأصبح يُسَمَّى "المشروع السعودي للسلام")، ما عندنا إحنا مشكلة في قبول إسرائيل إذا قبلت هي بإرجاع ما أخذته ، واعترفت بدولة فلسطينية، ولكن الذهاب إليها والمفاوضات المنفردة.. . فساءت علاقته مع الرئيس السادات – رحمه الله – بسبب هذا الموقف، يعني بسبب القضية الفلسطينية، يعني القضية الفلسطينية كانت أساسية في نظره إلى درجة أنها دمَّرت علاقته برئيس كان من أقرب الرؤساء العرب إليه، كان الرئيس السادات تقريبًا ، يأتينا في الرياض بمعدَّل 3 – 4 مرات في السنة، ويُقابَل بترحاب وتُقَدَّم له جميع أنواع الدعم.

القضايا العربية والقضايا الإسلامية؛ قضية كشمير ظلت شوكة في جنب العلاقات الهندية السعودية، أيضًا كان يشعر أنه قضية كشمير قضية إسلامية. قضية أفغانستان طبعًا زادت من حدَّة موقفه من الاتحاد السوفييتي؛ لأن ما عاد الموضوع مجرد دعم؛ لأن دولة شيوعية في نظره.. والأهم من الشيوعية أنها ملحدة.. دولة ملحدة تحتل بلد إسلامي؛ كان بالنسبة له هذا عملًا كارثيًا، وكان لابد أن تتحرك المملكة وتتحرك بما يفوق مجرد إعلان استنكار، تحركت بدعم فعال كان له تأثير في مجرى الأمور، في ذيك الفترة الذين وقفوا يقاومون – بجدِّية – التغلغل السوفييتي في أفغانستان كان الولايات المتحدة الأمريكية و المملكة ، يمكن المملكة أنفقت في هذا السبيل أكثر مما أنفقت الولايات المتحدة ، ما تقلِّل من بطولات المجاهدين العرب ولاَّ.. بطولات فردية بالتأكيد وأشياء فردية وملاحم؛ ولكنها لم تغيِّر شيء، كان هناك تسعين ألف جندي، ما تستطيع أن تهزم تسعين ألف جندي بعشرة أو خمسة آلاف مقاتل ومجاهد عربي، كان لابد من أسلحة ومن مؤن ومن...، كل هذه الأشياء أتت من المملكة العربية السعودية أساسًا، ومن الولايات المتحدة ، وكان يؤلمه كثيرًا جدًا يؤلمه التمزُّق في القيادة الأفغانية، وحاول عدة مرات وحتى فترة من الفترات أُحضروا إلى أن أقسموا أمام الحرم، وكان حريصًا جدًا على أن يُدخل الوئام في صفوف المجاهدين الأفغان، الأمور مشت على غير ما كان يتمنى ، وانتهت إلى ما انتهت إليه، حتى انتهت القصة بظهور مجموعة متطرفة ، استطاعت أن تستولي على معظم البلد؛ اللي هي حركة طالبان، هذي طبعًا نشأت بعد وفاته رحمه الله.

صانع القرار في السياسة الداخلية استماع إلى الفقرة

* أتكلم عن المحور الثالث والأخير ، وهو ( الملك خالد كصانع قرار في مجال السياسة الداخلية ). هنا أيضًا هو كان يعرف بالضبط الأشياء التي يهتمُّ بها ، ويريد أن يتابعها ويريد أن يعرف عنها ويريد أن يبتَّ فيها، في كل هذه المجالات كان يملك وكان يحكم.. لم يكن (يملك ولا يحكم!).

أستطيع أن أعدد لك هذه الأشياء: أولًا فيما يتعلق بشؤون العدل والأمن؛ كان هذا يعتبره مهمته الرئيسية، أيضًا هذي خصيصة تجمع بينه وبين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز ، طبعًا كل الملوك بالنسبة لهم إقامة العدل أمرٌ ضروري ، إنما بالنسبة للملك خالد كان أمر أساسي، كان يعتبر وظيفته الأساسية كملك هو أن يعدل بين الناس، ويعدل بالذات لحماية الضعيف. فكانت أمور: الأمن، القضاء.. القضايا، الإجرام.. الجرائم؛ يهتم بها اهتمامًا مباشرًا، يعني إذا حدثت جريمة لا يرتاح؛ يتابعها بنفسه حتى ينتهي الأمر بالقبض على الجاني ، وتنفيذ الحكم الشرعي بحقِّه. إذا سمع عن ظلم حصل بإنسان ولاَّ بمجموعة (سمع عنه سواء مباشرةً ، من الذين يأتون لمقابلته يوميًا أو سمع عنه بطريق غير مباشر) كان لا يرتاح ، إلا إذا اتُّخذ قرار يُنهي هذا الظلم الواقع بهذه الفئة أو بهذا الشخص. وكان دائمًا يعاتب أو يحاسب نفسه ويحاسب الوزراء: هل قصَّرنا في حق أحد؟ هل أهملنا أحد؟ هل هناك مجال لقوي أن يستبدّ بضعيف؟، هذا كان دائمًا في حالة محاسَبة يومية مع الناس. وكل هذه الأمور كانت – كما ذكرت لك – كان يهتم بها شخصيًا ويتابعها شخصيًا.

فيه كان يهتمُّ أيضًا بشؤون – ما نسمِّيه عندنا – البادية، لم يعد عندنا بدو رُحَّل ، ولكن أصبح عندنا بادية تحمل ثقافات: جزء من ثقافة البدو الرُّحَّل وجزء من ثقافة التحضُّر. وهؤلاء لهم مشاكل خاصة ؛ لأنهم كلهم يشتغلون بالإبل وبالأغنام؛ فكان لهم مشاكل متعلقة بالمياه، وببناء الهِجَر، وبالحصول على الأعلاف، فكان الملك خالد يعتبر أن من واجبه الاهتمام بهذه الطبقة.. بهذه الشريحة من شرائح المجتمع؛ لأنه يعتقد أنها يمكن لا تستطيع أن تحصل على حقِّها ، ما لم يكن هناك من يدعمها. وكان يؤمن أن الإنسان الذي عايش على الأغنام ، ولاَّ الجمال إذا ارتفع سعر العلف ، أو إذا انقطع الدعم سوف يؤدي إلى كارثة في قطاع مهم من قطاعات المجتمع، فكان دائم الاهتمام به، وكان جميع القرارات المتعلقة بهذه الشريحة ، كان هو يتابعها ويحرص عليها بنفسه.

في المجالات الأخرى التنموية ، كان يؤمن بالتفويض الكامل، عندما تولَّى الـمُلك وجَّه رسالة مشهورة (وموجودة موثَّقة) إلى ولي عهده الأمير فهد ذلك الوقت وقال له: أنا أفوِّضك بإدارة الأمور اليومية للدولة، على أن ترجعوا لنا في الأمور الهامة. يمكن هنا نشأ الانطباع أنه كان يملك ولا يحكم، لأ.. هو كان يملك ويحكم إنما كان الأمور الفنية الخالصة ، هو نفسه يقول إنه ما عنده مشكلة في أن يعترف في أن أشياء.. يقول إن هذه الأشياء لم أدرسها.. ليست اختصاصي، لا أستطيع أن أبتّ فيها، وهذي عمل الوزراء والمختصين، هذا ليست عملي أنا. يعني هو يعطي توجيه ، أنه يجب الآن أن نتعاون مع الدولة الفلانية في جميع المجالات، هنا يعتبر أنه دوره انتهى بإعطاء هذا الضوء الأخضر، إنما تفاصيل هذا الدعم.. تفاصيل الاتفاقيات هذي يعتبرها شغل مجلس الوزراء.. شغل ولي العهد والوزراء العاملين معه. ويبقى مع ذلك أنه تبقى له الكلمة النهائية في هذي الأمور. أيضًا نفس الشيء إذا ساءت العلاقات بيننا وبين دولة ، هو يتخذ القرار إنه الآن خلاص لا نتعامل مع هالدولة، تفاصيل كيف لا نتعامل معاها أو التفاصيل الدقيقة هذه أيضًا لا يتدخل فيها إلا إذا دعت الحاجة.

وكثير من المواقف (الآن يصعب الحديث عنها ؛ لأن لم تأتِ فترة زمنية طويلة ، تسمح بالحديث عن كل هذه المداخلات الدولية) ولكن كان أحيانًا ، هو يتخذ شخصيًا قرارًا بعدم التعامُل مع دولة معيَّنة ؛ لأنه يعتقد أنه خانت قضية عربية أو خانت قضية إسلامية، وكان هذا القرار يُلزم الدولة كلها ، ولم تكن قرارات روتينية أو أنها مجرد موافقة على ما يأتي.

وجه الخير استماع إلى الفقرة

* أعتقد أنَّ من مجمل هذه الجوانب ، تبدو صورة ملك فريد من نوعه، حكم فترة طويلة دون أن تحدث أي مشاكل، عاش ومات والناس – بغالبيتهم الساحقة – راضون عنه، كانوا يتفاءلون بعهده ، وكان يسمُّوه (وجه الخير)، وبالفعل تواكبَ عهده مع تنمية شاملة ، ومع خير عمَّ المملكة حتى في الأمطار وفي أرزاق الناس، وجعلت له هذا الوضع المميَّز بين ملوك المملكة ، هو لا يختلف عنهم كثيرًا لا في الثوابت ولا في المنطلقات ، ولكن شخصيته المتميزة جعلت لحكمه أو لعهده نكهة خاصة، وأعتقد ربما بمرور الزمن ستتبيَّن للباحثين ، وحتى للإنسان العادي تلك النكهة المميَّزة ، التي هي شخصية نسيج وحدها هي شخصية خالد بن عبدالعزيز .

الانطلاق الاقتصادي والتغلُّب على العقبات استماع إلى الفقرة

* ذيك الأيام كانت المملكة منقسمة إلى قسمين – سواء كانت على مستوى صانع القرار أو على مستوى المواطنين العاديين – وكان هذا الانقسام بين المحافظين وغير المحافظين ، أو بين الذين يرون أنه حتى لو أتت الثروة يجب أن تُنفق باعتدال ، وما نستطيع أنه من فترة قصيرة.. يجب أن نأخذ وقتنا.. لا نستطيع أن نملأ البلد بالعمالة الأجنبية، لا نستطيع أن نعمل...، وكان هذا نقاش حي ودائم ونقاش الساعة.

أعتقد أن الملك خالد رحمه الله (وكان الملك فهد متوافقًا معه في هذا) كانوا يرون أنه هذه فرصة يجب ألا تُهدَر، ما دام المال هنا أتى ، والثروة أتت نحن لا نعرف كم حتستمر، ومن المقتَرَحات اللي كانت تأتينا من الغرب ، أنكم إنتو ضعوها في بنوكنا ثم تصرَّفوا فقط بدخلها؛ يعني رأس المال يبقى عندنا ، والدخل يبقى عندكم. طبعًا هذا لو تمّ كان معنى هذا أنَّ ما تمّ تحقيقه في خمس سنوات كان سيتطلب خمسين سنة. الملك خالد منذ اليوم الأول لم يكن في ذهنه أي تردُّد: لابد أن تنطلق، رغم أنه بطبيعته كان محافظًا، لم يكن يؤمن بالمغامرة في اتخاذ القرارات على الإطلاق، كان يغلب عليه الطابع المحافظ، إنما وجد أن موضوع التنمية هذي فرصة تاريخية لن تتكرر، وافقه على ذلك الملك فهد ؛ ولذلك انطلقت الخطة الخمسية الثانية ، بما كانت في وقتها مبالغ خيالية وسببت كثيرًا من المشاكل، يعني بالنسبة للتجهيزات الأساسية أصبحت هناك مَخَانق في الطرق.. زاد الإنفاق..، ولكن هذا لم يفتّ في عضده، وكان يرى أنه يجب الاستمرار في هذا الطريق، طبعًا هذا أدى إلى انتعاش وأدى إلى – كما كنا نقول قبل قليل – ربما إلى تقوية الطبقة المتوسطة، التي كانت قبل هذا موجودة ولكنها ضعيفة، تمت تقويتها عن طريق عدة طرق: أولًا صندوق التنمية الصناعية ، أوجد طبقة صناعية بالقروض الكثيرة (آلاف الملايين)؛ صندوق التنمية العقارية أوجد طبقة من مالكي المساكن (أيضًا بمئات الآلاف) في جميع أنحاء المملكة ، وأنا من الذين يرون أن أبسط تعريف للطبقة المتوسطة هي الطبقة التي تملك سكنها، عندما يملك الإنسان سكنه ، يتحول من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة الوسطى. فكانت هذه الإعانات والصناديق بمختلف أنواعها ، تساعد في نشوء طبقة متوسطة.

والتنمية الزراعية؛ طبعًا أيضًا اهتمام الملك خالد الشخصي بأمور الزراعة، بتربية الإبل، بتربية الماشية، حوَّل هذي من اهتمام أشخاص بسيطين إلى هواية المجتمع كله؛ أنا أعتقد أنه يمكن تربية الجمال في المملكة لولا موقف الملك خالد ، يمكن كان اليوم عندنا عدد الجمال ما يطلع ولا 10% من عدد الجمال. حتى هواياته الشخصية من الزراعة في النخيل في التمور.. هالأشياء كان يهواها كثيرًا، يهواها هواية شخصية أثرت.. (الناس على دين ملوكهم) في أشياء كثيرة، فبدؤوا أناس كثيرين لم يكن يخطر ببالهم من قبل أن يربُّوا جمالًا ، أو أن يربُّوا ماشية أو أن يزرعوا نخيلًا، فالحركة الزراعية والحيوانية نمت نموًا هائلًا في عهده، وجزء كبير من هذا يعود إلى أنه كان يشكل مَثَلًا.. يشكل قدوة في هذا الجانب.

دعمه للمشروعات العملاقة استماع إلى الفقرة

* هو الواقع رغم ما كان ذلك الوقت من تشكيك ، يتم على مستوى الصحف.. على مستوى المجالس (وهو أمر طبيعي في مجتمع حي أن يثور النقاش)؛ لم يكن لديه أي شك في هذه المشاريع أو في نجاحها، يعني أعطى من اللحظة الأولى إشارة الانطلاق للهيئة الملكية، رعاها، أعطاها الصلاحيات الكاملة، تابَع مشاريعها، وكان يتابع كل إنجازاتها.. نفس الشيء بالنسبة لكل المشاريع العملاقة: مشاريع الكهرباء، مشاريع الطرق، مشاريع الطرق كان له بها اهتمام خاص ؛ لأنه هو يعرف المملكة شبرًا شبرًا، فكان عندما يتكلم مع وزير النقل (أو وزير المواصلات في ذلك الوقت) يتكلم كلام الخبير وليس كلام..: لماذا هذا الطريق مرّ على (النقرة) الفلانية؟ ولاَّ مرّ على الخشم الفلاني؟ ولاَّ مرّ على الوادي الفلاني؟ ولاّ مرّ...؟، فكان اهتمامه بها مباشرًا و – كما قلت – لأنه يعرف المملكة شبرًا شبرًا.

أعتقد هذه المشاريع العملاقة هي التي أدت إلى تغيير وجه الحياة في المملكة ، أصبحت القرى الصغيرة تحولت إلى مدن، المدن تحولت إلى مدن عملاقة، الرياض يمكن كانت في بداية عهده أقل من مليون، الآن نرى التوسُّع الذي حدث فهو كان عنده – رغم أن هذه الناحية يمكن لا يعرفها الكثيرين – لو كان له موقف سلبي من التنمية أو موقف متردِّد لَمَا اتخذت التنمية هذا المجرى الذي اتخذته، لو أنه قال: لا ما نريد صناعات، أو: لا نريد أن نستعجل في التنمية، أو قال: لا نريد أن نبني الهيئة الملكية (هذا كان مفهومًا جديدًا: أن تأتي جهة ، وتأخذ جميع صلاحيات الإدارات الحكومية – في نطاقها طبعًا – وتبني مدينة صناعية من عدم.. بآلاف الملايين) كان بالإمكان أن يقول: لا.

خط البترول شرق غرب (من المنطقة الشرقية إلى ينبع وتصديره من ينبع ) كان أناس كثيرين لا يرون فيه جدوى: عندنا كفاية لماذا نصدِّر؟ طبعًا أثبتت الأيام ، أنه له كان فائدة استراتيجية أيضًا ، وفائدة في إنعاش مدينة ينبع .

فأعتقد أن موقفه الإيجابي من جميع قضايا التنمية والتصنيع والهيئة الأساسية ، كان له دور كبير في أنَّ هذه الأشياء سارت في عهده، طبعًا أيضًا بنفس الدعم ، كانت هذه الأشياء تلقاه من ولي العهد؛ يعني كان يعملان بتناغُم، لم يكن هناك أي فارق بينهما في ضرورة عمل الأشياء هذي، وفي ضرورة تذليل العقبات؛ لأن كان هناك – بالتأكيد – كان هناك عقبات بين الوقت والآخر، ولكنني أنا لم أسمعه قط يتذمَّر أو يتململ أو يقول: ليتنا لم نُسارع بهذا الشيء، أو يقول: ليتنا استمرِّينا نمشي ببطء؛ يعني كان يؤمن أن المواطن السعودي من حقه أن يحصل على الرفاهية ، في أسرع وقت ممكن.

تديُّن عميق دون تعصُّب استماع إلى الفقرة

* الملك خالد – رحمه الله – كان متديِّنًا عميق التديُّن، وعندما ينتهي من أي فرض يستمر في قراءة الأوراد والأذكار والأدعية ، لمدة ساعة أو لمدة ساعتين، ويقوم في الليل ويصلي، فكان متديِّنًا جدًا، ولكنه كان تديُّنًا بدون تعصُّب، يعني أنا لا أعرف أن تديُّنه كان يدفعه إلى اتِّخاذ مواقف من الأديان الأخرى، لم يكن لديه مشكلة مع الأديان الأخرى، ولا كان لديه مشكلة مع أجانب يزورون... طبعًا كان يفضِّل أن تكون الأفضلية للعاملين في المملكة من مسلمين ، وكان هناك حرص على ذلك، ولكنه كان يعرف أيضًا أن كثير من الخبرات والخبراء ، لابد أن تأتي من الغرب. كان يتخذ مواقف فقط ممَّن يرى أنهم اتخذوا هم مواقف عدائية ضد الإسلام، إذًا مواقف كانت مبنيَّة على أنه الذي لم يعتدِ علينا في ديننا لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ ... الآية القرآنية؛ هؤلاء هم الذين يجب أن نعاديهم وحدهم، أما مجرد اختلاف الشخص عني لا يعني معاداته؛ لذلك لم تكن لديه مشكلة.. طبعًا كان يخاف على العادات والتقاليد السعودية، ولكن ذلك الوقت كان يرى أن متطلبات التنمية ، أن توجد هذه الخبرات، ولم يكن يضيق بها على الإطلاق.

عشق الطبيعة والحرص على حمايتها استماع إلى الفقرة

* من جوانب شخصيته كان هو فيه حب.. أو عشق للطبيعة؛ كان يعشق الطبيعة، قد يتصور الناس أن رحلات المقناص هذي ، هي مجرد صقور تطارد حباري، وطبعًا هذا يمكن.. في رأيي يمكن هذا الجزء الأقل أهمية؛ رحلة المقناص تعني إنه يصحى في الصباح الباكر، يصلي الفجر ثم ينطلق يتمتع بمنظر الصحراء.. بمنظر الجبال.. الآكام.. الرمال، في وقتٍ متأخر يتم الجلوس في محل لتناول الغداء المتأخر، ثم العودة ثم السَّمَر حول النار ثم... يعني كانت رحلة المقناص تكاد تكون جولة في أعماق الطبيعة، فبالتأكيد الرجل الذي يحب الطبيعة هذا الحب.. كما قلت هي قصة صيد الصقور هذا جزء من المنظومة الكاملة، يعني لو كان الموضوع إنك تعال اوقف وخلِّ عندك طيور وإطلاقها عالحباري ، ما كان الموضوع يتم هذا.. كان بعض الأيام يقطع 250 كيلو أو 350 كيلو في اليوم ذهابًا وإيابًا بين جبال ووديان و..، وطبعًا بجميع مظاهر الطبيعة التي كان يراها أمامه، فبالطبيعي هذا الرجل الذي عنده هذا الحرص عالطبيعة ، إنه يكون عنده حرص على حمايتها، وعلى حماية الحيوانات من الانقراض، وعلى الحرص على تربية الصقور، وعلى الحرص..، فكان هذا أيضًا جانبًا من الجوانب ، التي نشأت أساسًا من عشقه للطبيعة ، وأساسًا أيضًا من عشقه بالذات للصحراء.

