البحث
   
مصادر قاعدة المعلومات
 
عودة للقائمة
(المصدر : أم القرى)
24 ربيع الأول 1353هـ
6 يوليه 1934م

نتائج معاهدة الطائف

حمد الناس هذه النتيجة الباهرة التي أسفرت عن المشادة التي كانت في جزيرة العرب؛ وشكروا هذه العاقبة الحسنة التي أفضت إلى عقد معاهدة الطائف، وقابل المسلمون والعرب في مشارق الأرض ومغاربها ما تضمنته المعاهدة من أغراض سامية وآمال طيبة بالارتياح والحبور، ورأوا فيها خطوة مباركة تخطوها الأمة في طريق الوحدة التي ينشدها المخلصون منذ أمد طويل، وعدوها فاتحة خير لتحقيق الأماني التي تجاهد الأمة في سبيلها وقد انهالت على أثر نشرها عشرات البرقيات والرسائل من مختلف الأقطار على ديوان جلالة الملك تحمل طيها أحسن التهاني وأجمل التبريك، وبينها برقيات من ملوك وأمراء وزعماء، منها برقية من جلالة الملك غازي ملك العراق، وقد نشرناها في محليات هذا العدد من جريدة أم القرى، ونشرنا جانبها جواب جلالة مليكنا المعظم.

وكذلك علقت الصحف على اختلاف نزعاتها تعليقات ضافية، وقابلت معاهدة الطائف بما تستحقه من العناية وها نحن ننشر مقتطفات منها ليطلع عليها القراء:

نشر الوطني المفضال عبدالرحمن بك عزام مقالًا في جريدة البلاغ المصرية تحت عنوان "فوز سياسة الوحدة العربية" جاء فيها:

وصلت إلى الجرائد المصرية خلاصة من معاهدة الطائف وقد علم الناس منذ بضعة أيام أن جلالة الملك عبدالعزيز وقع المعاهدة وأن جلالة إمام اليمن أقرها وهي الآن في الطريق إليه ليوقعها وإذا صحت هذه الخلاصة فإن للشرقيين عامة والعرب بصفة خاصة أن يستبشروا بالنتيجة التي انتهى إليها الأمر في حرب الجزيرة بل للشرق أن يفخر بالمثل الذي ضرب للغرب راجيًا أن يجد فيها المتمدينون عبرة وأن يدركوا أن الشرق القديم لا يزال صالحًا لأن يهب الغرب حينًا بعد حين رسالة تبقى على الدهر هديًا معنويًا للسالكين طريق الحق والإنصاف.

لقد علمنا الغرب كثيرًا في القرن الحاضر والقرن الماضي ولكن مع الأسف لم يكن بين ما علمنا شيء يميل بنا إلى التسامح ونكران الذات والنصفة بل لا يزال الغرب يؤدب الشرق ذلك الأدب القائم على الأنانية الفردية والقومية وعلى الختل في حالة الضعف والافتراس والفتك بالقدر الذي تستطيعه القوة ففي الحرب العظمى رأى الناس كيف كان الحلفاء يتباكون على الفضائل المباحة وعلى الحرمات المقدسة وسمع الناس آيات الهداية في المساواة البشرية وحق تقرير المصير والزهد في المال والأرض ثم رأوا أو سمعوا كيف ذهب كل ذلك هباء وقد وضعت الأغلال في يد ألمانيا وحلفائها ولم يبق إلا نهب المال والأرض غاية الغايات.

فباسم السلامة وباسم التعويضات ثم باسم العدالة عوقب المغلوب بكل ما استطاع الغالب من العقاب وتمكن الجانب الوحشي من نفوس المتمدينين فأذهلهم حتى عن المصلحة الحقيقية وعن عواقب الإسعاف في الشر.