خدمة الحرمين الشريفين استماع إلى الفقرة

* هو – بكل تأكيد – كان لموضوع الحرم المكي ، والمسجد النبوي له الكثير..، خلاف ما يتصور الناس يعني تعبير (خادم الحرمين الشريفين) ، كان مرتبطًا ب المملكة منذ البداية؛ الملك عبدالعزيز – رحمه الله – كان يُسَمَّى (خادم الحرمين الشريفين)، ولكن لم يكن يُطلَق عليه هذا اللقب ، إلا في المناسبات الدينية، إنما لو ترجع للوثائق القديمة والصحف القديمة تجد جميع ملوك المملكة تَسَمَّوا بهالاسم، أحيانًا الكتب الدينية كلها تجد مكتوبًا عليها (طُبع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالعزيز .. أو الملك سعود .. أو الملك فيصل .. أو الملك خالد ..) فكان لقب (خادم الحرمين الشريفين) لم يصبح اللقب الرسمي كما أصبح في عهد الملك فهد – رحمه الله – لملك المملكة العربية السعودية ، ولكنه كان جزءًا لا يتجزَّأ من شخصيته، أو من نظرته إلى نفسه، يعني كان ينظر – حتى لو لم يكن هذا اللقب الرسمي – كان يعتبر نفسه خادمًا للحرمين الشريفين، ويعتز بهذه الخدمة، ويهتم بها، فأعتقد إنه الحرم بالنسبة له كان يمثِّل معنىً كبيرًا جدًا؛ ولهذا عندما وقعت الكارثة ، ربما كانت أسوأ وأسود أيام حياته.

حادثة الحرم وقرار تطهيره استماع إلى الفقرة

* أيام عصابة جهيمان ودخوله الحرم كان في أسوأ حالاته، أنا لم أره قبلها ولا بعدها في حالة سيئة من هذا النوع، كان دائمًا يقول: يا أخي لماذا الحرم؟ لماذا الحرم؟ لماذا الحرم؟! لماذا لم يهاجموا قصري؟ لماذا لم يهاجمون بيتي؟. كان يفضِّل.. كان يعلنها.. يقولها.. قال: لو هاجموا بيتي لكان هذا أهون عَلَيَّ، لكن لماذا يهاجمون حرم الله؟!

كان اتِّخاذ القرار بالقتال في الحرم، وكان القرار في يده؛ هو ولي الأمر وطبعًا هذا الموضوع موضوع له علاقة باعتبارات دينية، فجمع كبار العلماء وطلب منهم بحث الموضوع، ولكن في النهاية... كبار العلماء يعطون رأيًا ، ولكن يبقى القرار قراره هو، كان هو ولي الأمر، كان هو صاحب القرار، فكان القرار بالنسبة له – أنا أعتقد ولا أجزم.. ربما غيري ممن عرفه قبلي – أنا أعتقد أن هذا كان أصعب قرار في حياته؛ قرار أنه لابد من القتال لتطهير الحرم، ويمكن أمضى أيامًا عسيرة، الحصار استغرق ثلاثة أسابيع أو..، أنا أعتقد كل ساعة منها مرَّت عليه كانت دهرًا بأكمله، لم أره في أي الظروف.. في أصعب الظروف.. في أصعب الحالات ، لم أره وهو في حالة من الألم والصراع النفسي، كل ما أحد يقول له شي يقول له: يا أخي ولكنه الحرم، يعني ما تتكلم عن أي محل آخر، صحيح إنا نقاتل إذا كان لابد أن نقاتل ، ولكن كيف نقاتل في الحرم؟ هذا الحرم. في الأخير وجد أن واجبه الديني كولي أمر ، وكخادم الحرمين الشريفين يتطلب منه أن يقاتل في الحرم، وهذا ما كان. وطبعًا كان سعيدًا بتحرير الحرم وتطهيره بقدر ما كان متألمًا من عدد الشهداء الذين سقطوا، ويمكن نذكر بأنه أمر بعمل وَقْف لهم وكلَّف به سمو الأمير متعب، والآن الوَقْف هذا بنى بنايات وعمارات ، وأعتقد أنه – الحمد لله – استطاع أن يوفِّر قدرًا من الحياة الكريمة لأُسَر الشهداء وأبنائهم.

احترامه وتقديره لدور المرأة استماع إلى الفقرة

* أنا أعتقد إنه هو – كما قلت قبل قليل – هو رجل كان متديِّنًا ولكنه متديِّنًا بدون أي نوع من أنواع التعصُّب أو من أنواع التشدُّد، ما كان عنده أن تأتينا رئيسة دولة أو أن يقابل وزيرة خارجية من دولةٍ ما، أو في خلال سفراته ، يذهب ليقابل ملكات أو يتباحث معهنّ، ولم تكن لديه أي مشكلة مع تعليم المرأة السعودية ، ومع وصولها إلى أعلى ما يمكن أن تصل إليه، في ذلك الوقت كان حراك المجتمع السعودي يقف عند عمل المرأة مدرِّسة أو باحثة اجتماعية ، ولم تكن هناك آفاق كثيرة متاحة؛ بحكم طبيعة المرحلة، إنما هو في تعامله مع المرأة لم أجد أي نظرة دونية للمرأة، أو أي نظرة تعتبرها أقل شأنًا من الرجل، أو أي نظرة تحاول تهميشها، يعني ينظر للمرأة والرجل أنهم: النساء شقائق الرجال ، ويعتبر هذا في علاقته مع أم أولاده، في علاقته مع والدته، في علاقته مع عماته ، يعني كان يعرف الكثير عنهنّ ومُعجَب بالكثير منهنّ ولديه علاقات طيبة بالكثير منهنّ. فلم ألحظ عنه – في أي لحظة من اللحظات – أي نوع من النظرة الدونية للمرأة، على العكس كان ينظر لها نظرة احترام وتقدير.

من الذكريات الطريفة معه رحمه الله استماع إلى الفقرة

* هو كان حريص إننا يُغرينا – رحمه الله – بهواية القنص، ولم يكن فينا أحد.. كلنا حضرية ، يعني ما كان فينا أحد عنده.. كنا وزراء يعني، فدعا مجموعة كان معنا الدكتور عبدالعزيز الخويطر ، ومعالي الدكتور محمد عبده يماني ، ومعالي الدكتور سليمان السليم ، وكنت أنا، فأرسَلَنا في دورة تدريبية إن صحَّ القول، فطلب من اثنين من مرافقيه أن يصاحبونا ، وأن يشرحوا لنا كيف الحبارى ، وكيف إطلاق الطير وهذا..، وقمنا من الصباح الباكر، فبعدين اللي حصل إنه بالفعل صقر أُطلق وفرّ ولم يعد، الصقر الثاني لم يصد شيئًا، فكتبتُ قصيدة من الشعر الساخر، مطلعها:


أبا بندرٍ لسنا على الصيدِ نقدرُ      وفينا يمانيٌّ وفينا خويطرُ
فأما اليماني فهو بالنومِ مولَعٌ      وما زالَ منذ الصبحِ وهو يشخِّرُ
وأما أخوه ابن الخويطر فانثنى      بدربي له لكنه ليس ينظرُ
وأما أنا فالله يعلم أنني أحار      وعلمُ الصيد علمٌ محيِّرُ
جهلتُ علومَ الصيدِ علمًا مركَّبًا      وقد يجهل الإنسان وهو مُدَكْتَرُ

بعدين طالت القصيدة.. موجودة.. لأن أصبحت أربعين أو خمسة وأربعين بيت، كان معجبًا بها وكان يُكثر من تردادها، وعندما جاء السادات قال: أرجوك خلّ يسمع القصيدة. عندما يأتي كثير من رؤساء الدول ، كان حريصًا على سماعها.

خلِّيني أختم هذه الملاحظات بقصة طريفة، القصص الطريفة معه – رحمه الله – كثيرة ولكن هذي قصة طريفة..، كان الكلام في مجلسه ذات يوم عن أكل الضَّب، وأنا أشوف الضَّب من بعيد طبعًا هو شكله... فكنت أقول: أنا أستغرب كيف الناس يأكلون الضَّب، هذا شكله شكل التمساح، مَن يستطيع أن يأكل ضَب؟! سواء كان حلال أو حرام، لا نجادل في أنه حلال ، ولكن مَن يستطيع أن يأكل ضَب؟!

هو نظر إليّ.. لم يعجبه الكلام أو استغرب الكلام.. لم يعلِّق بشيء.. ما قال شيء. بعد ثلاثة أشهر.. أربعة أشهر.. خمسة أشهر طلب مني أن أزوره في المقناص، وذهبتُ، وعندما كنا جالسين ، قال: أعطونا الأكل لغازي. وبعدين جاء صحن أمامي قال لي: جرِّب هذا. صحن لذيذ جدًا، أكلتُه، بعدين قال: تبغى زيادة؟ جابوا صحن ثاني، أكلتُه، قال: تبغى زيادة؟ قلت: إي. قال: إنت الحين إيش أكلت؟ قلت: أكلت (لوبستر). (طعم اللوبستر بالفعل، كان معمول مع ليمون). ضحك.. استغرب.. قال: لوبستر؟ إنت شايف حولنا بحر ولاَّ محيط؟ أي لوبستر؟! قلت: أَجَل إيش؟ قال: هذا الضَّب اللي تقول: كيف يستطيع الإنسان أن ياكله؟

بعدين عاد صرت قبل أن آتي أكلّمه أقول له: يا طويل العمر أرجوك.. أرجوك.. من فضلك إذا جيناكم البَرّ أبغى الضَّب. قال: أنا والله متندِّم إن علَّمت غازي على الضَّب؛ الآن صار مِن يجي أرسل عشرين ثلاثين نفر ، يروحوا يدوّروا له ضَب يا الله..

لكنه لم يقل شيئًا، لم يقل: لا والله.. . عمل درس عَمَلي تعلَّمت منه ألا أذمّ في المستقبل شيء لا أعرفه، الشيء الذي لم أجرِّبه أسكت لا أتكلم عنه.

بساطته ومداعباته مع رؤساء الدول استماع إلى الفقرة

* أنا أعتقد إنه هو.. البساطة مُعدية؛ يعني أنت إذا جلست مع إنسان ، ويتحدث بترفُّع ويتحدث بحساب ممكن أنت أيضًا تتبنَّى نفس الموقف ، ويصبح الحوار عملية عسيرة. وبساطته كانت تفتح الطريق أمام الضيف لأنْ يكون بدوره..، فكان يداعب الضيوف والذين يأتون، ويداعبونه، وكانت العلاقة – في مجملها – مع جميع الرؤساء الذين قابلهم – سواءً كانوا عربًا أو غير عرب – ممتازة، باستثناء الحالات التي رأى أن رئيس دولة أو أن دولةً معيَّنة اتَّخذت موقفًا من العرب أو من المسلمين لم يكن هو راضيًا عنه، في الحالة هذه ، كان إما أن يرفض أن يقابله نهائيًا أو إذا قابله يكون صريحًا معه. إنما كان جميع رؤساء الدول كان يحصل بينه وبينهم مداعبات، أذكر أنه كان مع (شميت) المستشار الألماني، كان يقول (شميت) : أنا أتمنى أن أتحول إلى مُزارع عندما أتقاعد، ويمكن آجي عندكم في المملكة . قال له: دولة المستشار، ما أحد يتقاعد، إنت تقصد عندما يطردك البرلمان! قال له: نعم، أنا أقصد عندما يطردني البرلمان!

لمحات عن الطبيعة البشرية والسياسية والإدارية استماع إلى الفقرة

* كان عنده لمحات، كان يقول – مثلًا – لمحات عن الطبيعة السياسية والطبيعة البشرية، كان يقول: لا يوجد أحمق من شخص يبحث عن السلطة ، إلا شخص أتته السلطة طائعة فضيَّعها، هذا أحمق الاثنين؛ العاقل لا يجب أن يبحث عن السلطة، ولكن السلطة إذا جاءت للشخص العاقل يجب ألا يضيِّعها.

وكان كثيرًا ما يتحدث بما نسمِّيه (ومضات إدارية)، يقول: لا يمكن يوجد مسؤول يعيِّن نائبًا له أفضل منه؛ لأنه بعد قليل سوف يقول الناس: ليت النائب كان هو الـ... . يقول: إذا غيَّرتوا وزيرًا لا تعيِّنوا وكيله؛ لأن الوزير لن يختار وكيلًا ، إلا شخص يعتبره دونه قدرًا وكفاءة.

أيضًا هذي لمحات قد تكون فطرية ، ولكنها بالفعل دقيقة فيما يتعلق بسيكولوجيَّة.. بطبيعة البشر.

أيضًا كان يقول: لا تصدِّقوا الذين يقولون: اعفوني من المناصب، هؤلاء عندما نعفيهم يحنُّون إلى مناصبهم حنين الناقة إلى فصيلها.

فحتى هذه النظرة البسيطة للإدارة ، كانت تنتج ما نستطيع أن نسمِّيه (حكمة فطرية).

رعايته لمجلس التعاون الخليجي استماع إلى الفقرة

* هو ترى مجلس التعاون يحتاج إلى بحث طويل؛ لأنه بدأ البحث فيه من زمان.. حتى يمكن من بداية عهد الملك فيصل ، كان فيه نوع من التفكير: كيف نجمع..؟ كان مرة كان يُفَكَّر إنه يصير اتحاد الجزيرة العربية، ومرة يُفكَّر..، وبعدين كانت دول خليج في فترة استقلال ، وكان هناك ترتيب أن تدخل في اتحاد كلها: البحرين و قطر و الإمارات ، وقيل سُباعي وقيل تُساعي، ولكن هذي كلها لم تتمخَّص إلا عن إنشاء الإمارات العربية المتحدة ، ظلت البحرين مستقلة، وظلت قطر مستقلة، مع أنه كان فيه تفكير جدِّي في فترة من الفترات ، في أن تكون جميعها دولة خليجية موحَّدة، إنما هذي لها.. يعني مرَّت بأطوار وموجودة موثَّقة ومعروفة، لكن – للأسف – كانت كل دولة جديدة أو مُوشكة على الاستقلال ، وأعتقد لم يكن بوسع أحد التفريط باستقلال تمَّ الحصول عليه مؤخَّرًا، حتى في سبيل وحدة. و المملكة (أيضًا هذي ظاهرة في جميع ملوك المملكة ) المملكة تتعامل مع الخليج بحساسية، كانت تعرف أن الجار الكبير.. دائمًا وجود جار كبير ، بجوار جيران أصغر يخلق حساسية خاصة، من طبيعة الأمور؛ لا يمكن للإنسان أن يُنكرها أو أن يُزيلها ، ولكن يستطيع أن يخفِّف عنها بالتعامُل بحذر. فكانت المملكة حريصة على ألا تجرّ الخليج إلى أي مجرى ، لا يريد الخليج الذهاب إليه. كانت النظرة دائمًا من الملك فيصل ، الملك خالد ، الملك فهد ، الملك عبد الله : نحن موافقون على ما يتفق عليه الإخوة؛ إذا أرادوا وحدة نحن معهم، إذا أرادوا تعاونًا نحن معهم، إذا أرادوا تكثيفًا للتعاون نحن معهم. فكان الملك خالد ينطلق من هذا المنطلق.

وتبلورت الأمور أثناء الحرب العراقية الإيرانية، بكل صراحة كان هناك خوف من أن تدخل العراق ، العراق في نظامها البعثي الفردي التسلُّطي ، ما كان بالإمكان أن تدخل في المنظومة الخليجية، فلم تُوجَّه لها الدعوة، وبالعكس هي تمت بسرعة خشيةً من أن تتعقد بسبب دخول العراق .

في البداية كان مجلس التعاون – عندما تقرأ النسخة الأولى منه.. الميثاق الأول منه – يكاد يقتصر على الشؤون الاقتصادية فقط، يعني كان شبه منظمة اقتصادية ، ليس لها علاقة بالسياسة أو بأي شيءٍ آخر، بعدين تطوَّرت الأمور وأصبح تعاونًا اقتصاديًا ، وصارت الاتفاقية الاقتصادية، وأصبح الآن أيضًا محاولة للتنسيق.

إنما كانت نظرة الملك خالد – رحمه الله – للمجلس نظرة رعاية ونظرة مودَّة، وزار جميع الدول أول ما تولَّى الحكم.. يمكن في أول شهور من تولِّيه الحكم قبل أن يُنشأ مجلس التعاون ، زار الدول الخليجية كلها زيارة رسمية، بدأ بالكويت ثم انتهى ب البحرين ، ثم ذهب إلى قطر ثم إلى الإمارات ثم ذهب إلى عُمان ، فكانت نظرته نظرة مودَّة لهذه الدول ، وعلاقته مع حُكَّامها علاقة تاريخية مع جميع الحكام في الخليج .

فكانت نظرته إلى مجلس التعاون نظرة تفاؤلية ، ولكنه أيضًا كان واقعيًا بفطرته؛ لم يكن يتوقع المستحيل، هو كان يعرف أن هناك حدودًا لِمَا يمكن تحقيقه من تعاون خصوصًا في البداية؛ لذلك كانت تعليماته للوزراء – كما هي تعليمات ولي عهده –: اذهبوا للاجتماعات، انظروا ماذا لدى الإخوان ، ولكن لا تحاولوا أن تفرضوا عليهم شيئًا، إذا وافقوا على شيء ف المملكة جزء منهم. حتى نشأ انطباع عند الناس ، أن المملكة هي الدولة الكبيرة ، هي الشقيقة الكبيرة لماذا لا تكون هي الفاعلة، لماذا لا تحاول..؟، وهذا الكلام خطأ؛ لا.. الشقيق الأكبر أو الجارة الكبرى أو الدولة الكبرى عليها واجبات كبيرة جدًا، إذا تصرفت بما يُمليه حجمها ووضعها في كل كبيرة وصغيرة ، سوف تؤدي إلى حصول شقاق ونفور كما فعلت أمريكا ، عندما وجدت أنها الدولة الأكبر ، فبدأت تتصرف كما لو كان ليس عليها إلا أن تأمر فتُطاع، المملكة كانت تتجنَّب هذا، تتجنَّب القول أن لها دور قيادي، منذ أيام الملك عبدالعزيز ، الملك عبدالعزيز طلب منه المسلمون في الهند ، أن يبايعوه بالخلافة وطلبوا منه.. وهو يقول أنا عندي المملكة هنا، لا أريد لا زعامة ولا أريد قيادة ولا أريد.... .

فالملك خالد – رحمه الله – كان له نفس المنطلقات: إن إحنا خلِّينا نحمي بلدنا في عالم يمور بالعواصف، ولا فيه داعي أن ندخل في مغامرات أو ندَّعي قيادة، أو أن نحاول الزعامة. وهذا – بحمد الله – لا يزال أيضًا من المرتكزات السعودية الحالية في سياستنا.

علاقة الملك خالد بشاه إيران استماع إلى الفقرة

* العلاقة بين إيران وبين المملكة ، كان فيها الكثير من الشكوك والحذر؛ لأنَّ إيران لها مطامع كانت في الخليج ، وفي ذلك الوقت كانت إلى فترة العام 71 لم تكن تعترف ب البحرين ، كانت ترى أن البحرين مقاطعة إيرانية، وطبعًا هذا الموقف كان يعقِّد الأمور بالعلاقة بين إيران و المملكة ، حتى الملك فيصل – رحمه الله – في إحدى المجالس قال: إذا لم تنحلّ المشكلة سلميًا فيما يخص البحرين مع إيران ، فليس أمامنا إلا البندقية. إلى الدرجة هذي. فكانت المملكة تخشى من التوسُّعات الإيرانية ومن الأطماع الإيرانية، الشاه كان يقول إنه سوف يبني خامس دولة في العالَم.. خامس دولة عظمى في العالَم، سوف يبني أكبر جيش في المنطقة، سوف يكون حامي المصالح في المملكة ، فبطبيعة الحال كان هناك نوع من الحذر، لم يكن هناك عداء ، ولم تكن هناك أزمة مستحكمة، ولكن كان هناك شيء كثير من الحذر إنه: طب إلى أين سوف يقف هذا الطموح الإيراني؟

في علاقتهم الشخصية كانت الكيمياء مفقودة فيما بينهم؛ لأنه هذا يرى نفسه إنه ملك الملوك ، والملك خالد كان يرى ما يقوله الحديث النبوي الشريف: إن أخنع الناس عند الله رجل سمَّى نفسه ملك الملوك "شاهنشاه". حديث نبوي صحيح. فالملك خالد لم يكن يشعر بانجذاب نحو شخص ، يسمِّي نفسه ملك الملوك ويعتبر نفسه..، ملك الملوك هو الله سبحانه وتعالى، هو ملك.. لكن ملك الملوك هو الله سبحانه وتعالى. الشاه كان أعطى نفسه سمتًا امبراطوريًا (صاحب الجلالة الامبراطورية) و(شمس الآريين) و(ملك الملوك)..، فلم تكن اللقاءات بينهما... كانت تغلب عليها طابع المجاملة ولكن لم تكن حميمة، وأعتقد أن الشخصيتان متنافرتان تمامًا؛ لا يوجد شيء يجمع بينهما. فكانت العلاقة بين الشخصيتين لم تكن علاقة حميمية، وفي نفس الوقت العلاقة بين الدولتين كانت علاقة مجاملات ، وفي ظاهرها علاقة جيدة طبيعية ، لكن أيضًا لم تكن علاقة حميمية ؛ لأنَّ هناك كانت مخاوف من التوسُّع الإيراني.

موقفه من الحرب العراقية الإيرانية استماع إلى الفقرة

* هو عندما بدأت ثورة الخميني ، لم يكن لديه تحفُّظات كثيرة عليها ؛ لأنه – كما قلت – هو كان لديه مخاوف وشكوك نحو الشاه نفسه.. من الشاه نفسه، فكان يعتبرها – إلى حدٍّ كبير – شأن داخلي. أعتقد بعدين عندما بدأت إيران تتكلم عن تصدير الثورة ، وعن القضاء على الـمَلَكيات في الخليج أصبح موقفه متغيِّرًا، بالتأكيد أصبح موقف حذر، وللأسف يقول لنا علم السياسة ، وعلم التاريخ أن كل ثورة لابد في مرحلةٍ ما أن تلجأ إلى تصدير الثورة، لابد أن يؤدي هذا إلى إثارة جيرانها، لابد أن تقع في ورطة مع جيرانها. لو نستعرض تاريخ الثورات ، من الثورة الفرنسية إلى الثورة الإيرانية نجد تمرّ بنفس المراحل. فبالفعل لـمَّا بدأت تصدير الثورة كان رأي المملكة (هذا كان رأي الملك خالد ، وكان رأي ولي عهده الأمير فهد ) أن إحنا يجب أن نستعد ونقوِّي ساحتنا الوطنية، ولكن دون أن ندخل في مواجهة مباشرة أو عسكرية مع إيران .

صدام حسين طبيعة تكوينه مختلفة؛ كان رجل يؤمن بحكم الفرد ، ويمكن يؤمن بعبادة الفرد..، فاتَّخذ قرارًا بمهاجمة إيران ، والحق يُقال إنه صحيح أن إيران استفزَّته ، ويمكن فيه أحداث كثيرة كانت تفجيرات داخلية وأشياء..؛ ولكن القرار المباشر بالدخول في حرب مع إيران ، اتَّخذه صدام حسين ، ويمكننا – بمعنى من المعاني – أن نعتبره المعتدي في هذه الحرب، وهنا كلٌّ من الملك خالد والملك فهد خاف عليه من مغبَّة هذا الهجوم، الملك فهد قال له: لو تريد نصحي لا تبدأ الهجوم، قوِّ نفسك واتَّخِذ سياسة دفاعية.

هو كان يعتقد أن الأمر حيكون نزهة عسكرية. هجومه وحَّد الساحة الإيرانية التي كانت متصارعة، وحَّد جميع القوى المتشتِّتة، وصمدت إيران , بعد أن توغَّلت... بمجرد ما بدأت الكفة الإيرانية تميل لم يعد هناك مجال للحياد، فألقت المملكة بكثير من ثقلها مع العراق ، مع أنه كان واضح أن صدام حسين بدأ الحرب ، ولم يكن يجب أن يبدأ الحرب. القوة الإيرانية بعد سنة أو سنتين أرجعت صدام حسين إلى حدوده، كان المفروض أن تنتهي الحرب بعد سنة من بدايتها أو سنة وقليل؛ لأنه واضح كان إنه صدام حسين لم يحقق هدفه ، وأن الإيرانيين لن يستطيعوا أن يحققوا هدفهم؛ إلا أن الإيرانيين استمرُّوا؛ لأن الخميني كان يريد أن يعلِّم النظام درسًا.. يريد أن يقضي على النظام.

في هذه المرحلة بالذات ، كان لابد أن المملكة تتَّخذ موقفًا، لم يكن بالإمكان السماح للعراق ، أن يتحول إلى جزء من إيران ، فوقفت المملك ة بثقل كبير مع العراق دون أن تُنهي علاقاتها نهائيًا مع إيران ؛ لأنَّ طيلة هذا المسعى في خلال تأييدها للموقف العراقي ، كانت تسعى لوقف إطلاق النار.. إلى حل وسط، وبالفعل كانت هناك محاولات كثيرة، إلا أن إيران في تلك المرحلة ، كانت تعتقد أنَّ بإمكانها أن تنتصر، وبتذكَّر لـمَّا اقتربوا من البصرة واحتلوا الفاو، فكان لابد للمملكة أن تقف بجانب العراق .

انعقاد المؤتمر الإسلامي الثالث في مكة استماع إلى الفقرة

* الملك خالد كان اقتراحه أن ينعقد المؤتمر أمام الكعبة بالذات، وهذا يمكن أول وآخر مؤتمر في التاريخ.. كان بالفعل الرؤساء جالسين على الأرض أمام الكعبة ، فكانت منظرًا مهيبًا جدًا، وكان هو متأثرًا جدًا من هذا الشيء.. من انعقادها أمام بيت الله مباشرةً مش مجازًا؛ لأن الكعبة كانت أمام المؤتمرين. في ذلك الوقت العلاقات بين العراق و سورية ، كانت متوترة جدًا حتى كان يُخشى من حصول نوع من الاحتكاك ، بين حرسَي الرئيسَين في الحرم لكن الله ستر ومرت الأمور بسلام، طبعًا كان يأمل أن ينتهي المؤتمر بصلح بين سورية ، وبين العراق ولكن هذا لم يحدث، مع الأسف كانت الانقسامات أكثر من أن تُعقَد في مؤتمر. كان الملك خالد في كل جهوده الإسلامية دائمًا يهدف إلى أن يكون هناك صلح أو مصالحة إسلامية وعربية: صلح بين مصر و سورية ، صلح بين سورية و لبنان ، صلح بين القادة الأفغان، صلح بين سورية و العراق ، وفي بعض الحالات كان هناك نجاح ، وفي بعض الحالات لم تنجح المحاولة.

مواجهة الخطرَين: الإسرائيلي والسوفييتي استماع إلى الفقرة

* الملك خالد كان يعتبر أن المملكة ليس لها غير عدوَّين اثنين: العدو الأول هو إسرائيل، والعدو الثاني هو الاتحاد السوفييتي، وبهذا الترتيب.. كانت الأولويات في ذهنه واضحة؛ إسرائيل أخذت.. اغتصبت أراضي فلسطينية ، وشرَّدت واستمرَّت في العدوان وفي الهجوم، فكان يعتبرها الخطر الأول، يأتي بعده الخطر السوفييتي، ولكن كانت نظرته واقعية؛ الخطر السوفييتي ظل خطرًا احتماليًا، يعني لم يتخذ صورة... كان عندهم علاقات جيدة ذيك الأيام مع زياد بري في الصومال ، فيه نوع من التغلغل ، ولكنه لم يتخذ الشكل السافر إلا في أفغانستان ، كما سبق أن تكلمنا، وعندما اتَّخذ شكلًا سافرًا اتَّخذت المملكة موقفًا أيضًا سافرًا وواضحًا.

في الدول التابعة للاتحاد السوفييتي ذاك الوقت (بري، ويمكن فترة من الفترات اليمن الجنوبية) كانت المملكة تسعى إلى فك هذا الارتباط ، بين الاتحاد السوفييتي وبين الدول الجارة القريبة لها؛ حمايةً لأمنها، وفي بعض الحالات نجحت وفي بعض الحالات لم تنجح ، ولكن كان الهدف إبعاد الخطر الذي كان في نظر الملك خالد إلحاديًا ، وخطر على الدين قبل أن يكون خطر على الأراضي أو على الأوطان، كانت نظرته إلى الاتحاد السوفييتي تحكمها اعتبارات الدين ، قبل أن تحكمها الاعتبارات الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية.

دعم أفغانستان وباكستان استماع إلى الفقرة

* عندما أرسلت روسيا جيشًا إلى أفغانستان 90 ألف أو من 70 ألف (طبعًا أتى على دفعات) كان من الواضح ، أن لابد من الوقوف في وجهه؛ لأنَّه إذا انتهت أفغانستان انتهت الباكستان ، فوقفت المملكة .. كان الملك خالد – رحمه الله – معجبًا بضياء الحق من منطلق واحد ، وهو الإعجاب أو نوعًا من العلاقة الحميمة بين الزعيمين. وأيضًا ضياء الحق كانت شخصيته بسيطة هو الآخر، كان متواضعًا.. كان..، يعني كانت فيه هناك جوانب لقاء تسمح بعلاقة حميمة، على خلاف الوضع مع الشاه مثلًا. فكان دعمه ل ضياء الحق نابعًا من أنَّ ضياء الحق ، يسعى لتطبيق الشريعة في الباكستان ، وأيضًا كان دعمًا استراتيجيًا على أساس أنَّ هناك مجهود مشترك ، ضد العدو الإلحادي الذي احتلَّ دولة المسلمين.

تعزيز القدرات الدفاعية للمملكة، ومواجهة التحدِّيات استماع إلى الفقرة

* والله هو كان يعرف المتطلبات الدفاعية، كان أولًا كان يثق ثقة كبيرة في سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز ، الذي كان يتولى – ولا يزال – وزارة الدفاع والطيران، وكان يؤمن أن المملكة في حاجة إلى أن تقوِّي قواتها المسلَّحة، وبالذات كانت في ذلك الوقت طائرات الـ(أواكس) والـ(F15) تمثل قمة التقنية الموجودة، وكان واضحًا في أذهان جميع المخطِّطين في المملكة أنَّ وجود سلاح جوي قوي ، هو ركيزة أساسية جدًا.. أهم من وجود بحرية قوية.. أهم من وجود جيش قوي؛ لأنه السلاح الجوي يتحرك ، ويستطيع أن.. في قارة كبيرة هو أكثر الأسلحة قدرة على التحرُّك وعلى المناورة وعلى..، فكان يبارك هذا المجهود، إنما لم يكن له دور مباشر فيه غير إعطاء التوجيهات الأساسية، يعني كان يكلف الوزراء والمسؤولين بالقيام بعمليات اللوبي في أمريكا والاجتماع بالمسؤولين، وأعتقد في هذه الفترة لم يبقَ وزير سعودي إلا وزار واشنطن ، واجتمع بعددٍ من أعضاء الكونجرس واجتمع بعدد.. لعملية... يعني إحنا كنا كلما حاولنا أن نقوم بعملية لوبي فعالة نجحنا، لكن للأسف لا نحن ولا بقية العرب استطعنا أن نجعل هذا اللوبي مؤسسة قائمة كما تمكَّن الصهاينة، لو نجحنا في أن نعمل المجهود الذي بُذل أيام الحصول على صفقة الـ(F15) – وهو مجهود رائع بكل المقاييس – لو استطعنا أن نعمل منه مؤسَّسة دائمة ، تمارس اللوبي لتغيَّرت الصورة، لكن – مع الأسف – العرب عمومًا يمكن نظرتهم قريبة ، يعني إذا حقق الهدف انتهى الموضوع، ولكن هذي الفترة كانت فترة صراع حقيقي بين اللوبي الصهيوني وبين المملكة السعودية ؛ لأن اللوبي الصهيوني جرَّد جميع قوته لمنع المملكة من الحصول على هذه الأسلحة. العلاقة الحميمة مع الرئيس (كارتر) ومع الرؤساء الأمريكان أوقفتهم إلى جانبنا ضد اللوبي الصهيوني، فكانت معركة.. معركة عمالقة؛ هناك قوة كبيرة على جانب القضية.. قوة فاعلة ونافذة في المجتمع الأمريكي لا تريد للمملكة الحصول على أسلحة، وكان بالإمكان أن تفشل الصفقة، ولكن كانت تماثلها أيضًا ضغوط من المملكة ، ومن العناصر التي ترى أنَّ المملكة هي صديق وحليف يجب الاعتماد عليه، حتى انتهت العملية بحصولنا على الـ(F15).

مراحل العلاقة السعودية المصرية استماع إلى الفقرة

* كان هناك أيام الرئيس عبد الناصر كانت هناك – زي ما تقول – العلاقة مع المملكة كانت متأرجحة وعاصفة، وجت فترة وصلت إلى حد القطيعة التامة، وعند ما ضُربت عسير ، وضُربت اليمن كادت تكون مواجهة بين الدولتين، وكان عبد الناصر – كما قلنا قبل قليل في شأن الثورات – كان بالفعل في فترة من الفترات يريد تصدير الثورة، وكان يريد ثورة هنا وثورة هنا وثورة هنا، فكانت العلاقة مع عبدالناصر مضطربة، ما عدا في السنوات الأخيرة هدأت.

الواقع أن أنور السادات بمجرد أن تولَّى الحُكم قضى على ميراث التدخُّل في الشؤون العربية الداخلية، ألجم المخابرات المصرية، ألجم جميع الأجهزة من التدخُّل، ألجم وسائل الإعلام المصرية؛ يعني وضع سنَّة عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية العربية والتزم بها، وطبعًا بالنسبة للمملكة هذا ما كانت تتمنى، وبدأ في أوائل عهده يركز على التنمية الاقتصادية وعلى تطوير البلد، وهذا ما كانت المملكة تتمنى، فأصبحت العلاقة حميمة مع الملك فيصل أولًا ثم مع الملك خالد ؛ لأن هذا الرجل أنهى ميراث الكراهية، أو ساعد على إنهائه بين البلدين، أوقف قصة تصدير الثورة نهائيًا.. وظلت مصر ثورة ، ولكن قالت نحن لم نعد نتدخَّل في الشؤون الأخرى، ترك عنه مشروع الدولة الوحدة.. الدولة العربية الواحدة ، التي تضم بقية الدول إما طوعًا أو قسرًا، فكانت العلاقة حميمة، وكان الرئيس السادات أكثر رئيس يمكن يتردَّد على الرياض في فترة السبعينات الميلادية.

عندما قرر الرئيس السادات (وهذا – كما قلت – موضوع يطول فيه الجدل ولن أدخل فيه) عندما قرر أن يزور القدس ، كان هناك انطباع... هو أتى إلى المملكة جلس يومين ، قبل أن يعلن أنه سوف يذهب إلى القدس ، فنشأ انطباع أنه ذهب إلى المملكة لكي يستشير في الذهاب إلى القدس ، أنا الذي أعرفه تمامًا أنه لم يذكر موضوع زيارته للقدس إطلاقًا لا خيرًا ولا شرًا ولا سلبًا ولا إيجابًا؛ لذلك المملكة فوجئت بعد ذلك بالقرار ، عندما قال إنه سوف يذهب إلى القدس ، وأصدرت بيان تستنكر فيه الحركات غير المحسوبة.

أنا أتذكر السفير الأمريكي في ذلك الوقت (اسمه جون ويست ) كان هنا مقيمًا ، وكان يقول إنه أرسل تقرير لدولته يقول: الرجل قبل أن يتخذ قرارًا رئيسيًا يستشير مدير بنكه (أو مموِّله) وزوجته، فأرسل تقرير لواشنطن يقول: أنا لا أدري هل السادات استشار زوجته ، قبل أن يذهب إلى القدس ، ولكنني أعرف بالتأكيد أنه لم يستشير مموِّليه في المملكة . لم يكن هذا رأيي الشخصي هذا حتى السفير الأمريكي رفع تقريرًا.

وحزّ في نفس الملك خالد أن يأتي القرار بعد هذه الزيارة ؛ لأنها أعطت انطباع أن المملكة موافقة عليها ضمنًا أو أنه استشارها أو أنه... هذا لم يحدث؛ لذلك أصدرت المملكة بيانًا ، عندما أُعلن عن ذهابه للقدس .. لا أتذكره حرفيًا ولكن كان يتكلم عن خطر التصرُّفات غير المدروسة أو التصرُّفات الفردية. أنا أعتقد هذي أصبحت نقطة تحوُّل في العلاقة بين الملك خالد والرئيس أنور السادات ، هو اعتبر الذهاب الفردي للقضية اعتبره تنكُّرًا وخيانةً ، لكل ما تمَّ العمل العربي عليه خلال ثلاثين أو أربعين سنة، كانت مصر قائدة العرب في حل القضية الفلسطينية، كانت تقول أنه لابد من تحرير عدن ، ومن تحرير اليمن ومن تحرير المملكة .. لابد من ثورة هنا وثورة هنا عشان نفتح الطريق إلى تحرير القدس ، كان دائمًا يُقال: إن تحرير القدس (هذي أدبيات الثورة؛ أدبيات صوت العرب) إن تحرير القدس يمر عبر الرياض ، وعبر صنعاء وعبر.... حتى التدخُّل المصري في اليمن كان يُبَرَّر على أنه طريق الوصول إلى تحرير القدس ، والثورة المصرية لم تحصل على الدعم الهائل من الشعوب العربية ، لأسباب داخلية أو اقتصادية نشأ من موقفها من القضية الفلسطينية ومن إسرائيل، فعندما يأتي قائد هذه الدولة التي قادت الصراع ، وقادت.... ويقوم بعمل انفرادي ويشذّ عن جميع العشرين دولة عربية كان الملك خالد مستاءً، لم تعد العلاقة بينهما إلى طبيعتها على الإطلاق إلى أن اغتيل الرئيس، وحتى عندما اغتيل الرئيس أصدرت جميع الدول العربية بيانات في شجب اغتياله، هو رفض.. قال: أنا لا أنافق، هذا الرجل قُتل.. قتله جيشه ولكنني لن أُصدر بيانًا أقول فيه : أني أستنكر أو أشجب ؛ لأني لن أكون صادقًا مع نفسي، لن أشمت ولن أصدر بيانًا في شماتة، ولكني في نفس الوقت لن أصدر أي نوع من أنواع البيانات. و المملكة بالفعل التزمت الصمت بين كل الدول العربية؛ لأنه كان بالفعل كان في نفسه مرارة كبيرة جدًا ، خلَّفتها زيارة السادات للقدس .

القرار الـمُنفرد للرئيس السادات استماع إلى الفقرة

* المملكة كانت تسعى سعي بطيء وعبر السنين إلى أنه لن تكون هناك جدوى إلا بمفاوضات جماعية، وبذلت جهود كبيرة لعمل وفد فلسطيني.. حتى في ذيك الأيام ، قيل إنه سينضم ليكون جزء من الوفد الأردني ومجموعة الدول العربية، وتمَّ إقناع الرئيس حافظ الأسد ، وتم الاتفاق على موعد مبدئي لعمل مباحثات جماعية، وفي هذه الظروف (لأسباب يمكن أعجز عن فهمها، وقيل عنها الكثير ، وسيُقال عنها الكثير) قرَّر الرئيس السادات أن يذهب بمفرده، وحرم نفسه – في نظري وفي نظر المملكة ذلك الوقت – حرم نفسه من أوراق لعب كثيرة، يعني العمق العربي مهم جدًا بالنسبة له، هو ذهب من غير تفويض من أحد؛ لذلك عندما تحدَّثَ عن استرجاع سيناء كان يتحدث عن موضوع يخصُّه داخليًا ، يمكن ما كان فيه عند أحد اعتراض، لكن عندما وافق على حكم داخلي للفلسطينيين ، وتعهَّد نيابةً عنهم كان أيضًا هناك استياء: مَن الذي فوَّضه أن يقوم بهذا كله؟ لم يفوِّضه الفلسطينيون. فكانت المملكة ترى أن مغامرة القدس من أولها إلى آخرها.. من بدايتها إلى نهايتها لم تكن موفَّقة ولن تُنهي المشكلة، وكما نرى الآن بعد مرور كَم؟ أكثر من ثلاثين سنة.. هل انتهت المشكلة؟ هل انتهت..؟ صحيح رجعت سيناء ولكن هل العلاقات بين مصر وإسرائيل حتى بعد هذه السنين ، هل هي طبيعية؟ هذه هي تتعرض في كل يوم إلى أزمة، هل العلاقات بين إسرائيل والعالَم العربي طبيعية؟ إذا كان الهدف المحدد أن كل دولة تسترجع أراضيها ، تصبح الصورة مختلفة.. كان بإمكان كل دولة أن تفاوض، ولكن كانت الفكرة أن تُرجَع الأراضي العربية بشكل جماعي في مفاوضات جماعية. نرجو – إن شاء الله – أن هذا ما سوف يحدث في المستقبل، ولكن أي مجهود فردي يصعب التنبُّؤ أنه سيحقق إلا مكاسب إقليمية أو ضيقة.

موقف الملك خالد من الأحداث في لبنان استماع إلى الفقرة

* ملوك المملكة تربطهم علاقة خاصة ب لبنان ، ويرون لبنان أنها فسيفساء.. وفسيفساء دقيقة، وحفاظها على تركيبتها مهم للعالَم العربي، هي مُتَنَفَّس، وهي منطقة محايدة، وهي مركز مالي، فاستبداد أي عنصر من العناصر بها – كما يحصل من محاولات بين حين وآخر – يفسد لبنان طبيعتها ، ويجعلها ميدان صراع، وهذا ما حصل في الواقع.

الملك خالد – رحمه الله – كان متعاطفًا مع الفلسطينيين، وفي نفس الوقت كان متعاطفًا مع الدولة اللبنانية؛ لأن لا يريد أن تفقد الدولة اللبنانية هيبتها وتتحول إلى ميليشيات من كل جهة ومن كل جانب، فحاول جهده.. حاول الإصلاح بين الفلسطينيين وبين اللبنانيين، وعُقدت عدة مؤتمرات لم تحقق نجاحًا، فتطورت الأمور فيما بعد على نحو دارماتيكي ، انتهى بموضوع إن قوات الردع العربية التي سوف تأتي لوضع حد للقتال، وقوات الردع طبعًا كانت جزءًا من القوات السورية ، وتدريجيًا هي حلت محل قوات الردع، وكان الملك خالد متقبِّل هذا الوضع على أساس إنه هذا أحسن الأوضاع ، لإنهاء الفوضى القائمة في لبنان ؛ يعني لم يكن هذا الوضع المثالي في رأيه ، ولكن كان يرى أن قوات ردع عربية أو حتى قوات ردع سورية تقضي على المذابح التي كانت مستمرة ، والتي كانت ستمزق لبنان إلى ما لا نهاية، وضع أفضل من الفوضى الشاملة، ولكن لا أستطيع أن أقول إنه كان راضيًا عن التغلغل السوري في لبنان ، كان يفضِّل أن يبقى لبنان مستقلًا وبدون تدخُّل سوري، إنما تطوُّر الأحداث مرّ بشكل درامي ، وتتابعت الأحداث وتلاحقت وتغيرت التحالفات ونعرفها كلها: الفلسطينيين تغيَّر موقف السوريين منهم، تغيَّر موقف الدروز من السوريين... يعني أصبحت هناك اضطرابات وتحالفات تتغيَّر كل يوم، وميليشيات مارونية من جهة، وناصرية من جهة أخرى، فلسطينية، درزية، ففي النهاية كان وصل الجميع إلى حل إنه وجود قوات ردع عربية هي الحل الوحيد للقضاء على الحرب، وبالفعل في تلك الفترة حققت هذه القوات هدفها، وبدأ لبنان يستعيد سلامته شيئًا فشيئًا، إنما فيما بعد تطوَّرت الظروف ، وخرجت القوات السورية.