والآن قامت حرب الجزيرة بين قوم من العرب الشرقيين على بساطتهم هي البداوة بعينها وكانت مسئوليتها الظاهرة واضحة على أحد الجانبين وقدر الذي لم يرد الحرب منهما أن يجتاح قسمًا كبيرًا من بلاد الآخر. وبدا للناس أن ركنًا قد انهدم أو كاد. ومع ذلك لما جلسوا للصلح لم تكن الأموال والأرض غاية الغايات بل كانت السلامة المشتركة والتعاون السياسي هو المقصد الأسمى.

والناس جميعًا يعلمون أن خزائن الفريق الذي بسطت له القدرة خاوية وأن الجانب الآخر فاضت كنوزه ومع ذلك لم يقم إشكال على المال في الصلح ولا تدل الأخبار على أثر لأي تعويض مادي في معاهدة الطائف، بل تدل على أن الجانب السعودي قنع بالأرض التي كانت له قبل أن يساق الناس من أقصى أطراف المملكة للموت دفاعًا عن تلك الأرض، كذلك لم تأخذ إمام اليمن العزة بجباله الوعرة أو قومه البواسل فيسرف في العناد ويتمادى في حمل المسلمين على إراقة الدماء فضرب مثلا في حسن التقدير ومثلا في التقوى والزهد في التفاخر بالعصبية والدعاوى الكاذبة والتقى - ولله الحمد - الإمامان على النصفة والحق.

قد يقول بعض الفرنجة أن في معاهدة الطائف حماية مقنعة ونحن نقول لهم أن الذي يشغلنا من الأمر جوهره وما دامت الجزيرة سلمت لأهلها وما دام الإمامان قد تراضيا على أساس التضامن والتعاون على سلامة البلاد العربية التي جعلها الله وديعة في عنق كل منهما واتفقا على توحيد السياسة الخارجية فإنهما حققا بذلك أغراض المسلمين ووضعا أساس الوحدة العربية التي هي أعز ما يصبوا إليه العرب .

لقد جاءت خلاصة معاهدة الطائف كما نشرتها الجرائد المصرية مطابقة لأماني العرب وقد كان لي الحظ أن أعرب عنها قبل شهر في مجلة "الهلال" بمناسبة استئناف مفاوضات الصلح بالعبارة الآتية:

"فإما أن نترك الحرب إلى مداها وإلا تستقر السيوف في أغمادها حتى يكون المسئول عن سياسة الجزيرة ممثلًا في حكومة واحدة وإما أن تضع الحرب أوزارها على أسس سليمة أولها وأهمها وحدة الدفاع عن بلاد العرب . يجب أن ينتهي الأمر إلى مسئولية مشتركة عن سلامة كل البلاد السعودية واليمنية. هذا من الناحية العسكرية أما من الجهة السياسية فقد ظهر أن أحوال العالم تستلزم من اليمنيين والسعوديين توحيد مجهودهم السياسي الخارجي فالأولون في أشد الحاجة لمعين في هذا الميدان والأخيرون لن يأمنوا سلامة أملاكهم ولا استمرار حسن الجوار ولا حسن العلائق ما دام لليمن سياسة خارجية تتضارب مع السياسة العربية السعودية فواجب الطرفين بل ضرورة الحياة لهما تستلزم توحيد السياسية الخارجية وكل صلح لا يتضمن المسئولية المشتركة عن الدفاع عن البلاد العربية ولا وحدة السياسة الخارجية هو صلح أبتر يؤخر الكارثة إلى أجل قريب بل على المسلمين - ومن أخص هؤلاء وفد المؤتمر الإسلامي - ألا ينصحوا للعاهلين بسياسة غير هذه السياسة".

فالآن وقد جاءت الأنباء تؤيد فوز هذه السياسة نتقدم بالتهنئة والشكر لجميع الذين اشتركوا في تحقيقها وأن العالم العربي ليبتهج اليوم بوضع الحجر الأساسي في بناء الوحدة العربية فمعاهدة الطائف بهذا المعنى ستكون خالدة، ومن يدري لعل الأجيال المقبلة ستتخذ من تاريخها بدء التطور في الاتجاه الإيجابي نحو دولة المستقبل دولة الوحدة المحبوبة.