الأيام الأخيرة من حياة الملك خالد استماع إلى الفقرة

* آخر أسبوع من حياة الملك خالد – رحمه الله – كان أسبوعًا يملؤه الأسى الشديد على دخول القوات الإسرائيلية للبنان سنة 82، واستغاث به ياسر عرفات ، وكلَّم الرئيس الأمريكي ، وكان في حالة شديدة جدًا من الانفعال. أنا لستُ طبيبًا ولكن لا أستبعد أن.. لأن كان ذاك الوقت يعاني من ضعف في قلبه، كان قلبه من البداية ضعيفًا وأُجريت له أكثر من عملية جراحية، وطبيبه كان يقول: أستغرب كيف استطاع أن يتحمَّل كل ما تحمَّله بقلبه ، الذي كان بالفعل قلبًا ضعيفًا. ولكن رغم هذا كان حريصًا على أن يُبدي استياءً من الموقف الأمريكي وأن يتحدث... ويتحدث مع ياسر عرفات ويعطيه الدعم، فيما بعد الملك فهد أكمل المسيرة وكلَّم (ريغن) و (ريغن) أوقف التقدم الإسرائيلي.. المهم أن ما بدأ الملك خالد أكمله الملك فهد عندما أصبح ملكًا، الذي عرفته (أنا لم أكن في ذلك الأسبوع) الذي عرفته أنه قيل له لا تذهب إلى الطائف ، لا تذهب.. السفر في الطائرة مُتعِب. فقال: لا.. سوف أذهب. لأنه هو عنده عادة كان إذا اتخذ قرار ، لا يحب أن يؤخره أو يؤجله فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . الذين كانوا معه أخبروني أنه كان أولًا دارَ بالمزرعة في الثمامة كأنه.. طبعًا تبدو الأشياء الآن كما لو كانت وداعًا ؛ لأنه مرَّ بها قسمًا قسمًا.. يعني قضى ساعات يمر على الأقسام: أقسام الزرع، أقسام الحيوانات، أقسام...، وفيما بعد شعر الناس أنها كانت عملية توديع، فهو ركب الطيارة وركب معه الأطباء ، وعندما نزلوا في الطائف قال لهم: طلبتم مني ألا أسافر ولكني سافرت، والذي يسمع كلام الأطباء هذا رجل جبان، أنا لست جبانًا.

كان بنى جناح (ليس قصرًا) بنى جناحًا جديدًا في قصره في الطائف ، كان يحب الطائف ، كان يقضي فيها أربعة أشهر في السنة، فكان حريصًا على موسم الاصطياد في الطائف ، فقضى تلك الليلة يدور على الأقسام الجديدة ، وكان – أظن – معه بعض إخوانه، وكان سعيدًا بالجناح الجديد ويتطلع للسكن فيه، وأوى إلى فراشه، كما قيل إنه كان في حالة نفسية سعيدة، وطبعًا في الصباح.. قبيل الصباح ذهبت روحه إلى بارئها. رحمه الله.

الوداع والذكرى استماع إلى الفقرة

* والله أنا كنت في الطائف في وقتها، وأَسِفتُ لأني قَدِمتُ قبلها بيوم واحد ، ولم آتِ معه في نفس الطائرة ؛ لأني كنت معي عائلتي فقَدِمتُ قبله مع الأولاد والعائلة. هو توفي قرابة الفجر، وإحنا الوزراء لهم مجمَّع حكومي في الطائف ، لا يبعد كثيرًا عن قصره.. دقائق، ففي حوالي الساعة التاسعة تقريبًا بدأ الخبر يتسرَّب إلى أنه توفي ، وذهبتُ رأسًا إلى القصر، هناك وجدتُ جثمان مسجَّى للانتقال به إلى الرياض ، وجدتُ – الحقيقة – حالة من الحزن الكبير ، الذي لا يستطيع إنسان أن يتصوَّره في شخص الأمير فهد ولي العهد، وشخص الأمير عبد الله ، والأمير سلطان . طبعًا بمجرد وفاة الملك – كما هي التقاليد في المملكة العربية السعودية – اجتمع المجتمعون من الأسرة ومن الموجودين ، ونودي بالملك فهد ملكًا، فعندما قَدِمتُ في حوالي الساعة التاسعة كان الملك فهد ملكًا، فتقدَّمتُ إليه وسلَّمتُ – نسمِّيها إحنا – المبايعة، فقال لي – هو قال لي الملك فهد –: هل سلَّمتَ على ولي العهد؟، فتبيَّن أنه قبلها عيَّن الأمير عبد الله وليًا لعهده، وسلَّمنا على الأمير عبد الله وعلى الأمير سلطان ، وكان الجميع في حالة يُرثى لها.

بعدين انقسم.. ما كان بالإمكان أن يسافر – لاعتبارات أمنية – ما كان بالإمكان أن يسافر الملك وولي العهد في طيارة وحدة، وإلى الآن هذا من المحظورات الأمنية، فذهب الملك فهد في الطائرة وذهب معه مجموعة من الوزراء كنتُ أنا معهم، وذهب ولي العهد مع الجثمان في طائرةٍ أخرى ، وكان معه أيضًا مجموعة من الوزراء، وطبعًا كان الحديث كله عن الفقيد وعن شخصيته و..

الآن بعد السنوات هذي كلها نجد أنَّ كلما تذكَّره المواطن السعودي العادي ، أو تذكَّره الذين عملوا معه ، لا يجدون إلا نفحات عاطرة من شخصية جاءت وذهبت ، وتركت خلفها أجمل الذكرى ، وأعظم الآثار في تاريخ الشعب السعودي. رحمه الله رحمةً واسعة.




النص بلهجة الضيف  

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّصُّ الفصيح
للمقابلة مع الضيف
الدكتور غازي القصيبي رحمه الله
(وزير الصناعة والكهرباء في عهد الملك خالد)

سمات شخصية الملك خالد

* عندما نتحدث عن شخصيةٍ مثل شخصية الملك خالد – رحمه الله – ، يجب –أولا- أن نتحدث عنها بشيءٍ من المنهجية؛ كي لا يصبح الحديث استطرادًا وسردًا، وما أنوي عمله في وقتي المخصَّص لهذا اللقاء (وهو بطبيعته وقتٌ ضيق) أن أبدأ بالتحدُّث عن شخصيته؛ فشخصية الرجل – سواء كان ملكًا أو شخصًا عاديًا – هي المفتاح لكثير من قراراته وكثير من تصرُّفاته؛ إن لم تعرف الرجل لن تعرف القرارات، وإذا عرفتَ الرجل سيساعدك هذا على فهم قراراته. بعد ذلك سوف أتحدث عن انعكاس شخصيته على مجال السياسة الدولية، ثم أتحدث عن انعكاس هذه الشخصية في مجال السياسة الداخلية، وأمور التنمية بشكلٍ عام.

ربما نستطيع خلال هذا الحديث، أن نصحِّح بعض المفهومات عن الملك خالد رحمه الله؛ لأنه – في تصوُّري – لم يحظَ – لسببٍ أو آخر – ببحوثٍ مفصَّلةٍ و معمَّقة، فقد تنتشر صور ذهنية عنه لا تتطابق مع ما كان عليه بالفعل.

لقد وجدتُ نفسي – بحكم قدر الله سبحانه وتعالى وقضائه – قريبًا منه لفترة امتدَّت إلى قرابة ثماني سنوات أو تسع سنوات، من قبل أن يتولى العرش بسنتين إلى أن توفي – رحمه الله – بعد تولِّي العرش بقرابة ثماني سنوات، كنتُ قريبًا منه جدًا، قريبًا بمعنى القرب الفعلي، أي أني كنت أراه في الأسبوع مرتين، أو ثلاث مرات في معظم الأمور وأقضي معه وقتًا كبيرًا، فأُتيح لي – ربما بحكم هذه المصادفة – ما لم يُتَح لغيري من التعرُّف إلى شخصيته.

أحيانًا يأخذ الناس البعيدون انطباعًا سريعًا ؛ لأن الانطباعات عن بُعد لا تعطيك الصورة الحقيقية، أما أنا فقد أُتيح لي بحكم العمل (تجارب العمل والاحتكاك الأسبوعي الدائم) أن أعرف جوانب كثيرة من شخصيته.

يكاد يُجمع المحلِّلون والذين عرفوا الملكَ خالدًا أن شخصيته تتميز بأشياء ثلاثة: أولًا: بالبساطة؛ ثانيًا: بالتواضع؛ وثالثًا: بالصَّراحة، ولكلٍّ من هذه الصفات أبعاد ودلالات.

البساطة والتواضع

* نحن نرى في حياتنا العادية، عندما يُرَقَّى إنسان فيصبح مدير جوازات أو مدير مرور، فربما تزيل السلطة أو تغيِّر من توازنه، فيصبح غير الشخص الذي عرفتَهُ طيلة حياتك، بالتأكيد في بعض الحالات عندما يأتي للإنسان منصب وزاري – خصوصًا عندما لم يكن يتوقعه– تجد أن هذا المنصب أزال توازنه، فلم يعد الرجل الذي تعرفه، وربما كان زميلك في المدرسة أو زميلك فترة طويلة، وعندما أصبح وزيرًا أصبح شخصًا آخر؛ في حركاته.. في تصرفاته.. في الأشخاص الذين تعوَّد أن يرافقهم.. في أشياء كثيرة جدًا. أما الملك خالد فقد عرفته وهو ولي عهد، وعرفتُه بعد أن أصبح ملكًا، أستطيع أن أقول: إنه من الحالات النادرة – في التاريخ ربما – التي لم يؤثر فيها منصب الـمُلك في الشخصية الأصلية، يكاد يكون هذا الشيء نادرًا بين جميع رؤساء الدول؛ لابد عندما يصبح الرجل الشخص الأول بعد أن كان الشخص الثاني (مهما كانت أهمية المركز الثاني، فإن المركز الأول له خصوصية فريدة، لا يمكن مقارنتها بأي وضعٍ آخر) لابد أن ينعكس هذا على نوع من السلوك: تغيير في الحركات، تغيير في السَّمت، تغيير حتى – في بعض الحالات – في الكلام.. في النطق.. في الحركة، حتى إنه في بعض الحالات يقف الناس مذهولين: هل هذا هو الرجل الذي عرفناه قبل أن يصل إلى السلطة؟!.. السلطة قد تكون رئاسة جمهورية أو رئاسة دولة .. المهم أنها الجهة الأرفع في الدولة.

أنا لم ألحظ أي نوع من أنواع التغيُّر على الملك خالد – رحمه الله – بعد أن أصبح ملكًا، بل على العكس بقي بالأسلوب نفسه، بالبساطة نفسها، لم يُدخل على أسلوب حياته أي شيء من التغيير المرتبط بالـمُلك، وبجاه الـمُلك وبأُبَّهة الـمُلك؛ ظل هو الرجل نفسه ببساطته، بطبيعته الفطرية، بانطلاقه العفوي المعهود، فهذا – بالتأكيد – شيءٌ يُسَجَّل له ؛ لأنه أمرٌ نادر.. نادر بين جميع البشر.

يرتبط بصفة البساطة، أنه كان بسيطًا في كل أموره، بسيطًا في لباسه، بسيطًا في مأكله، بسيطًا في مسكنه، بسيطًا في تعامُله مع الناس، لم يلجأ إلى ما يلجأ إليه – أحيانًا – بعض رؤساء الدول من وضع حالة مفتَعلة بينهم وبين المواطنين، أو النظر إليهم من علُ، أو عدِّهم ينتمون إلى عالَم آخر هو عالَم العامة، وهو ينتمي إلى عالَم أرفع، لكن على العكس تماما مع الملك خالد فقد ظلت الأمور على ما هي عليه، وكثير من الحوارات بينه وبين المواطنين كانت تعكس هذه الحقيقة، وقد كان اللقاء الذي يجمعه بين المواطنين، وأصحاب الحاجة في البداية يوميًا، ثم أصبح مرتين في الأسبوع، كان اللقاء ممتعًا ؛ لأنه يتحدث مع الناس بلغتهم، ويتحمل ما يصدر منهم أحيانًا، فيزعجه (وكما يُقال: صاحب الحاجة أرعن )، فيردُّ عليهم بمنتهى البساطة، ويتحدث بمنتهى البساطة، حتى إني أتذكر مرةً أن أحد المراجعين كان متحمسًا، فكان يتحدث إليه وهو يسحب (مشلح) الملك بحركة عصبية، فقال له: يا أخي أنت مشكلتك معي وليست مع مشلحي، لا داعي لأنْ تقطِّع المشلح. فهذه العفوية التي تسمح للمواطن، بأن يقترب من الملك، وأن يسحب مشلحه يندر أن تراها إلا في شخصية فذَّة مثل شخصية الملك خالد ؛ لأن تعامُله كان مع الأشخاص الذين لا يتوقع أحد الاهتمام بهم، وهذه ناحية مهمة، فعندما يأتيه زوَّار دائمًا يهتم ويسأل: ماذا تمَّ بخصوص السائقين؟ ماذا تمَّ بخصوص المرافقين؟ هل جلسوا؟ هل أتاهم أحد بالطعام؟ وهذه – سبحان الله – خصيصة يشترك معه فيها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز ، فهو يهتم اهتمامًا كبيرًا بالأشخاص الذين لا يهتم بهم أحد، وهذا جانب مشترك، وتوجد جوانب مشتركة كثيرة بين ملوك المملكة بطبيعة الحال ؛ لأنهم نشؤوا في المدرسة نفسها، وفي البيت نفسه وعلى يد المعلِّم نفسه.

في التعامُل مع الأطفال – أنا ذكرتُ هذه القصة مراتٍ عدة، ولكني أذكرها ليس في سياق الطرفة، ولكن في سياق كيفية تعامُله مع الأطفال –: ذهبتُ مرة مع ابني سهيل (كان ربما في الثامنة من عمره، وكنا في جدة ، وكان يوم عيد الفطر)، وذهبنا إلى الملك خالد لنهنِّئه بالعيد، وكان في مجلس صغير، ولم يكن معه جلساء كثيرون؛ ربما أقل من عشرة، وقدمتُ له سهيل ، هو بطبيعته لاحظ أن الطفل مرتبك، فأهمله قليلًا أو تجاهله ؛ لأنه قدَّر أنه لو كلَّمه فربما كان سيربكه، فهو في حضرة ملك، فتركه بضع دقائق، وبدلًا من الأسئلة التقليدية التي تقال للأطفال: أنت في أي صف؟ وكم عمرك؟ وغيرها من الأسئلة التي تحرج الأطفال أحيانًا؛ سأله ببساطة: ماذا تريد أن تشرب؟ ولا أدري ماذا خطر ببال سهيل؟ فقال: أريد بيبسي. ولقد نظرتُ إليه شزرًا، فالملك طلب أن يُحضَر بيبسي، تبيَّن أن في القصر جميع أنواع المشروبات الغازية عدا البيبسي, فقالوا له: هل تريد سفن أب؟ قال: لا. – هل تريد ميرندا؟ قال: لا. – هل تريد (أورانج)؟ قال: لا. لا يريد إلا بيبسي. وأنا أنظر إليه ليفهم لكن بلا فائدة، فأخيرًا قال له الملك: ما رأيك في أن نشرب أنا وأنت شايًا؟ قال: لا، أريد بيبسي. فالملك نادى السائق، وقال: اذهبوا إلى (الصندقة) التي هناك أحضروا لضيفنا بيبسي. وأعتقد ذهبوا إلى صاحب (الصندقة)، وإذا بسيارة من القصر الملكي تأتي لتشتري منه زجاجة بيبسي أو صندوقًا! المهم أنه في الأخير جاء البيبسي، وسهيل سُرَّ وشرب البيبسي، عندما شرب البيبسي قال له: والآن هل انبسطت؟ ثم صار يتحدث معه.

فهذه صورة من التعامل مع طفلٍ صغيرٍ، في وجود مجلس فيه رجال وفيه ضيوف، وتحقيق طلب من طلباته, فهو نظر إليه على أنه ضيف، وحتى لو كان طفلًا صغيرًا، فهو ضيفه فكان لابد من أن يعطي لضيفه ما أراد. فهذه اللمحات أو اللمسات الإنسانية تعطي فكرة واضحة عن هذه الشخصية، التي نستطيع أن نقول إنها فريدة، فريدة بين الملوك وفريدة أيضًا بين الناس العاديين.

الصراحة

* يرتبط بهذا كله (بالبساطة والتواضع) موضوع الصراحة؛ فقد كان الملك خالد شديد الثقة بالنفس، لم تكن لديه سياسة باطنة وسياسة ظاهرة، لم يكن لديه موقف منك حقيقي وموقف آخر ظاهر، لم يكن لديه أكثر من موقف من أي شيء: واحد لنفسه وواحد للناس، وواحد للرأي العام، فكانت مواقفه من الأمور كلها، ومن الأشخاص كلها مواقف واحدة.

إذا أَحَبَّ إنسانًا – لسببٍ من الأسباب – فهذا الحب ظاهر في كل تصرفاته، وعندما أتكلم عن حب فقد يكون حب زعيم، قد يكون حب صديق..، ولكن في الوقت نفسه إذا وجد مآخذ على هذا الشخص، يبدو عدم الرضا على تصرُّفاته واضحًا، بحيث لا يستطيع أن يجامله، حتى لو كان الشخص رئيس دولة، أحيانًا بعض رؤساء الدول يتَّخذون مواقف هو لا يستسيغها من منطلق إسلامي أو من منطلق عربي، فعندما يحصل لقاء بينهما تشعر بشكل واضح، أنه لا توجد أدنى محاولة لتغيير موقفه الحقيقي، وهو لا يريد أن يخفي موقفه الحقيقي، وهناك قصص كثيرة (بعضها عُرف، وبعضها لم يُعرَف) من حوارات صريحة وصادقة بينه وبين عدد من المسؤولين سواء العرب أو الأجانب، وكانوا ربما في حالة ذهول من الصراحة المطلقة، التي كان يتحدث بها.

اهتمُّوا بالضعفاء

* أنا أحب أن أختم هذا الجزء، عن شخصية الملك خالد بقصة واقعية: عندما استُشهد الملك فيصل – رحمه الله – وتولى الملك خالد الحُكم، وتولى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله – ولاية العهد؛ كان يوجد حرص على تشكيل مجلس وزراء جديد بعد أن استمرَّ مجلس الوزراء بتشكيلاته فترةً طويلة، وكان هناك حرص على أن يكون هذا المجلس في معظمه من الشباب ومن المثقَّفين, وفي تلك الأيام سُمِّيت الحكومة (حكومة الدكاترة)؛ فقد كان عدد حاملي الشهادات العليا في مجلس الوزراء، أكثر من أي مجلس وزراء في العالم، وكانت أعمار أعضاء مجلس الوزراء أصغر من أعمار أي مجلس وزراء في العالَم، طبعًا ما كان هذا ليتم لولا موافقة من الملك وبمباركةٍ منه، فالجلسة الأولى لمجلس الوزراء (كان عادةً لا يحضر إلا جلسات نادرة ؛ لأنه أوكل موضوع رئاسة الجلسات وإدارة الشؤون اليومية لولي عهده الأمير فهد ) ولكن هذه لكونها الجلسة الأولى فقد حضرها هو، وأنا أذكر – ولا أنسى حتى أموت– أول كلمةٍ بدأ بها، عندما تحدث إلينا في مجلس الوزراء بتشكيلته الجديدة (كان معظمنا من الوزراء الجدد، كان يوجد بعض الوزراء من الوزارة السابقة، لكن الغالبية من الوزراء الجدد) قال: أنا أحب أن أترككم بوصية واحدة: اهتمُّوا بالضعفاء، أما الأقوياء فهم ليسوا بحاجة إليكم، ولا إلى اهتمامكم. ووالله هذه ظلت بمنزلة نبراس لنا، وبالفعل كلما يتأمل الإنسان يجد أن الأقوياء (بكل المعاني: ماديًا، اجتماعيًا، معنويًا..) يستطيعون الاهتمام بمصالحهم، ولا يحتاجون لوزراء ولا لغير وزراء، الذي يحتاج إلى خدمات الوزراء والدولة عمومًا، والحكومة عمومًا هو الجانب الأضعف ("ضعوف" كما يسمِّيهم). كان يرى أن الدولة والمسؤولين يجب أن يكون همُّهم الاهتمام بحالة (الضعوف).. الضعيف اقتصاديًا.. المهمَّش اجتماعيًا؛ ولذلك كان يقف تقريبًا كل يوم عند النساء الواقفات عند باب قصره، ويأخذ المعاريض منهنّ، وفي كثير من الحالات يقابلهنّ، وكان يقول: هذه ليس لها أحد إلا الله في السماء وبعد الله إذا ما اهتممتُ بها أنا مَن سيهتم بها؟. كان دائمًا يوصينا بهذا.

ولقد عددتُ هذه الجملة الواحدة المفتاح السحري لشخصية هذا الرجل، لم يكن يهتم كثيرًا بالأقوياء، كان همه الضعفاء، الضعفاء هم الذين يحتاجون إلى من يمنحهم العدل، إلى من يمنحهم الأمن، إلى من يمنحهم الاطمئنان، وسوف أعود إلى هذه النقطة، عندما أتحدث عنه في مجال السياسة الداخلية.

صانع القرار في السياسة الخارجية

* أودُّ أن أنتقل الآن إلى المحور الثاني، وهو دور الملك خالد بوصفه صانع قرارات في مجال السياسة الخارجية .

بدايةً، ربما يكون هذا هو الموضع المناسب لأُزيل فكرةً، ربما تكون مترسِّبة في بعض الأذهان – خصوصًا من الذين لم يعملوا معه، أو لم يحتكوا به – وهو أنه كان يملك ولا يحكم.. أي أن الحُكم كان كله مفوَّضًا إلى ولي عهده، هذا القول ليس صحيحًا على إطلاقه أبدًا، فقد كان بطبيعته وبفطرته يميل إلى التفويض، لا يودُّ أن يدخل في التفصيلات اليومية، وتوجد أمور فنية يعرف أن تدخُّله فيها سوف يعقِّد المسألة، فهو كان يعرف نواحي القوة، ويعرف نواحي الضعف، يعرف أنه ليس فنيًا، فكان دائمًا حريصًا على أنَّ الموضوعات التي يوليها اهتمامه هو الذي يهتم بها شخصيًا، كل الموضوعات التي يهتم بها كان يعرف تفصيلاتها، كان يهتم بالشؤون الخارجية، يهتم بمسائل العدالة، يهتم بمسائل التنمية، كل هذه الأمور كان يهتم بها كثيرًا. أما عندما يتعلق الأمر بإنشاء سد أو باتفاقية فنية ثنائية، بين المملكة ودولة أخرى، فإنه يقول: هذا ليس عملي، هذا عمل الوزراء. فهو إذًا في الواقع كان لا يُتَّخَذ أي قرارٍ رئيسٍ في عهده – سواءً في المجال الداخلي أو المجال الخارجي – إلا بعلمه، وكان يوافق على معظم القرارات التي تُعرَض عليه، ولكن في الحالات، التي كان يعترض عليها لم يكن القرار ينفذ.

إن الناس لا يعرفون هذا؛ لأنهم يعرفون القرارات التي نُفذت، ولكن لا يعرفون أنه توجد قرارات لم تنفذ ؛ لأنه لم يوافق عليها.

ثوابت السياسة السعودية الخارجية

* يجب أن نعرف أنه يوجد إرث متراكم، منذ عهد الملك المؤسِّس جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله , فهو قد وضع ثوابت للسياسة السعودية، ثوابت لم يخرج عنها الملك عبدالعزيز رحمه الله، ولا الملك سعود رحمه الله، ولا الملك فيصل رحمه الله، ولا الملك خالد رحمه الله، ولا الملك فهد رحمه الله، والآن لا يخرج عنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز . هذه الثوابت ربما يعرفها كل مواطن سعودي: أن هذه الدولة ذات أساس إسلامي صلب، قائمة على تحكيم شرع الله، لم تتأسَّس، إلا لأنها تبنَّت الدعوة إلى الشريعة الإسلامية، هذا الجزء لا يقبل النقاش ولا يقبل المساومة، ولا يقبل الأخذ والردّ. أيضًا أن المملكة جزء من العالم الإسلامي، جزء منه بهمومه، فهموم العالَم الإسلامي هي هموم المملكة وبالعكس. والجزء الثالث طبعًا هو الجزء العروبي، أيضًا هذا من الثوابت، هناك مقولة مشهورة عندما كان أمين الريحاني يتكلم مع الملك عبدالعزيز في العِقد الأول أو الثاني من القرن العشرين (حتى قبل تكوين المملكة العربية السعودية ) فكان أمين الريحاني يتكلم على العرب .. والعرب..، فالملك عبدالعزيز قاطعه قال له: مَن العرب؟ نحن العرب. يعني أن موضوع العروبة هذا بالنسبة إلى الملك عبدالعزيز موضوع عفوي: نحن العرب؛ أي لا داعي للتنظير، لكي نثبت أننا عرب: فــ (نحن العرب)، فبقدر ما كانت (نحن مسلمون) كانت (نحن عرب) تأتي في المرتبة نفسها، وأي محاولة تصدر بين وقتٍ وآخر، للفصل بين العروبة وبين الإسلام هي محاولة مفتَعَلة، هي مفتَعَلة في نظر الملك عبدالعزيز ، وفي نظر الملوك من بعده وفي نظر الملك خالد . ولا ننسى – وربما أحيانًا ينسى الناس – أنه فيما بعد أصبحت كلمة (العربية) شائعة في أسماء الدول، مثل الجمهورية العربية المتحدة وغيرها، إلا أن المملكة كانت أول دولة سمَّت نفسها (المملكة العربية) ، ومنذ عام 1932م وضعت اسم (العربية) صفةً أساسية لها.

اهتمام الملك خالد بقضايا العالَم الإسلامي

* إذًا كان الملك خالد – رحمه الله – ينطلق في سياسته الخارجية من هذه الثوابت، التي أصبحت جزءًا من الثقافة السياسية السعودية، فقد كان الاهتمام بالعالَم الإسلامي محورًا أساسيًا من تفكيره واهتمامه، فعندما تحدُث كارثة في العالَم الإسلامي تجد – دون مبالغة – عينيه مغرورقتين بالدموع كما لو كان الحادث حدث في المملكة ، وعندما يحصل انتصار للمسلمين في مكان، تجده من أسعد الناس بهذا، في كثير من الحالات هو في ذهنه أن كلمة (السعوديين) وكلمة (المسلمين) مترادفتان، فهو يقول: نحن الآن في شغل المسلمين (يقصد في شغل السعوديين)، يا أخي هذا شَغَلنا عن عمل المسلمين (يقصد عمل السعوديين)؛ لأنه في ذهنه الكلمتان مترادفتان: السعوديون مسلمون، والمسلمون بمنزلة السعوديين.

فإذًا تستطيع أن تفهم كثيرًا من قراراته في ضوء هذا التوجُّه: المؤتمرات المتعددة التي حضرها، مؤتمر القمة الإسلامية في البيت الحرام ، دعمه للدول الإسلامية، المعونات.. كل هذا ينطلق من منطَلَقات إسلامية، كما انطلق مَن قبله، وكما انطلق أيضًا مَن بعده من المنطلقات نفسها.

العروبة محورٌ أساسي لدى الملك خالد

* الجناح الآخر هو العروبة، وأيضًا بالنسبة إلى الملك خالد رحمه الله – كما كانت بالنسبة إلى الملك عبدالعزيز – كان هذا جزءًا من التكوين، فهناك فرق بين العروبة والقومية، فربما تحتاج القومية إلى تنظير، وتحتاج إلى أن تقرأ كتبًا لتقنعك بأنك عربي، ويقولوا لك إن العروبة هي وحدة اللسان ووحدة التاريخ و...، هذه الأشياء بالنسبة إلى الملك خالد – كما هي بالنسبة لأسلافه، والذين جاؤوا من بعده – قضية محسومة واضحة، قضية إننا عرب هذه عنده أوضح من الشمس لا يجادل فيه أحدًا، ولا يقبل فيه المزايدة من أحد.

وبالفعل، عندما حاول مسؤولٌ – لن أذكر اسمه – أن يعطيه ما تَصَوَّرَه درسًا في العروبة؛ قال له: يا أخي، نحن عرب، ولا نحتاج إلى دروس في العروبة، نحن عرب قبل أن تكتشفوا أنتم معنى الكلمة، نحن عرب من رأسنا إلى أخمص قدمينا، فأرجوك تكلَّمْ ولكن دون أن تخبرني واجبي العربي ؛ لأني أنا أعرف واجبي العربي أكثر مما تعرفه أنت، ويعرفه غيرك؛ لأن هذا جزء من كياني.

من هذا المنطلق نجد عنده الجهود الحثيثة في إنشاء تصالُحات عربية، ومنها المصالحة المشهورة في الرياض بين الرئيس المصري والرئيس السوري، وتدخُّله المستمر في محاولة الإصلاح بين سورية و العراق في حالات توتُّر الأمور بينهما، ودعمه المستمر لمؤتمرات القمة، وحرصه على حضورها... ووقائع عربية كثيرة جدًا تفسِّر سياسة المملكة العربية في عهده.

القضايا العربية والإسلامية مقياس السياسة الخارجية

* المحور الثالث من السياسة الخارجية يتعلق بالسياسة الدولية للمملكة . ربما الآن جدَّ على هذا الجانب بعض التغيُّرات, في ذلك الوقت كانت سياسة المملكة قائمة أولًا على الصداقة مع الجميع، وقائمة على اتخاذ موقف من الاتحاد السوفييتي مبني على موقف الاتحاد السوفييتي من الدِّين، فقد كانت المشكلة أنه كيف تستطيع أن تقيم علاقات طبيعية مع دولة تُجاهر بعدائها للدِّين؟! ليس الدِّين الإسلامي فقط بل كل دين، كان يوجد تناقُض أساسي؛ لأنَّ الدِّين في رأي الملك خالد هو موضوع أساسي، لا يمكن أن نعترف بدولة، وهي لا تعترف بأي موقف من الدِّين سوى موقف الإلحاد وموقف العداء, فإذًا كان موقفه من الاتحاد السوفييتي حاسمًا وواضحًا، هو كان يرى أنَّ أي تقدُّم للاتحاد السوفييتي في ظل هذه الظروف، كان تقدُّمًا يسيء إلى قضايا الإسلام كما حصل في قضية أفغانستان .

الموقف من الولايات المتحدة ، ومن الغرب كان موقف صداقة تقليدية، فلم يكن يوجد تناقُض في المصالح؛ المملكة العربية السعودية لم تحتلها بريطانيا ولم تحتلها أمريكا ، والعُقَد التي خلَّفها الاستعمار في كثيرٍ من الدول (حيث بقيت آثار الاستعمار, حتى بعد أن ذهب الاستعمار، أصبح الناس لا يتكلمون إلا عن الاستعمار وعملاء الاستعمار وأذناب الاستعمار وذيول الاستعمار) لم تكن هذه موجودة في المملكة, لم يكن لدينا استعمار، ومن ثَمَّ لم يكن عندنا ذيول استعمار ولا أذناب استعمار، فكان بالإمكان أن تكون العلاقة مع أمريكا ومع الغرب، قائمة على أساس من الندِّية ودون أن ينظر أحد إلى أنه طرف قوي أو طرف ضعيف, إلا أن هذه العلاقة دائمًا – منذ أيام الملك عبدالعزيز إلى الآن – تعكِّرها قضية واحدة هي موقف الولايات المتحدة من الدولة الصهيونية، ومن الاعتداءات الصهيونية المتكررة، هذا الموضوع كان دائمًا موضوع خلاف، أيام الملك فيصل – رحمه الله – وصل إلى حدِّ قطع النفط، وفي أيام الملك خالد وصل إلى توتُّرات كثيرة جدًا، ولكن كان يوجد إيمان بأن المصلحة الاستراتيجية للمملكة ، تبقى مع الغرب في مواجهة كتلة ملحدة توسُّعية، فإذًا تتطلَّب منا مصالحنا الاستراتيجية أن نكون على علاقة حسنة مع جميع دول العالَم، وتحديدًا مع دول المعسكر الغربي ( الولايات المتحدة و أوروبا الغربية)، ولكن هذا كله لا ينبغي أن يمنعنا عن الحديث، عن اختلافنا الأساسي والرئيس مع الولايات المتحدة ، ومع الغرب عمومًا فيما يتعلق بالموقف من فلسطين ، و– سبحان الله – هذه قضية ثابتة في السياسة السعودية، الملك عبدالعزيز عندما اجتمع مع روزفلت لم يحدِّثه بكلمة واحدة عن أي طلب يريده للمملكة ، (و المملكة في تلك الأيام لم يكن النفط قد تدفَّق فيها) وربما كان روزفلت يتوقع أن الملك عبدالعزيز يطلب منه طلبات مساعدات أو إعانات, إلا أنه لم يطلب شيئًا، كان حديثه كله على فلسطين ، يُقال – وطبعًا هذه من الأشياء التي لا يستطيع أحد أن يخمِّنها – إنه لو كان روزفلت حيًا عند إنشاء إسرائيل وكان هو الموجود بدلًا من ترومان ، فلربما كان الموقف الأمريكي أكثر اعتدالًا و أقل انحيازًا، ولكن هذه من الأشياء التي لا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى. وكانت المباحثات الرسمية تشير إلى أن 90% من كلام الملك عبدالعزيز معه كان على فلسطين . لم يتغير الوضع في أيام الملك سعود – رحمه الله – وأذكر أن الملكَ سعودًا قطع النفط أيام العدوان الثلاثي على مصر ، ولم يتغير في أيام الملك فيصل ؛ لأن هذه قاعدة أساسية من قواعد المملكة العربية السعودية : التضامن مع القضية الفلسطينية ومع قضايا العرب، واستمرَّ هذا التضامن في عهد الملك خالد . الملك خالد كادت علاقته مع الولايات المتحدة أن تصل إلى حدِّ القطيعة، عندما حصل الغزو الإسرائيلي لـ لبنان مثلًا، وكان حينها مريضًا، وربما أدى هذا إلى مضاعفات في مرضه لكثرة انفعاله، فهو لم يكن يسمح لأي مصالح استراتيجية للمملكة ، أن تحول دون الدعم المستمر، والدائم للقضية الفلسطينية.

فيما عدا ذلك كانت سياسة المملكة مبنية على التعاون مع الجميع، أيضًا هذا إرث من أيام الملك عبدالعزيز ، المملكة لا تسعى لمعاداة أحد، هي تفتح الذراع للجميع، وتود أن يصبح الجميع متعاونين معها، وبالفعل في عهده لم تكن لدى المملكة عداوات، أحيانًا تحصل أشياء عابرة، لم تكن من طرف المملكة ، ولكن عمومًا كانت المملكة مستعدة دائمًا – كما هي الآن – لفتح صفحة جديدة، وآخر مَثَل عندنا لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله ، عندما ذهبنا إلى قمة الكويت ، وكان العالَم بأسره يتوقع منه تفجيرًا للصراعات وقلبًا للمقاعد والأوراق، طبعًا هو فاجأ الجميع، وقال: أنا أتيتُ لأعلن نهاية الخلافات. هذه النظرة نفسها في العلاقات العربية، كانت تحكم علاقة الملك خالد بالقضايا العربية, على سبيل المثال: أنه كان يحب السادات كثيرًا؛ لأنه يعتقد أن السادات رجل وطني وحرَّر جزءًا من بلاده، ولكن عندما ذهب للزيارة المنفردة للقدس تغيَّر موقفه منه تمامًا، رأى أن هذه الزيارة أولًا أهانت مشاعر المسلمين في يوم عيد الأضحى، وثانيًا لم يكن لها مبرر ؛ لأنَّه كانت هناك مباحثات في سبيل جمع وفد عربي موحَّد، يفاوض إسرائيل في جنيف برعاية أمريكية، وكان الملك خالد – بطبيعة الحال – يعرف ذلك.

أنا لا أريد أن أستطرد في موضوع مبادرة السادات ؛ لأنَّي واثق من أنَّ له منطلقاته، وله أسبابه وكثيرون رأوا فيها عملًا شجاعًا، بالنسبة إلى الملك خالد لم يكن رأيه فيها رأيًا حسنًا؛ فقد كان يقول: نحن ليست لدينا مشكلة مع السلام، الأمير فهد تقدَّم بمشروع للسلام يكاد يكون مطابقًا للمبادرة العربية للسلام (وطبعًا الملك خالد أقرَّه، وأصبح يُسَمَّى "المشروع السعودي للسلام")، ليست عندنا مشكلة في قبول إسرائيل ، إذا قبلت هي بإرجاع ما أخذته واعترفت بدولة فلسطينية، ولكن الذهاب إليها والمفاوضات المنفردة لا نقبلها. فساءت علاقته مع الرئيس السادات – رحمه الله – بسبب هذا الموقف، أي بسبب القضية الفلسطينية، فالقضية الفلسطينية كانت أساسية في نظره إلى درجة أنها دمَّرت علاقته برئيسٍ، كان من أقرب الرؤساء العرب إليه، فقد كان الرئيس السادات يأتينا في الرياض بمعدَّل 3 – 4 مرات في السنة تقريبًا، ويُقابَل بترحاب، وتُقَدَّم له جميع أنواع الدعم.

فاهتمام الملك خالد كبير بالقضايا العربية والقضايا الإسلامية؛ قضية كشمير – مثلًا– ظلت شوكة في جنب العلاقات الهندية السعودية، أيضًا كان يشعر بأن قضية كشمير قضية إسلامية. وقضية أفغانستان طبعًا زادت من حدَّة موقفه من الاتحاد السوفييتي؛ لأن الموضوع لم يعد مجرد دعم، بل هو موضوع دولة شيوعية (والأهم من كونها شيوعية أنها دولة ملحدة) تحتل بلدًا إسلاميًا؛ كان هذا بالنسبة إليه عملًا كارثيًا، وكان لابد من أن تتحرك المملكة بما يفوق مجرد إعلان استنكار، لقد تحركت بدعم فعال كان له تأثير في مجرى الأمور، في تلك الفترة اللذان وقفا يقاومان التغلغل السوفييتي في أفغانستان – بجدِّية – هما الولايات المتحدة الأمريكية و المملكة ، وربما أنفقت المملكة في هذا السبيل أكثر مما أنفقت الولايات المتحدة ، نحن لا نقلِّل من بطولات المجاهدين العرب، وهي بطولات فردية بالتأكيد وملاحم؛ ولكنها لم تغيِّر شيئًا، كان هناك تسعون ألف جندي، ولم يكن من المستطاع أن تهزم تسعين ألف جندي بعشرة أو خمسة آلاف مقاتل ومجاهد عربي، كان لابد من أسلحة ومن مؤن وغيرها، كل هذه الأشياء أتت من المملكة العربية السعودية أساسًا ومن الولايات المتحدة كذلك، وكان يؤلمه كثيرًا جدًا التمزُّق في القيادة الأفغانية، وحاول مراتٍ عدة لمَّ شملها, حتى إنهم في فترة من الفترات أُحضروا إلى أن أقسموا أمام الحرم، وكان حريصًا جدًا على أن يُدخل الوئام في صفوف المجاهدين الأفغان، ولكن الأمور سارت على غير ما كان يتمنى، وانتهت إلى ما انتهت إليه، حتى انتهت القصة بظهور مجموعة متطرفة استطاعت أن تستولي على معظم البلد، وهي حركة طالبان، ولكن هذه طبعًا نشأت بعد وفاته رحمه الله.

صانع القرار في السياسة الداخلية

* أتكلم على المحور الثالث والأخير، وهو ( الملك خالد بوصفه صانع القرار في مجال السياسة الداخلية ). هنا أيضًا هو كان يعرف بالضبط الأشياء التي يهتمُّ بها، ويريد أن يتابعها ويريد أن يعرف عنها، ويريد أن يبتَّ فيها، في كل هذه المجالات كان يملك وكان يحكم.. لم يكن (يملك ولا يحكم!).

أستطيع أن أعدد لك هذه الأشياء: أولًا فيما يتعلق بشؤون العدل والأمن؛ كان هذا يعده مهمته الرئيسة، أيضًا هذه خصيصة تجمع بينه وبين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز ، طبعًا كل الملوك بالنسبة إليهم إقامة العدل أمرٌ ضروري، ولكن بالنسبة إلى الملك خالد كان أمرًا أساسيًا، كان يرى أن وظيفته الأساسية بوصفه ملكًا هي أن يعدل بين الناس، ويعدل تحديدًا لحماية الضعيف. فكانت أمور مثل: الأمن، والقضاء، والجرائم؛ يهتم بها اهتمامًا مباشرًا، فكان إذا حدثت جريمة لا يرتاح؛ بل يتابعها بنفسه، حتى ينتهي الأمر بالقبض على الجاني، وتنفيذ الحكم الشرعي بحقِّه. إذا سمع عن ظلم حاق بإنسان أو بمجموعة (سواءً سمع عنه مباشرةً من الذين يأتون لمقابلته يوميًا، أو سمع عنه بطريق غير مباشر) كان لا يرتاح إلا إذا اتُّخذ قرار يُنهي هذا الظلم الواقع بهذه الفئة أو بهذا الشخص. وكان دائمًا يحاسب نفسه ويحاسب الوزراء: هل قصَّرنا في حق أحد؟ هل أهملنا أحدًا؟ هل هناك مجال لقوي أن يستبدَّ بضعيف؟، كان دائمًا في حالة محاسَبة يومية, وكل هذه الأمور– كما ذكرتُ – كان يهتم بها شخصيًا، ويتابعها شخصيًا.