وأخيرًا لقد تجلت قوة الرأي العام مرة أخرى فإن جمعية الأمم والدول الغربية والحكومات الإسلامية وقفوا من هذه الحرب موقف المتفرج ولم يحركوا يدًا ولا رجلًا لإنقاذ العرب من شرها ولكن الرأي العام العربي أثبت وجوده في أفريقيا وآسيا، وأقر السلام في الجزيرة على النحو الذي تمناه وها هو الغرب بجمعية أممه ودوله لا يزال مكتوف اليدين أمام حرب بوليفيا وبراجويه.

أرأيت إذن مثلًا مما يفعل الإخلاص ومثلًا مما يعجز عنه الرياء والنفاق؟ هذا رأي عام أعزل يوقف حربًا ويملي معاهدة وهذه أوروبا وأمريكا المسلحة لا تزال تتفاوض دولهما لتمتنع مجمعة عن بيع السلاح للمتقاتلين في الغرب ثم لا يزالون ينكرون على الشرق أنه الأستاذ الأول للدين والأخلاق.

ونشر الكاتب القدير الأستاذ أسعد داغر محرر السياسة الخارجية في الأهرام مقالة تحت عنوان معاهدة الطائف قال فيها:

وقد تضمنت هذه المعاهدة قواعد سياسية على أعظم جانب من الخطورة وقامت على أساس الرغبة في أن يكون الفريقان المتعاقدان "عضدًا واحدًا أمام الملمات المفاجئة وبنيانًا متراصًا للمحافظة على سلامة الجزيرة العربية" فلم تقتصر على وضع حد للحرب التي نشبت بين البلدين وعلى حل المشاكل التي أدت إليها، وتعيين الحدود المختلف عليها تعيينًا صريحًا ثابتًا وتبادل الاعتراف بالاستقلال التام المطلق وعدم تحصين الحدود في ساحة خمسة كيلو مترات من كل جهة، بل نصت على تعهد الفريقين المتعاقدين بأن يعدّا "أمتهما أمة واحدة" ويبذلا قصارى جهدهما في جميع المواقف لما فيه خيرها ورقيها غير مضمرين لأحد عداء وقضت في حالة وقوع اعتداء خارجي، بمعاونة المعتدى عليه منهما المعاونة الأدبية والمعنوية الممكنة والبحث معه في أنجع الطرق لضمان سلامة بلاده ومنع الضرر عنها، كما قضت بإمكان توحيد التمثيل السياسي في البلاد الأجنبية، بحيث ينوب ممثل أحد الفريقين المتعاقدين عن الفريق الآخر في المكان الذي لا يكون له ممثل فيه، وأما إذا وجد ممثل لكل منهما في إحدى العواصم فيجب على الممثلين المفاوضة والاتفاق على خطة واحدة لمصلحة البلدين "اللذين هما أمة واحدة".

لا يخفى على أحد ما قصده واضعو هذه المعاهدة من تكرار عبارة "أمة واحدة" فيها. فقد توخيا أن يعلنا بذلك أن سكان الجزيرة شعب واحد يشعر شعورًا واحدًا ويسعى إلى أغراض واحدة وأن وحدة الجنس واللغة والدين والتقاليد والعادات والآمال تقضي على هذا الشعب بتوحيد سياسته الخارجية والتعاون والاشتراك في الدفاع عن كيانه وكيان الأمة التي ينتمي إليها، من دون أن يضمر شرًا لأحد أو يفكر في الاعتداء على أحد.

 
راسلنا توثيـق مصادر القاعدة
 
قاعدة معلومات الملك خالد (الإصدار الأول) - الحقوق محفوظة لمؤسسة الملك خالد الخيرية - تطوير حرف لتقنية المعلومات