كان يهتمُّ أيضًا بما نسمِّيه عندنا شؤون البادية، لم يعد عندنا بدو رُحَّل ولكن أصبحت عندنا بادية تحمل ثقافات: جزء من ثقافة البدو الرُّحَّل وجزء من ثقافة التحضُّر. وهؤلاء لهم مشكلات خاصة ؛ لأنهم كلهم يشتغلون في مجال الإبل والأغنام؛ فكانت لهم مشكلات متعلقة بالمياه، وببناء الهِجَر، وبالحصول على الأعلاف، فكان الملك خالد يرى أن من واجبه الاهتمام بهذه الشريحة من شرائح المجتمع؛ لأنه يعتقد أنها ربما لا تستطيع أن تحصل على حقِّها، ما لم يوجد من يدعمها. وكان يؤمن أن الإنسان الذي يعيش على تربية الأغنام أو الجمال، إذا ارتفع سعر العلف عليه أو إذا انقطع الدعم عنه، فإن هذا سوف يؤدي إلى كارثة بالنسبة إليه، وبالنسبة إلى قطاع مهم من قطاعات المجتمع، فكان دائم الاهتمام بهذا القطاع، وكان يتابع بنفسه جميع القرارات المتعلقة بهذه الشريحة، ويحرص عليها بنفسه.

في المجالات التنموية الأخرى كان يؤمن بالتفويض الكامل، عندما تولَّى الـمُلك وجَّه رسالة مشهورة (موجودة وموثَّقة) إلى ولي عهده الأمير فهد في ذلك الوقت، وقال له: أنا أفوِّضك بإدارة الأمور اليومية للدولة، على أن ترجعوا إلينا في الأمور المهمة. وربما من هنا نشأ الانطباع أنه كان يملك ولا يحكم، بل هو كان يملك، ويحكم ولكن فيما يخص الأمور الفنية الخالصة ليست عنده مشكلة في أن يقول: هذه الأشياء، أنا لم أدرسها وليست من اختصاصي، ولا أستطيع أن أبتَّ فيها، وهذه من عمل الوزراء والمختصين، هذه ليست عملي أنا. فمثلًا هو يعطي توجيهًا بأنه يجب الآن أن نتعاون مع الدولة الفلانية في جميع المجالات، هنا يرى أن دوره انتهى بإعطاء هذا الضوء الأخضر، إنما تفصيلات هذه الاتفاقيات، فيرى أنها عمل مجلس الوزراء.. عمل ولي العهد والوزراء العاملين معه. ومع ذلك تبقى له الكلمة النهائية في هذه الأمور. أيضًا الشيء نفسه إذا ساءت العلاقات بيننا وبين دولة؛ هو يتخذ القرار، بأننا الآن لن نتعامل مع هذه الدولة، وأما التفصيلات الدقيقة عن كيفية عدم التعامل معها، فهذه أيضًا لا يتدخل فيها إلا إذا دعت الحاجة.

وفي كثير من المواقف (الآن يصعب الحديث عنها ؛ لأنه لم تأتِ فترة زمنية طويلة تسمح بالحديث عن كل هذه المداخلات الدولية) كان يتخذ أحيانًا –شخصيًا- قرارًا بعدم التعامُل مع دولة معيَّنة ؛ لأنه يعتقد أنها خانت قضية عربية أو خانت قضية إسلامية، وكان هذا القرار يُلزم الدولة كلها، ولم تكن قرارات روتينية، أو أنها مجرد موافقة على ما يأتي.

وجه الخير

* أعتقد أنَّ من مجمل هذه الجوانب تظهر صورة ملك فريد من نوعه، حَكَمَ فترة طويلة دون أن تحدث أي مشكلات، عاش ومات والناس – بغالبيتهم الساحقة – راضون عنه، كانوا يتفاءلون بعهده ويسمُّونه (وجه الخير)، وبالفعل تواكبَ عهده مع تنمية شاملة، ومع خيرٍ عمَّ المملكة حتى في الأمطار وفي أرزاق الناس؛ مما جعل له هذا الوضع المميَّز بين ملوك المملكة ، هو لا يختلف عنهم كثيرًا لا في الثوابت، ولا في المنطلقات، ولكن شخصيته المتميزة جعلت لحكمه أو لعهده نكهة خاصة، وأعتقد أنه بمرور الزمن ستتبيَّن للباحثين، وحتى للإنسان العادي تلك النكهة المميِّزة لشخصية هي نسيج وحدها، هي شخصية الملك خالد بن عبدالعزيز .

الانطلاق الاقتصادي والتغلُّب على العقبات

* في تلك الفترة كانت المملكة منقسمة إلى قسمين – سواء على مستوى صانع القرار، أو على مستوى المواطنين العاديين –، وكان هذا الانقسام بين المحافظين وغير المحافظين, أو بين الذين يرون أنه حتى لو أتت الثروة يجب أن تُنفق باعتدال, ويجب أن نأخذ وقتنا, ولا نستطيع أن نملأ البلد بالعمالة الأجنبية...، وكان هذا نقاشًا حيًا، ودائمًا، ونقاش الساعة.

أعتقد أن الملكَ خالدًا رحمه الله (وكان الملك فهد متوافقًا معه في هذا) كان يرى أن هذه فرصة يجب ألا تُهدَر، ما دام المال أتى والثروة أتت، فنحن لا نعرف كم ستستمر، ومن المقتَرَحات التي كانت تأتينا من الغرب: أنتم ضعوها في بنوكنا ثم تصرَّفوا فقط بدخلها؛ أي أن رأس المال يبقى عندنا، والدخل يصل إليكم. طبعًا هذا لو تمَّ لكان معنى هذا أنَّ ما تحقَّق في خمس سنوات، كان سيتطلب خمسين سنة. الملك خالد منذ اليوم الأول لم يكن في ذهنه أي تردُّد: لابد أن تنطلق، على الرغم من أنه بطبيعته كان محافظًا، لم يكن يؤمن بالمغامرة في اتخاذ القرارات على الإطلاق، كان يغلب عليه الطابع المحافظ، ولكنه وجد أن موضوع التنمية هذا، فرصة تاريخية لن تتكرر، ووافقه على ذلك الملك فهد ؛ ولذلك انطلقت الخطة الخمسية الثانية، بما كانت في وقتها مبالغ خيالية، وسببت كثيرًا من المشكلات بالنسبة إلى التجهيزات الأساسية، فقد أصبحت هناك مَخَانق في الطرق.. وزاد الإنفاق..، ولكن هذا لم يفتَّ في عضده، وكان يرى أنه يجب الاستمرار في هذا الطريق، طبعًا هذا أدى إلى انتعاش، وأدى– كما كنا نقول قبل قليل – إلى تقوية الطبقة المتوسطة، التي كانت قبل هذا موجودة، ولكنها ضعيفة، تمت تقويتها بطرائقَ عدة: صندوق التنمية الصناعية أوجد طبقة صناعية، بالقروض الكثيرة (آلاف الملايين)؛ وصندوق التنمية العقارية أوجد طبقة من مالكي المساكن (أيضًا بمئات الآلاف) في جميع أنحاء المملكة ، وأنا من الذين يرون أن أبسط تعريف للطبقة المتوسطة، أنها الطبقة التي تملك سكنها، فعندما يملك الإنسان سكنه، يتحول من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة المتوسطة. فكانت هذه الإعانات والصناديق بمختلف أنواعها، تساعد في نشوء طبقة متوسطة.

هذا بالإضافة إلى التنمية الزراعية؛ طبعًا اهتمام الملك خالد الشخصي بأمور الزراعة، وبتربية الإبل، وبتربية الماشية، حوَّل هذه الأمور من كونها من اهتمام أشخاص بسيطين إلى هواية المجتمع كله؛ أنا أعتقد أنه لولا موقف الملك خالد لكان اليوم عندنا عدد الجمال ربما أقل من 10% من عدد الجمال الموجود حاليًا. فحتى هواياته الشخصية في الزراعة في النخيل في التمور.. التي يهواها هواية شخصية، أثرت في أعمال الناس, فــ (الناس على دين ملوكهم)، فبدأ بهذه الأعمال أناسٌ كثيرون، لم يكن يخطر ببالهم من قبل أن يربُّوا جمالًا، أو أن يربُّوا ماشية أو أن يزرعوا نخيلًا، فالحركة الزراعية والحيوانية نمت نموًا هائلًا في عهده، وجزء كبير من هذا يعود إلى أنه كان يشكل مَثَلًا وقدوةً في هذا الجانب.

دعمه للمشروعات العملاقة

* على الرغم مما كان يدور في ذلك الوقت من تشكيك، يتم على مستوى الصحف، وعلى مستوى المجالس (وأمرٌ طبيعي في مجتمع حي أن يثور النقاش)؛ إلا أنه لم يكن لديه أي شك في هذه المشروعات، أو في نجاحها، فأعطى من اللحظة الأولى إشارة الانطلاق للهيئة الملكية، ورعاها، وأعطاها الصلاحيات الكاملة، وتابَع مشروعاتها، وكان يتابع كل إنجازاتها. والشيء نفسه بالنسبة إلى كل المشروعات العملاقة: مشروعات الكهرباء، مشروعات الطرق التي كان له اهتمام خاص بها ؛ لأنه يعرف المملكة شبرًا شبرًا، فكان عندما يتكلم مع وزير النقل (وزير المواصلات في ذلك الوقت) يتكلم بكلام الخبير: لماذا هذا الطريق مرَّ على (النقرة) الفلانية؟ أو مرَّ على الخشم الفلاني؟ أو مرَّ على الوادي الفلاني؟ أو مرَّ...؟، فكان اهتمامه بها مباشرًا ؛ لأنه – كما قلت –يعرف المملكة شبرًا شبرًا.

أعتقد أن هذه المشروعات العملاقة هي التي أدت إلى تغيير وجه الحياة في المملكة ، فالقرى الصغيرة تحولت إلى مدن، والمدن تحولت إلى مدن عملاقة، فقد كان عدد سكان الرياض في بداية عهده ربما أقل من مليون، الآن نرى التوسُّع الذي حدث, وثمة ناحية ربما لا يعرفها كثيرون: لو كان له موقف سلبي من التنمية، أو موقف متردِّد لَمَا اتخذت التنمية هذا المجرى الذي اتخذته، لو أنه قال: لا نريد صناعات، أو: لا نريد أن نستعجل في التنمية، أو قال: لا نريد أن نبني الهيئة الملكية (وهذا كان مفهومًا جديدًا: أن تأتي جهة وتأخذ جميع صلاحيات الإدارات الحكومية – في نطاقها طبعًا – وتبني مدينة صناعية من عَدَم وبآلاف الملايين) لَمَا أخذت التنمية هذا المجرى, وكان بالإمكان أن يقول: لا.

خط النفط شرق غرب (من المنطقة الشرقية إلى ينبع وتصديره من ينبع ) كان أناس كثيرون لا يرون فيه جدوى، ويقولون: عندنا ما يكفي لماذا نصدِّر؟؛ طبعًا أثبتت الأيام أن له فائدة استراتيجية، وأيضًا فائدة في إنعاش مدينة ينبع .

فأعتقد أن موقفه الإيجابي من جميع قضايا التنمية والتصنيع والهيئة الـمَلَكية، كان له دور كبير في أنَّ هذه الأشياء سارت في عهده، طبعًا الدعم نفسه كانت تتلقاه هذه القضايا من ولي العهد؛ فقد كانا يعملان بتناغُم، لم يكن هناك أي فارق بينهما في ضرورة إنجاز هذه الأعمال, وفي ضرورة تذليل العقبات, فقد كانت هناك – بالتأكيد – عقبات بين الوقت والآخر، ولكنني لم أسمعه قط يتذمَّر أو يتململ أو يقول: ليتنا لم نُسارع بهذا الشيء، أو يقول: ليتنا استمرَّينا نمشي ببطء, بل كان يؤمن بأن المواطن السعودي، من حقه أن يحصل على الرفاهية في أسرع وقت ممكن.

تديُّن عميق دون تعصُّب

* الملك خالد – رحمه الله – كان متديِّنًا عميق التديُّن، وعندما ينتهي من أي فرض، يستمر في قراءة الأوراد والأذكار والأدعية لمدة ساعة أو ساعتين، ويقوم في الليل ويصلي، فكان متديِّنًا جدًا، ولكنه كان تديُّنًا دون تعصُّب، فأنا لا أعرف أن تديُّنه كان يدفعه إلى اتِّخاذ مواقف من الأديان الأخرى، لم تكن لديه مشكلة مع الأديان الأخرى، ولا كانت لديه مشكلة مع أجانب يزورون المملكة -طبعًا- كان يفضِّل أن تكون الأفضلية للعاملين في المملكة من المسلمين، وكان هناك حرص على ذلك، ولكنه كان يعرف أيضًا أن كثيرًا من الخبرات، والخبراء لابد من أن تأتي من الغرب. كان يتخذ مواقف فقط ممَّن يرى أنهم اتخذوا هم مواقف عدائية ضد الإسلام، إذًا فالمواقف الإيجابية كانت مبنيَّة على عدم الاعتداء على ديننا، فالله تعالى يقول: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ الآية القرآنية, أما الذين يعتدون على ديننا، فهؤلاء هم الذين يجب أن نعاديهم وحدهم، أما مجرد اختلاف الشخص عني، لا يعني معاداته؛ لذلك لم تكن لديه مشكلة في الاحتكاك مع الآخَر, طبعًا كان يخشى على العادات والتقاليد السعودية، ولكن في ذلك الوقت كان يرى أن التنمية تتطلب أن توجد هذه الخبرات، ولم يكن يضيق بها على الإطلاق.

عشق الطبيعة والحرص على حمايتها

* من جوانب شخصيته أنه كان فيه عشق للطبيعة؛ كان يعشق الطبيعة، قد يتصور الناس أن رحلات الصيد هذه هي مجرد صقور تطارد حبارى، وطبعًا هذا – في رأيي – ربما هو الجزء الأقل أهمية؛ فرحلة الصيد تعني أنه يصحو في الصباح الباكر، ويصلي الفجر ثم ينطلق ليتمتع بمنظر الصحراء.. بمنظر الجبال.. الآكام.. الرمال، في وقتٍ متأخر، يتم الجلوس في محل لتناول الغداء المتأخر، ثم العودة ثم السَّمَر حول النار ثم... , فرحلة الصيد تكاد تكون جولة في أعماق الطبيعة، وكما قلت فإن صيد الصقور هو جزء فقط من المنظومة الكاملة، فلو كان الموضوع أن تقف وتُطلق الطيور على الحبارى، لـَمَا كان في بعض الأيام يحتاج لأنْ يقطع 250 كيلومترًا أو 350 كيلومترًا في اليوم ذهابًا وإيابًا بين جبال ووديان، وجميع مظاهر الطبيعة التي كان يراها أمامه، ومن الطبيعي أن هذا الرجل الذي عنده هذا الحرص على الطبيعة، أن يكون عنده حرص على حمايتها، وعلى حماية الحيوانات من الانقراض، وعلى الحرص على تربية الصقور..، فكان هذا أيضًا جانبًا من الجوانب، التي نشأت أساسًا من عشقه للطبيعة، ومن عشقه للصحراء تحديدًا.

خدمة الحرمين الشريفين

* بكل تأكيد كان لموضوع الحرم المكي، والمسجد النبوي كثير من اهتمامه، وخلاف ما يتصور الناس، فإن تعبير (خادم الحرمين الشريفين) كان مرتبطًا ب المملكة منذ البداية؛ فالملك عبدالعزيز – رحمه الله – كان يُسَمَّى (خادم الحرمين الشريفين)، ولكن لم يكن يُطلَق عليه هذا اللقب إلا في المناسبات الدينية، ولكن لو رجعتَ إلى الوثائق القديمة، والصحف القديمة لوجدتَ أن جميع ملوك المملكة تَسَمَّوا بهذا الاسم، وأحيانًا تجد مكتوبًا على الكتب الدينية (طُبع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالعزيز .. أو الملك سعود .. أو الملك فيصل .. أو الملك خالد ..) ولكن لقب (خادم الحرمين الشريفين) لم يكن اللقب الرسمي لملك المملكة العربية السعودية كما أصبح في عهد الملك فهد رحمه الله, ولكنه كان جزءًا لا يتجزَّأ من شخصية الملك خالد ، ومن نظرته إلى نفسه، فقد كان يعد نفسه خادمًا للحرمين الشريفين، حتى لو لم يكن هذا هو اللقب الرسمي، ويعتز بهذه الخدمة، ويهتم بها، فالحرم بالنسبة إليه كان يمثِّل معنىً كبيرًا جدًا؛ ولهذا عندما وقعت الكارثة، ربما كانت أسوأ أيام حياته وأسودها.

حادثة الحرم وقرار تطهيره

* في أيام عصابة جهيمان ودخولها الحرم، كان في أسوأ حالاته، أنا لم أره قبلها ولا بعدها في حالة سيئة من هذا النوع، كان دائمًا يقول: يا أخي لماذا الحرم؟ لماذا الحرم؟ لماذا الحرم؟! لماذا لم يهاجموا قصري؟ لماذا لم يهاجموا بيتي؟. كان يعلنها، ويقول: لو هاجموا بيتي لكان هذا أهون عَلَيَّ، لكن لماذا يهاجمون حرم الله؟!

وعندما اتَّخذ القرار بالقتال في الحرم، فقد كان القرار في يده فهو ولي الأمر, -وبالطبع- هذا الموضوع موضوع له علاقة باعتبارات دينية، فجمع كبار العلماء وطلب منهم بحث الموضوع, كبار العلماء يعطون رأيًا، ولكن في النهاية يبقى القرار قراره هو، فهو ولي الأمر وهو صاحب القرار، فكان هذا القرار بالنسبة إليه – كما أعتقد – أصعب قرار في حياته: قرار أنه لابد من القتال لتطهير الحرم، وقد أمضت أيامًا عسيرة، فقد استغرق الحصار ربما ثلاثة أسابيع، أعتقد بأن كل ساعة منها مرَّت عليه كانت دهرًا بأكمله، لم أره في أي الظروف.. في أصعب الظروف.. في أصعب الحالات، لم أره وهو في حالةٍ من الألم والصراع النفسي مثلما كان في هذه الفترة، وكلما قال له أحد شيئًا يقول له: يا أخي ولكنه الحرم، أنت لا تتكلم عن أي محل آخر، صحيحٌ أننا نقاتل، إذا كان لابد من أن نقاتل، ولكن كيف نقاتل في الحرم؟ هذا الحرم. في الأخير وجد أن واجبه الديني بوصفه ولي أمر، وخادم الحرمين الشريفين يتطلب منه أن يقاتل في الحرم، وهذا ما كان. وطبعًا كان سعيدًا بتحرير الحرم، وتطهيره بقدر ما كان متألمًا من عدد الشهداء الذين سقطوا، وأذكر هنا أنه أمر بعمل وَقْف لهم، وكلَّف به سمو الأمير متعب ، والآن هذا الوَقْف بنى بنايات وعمارات وأعتقد أنه – الحمد لله – استطاع أن يوفِّر قدرًا من الحياة الكريمة لأُسَر الشهداء وأبنائهم.

احترامه وتقديره لدور المرأة

* كان – كما قلتُ قبل قليل – رجلًا متديِّنًا، ولكنه متديِّن دون أي نوع من أنواع التعصُّب أو التشدُّد، لم تكن عنده مشكلة في أن تأتينا رئيسة دولة أو أن يقابل وزيرة خارجية من دولةٍ ما، أو في أن يذهب خلال سفراته ليقابل ملكات و يتباحث معهنّ، ولم تكن لديه أي مشكلة من تعليم المرأة السعودية، ومن وصولها إلى أعلى ما يمكن أن تصل إليه، في ذلك الوقت كان حراك المجتمع السعودي، يقف عند عمل المرأة مدرِّسةً أو باحثةً اجتماعية، ولم تكن توجد آفاق كثيرة متاحة؛ بحكم طبيعة المرحلة، أما هو ففي تعامله مع المرأة، لم أجد عنده أي نظرة دونية إلى المرأة، أو أي نظرة تراها أقل شأنًا من الرجل، أو أي نظرة تحاول تهميشها، فقد كان ينظر إلى المرأة والرجل على أن: النساء شقائق الرجال ، وترى هذا في علاقته مع أم أولاده، في علاقته مع والدته، في علاقته مع عماته اللواتي كان يعرف كثيرًا عنهنَّ، ومُعجَبًا بكثيرٍ منهنَّ ولديه علاقات طيبة بكثيرٍ منهنّ. فلم ألحظ منه – في أي لحظة من اللحظات – أي نوع من النظرة الدونية إلى المرأة، على العكس كان ينظر إليها نظرة احترام وتقدير.

من الذكريات الطريفة معه رحمه الله

* كان – رحمه الله – حريصًا على أن يُغرينا بهواية القنص، ولم يكن فينا أحد لديه هذه الهواية، فكلنا حضريون ووزراء..، فدعا مجموعة كان منها الدكتور عبدالعزيز الخويطر ، ومعالي الدكتور محمد عبده يماني ، ومعالي الدكتور سليمان السليم ، وكنت أنا، فأرسَلَنا في دورة تدريبية إن صحَّ القول، فطلب من اثنين من مرافقيه أن يصحبونا، وأن يشرحوا لنا كيف إطلاق الطير على الحبارى وما إلى ذلك، وانطلقنا من الصباح الباكر، لكن الذي حصل أن صقرًا أُطلق ففرَّ ولم يعد، والصقر الثاني لم يصد شيئًا، فكتبتُ قصيدةً من الشعر الساخر، مطلعها:


أبا بندرٍ لسنا على الصيدِ نقدرُ      وفينا يمانيٌّ وفينا خويطرُ
فأما اليماني فهو بالنومِ مولَعٌ      وما زالَ منذ الصبحِ وهو يشخِّرُ
وأما أخوه ابن الخويطر فانثنى      بدربي له لكنه ليس ينظرُ
وأما أنا فالله يعلم أنني أحارُ      وعلمُ الصيد علمٌ محيِّرُ
جهلتُ علومَ الصيدِ علمًا مركَّبًا      وقد يجهل الإنسان وهو مُدَكْتَرُ

ثم طالت القصيدة حتى أصبحت أربعين أو خمسة وأربعين بيتًا، وهي موجودة, وكان معجبًا بها، وكان يُكثر من تردادها، وعندما جاء السادات قال: أرجوك أَسْمِعهُ القصيدة. عندما يأتي كثير من رؤساء الدول، كان حريصًا على سماعها.

دعني أختم هذه الملاحظات بقصة طريفة، والقصص الطريفة معه – رحمه الله – كثيرة، ولكن هذه قصة طريفة لها ذكرى في نفسي, كان الكلام في مجلسه ذات يوم يدور حول أكل الضَّب، وأنا كنت أرى الضَّب من بعيد طبعًا شكله ليس جميلًا, فكنت أقول: أنا أستغرب كيف الناس يأكلون الضَّب، هذا شكله شكل التمساح، مَن يستطيع أن يأكل ضَبًا؟! سواء كان حلالًا أو حرامًا (لا نجادل في أنه حلال) ولكن مَن يستطيع أن يأكل ضَبًا؟!

هو نظر إليَّ.. لم يعجبه الكلام، أو استغرب الكلام لكنه لم يعلِّق بشيء. بعد ثلاثة أشهر.. أربعة أشهر.. خمسة أشهر طلب مني أن أزوره في موضع رحلته للصيد، وذهبتُ، وعندما كنا جالسين، قال: قدِّموا الأكل لغازي. فقُدِّم لي صحن, فقال لي: جرِّب هذا. وكان صحنًا لذيذًا جدًا، أكلتُه، ثم قال: أتريد صحنًا آخر؟ وأحضروا لي صحنًا ثانيًا، أكلتُه، قال: أتريد زيادة؟ قلت: نعم . قال: أنت الآن ما الذي أكلته؟ قلت: أكلت (لوبستر). (وهو كطعم اللوبستر بالفعل، كان معمولًا مع ليمون), استغرب وضحك, قال: لوبستر؟ هل ترى حولنا بحرًا أو محيطًا؟ أي لوبستر؟! قلت: فما هو إذن؟ قال: هذا هو الضَّب الذي تقول عنه: كيف يستطيع الإنسان أن يأكله؟

بعد ذلك صرتُ قبل أن آتي أكلِّمه، وأقول له: يا طويل العمر أرجوك.. أرجوك.. من فضلك إذا جئتُ إليكم في البَرّ أريد الضَّب. قال: أنا والله نادم على أني جعلتُ غازيًا يذوق الضَّب؛ الآن صار كلما يأتي أرسلُ عشرين أو ثلاثين نفرًا ليبحثوا له عن ضَب!

لكنه عندما انتقدتُ أكل الضب لم يقل شيئًا، لكنه عَمِلَ درسًا عَمَليًا تعلَّمتُ منه، ألا أذمَّ في المستقبل شيئًا لا أعرفه، الشيء الذي لم أجرِّبه أسكت، ولا أتكلم عنه.

بساطته ومداعباته مع رؤساء الدول

* أنا أعتقد أن البساطة مُعدية؛ فإذا جلستَ مع إنسانٍ يتحدث بترفُّع وبحساب، يمكن أن تتبنَّى أنت أيضًا الموقف نفسه، ويصبح الحوار عملية عسيرة. بساطة الملك خالد كانت تفتح الطريق أمام الضيف، لأنْ يكون بدوره بسيطًا في حديثه، فكان يداعب الضيوف والذين يأتون لزيارته، ويداعبونه، وكانت العلاقة ممتازة في مجملها مع جميع الرؤساء، الذين قابلهم سواءً كانوا عربًا أو غير عرب، باستثناء الحالات التي يرى فيها أن رئيس دولة، أو أن دولةً معيَّنة اتَّخذت موقفًا من العرب، أو من المسلمين لم يكن هو راضيًا عنه، في هذه الحالة كان إما أن يرفض أن يقابل هذا الرئيس نهائيًا، أو إذا قابله يكون صريحًا معه. ولكن كان جميع رؤساء الدول، الذين يقابلهم يحصل بينه وبينهم مداعبات، أذكر أنه كان مع (شميت) المستشار الألماني، كان يقول (شميت) : أنا أتمنى أن أتحول إلى مُزارع عندما أتقاعد، ويمكن أن آتي عندكم في المملكة . قال له: دولة المستشار، لا أحد يتقاعد، أنت تقصد عندما يطردك البرلمان! قال له: نعم، أنا أقصد عندما يطردني البرلمان!

لمحات عن الطبيعة البشرية والسياسية والإدارية

* كان عنده لمحات عن الطبيعة السياسية والطبيعة البشرية، كان يقول: لا يوجد أحمقُ من شخص يبحث عن السلطة، إلا شخص أتته السلطة طائعة فضيَّعها، هذا أحمق الاثنين؛ العاقل لا يجب أن يبحث عن السلطة، ولكن السلطة إذا جاءت للشخص العاقل يجب ألا يضيِّعها.

وكان كثيرًا ما يتحدث بما نسمِّيه (ومضات إدارية)، يقول: لا يمكن أن يوجد مسؤول يعيِّن نائبًا له أفضل منه؛ لأنه بعد قليل سوف يقول الناس: ليت النائب كان هو في منصب ذلك المسؤول. ويقول: إذا غيَّرتم وزيرًا فلا تعيِّنوا وكيله؛ لأن الوزير لن يختار وكيلًا، إلا إذا رأى أنه دونه قدرًا وكفاءة.

أيضًا هذه لمحات قد تكون فطرية، ولكنها بالفعل دقيقة فيما يتعلق بسيكولوجيَّة البشر وطبيعتهم.

أيضًا كان يقول: لا تصدِّقوا الذي يقول: اعفوني من المناصب، هؤلاء عندما نعفيهم يحنُّون إلى مناصبهم حنين الناقة إلى فصيلها.

فحتى هذه النظرة البسيطة إلى الإدارة، كانت تُنتج ما نستطيع أن نسمِّيه (حكمة فطرية).

رعايته لمجلس التعاون الخليجي

* موضوع مجلس التعاون يحتاج إلى بحث طويل؛ لأنه بدأ البحث في أمره منذ زمان.. حتى ربما من بداية عهد الملك فيصل ، كان يوجد نوع من التفكير حول كيفية جمع هذه الدول, مرةً كانوا يُفكرون بأن يصير اتحاد الجزيرة العربية، ومرة يُفكرون بغير ذلك، ثم إن بعض دول الخليج كانت في فترة استقلال، وكان هناك ترتيب أن تدخل في اتحاد كلها: البحرين و قطر و الإمارات ..، قيل اتحاد سُباعي وقيل تُساعي، ولكن هذه كلها لم تتمخَّض، إلا عن إنشاء الإمارات العربية المتحدة ، فظلت البحرين مستقلة، وظلت قطر مستقلة، مع أنه كان يوجد تفكير جدِّي في فترة من الفترات في أن تكون جميعها دولة خليجية موحَّدة، وهذه الفكرة مرَّت بأطوار، وهي موجودة موثَّقة ومعروفة، لكن – للأسف – كانت الدول حديثة الاستقلال، أو مُوشكة على الاستقلال، وأعتقد لم يكن بوسع أحد التفريط باستقلال تمَّ الحصول عليه مؤخَّرًا، حتى في سبيل الوحدة. و المملكة (أيضًا هذي ظاهرة في جميع ملوك المملكة ) تتعامل مع الخليج بحساسية، كانت تعرف أنه دائمًا وجود جار كبير بجوار جيران أصغر يخلق حساسية خاصة، وهذا من طبيعة الأمور؛ لا يمكن للإنسان أن يُنكرها، أو أن يُزيلها ولكن يستطيع أن يخفِّف منها بالتعامُل بحذر. فكانت المملكة حريصة على ألا تجرَّ الخليج إلى أي مجرى لا يريد الخليج الذهاب إليه. كانت النظرة دائمًا من الملك فيصل ، والملك خالد ، والملك فهد ، والملك عبد الله : نحن موافقون على ما يتفق عليه الإخوة؛ إذا أرادوا وحدة فنحن معهم، إذا أرادوا تعاونًا فنحن معهم، إذا أرادوا تكثيفًا للتعاون فنحن معهم. فكان الملك خالد ينطلق من هذا المنطلق.

وتبلورت الأمور أثناء الحرب العراقية الإيرانية، بكل صراحة كان يوجد خوف من أن يدخل العراق ، فـ العراق في نظامه البعثي الفردي التسلُّطي، لم يكن بالإمكان أن يدخل في المنظومة الخليجية، فلم تُوجَّه له الدعوة، وبالعكس تمت الدعوة بسرعة خشيةً من أن تتعقد الأمور بسبب دخول العراق .

في البداية كان مجلس التعاون يكاد يقتصر على الشؤون الاقتصادية فقط ويتَّضح هذا عندما تقرأ الميثاق الأول منه، فقد كان شبه منظمة اقتصادية ليست لها علاقة بالسياسة أو بأي شيءٍ آخر، ثم تطوَّرت الأمور وأصبح تعاونًا اقتصاديًا، وعُقِدت الاتفاقية الاقتصادية، وأصبحت الآن أيضًا محاولة للتنسيق.

كانت نظرة الملك خالد – رحمه الله – إلى المجلس نظرة رعاية ومودَّة، وقد زار جميع الدول في أول تولِّيه الحكم.. أعتقد في الشهور الأولى من تولِّيه الحكم، قبل أن يُنشأ مجلس التعاون زار الدول الخليجية كلها زيارة رسمية، بدأ بالكويت ثم البحرين ثم ذهب إلى قطر ، ثم إلى الإمارات ثم ذهب إلى عُمان ، فكانت نظرته نظرة مودَّة لهذه الدول، وعلاقته علاقة تاريخية مع جميع الحكام في الخليج .

فكانت نظرته إلى مجلس التعاون نظرة تفاؤلية، ولكنه أيضًا كان واقعيًا بفطرته؛ لم يكن يتوقع المستحيل، هو كان يعرف أن هناك حدودًا لِمَا يمكن تحقيقه من تعاون خصوصًا في البداية؛ لذلك كانت تعليماته للوزراء – كما هي تعليمات ولي عهده –: اذهبوا إلى الاجتماعات، انظروا ماذا يطرح الإخوان، ولكن لا تحاولوا أن تفرضوا عليهم شيئًا، إذا وافقوا على شيء، ف المملكة جزء منهم. حتى نشأ انطباع عند الناس وتساؤل أن المملكة هي الدولة الكبيرة، هي الشقيقة الكبيرة لماذا لا تكون هي الفاعلة؟ وهذا الكلام خطأ, بل الشقيق الأكبر أو الجارة الكبرى أو الدولة الكبرى تترتب عليها واجبات كبيرة جدًا، إذا تصرفت بما يُمليه عليها حجمها ووضعها في كل كبيرة وصغيرة، سوف يؤدي ذلك إلى حصول شقاق ونفور كما فعلت أمريكا ، عندما وجدت أنها الدولة الكبرى فبدأت تتصرف كما لو كان ليس عليها إلا أن تأمر فتُطاع، المملكة كانت تتجنَّب هذا، تتجنَّب القول إن لها دورًا قياديًا، وذلك منذ أيام الملك عبدالعزيز ، ولقد طلب المسلمون في الهند من الملك عبدالعزيز أن يبايعوه بالخلافة، وما شابه ذلك لكنه كان يقول: أنا عندي المملكة هنا، لا أريد لا زعامة ولا أريد قيادة. فالملك خالد – رحمه الله – كانت له المنطلقات نفسها فقد كان يقول: يترتب علينا أن نحمي بلدنا في عالمٍ يمور بالعواصف، ولا داعي لأنْ ندخل في مغامرات، أو ندَّعي قيادة أو أن نحاول الزعامة. وهذا – بحمد الله – لا يزال أيضًا من المرتكزات السعودية الحالية في سياستنا.

علاقة الملك خالد بشاه إيران

* العلاقة بين إيران وبين المملكة كان فيها كثير من الشكوك والحذر؛ لأنَّ إيران كانت لها مطامع في الخليج ، وفي ذلك الوقت وإلى عام 1971م، ولم تكن تعترف بـ البحرين ، كانت ترى أن البحرين مقاطعة إيرانية، وطبعًا هذا الموقف كان يعقِّد الأمور في العلاقة بين إيران و المملكة ، حتى الملك فيصل – رحمه الله – في أحد المجالس قال: إذا لم تنحلَّ المشكلة سلميًا فيما يخص البحرين مع إيران فليس أمامنا إلا البندقية. إلى هذه الدرجة. فكانت المملكة تخشى من التوسُّعات الإيرانية ومن الأطماع الإيرانية، الشاه كان يقول إنه سوف يبني خامس دولة عظمى في العالَم، سوف يبني أكبر جيش في المنطقة، سوف يكون حامي المصالح في المملكة ، فبطبيعة الحال كان يوجد نوع من الحذر، لم يكن يوجد عداء أو أزمة مستحكمة ولكن شيء من الحذر الناشئ من التساؤل: إلى أين سوف يقف هذا الطموح الإيراني؟

في علاقتهما الشخصية، كانت الكيمياء مفقودة فيما بينهما؛ لأن الشاه يرى نفسه أنه ملك الملوك، والملك خالد كان يرى ما يقوله الحديث النبوي الشريف: إن أخنع اسمٍ عند الله، رجل تَسَمَّى ملك الملوك "شاهنشاه". وهذا حديث نبوي صحيح. فالملك خالد لم يكن يشعر بانجذاب نحو شخص يسمِّي نفسه ملك الملوك, فملك الملوك هو الله سبحانه وتعالى، الشاه ملك لكن ملك الملوك هو الله سبحانه وتعالى. الشاه كان قد أعطى نفسه سمتًا امبراطوريًا (صاحب الجلالة الامبراطورية) و(شمس الآريين) و(ملك الملوك)..، فكان يغلب على اللقاء بينهما طابع المجاملة، ولكن لم تكن حميمة، وأعتقد أن الشخصيتين متنافرتان تمامًا؛ لا يوجد شيء يجمع بينهما. فالعلاقة بين الشخصيتين لم تكن علاقة حميمة، وفي الوقت نفسه العلاقة بين الدولتين كانت علاقة مجاملات, في ظاهرها هي علاقة جيدة، طبيعية، لكن في باطنها لم تكن علاقة حميمة ؛ لأنَّه كانت هناك مخاوف من التوسُّع الإيراني.

موقفه من الحرب العراقية الإيرانية

* عندما بدأت ثورة الخميني لم يكن لدى الملك خالد تحفُّظات كثيرة عليها ؛ لأنه – كما قلتُ – كان لديه مخاوف وشكوك نحو الشاه نفسه، فكان يعد تلك الثورة – إلى حدٍّ كبير – شأنًا داخليًا. ولكن فيما بعد عندما بدأت إيران تتكلم عن تصدير الثورة، وعن القضاء على الـمَلَكيات في الخليج أصبح موقفه متغيِّرًا، بالتأكيد أصبح موقفًا حذرًا، وللأسف يقول لنا علم السياسة، وعلم التاريخ إن كل ثورة لابد في مرحلةٍ ما أن تلجأ إلى تصدير الثورة، لابد من أن يؤدي هذا إلى إثارة جيرانها، لابد من أن تقع في ورطة مع جيرانها. لو استعرضنا تاريخ الثورات من الثورة الفرنسية إلى الثورة الإيرانية لوجدناها تمرُّ بالمراحل نفسها. فبالفعل لـمَّا بدأت إيران تصدير الثورة كان رأي المملكة (هذا كان رأي الملك خالد ، وكان رأي ولي عهده الأمير فهد ) أننا يجب أن نستعد ونقوِّي ساحتنا الوطنية، ولكن دون أن ندخل في مواجهة مباشرة أو عسكرية مع إيران .

كانت طبيعة تكوين صدام حسين مختلفة ؛ فقد كان رجلًا يؤمن بحكم الفرد، ويمكن يؤمن بعبادة الفرد..، فاتَّخذ قرارًا بمهاجمة إيران ، والحق يُقال إنه صحيح أن إيران استفزَّته وربما حدثت أحداث كثيرة، مثل تفجيرات داخلية وغيرها؛ ولكن القرار المباشر بالدخول في حرب مع إيران اتَّخذه صدام حسين ، ويمكننا – بمعنى من المعاني – أن نعدَّه المعتدي في هذه الحرب، وهنا كلٌّ من الملك خالد والملك فهد خاف عليه من مغبَّة هذا الهجوم، الملك فهد قال له: إذا أردتَ نُصحي فلا تبدأ الهجوم، قوِّ نفسك واتَّخِذ سياسة دفاعية.

فقد كان يعتقد أن الأمر سيكون نزهة عسكرية, لكن هجومه وحَّد الساحة الإيرانية التي كانت متصارعة، وحَّد جميع القوى المتشتِّتة، وصمدت إيران , وبمجرد أن بدأت الكفة الإيرانية تميل، لم يعد هناك مجال للحياد، فألقت المملكة بكثير من ثقلها مع العراق ، مع أنه كان واضحًا أن صدام حسين بدأ الحرب، ولكن كان يجب ألا يبدأ الحرب. القوة الإيرانية بعد سنة أو سنتين أرجعت صدام حسين إلى حدوده، كان من المفترََض أن تنتهي الحرب بعد سنة أو أكثر بقليل من بدايتها؛ لأنه كان واضحًا أن صدام حسين لم يحقق هدفه، وأن الإيرانيين لن يستطيعوا أن يحققوا هدفهم؛ إلا أن الإيرانيين استمرُّوا؛ لأن الخميني كان يريد أن يعلِّم النظام العراقي درسًا، ويريد أن يقضي على النظام.

في هذه المرحلة تحديدًا كان لابد من أن تتَّخذ المملكة موقفًا، لم يكن بالإمكان السماح بأن يتحول العراق إلى جزء من إيران ، فوقفت المملكة بثقل كبير مع العراق دون أن تُنهي علاقاتها نهائيًا مع إيران ؛ لأنَّ المملكة طيلة هذه الفترة خلال تأييدها للموقف العراقي، كانت تسعى لوقف إطلاق النار.. إلى حل وسط، وبالفعل كانت هناك محاولات كثيرة، إلا أن إيران في تلك المرحلة كانت تعتقد أنَّه بإمكانها أن تنتصر، وأتذكَّر أنهم اقتربوا من البصرة واحتلوا الفاو، فكان لابد للمملكة من أن تقف بجانب العراق .

انعقاد المؤتمر الإسلامي الثالث في مكة

* الملك خالد كان اقتراحه أن ينعقد المؤتمر أمام الكعبة تحديدًا، وهذا ربما أول وآخر مؤتمر في التاريخ يُعقد في هذا المكان, كان بالفعل الرؤساء جالسين على الأرض أمام الكعبة ، فكان منظرًا مهيبًا جدًا، وقد كان متأثرًا جدًا من هذا الشيء.. من انعقاد المؤتمر أمام بيت الله مباشرةً وليس مجازًا؛ لأن الكعبة كانت أمام المؤتمرين. في ذلك الوقت كانت العلاقات بين العراق و سورية متوترة جدًا -أيضا-، حتى إنه كان يُخشى من حصول نوع من الاحتكاك، بين حرسَي الرئيسَين في الحرم، لكن الله ستر ومرت الأمور بسلام، طبعًا كان الملك خالد يأمل في أن ينتهي المؤتمر بصلح بين سورية و العراق ، ولكن هذا لم يحدث، مع الأسف كانت الانقسامات أكثر من أن تُحَلَّ في مؤتمر. كان الملك خالد في كل جهوده الإسلامية، يهدف دائمًا إلى أن يكون هناك صلح أو مصالحة إسلامية وعربية: صلح بين مصر و سورية ، صلح بين سورية و لبنان ، صلح بين القادة الأفغان، صلح بين سورية و العراق ، وفي بعض الحالات كان يتحقق نجاح، وفي بعض الحالات لم تنجح المحاولة.

مواجهة الخطرَين: الإسرائيلي والسوفييتي

* الملك خالد كان يرى أن المملكة ليس لها غير عدوَّين اثنين: العدو الأول هو إسرائيل ، والعدو الثاني هو الاتحاد السوفييتي، وبهذا الترتيب.. كانت الأولويات واضحة في ذهنه؛ فـ إسرائيل اغتصبت أراضي فلسطينية، وشرَّدت واستمرَّت في العدوان وفي الهجوم، فكان يعدها الخطر الأول، يأتي بعده الخطر السوفييتي، ولكن كانت نظرته واقعية؛ فالخطر السوفييتي ظل خطرًا احتماليًا، صحيحٌ أنه كان عند الاتحاد السوفييتي علاقات جيدة، تلك الأيام مع زياد بري في الصومال ، ويوجد نوع من التغلغل، ولكنه لم يتخذ الشكل السافر إلا في أفغانستان كما سبق أن ذكرتُ، وعندما اتَّخذ شكلًا سافرًا، اتَّخذت المملكة موقفًا سافرًا وواضحًا أيضًا.

أما بالنسبة للدول التابعة للاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت (بري، وربما في فترة من فترات اليمن الجنوبي) فكانت المملكة تسعى إلى فك هذا الارتباط بين الاتحاد السوفييتي، وبين الدول الجارة القريبة للمملكة حمايةً لأمنها، و في بعض الحالات نجحت، وفي بعض الحالات لم تنجح ولكن كان الهدف إبعاد الخطر، الذي كان في نظر الملك خالد إلحاديًا وخطرًا على الدِّين، قبل أن يكون خطرًا على الأراضي أو على الأوطان، كانت نظرته إلى الاتحاد السوفييتي تحكمها اعتبارات الدِّين، قبل أن تحكمها الاعتبارات الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية.

دعم أفغانستان وباكستان

* عندما أرسل الاتحاد السوفييتي جيشًا إلى أفغانستان تعداده 90 ألفًا أو 70 ألفًا (طبعًا أتى على دفعات)، كان من الواضح أنه لابد من الوقوف في وجهه ؛ لأنَّه إذا انتهت أفغانستان انتهت باكستان . وكان الملك خالد – رحمه الله – معجبًا بـ ضياء الحق من منطلق واحد، هو الإعجاب أو نوع من العلاقة الحميمة بين الزعيمين. وأيضًا ضياء الحق كانت شخصيته بسيطة هو الآخر، وكان متواضعًا, فكانت توجد جوانب تسمح بعلاقة حميمة، على خلاف الوضع مع الشاه مثلًا. فكان دعم الملك خالد لـ ضياء الحق نابعًا من أنَّ ضياء الحق يسعى إلى تطبيق الشريعة في باكستان ، وأيضًا كان دعمًا استراتيجيًا، على أساس أنَّ هناك مجهودًا مشتركًا ضد العدو الإلحادي الذي احتلَّ دولةً من دول المسلمين.

تعزيز القدرات الدفاعية للمملكة، ومواجهة التحدِّيات

* الملك خالد كان يعرف المتطلبات الدفاعية، كان أولًا يثق ثقة كبيرة في سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز ، الذي كان يتولى – ولا يزال – وزارة الدفاع والطيران، وكان يؤمن بأن المملكة في حاجة إلى أن تقوِّي قواتها المسلَّحة، وكانت في ذلك الوقت طائرات الـ(أواكس) والـ(F15) تمثل قمة التقنية الموجودة، وكان واضحًا في أذهان جميع المخطِّطين في المملكة ، أنَّ وجود سلاح جوي قوي هو ركيزة أساسية جدا ًفي القدرات الدفاعية، وهو أهم من وجود بحرية قوية، وأهم من وجود جيش قوي؛ لأن السلاح الجوي يتحرك، وهو في قارة كبيرة أكثر الأسلحة قدرةً على التحرُّك وعلى المناورة، فكان يبارك هذا المجهود، ولكن لم يكن له دور مباشر فيه غير إعطاء التوجيهات الأساسية، فقد كان يكلف الوزراء والمسؤولين بالقيام بعمليات اللوبي في أمريكا والاجتماع بالمسؤولين، وأعتقد بأنه في هذه الفترة لم يبقَ وزير سعودي إلا زار واشنطن ، واجتمع بعددٍ من أعضاء الكونجرس واجتمع بعدد من المسؤولين, ونحن كلما حاولنا أن نقوم بعملية لوبي فعالة نجحنا، لكن للأسف لم نستطع نحن ولا بقية العرب أن نجعل هذا اللوبي مؤسسة قائمة كما تمكَّن الصهاينة، لو نجحنا في أن نعمل المجهود الذي بُذل أيام الحصول على صفقة الـ(F15) – وهو مجهود رائع بكل المقاييس – ولو استطعنا أن نعمل منه مؤسَّسة دائمة، تمارس اللوبي لتغيَّرت الصورة، لكن – مع الأسف – العرب عمومًا ربما نظرتهم قريبة، فإذا تحقق الهدف انتهى الموضوع، ولكن هذه الفترة كانت فترة صراع حقيقي بين اللوبي الصهيوني، وبين المملكة السعودية ؛ لأن اللوبي الصهيوني جرَّد جميع قوته لمنع المملكة من الحصول على هذه الأسلحة, لكن العلاقة الحميمة مع الرئيس (كارتر) ومع الرؤساء الأمريكيين، أوقفتهم إلى جانبنا ضد اللوبي الصهيوني، فكانت المعركة معركة عمالقة؛ فقد كانت توجد قوة كبيرة وفاعلة ونافذة في المجتمع الأمريكي، لا تريد للمملكة الحصول على أسلحة، وكان بالإمكان أن تفشل الصفقة، ولكن كانت تماثلها أيضًا ضغوط من المملكة ومن العناصر، التي ترى أنَّ المملكة هي صديق وحليف يجب الاعتماد عليه، حتى انتهت العملية بحصولنا على طائرات الـ(F15).

مراحل العلاقة السعودية المصرية

* في عهد الرئيس عبد الناصر ، كانت العلاقة بين مصر و المملكة متأرجحة وعاصفة إن صحَّ التعبير، وجاءت فترة وصلت فيها إلى حد القطيعة التامة، وعندما ضُربت عسير وضُرب اليمن كادت تنشب مواجهة بين الدولتين، وكان عبد الناصر – كما قلنا قبل قليل في شأن الثورات – في فترة من الفترات يريد تصدير الثورة، وكان يريد ثورة هنا وثورة هنا وثورة هنا، فكانت العلاقة مع عبد الناصر مضطربة، عدا في السنوات الأخيرة التي هدأت فيها الأمور.

الواقع أن أنور السادات بمجرد أن تولَّى الحُكم قضى على ميراث التدخُّل في الشؤون العربية الداخلية، فقد ألجم المخابرات المصرية، وألجم جميع الأجهزة من التدخُّل، وألجم وسائل الإعلام المصرية؛ أي أنه وضع سنَّة عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية العربية والتزم بها، وطبعًا بالنسبة إلى المملكة هذا ما كانت تتمنى، وبدأ في أوائل عهده يركز على التنمية الاقتصادية وعلى تطوير البلد، وهذا ما كانت المملكة تتمنى، فأصبحت علاقته حميمة مع الملك فيصل أولًا، ثم مع الملك خالد ؛ لأن هذا الرجل أنهى ميراث الكراهية، أو ساعد على إنهائه بين البلدين، أوقف قصة تصدير الثورة نهائيًا, ظلت مصر ثورة، ولكن قالت نحن لم نعد نتدخَّل في الشؤون الأخرى، وتخلى عن فكرة مشروع الدولة العربية الواحدة التي تضم بقية الدول إما طوعًا وإما قسرًا، فكانت العلاقة حميمة، وكان الرئيس السادات ربما أكثر رئيس يتردَّد على الرياض في فترة السبعينيات الميلادية.

عندما قرر الرئيس السادات (وهذا – كما قلت – موضوع يطول فيه الجدل ولن أدخل فيه) أن يزور القدس كان هناك انطباع يخص المملكة : فقد أتى إلى المملكة ، وبقي يومين قبل أن يعلن أنه سوف يذهب إلى القدس ، فنشأ انطباع أنه ذهب إلى المملكة لكي يستشير في الذهاب إلى القدس ، أنا الذي أعرفه تمامًا أنه لم يذكر موضوع زيارته للقدس إطلاقًا لا خيرًا ولا شرًا ولا سلبًا ولا إيجابًا؛ لذلك فوجئت المملكة بعد ذلك بالقرار، عندما قال: إنه سوف يذهب إلى القدس ، وأصدرت بيانًا تستنكر فيه الحركات غير المحسوبة.

أتذكر أن السفير الأمريكي في ذلك الوقت (اسمه جون ويست ) كان مقيمًا هنا، وكان يقول إنه أرسل تقريرًا لـ واشنطن يقول فيه: إن الرجل قبل أن يتخذ قرارًا رئيسًا، يستشير مدير بنكه (أو مموِّله) وزوجته، وأنا لا أدري هل السادات استشار زوجته قبل أن يذهب إلى القدس ، ولكنني أعرف بالتأكيد أنه لم يستشر مموِّليه في المملكة . لم يكن هذا رأيي الشخصي، بل هذا مضمون التقرير الذي رفعه السفير الأمريكي إلى دولته.

وحزَّ في نفس الملك خالد أن يأتي القرار بعد هذه الزيارة ؛ لأنها أعطت انطباعًا أن المملكة موافِقة عليها ضمنًا أو أنه استشارها ... لكن هذا لم يحدث؛ لذلك أصدرت المملكة بيانًا، عندما أُعلن عن ذهابه للقدس .. لا أتذكره حرفيًا، ولكنه كان يتحدث عن خطر التصرُّفات غير المدروسة أو التصرُّفات الفردية. أنا أعتقد بأن هذه أصبحت نقطة تحوُّل في العلاقة بين الملك خالد والرئيس أنور السادات ، فالملك خالد عدَّ الذهاب الفردي تنكُّرًا وخيانةً لكل ما بُني العمل العربي عليه خلال ثلاثين أو أربعين سنة, كانت مصر قائدة العرب في حل القضية الفلسطينية، كانت تقول إنه لابد من تحرير عدن ومن تحرير اليمن ومن تحرير المملكة . لابد من ثورة هنا وثورة هنا كي نفتح الطريق إلى تحرير القدس ، كان دائمًا يُقال: إن تحرير القدس (هذه أدبيات الثورة؛ أدبيات صوت العرب) إن تحرير القدس يمر عبر الرياض وعبر صنعاء وعبر.... وحتى التدخُّل المصري في اليمن كان يُبَرَّر على أنه طريق الوصول إلى تحرير القدس ، والثورة المصرية لم تحصل على الدعم الهائل من الشعوب العربية لأسباب داخلية أو اقتصادية، نشأت من موقفها من القضية الفلسطينية ومن إسرائيل ، فعندما يأتي قائد هذه الدولة التي قادت الصراع، ويقوم بعمل انفرادي، ويشذُّ عن جميع الدول العربية العشرين، فهذا جعل الملكَ خالدًا مستاءً، ولم تعد العلاقة بينهما إلى طبيعتها على الإطلاق، إلى أن اغتيل الرئيس السادات ، وحتى عندما اغتيل أصدرت جميع الدول العربية بيانات في شجب اغتياله، وهو رفض.. وقال: أنا لا أنافق، هذا الرجل قتله جيشه، ولكنني لن أُصدر بيانًا أقول فيه إني أستنكر، أو أشجب ؛ لأني لن أكون صادقًا مع نفسي، لن أشمت ولن أصدر بيانًا في شماتة، ولكني في الوقت نفسه لن أصدر أي نوع من أنواع البيانات. و المملكة بالفعل التزمت الصمت من بين كل الدول العربية؛ لأنه بالفعل كان في نفس الملك خالد مرارة كبيرة جدًا، خلَّفتها زيارة السادات للقدس .

القرار الـمُنفرد للرئيس السادات

* كانت المملكة تسعى سعيًا بطيئًا وعبر السنين لحل القضية الفلسطينية، وذلك من منطلق أنه لن تكون هناك جدوى إلا بمفاوضات جماعية، فبذلت جهودًا كبيرة لعمل وفد فلسطيني.. حتى في تلك الأيام قيل إنه سينضم ليكون جزءًا من الوفد الأردني ومجموعة الدول العربية، وتمَّ إقناع الرئيس حافظ الأسد ، وتم الاتفاق على موعد مبدئي لعمل مباحثات جماعية، وفي هذه الظروف (لأسبابٍ ربما أعجز عن فهمها، وقيل عنها الكثير وسيُقال عنها الكثير) قرَّر الرئيس السادات أن يذهب بمفرده، وحَرَم َنفسه – في نظري وفي نظر المملكة ذلك الوقت – من أوراق لعب كثيرة، فالعمق العربي مهم جدًا بالنسبة إليه، وعلى الرغم من هذا ذهب من غير تفويض من أحد؛ لذلك عندما تحدَّثَ عن استرجاع سيناء كان يتحدث عن موضوع يخصُّه داخليًا، وربما لا يوجد عند أحد اعتراض، لكن عندما وافق على حكم داخلي للفلسطينيين، وتعهَّد نيابةً عنهم كان أيضًا هناك استياء: مَن الذي فوَّضه بأن يقوم بهذا كله؟ لم يفوِّضه الفلسطينيون. فكانت المملكة ترى أن مغامرة القدس من أولها إلى آخرها، ومن بدايتها إلى نهايتها لم تكن موفَّقة ولن تُنهي المشكلة، وهذا ما نراه الآن بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة، هل انتهت المشكلة؟ صحيحٌ أن سيناء رجعت ولكن هل العلاقات بين مصر وإسرائيل حتى بعد هذه السنين هي علاقات طبيعية؟ ها هي تتعرض في كل يوم إلى أزمة، هل العلاقات بين إسرائيل والعالَم العربي طبيعية؟ إذا كان الهدف المحدَّد أنَّ كل دولة تسترجع أراضيها لكانت الصورة مختلفة، وكان بإمكان كل دولة أن تفاوض، ولكن كانت الفكرة أن تُستَرجَع الأراضي العربية بشكل جماعي في مفاوضات جماعية. نرجو – إن شاء الله – أن يحدث هذا في المستقبل، ولكن أي مجهود فردي يصعب التنبُّؤ بأنه سيحقق أكثر من مكاسب إقليمية أو ضيقة.

موقف الملك خالد من الأحداث في لبنان

* ملوك المملكة تربطهم علاقة خاصة بـ لبنان ، ويرون أن لبنان فسيفساء.. وفسيفساء دقيقة، وحفاظه على تركيبته مهم للعالَم العربي، هو مُتَنَفَّس، وهو منطقة محايدة، وهو مركز مالي، فاستبداد أي عنصر من العناصر به – كما يحصل من محاولات بين حينٍ وآخر – يُفسد طبيعة لبنان ويجعله ميدان صراع، وهذا ما حصل في الواقع.

كان الملك خالد – رحمه الله – متعاطفًا مع الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه كان متعاطفًا مع الدولة اللبنانية؛ لأنه لا يريد أن تفقد الدولة اللبنانية هيبتها، وتتحول إلى ميليشيات من كل جهة ومن كل جانب، فحاول بكل جهده الإصلاح بين الفلسطينيين واللبنانيين، وعُقدت مؤتمراتٌ عدة لم تحقق نجاحًا، فتطورت الأمور فيما بعد على نحوٍ دارماتيكي، انتهى بإرسال قوات الردع العربية لوضع حد للقتال، والقوات السورية –طبعًا- كانت جزءًا من قوات الردع، وتدريجيًا حلت محل قوات الردع، وكان الملك خالد متقبِّلًا هذا الوضع على أساس أن هذا أحسن الأوضاع لإنهاء الفوضى القائمة في لبنان ؛ لم يكن هذا هو الوضع المثالي في رأيه، ولكنه كان يرى أن وجود قوات ردع عربية أو حتى قوات ردع سورية تقضي على المذابح، التي كانت مستمرة والتي كانت ستمزق لبنان إلى ما لا نهاية فهذا وضع أفضل من الفوضى الشاملة، ولكن لا أستطيع أن أقول إنه كان راضيًا عن التغلغل السوري في لبنان ، كان يفضِّل أن يبقى لبنان مستقلًا ودون تدخُّل سوري، ولكن تطوُّر الأحداث حصل بشكل درامي، وتتابعت الأحداث وتلاحقت وتغيَّرت التحالفات: تغيَّر موقف السوريين من الفلسطينيين، تغيَّر موقف الدروز من السوريين... أصبحت هناك اضطرابات وتحالفات تتغيَّر كل يوم، وميليشيات مارونية من جهة، وناصرية من جهة أخرى، فلسطينية، دروزية، ففي النهاية وصل الجميع إلى نتيجةٍ هي: أن وجود قوات ردع عربية هو الحل الوحيد للقضاء على الحرب، وبالفعل في تلك الفترة حققت هذه القوات هدفها، وبدأ لبنان يستعيد سلامته شيئًا فشيئًا، لكن فيما بعد تطوَّرت الظروف، وخرجت القوات السورية.

الأيام الأخيرة من حياة الملك خالد

* كان آخر أسبوع من حياة الملك خالد – رحمه الله – مليئ بالأسى الشديد، على دخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان سنة 1982م، ولقد استغاث بالملك خالد ياسر عرفات ، وتحدث مع الرئيس الأمريكي، وكان في حالة شديدة جدًا من الانفعال. أنا لستُ طبيبًا، ولكن لا أستبعد أن هذه الأحداث أثرت في صحته ؛ لأنه كان في ذلك الوقت يعاني من ضعف في قلبه، كان قلبه من البداية ضعيفًا، وأُجريت له أكثر من عملية جراحية، وطبيبه كان يقول: أستغرب كيف استطاع أن يتحمَّل كل ما تحمَّله بقلبه، الذي كان بالفعل قلبًا ضعيفًا. ولكن على الرغم من هذا كان حريصًا على أن يُبدي استياءً من الموقف الأمريكي، وأن يتحدث مع ياسر عرفات ويقدم له الدعم اللازم، وفيما بعد أكمل الملك فهد المسيرة، وكلَّم (ريغن) و (ريغن) أوقف التقدم الإسرائيلي.. المهم أن ما بدأه الملك خالد أكمله الملك فهد ، عندما أصبح ملكًا، الذي عرفته (أنا لم أكن موجودًا في الرياض في ذلك الوقت) أنه قيل له لا تذهب إلى الطائف ، فالسفر في الطائرة مُتعِبٌ لك. فقال: لا.. سوف أذهب. لأنه كان عادةً إذا اتخذ قرارًا لا يحب أن يؤخره أو يؤجله فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . الذين كانوا معه أخبروني أنه جالَ أولًا في المزرعة في الثمامة .. طبعًا تبدو هذه الزيارة الآن كما لو كانت وداعًا ؛ لأنه مرَّ بالمزرعة قسمًا قسمًا، وقضى ساعات وهو يمر بالأقسام: أقسام الزرع، أقسام الحيوانات، أقسام...، وفيما بعد شعر الناس بأنها كانت عملية توديع، وركب الطائرة وركب معه الأطباء، وعندما نزلوا في الطائف قال لهم: طلبتم مني ألا أسافر، ولكني سافرت، والذي يسمع كلام الأطباء هذا رجل جبان، أنا لست جبانًا.

كان قد بنى جناحًا جديدًا (وليس قصرًا) في الطائف ، فهو يحب الطائف ، وكان يقضي فيها أربعة أشهر في السنة، فكان حريصًا على موسم الاصطياد في الطائف ، فقضى تلك الليلة يجول في الأقسام الجديدة، وأظن أنه كان معه بعض إخوانه، وكان سعيدًا بالجناح الجديد، ويتطلع إلى السكن فيه، وأوى إلى فراشه، وكما قيل فإنه كان في حالة نفسية سعيدة، وطبعًا قبيل الصباح فاضت روحه إلى بارئها. -رحمه الله-.

الوداع والذكرى

* كنتُ في الطائف في وقتها، وأَسِفتُ لأني قَدِمتُ قبل سفره بيوم واحد، ولم آتِ معه في الطائرة نفسها؛ فقد كانت معي عائلتي، فقَدِمتُ قبله مع الأولاد والعائلة. هو توفي قرابة الفجر، ونحن الوزراء لنا مجمَّع حكومي في الطائف لا يبعد كثيرًا عن قصره.. مسيرة دقائق فقط، ففي حوالي الساعة التاسعة تقريبًا، بدأ الخبر يتسرَّب بأنه توفي وذهبتُ فورًا إلى القصر، هناك وجدتُ الجثمان مسجَّى للانتقال به إلى الرياض ، ووجدتُ – في الحقيقة – حالة من الحزن الكبير الذي لا يستطيع إنسان أن يتصوَّره في شخص الأمير فهد ولي العهد، وشخص الأمير عبد الله ، والأمير سلطان . طبعًا بمجرد وفاة الملك – كما هي التقاليد في المملكة العربية السعودية – اجتمع المجتمعون من الأسرة ومن الموجودين، ونودي بالملك فهد ملكًا، فعندما قَدِمتُ في حوالي الساعة التاسعة، كان الملك فهد ملكًا، فتقدَّمتُ إليه وسلَّمتُ عليه بما نسمِّيها نحن (المبايعة)، فقال لي الملك فهد : هل سلَّمتَ على ولي العهد؟، فتبيَّن أنه عيَّن الأمير عبد الله وليًا لعهده، وسلَّمنا على الأمير عبد الله وعلى الأمير سلطان ، وكان الجميع في حالةٍ يُرثى لها. ولم يكن بالإمكان أن يسافر الملك وولي العهد في طائرة واحدة لاعتبارات أمنية, وإلى الآن هذا من المحظورات الأمنية، فذهب الملك فهد في الطائرة، وذهب معه مجموعة من الوزراء كنتُ أنا منهم، وذهب ولي العهد مع الجثمان في طائرةٍ أخرى، وكان معه أيضًا مجموعة من الوزراء، وطبعًا كان الحديث كله عن الفقيد وعن شخصيته ومآثره.

الآن بعد هذه السنوات كلها، نجد أنَّه كلما تذكَّره المواطن السعودي العادي، أو تذكَّره الذين عملوا معه لا يجدون إلا نفحاتٍ عاطرةً من شخصيةٍ جاءت وذهبت، وتركت خلفها أجمل الذكرى وأعظم الآثار في تاريخ الشعب السعودي. رحمه الله رحمةً واسعة.

  السابق   التالى
 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات